قال مقاتل بن سليمان: ﴿ذلِكَ﴾ الثواب ﴿هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾، وذلك أنّ المَلَك مِن الملائكة يأتي بابَ ولِيِّ الله، فلا يدخل عليه إلا بإذنه، والقِصَّةُ في ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ﴾
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ﴾ يعني: كُفّار العرب بالسيف، ﴿واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ على المنافقين باللسان، ثم ذكر مُسْتَقَرَّهم في الآخرة: ﴿وماواهُمْ جَهَنَّمُ﴾ يعني: مصيرهم جهنم، يعني: كلا الفريقين، ﴿وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ يعني: حين يصيرون إليها
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا﴾، وذلك أنّ النبيَّ ﷺ أقام في غزاة تبوك شهرين ينزل عليه القرآن، ويعيب المنافقين المتخلفين، جعلهم رجسًا، فسَمِع مَن غزا مع النبي ﷺ مِن المنافقين، فغضبوا لإخوانهم المُتَخَلِّفين، فقال جلاس بن سويد بن الصامت: وقد سمع عامر بن قيس الأنصاري -من بني عمرو بن عوف- الجلاس يقول: واللهِ، لَئِن كان ما يقول محمدٌ حقًّا لِإخواننا الذين خلفناهم وهم سُراتُنا وأشرافنا لَنَحْنُ أشَرُّ من الحمير. فقال عامر بن قيس للجلاس: أجلْ، واللهِ، إنّ محمدًا لصادِقٌ مُصَدَّقٌ، ولأنت أشَرُّ مِن الحمار. فلمّا قدم النبيُّ ﷺ المدينةَ أخبر عاصمُ بنُ عدي الأنصاريُّ عن قول عامر بما قال الجلاس، فأرسل النبيُّ ﷺ إلى عامر والجلاس، فذكر النبيُّ ﷺ للجلاس ما قال، فحلف الجلاس بالله ما قال ذلك، فقال عامر: لقد قاله وأعظمَ منه. فقال النبي ﷺ: «ما هو؟». قال: أرادوا قتلك. فنفر الجلاس وأصحابه من ذلك، فقال النبي ﷺ: «قُوما، فاحْلِفا». فقاما عند المنبر، فحلف الجلاس ما قال ذلك، وأنّ عامرًا كذب، ثم حلف عامر باللهِ إنّه لصادق ولقد سمع قوله، ثم رفع عامر يده فقال: اللَّهُمَّ، أنزِل على عبدك ونبيِّك تكذيب الكاذب، وصِدْقَ الصادق. فقال النبيُّ ﷺ: «آمين». فأنزل في الجلاس: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا ولَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ وكَفَرُوا بَعْدَ إسْلامِهِمْ﴾ يعني: بعد إقرارهم بالإيمان، ﴿وهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا﴾ مِن قتل النبيِّ ﷺ بالعَقَبة، ﴿وما نَقَمُوا إلّا أنْ أغْناهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾ فقال الجلاس: فقد عرض الله عَلَيَّ التوبةَ، أجلْ، واللهِ، لقد قُلْتُه. فصدَّق عامِرًا، وتاب الجلاس، وحسنت توبته
قال مقاتل بن سليمان: ثم قال: ﴿وهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا﴾ مِن قتل النبيِّ ﷺ، يعني: المنافقين أصحابَ العقبة، ليلة همُّوا بقتل النبي ﷺ بالعَقَبَة بغزوة تبوك، منهم عبد الله بن أُبَيٍّ رأس المنافقين، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وطعمة بن أُبَيْرِق، والجلاس بن سويد، ومجمع بن حارثة، وأبو عامر بن النعمان، وأبو الخواص، ومرارة بن ربيعة، وعامر بن الطفيل، وعبد الله بن عتيبة، ومليح التميمي، وحصن بن نمير، ورجل آخر، هؤلاء اثنا عشر رجلًا، وتاب أبو لبابة بن عبد المنذر، وهلال بن أمية، وكعب بن مالك الشاعر، وكانوا خمسة عشر رجلًا
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ومِنهُمْ مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ولَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾... ، وذلك أنّ مولًى لعمر بن الخطاب قَتَل رجلًا مِن المنافقين خطأً، وكان حمِيمًا لحاطب، فدفع النبيُّ ﷺ دَيْنه إلى ثعلبة بن حاطب، فبَخِل، ومنع حقَّ الله، وكان المقتول قرابة بن ثعلبة بن حاطب
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ومِنهُمْ﴾ يعني: من المنافقين ﴿مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾، ولَنَصِلَنَّ رَحِمِي، ﴿ولَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ يعني: مِن المؤمنين بتوحيد الله؛ لأنّ المنافقين لا يُخْلِصون بتوحيد الله عز وجل، فأتاه الله برزقه