قال مقاتل بن سليمان: ﴿قل أتحاجوننا في الله﴾ يقول: أتخاصموننا في الله، ﴿وهو ربنا وربكم﴾، فقال لهم: ﴿ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له مخلصون﴾، يقول: لنا ديننا، ولكم دينكم
قال مقاتل بن سليمان: يعني: أنّ يهود أهل المدينة ونصارى أهل نجران قالوا للمؤمنين: إنّ أنبياء الله كانوا مِنّا من بني إسرائيل، فكانوا على ديننا. فأنزل الله عز وجل يُكَذِّبهم: ﴿أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط﴾
قال مقاتل بن سليمان: ﴿أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى قل﴾ لهم يا محمد: ﴿أأنتم أعلم﴾ بدينهم ﴿أم الله﴾؟! ثم قال عز وجل: ﴿ومن أظلم﴾ يقول: فلا أحد أظلم ﴿ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله بغافل عما تعملون﴾، فكتموا تلك الشهادة التي عندهم، وذلك أنّ الله عز وجل بيَّن أمر محمد في التوراة والإنجيل، وكتموا تلك الشهادة التي عندهم. وذلك قوله: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس﴾ [آل عمران:١٨٧]، يعني: أمر محمد ﷺ
قال مقاتل بن سليمان: فلما قالوا: إنّ إبراهيم وبنيه ويعقوب وبنيه كانوا على ديننا؛ قال الله تعالى: ﴿تلك أمة﴾ يعني: عصبة، يعني: إبراهيم وبنيه، ويعقوب وبنيه ﴿قد خلت﴾ يعني: قد مضت، ﴿لها ما كسبت﴾ يعني: من العمل، يعني: من الدين، ﴿ولكم﴾ معشر اليهود والنصارى ﴿ما كسبتم﴾ من العمل، يعني: من الدين، ﴿ولا تسألون عما كانوا يعملون﴾
قال مقاتل بن سليمان: ﴿سيقول السفهاء من الناس﴾، وذلك أنّ النبي ﷺ وأصحابه كانوا بمكة يُصَلُّون ركعتين بالغداة، وركعتين بالعَشِيِّ، فلمّا عُرِج بالنبي ﷺ إلى السماء ليلًا أُمِر بالصلوات الخمس، فصارت الركعتان للمسافر، وللمقيم أربع ركعات، فلمّا هاجر إلى المدينة لليلتين خَلَتا من ربيع الأول أُمِر أن يُصَلِّي نحو بيت المقدس؛ لِئَلّا يُكَذِّب به أهل الكتاب إذا صلّى إلى غير قِبْلتهم، مع ما يجدون من نعته في التوراة. فصلّى النبيُّ ﷺ وأصحابه قِبَل بيت المقدس من أوّل مَقْدمه المدينة سبعة عشر شهرًا، وصلَّت الأنصار قِبَل بيت المقدس سنتين قَبْل هجرة النبي ﷺ، وكانت الكعبةُ أحبَّ القبلتين إلى النبي ﷺ، فقال لجبريل عليه السلام: وددت أنّ ربي صرفني عن قبلة اليهود إلى غيرها. فقال جبريل عليه السلام: إنّما أنا عبدٌ مثلك لا أملك شيئًا، فاسأل ربك ذلك. وصعد جبريل إلى السماء، وجعل النبيُّ ﷺ يُديم النظر إلى السماء رجاء أن يأتيه جبريل عليه السلام بما سأل؛ فأنزل الله عز وجل في رجب، عند صلاة الأولى، قبل قتال بدر بشهرين: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾. ولَمّا صُرِفَت القِبْلة إلى الكعبة قال مشركو مكة: قد تَرَدَّد على أمره، واشتاق إلى مولد آبائه، وقد توجّه إليكم وهو راجع إلى دينكم. فكان قولهم هذا سَفَهًا منهم؛ فأنزل الله عز وجل: ﴿سيقول السفهاء من الناس﴾، يعني: مُشرِكي مكة
قال مقاتل بن سليمان: كان النبي ﷺ يصلي في مسجد بني سلمة، فصلّى ركعة، ثم حُوِّلت القِبْلة إلى الكعبة. وفرض الله صيام رمضان، وتحويل القبلة، والصلاة إلى الكعبة قبل بدر بشهرين، وحَرَّم الخمر قبل الخندق
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا﴾، وذلك أنّ اليهود -منهم مَرْحَب، ورافع، وربيعة- قالوا لمعاذ: ما ترك محمد قِبْلتنا إلا حسدًا، وإنّ قِبْلتنا قِبْلةُ الأنبياء، ولقد علم محمد أنّا عَدْلٌ بين الناس. فقال معاذ: إنّا على حق وعدل. فأنزل الله عز وجل في قول معاذ: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا﴾