قال مقاتل بن سليمان: ﴿فَمَن تابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ﴾ يقول: مَن تاب من بعد سرقته، ﴿وأَصْلَحَ﴾ العمل فيما بقي؛ ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ به، وأما المال فلا بد أن يرده إلى صاحبه
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ﴾ يا محمد ﴿أنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأَرْضِ﴾ يحكم فيهما بما يشاء، ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ من أهل معصيته، ﴿ويَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ﴾ يعني به: المؤمنين، ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ من العذاب والمغفرة ﴿قَدِيرٌ﴾
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيُّها الرسول لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأَفْواهِهِمْ﴾ يعنى: صدقنا بألسنتهم، ﴿ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ في السر. نزلت في أبي لبابة، اسمه مروان بن عبد المنذر الأنصاري من بني عمرو بن عوف، وذلك أنه أشار إلى أهل قريظة إلى حَلْقِه: أنّ محمدًا جاء يحكم فيكم بالموت، فلا تنزِلوا على حكم سعد بن مُعاذ، وكان حليفًا لهم. ثم قال سبحانه: ﴿ومِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ أي: ولا يحزنك الذين هادوا، يعني: يهود المدينة، ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ يعني: قوّالون للكذب، منهم كعب بن الأشرف، وكعب بن أسيد، وأبو لبابة، وسعيد بن مالك، وابن صوريا، وكنانة ابن أبي الحقيق، وشاس بن قيس، وأبو رافع بن حريملة، ويوسف بن عازر ابن أبي عازب، وسلول بن أبي سلول، والبخام بن عمرو، وهم ﴿سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾ يعني: يهود خيبر، ﴿لَمْ يَأْتُوكَ﴾ يا محمد، ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ﴾ يعني: أمر الرجم ﴿مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ عن بيانه في التوراة، وذلك أنّ رجلًا من اليهود يُسَمّى: يهوذا، وامرأة تُسَمّى: بسرة، من أهل خيبر من أشراف اليهود؛ زَنَيا، وكانا قد أُحْصِنا، فكرهت اليهود رجمهما من أجل شرفهما وموضعهما، فقالت يهود خيبر: نبعث بهذين إلى محمد ﷺ، فإنّ في دينه الضرب، وليس في دينه الرَّجْم، ونوليه الحُكْم فيهما، فإن أمركم فيهما بالضرب فخذوه، وإن أمركم فيهما بالرجم فاحذروه. فكتب يهود خيبر إلى يهود المدينة؛ إلى كعب بن الأشرف، وكعب بن أسيد، ومالك بن الضيف، وأبي لبابة، وبعثوا نفرًا منهم، فقالوا: سلوا لنا محمدًا عليه السلام عن الزّانِيَيْن إذا أُحْصِنا ما عليهما؟ فإن أمركم بالجلد فخذوا به، والجلد: الضَّرب بحبل من لِيف مَطْلِيٍّ بالقار، وتُسَوَّد وجوههما، ويحملان على حمار، وتُجعل وجوههما مما يلي ذَنَب الحمار، فذلك التَّجْبِيهُ، ﴿يَقُولُونَ﴾ أي: اليهود: ﴿إنْ أُوتِيتُمْ هَذا فَخُذُوهُ وإنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فاحْذَرُوا﴾ أي: إن أمركم بالرجم فاحذروه على ما في أيديكم أن يسلبكموه. قال: فجاء كعب بن الأشرف، ومالك بن الضيف، وكعب بن أسيد، وأبو لبابة إلى النبي ﷺ، فقالوا: أخبرنا عن الزانيين إذا أحصنا ما عليهما؟ فأتاه جبريل عليه السلام، فأخبره بالرجم، ثم قال جبريل عليه السلام: اجعل بينك وبينهم ابن صوريا، وسَلْهم عنه. فمشى رسول الله ﷺ حتى أتى أحبارَهم في بيت المِدْراس، فقال: «يا معشر اليهود، أخْرِجوا إلَيَّ علماءَكم». فأخرجوا إليه عبد الله بن صُوريا، وأبا ياسر بن أخطب، ووهب بن يهوذا، فقالوا: هؤلاء علماؤنا. ثم حصر أمرهم إلى أن قالوا لعبد الله بن صوريا: هذا أعلم مَن بَقِي بالتوراة. فجاء به رسول الله ﷺ، وكان ابْن صوريا غلامًا شابًّا، ومع رسول الله ﷺ عبد الله بن سلام، فقال رسول الله ﷺ: «أنشدك بالله الذي لا إله إلا هو إله بني إسرائيل، الذي أخرجكم من مصر، وفلق لكم البحر، وأنجاكم، وأغرق آل فرعون، وأنزل عليكم كتابه يبين لَكُمْ حلاله وحرامه، وظلَّل عليكم المنَّ والسلوى، هل وجدتم في كتابكم أنّ الرجم على مَن أُحْصِن؟». قال ابن صوريا: اللَّهُمَّ نعم، ولولا أنِّي خفت أن أحترق بالنار أو أهلك بالعذاب لكتمتك حين سألتني، ولَم أعترف لك. قال رسول الله ﷺ: «الله أكبر، فأنا أول مَن أحيا سُنَّةً مُن سنن الله عز وجل». ثم أمر بهما فرُجما عند باب مسجده في بني غنم بن مالك بن النجار، فقال عبد الله بن صوريا: واللهِ، يا محمد، إنّ اليهود لتعلم أنّك نبي حقٍّ، ولكنهم يحسدونك. ثم كفر ابن صوريا بعد ذلك؛ فأنزل الله عز وجل: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رسولنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتابِ﴾ [المائدة:١٥] يعني: مما في التوراة من أمر الرجم، ونعت محمد ﷺ. ثم قال: ﴿ويَعْفُوا عَن كَثِيرٍ﴾ فلا يخبر به، فقال النبي ﷺ لليهود: «إن شئتم أخبرتكم بالكثير». قال ابن صوريا: أنشدك بالله أن تخبرنا بالكثير مما أُمِرْت أن تعفو عنه. ثم قال ابن صوريا للنبي ﷺ: أخبرني عن ثلاث خصال لا يعلمهن إلا نبي. فقال رسول الله ﷺ: «هات، سَلْ عما شئت». قال: أخبرني عن نومك. قال: «تنام عيني وقلبي يقظان». قال ابن صوريا: صدقت. قال: فأخبرني عن شبه الولد؛ مِن أين يشبه الأب أو الأم؟ قال: «أيهما سبقت الشهوة له كان الشبه له». قال: صدقت. قال: فأخبرني ما للرجل وما للمرأة من الولد؟ ومِن أيِّهما يكون؟ قال النبي ﷺ: «اللحم والدم والظفر والشعر للمرأة، والعظم والعصب والعروق للرجل». قال: صدقت. قال: فمَن وزيرك من الملائكة، ومن يجيئك بالوحي؟ قال: «جبريل عليه السلام». قال: صدقتَ، يا محمد. وأَسْلَم عند ذلك، ... ولَمّا أرادوا القيام قالت بنو قريظة؛ أبو لبابة، وشعبة بن عمرو، ورافع بن حريملة، وشاس بن عمرو للنبي ﷺ: إخواننا بني النضير، كعب بن الأشرف، وكعب بن أسيد، ومالك بن الضيف، وغيرهم، أبونا واحد، وديننا واحد، إذا قتل أهلُ النضير مِنّا قتيلًا أعطونا سبعين وسقًا من تمر، وإن قتلنا منهم قتيلًا أخذوا مِنّا مائة وأربعين وسقًا من تمر، وجراحاتنا على أنصاف جراحاتهم، فاقضِ بيننا وبينهم، يا محمد. فقال رسول الله ﷺ: «إنّ دم القُرَظِيِّ وفاءٌ مِن دم النَّضِيري، وليس للنَّضيري على القُرَظِيِّ فضل في الدم ولا في العقل». قال كعب بن الأشرف، ومالك بن الضيف، وكعب بن أسيد، وأصحابهم: لا نرضى بقضائك، ولا نطيع أمرك، ولَنَأْخُذَنَّ بالأمر الأول؛ فإنّك عدوُّنا، وما تَأْلُو أن تَضَعَنا وتَضُرَّنا. وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ يعني: حكمهم الأول، ﴿ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾ يقول: فلا أحد أحسن من الله حكمًا ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ وعد الله عز وجل، ووعيده
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيُّها الرسول لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأَفْواهِهِمْ﴾ يعنى: صَدَّقنا بألسنتهم، ﴿ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ في السِّرِّ. ثم قال سبحانه: ﴿ومِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ أي: ولا يحزنك الذين هادوا، يعني: يهود المدينة، ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ يعني: قوّالون للكذب، منهم كعب بن الأشرف، وكعب بن أسيد، وأبو لبابة، وسعيد بن مالك، وابن صوريا، وكنانة ابن أبي الحقيق، وشاس بن قيس، وأبو رافع بن حريملة، ويوسف بن عازر ابن أبي عازب، وسلول بن أبي سلول، والبخام بن عمرو، وهم ﴿سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾ يعني: يهود خيبر، ﴿لَمْ يَأْتُوكَ﴾ يا محمد
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ﴾ يقول ذلك يهود خيبر ليهود المدينة؛ كعب بن الأشرف، ومالك بن الضيف، وكعب بن أسيد، وأبي لبابة: إن أمركم محمد بالجلد فاقبلوه، ﴿وإنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ﴾ يعني: الجلد، وإن أمركم بالرجم ﴿فاحْذَرُوا﴾ فإنّه نبي