جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
يعني جل ثناؤه بقوله : وكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطا كما هديناكم أيها المؤمنون بمحمد عليه الصلاة والسلام، وبما جاءكم به من عند الله، فخصصناكم بالتوفيق لقبلة إبراهيم وملّته، وفضلناكم بذلك على من سواكم من أهل الملل كذلك خصصناكم ففضلناكم على غيركم من أهل الأديان بأن جعلناكم أمة وسطا. وقد بينا أن الأمة هي القرن من الناس والصنف منهم وغيرهم.
وأما الوسط فإنه في كلام العرب : الخيار، يقال منه : فلان وسط الحسب في قومه : أي متوسط الحسب، إذا أرادوا بذلك الرفع في حسبه، وهو وسط في قومه وواسط، كما يقال شاة يابسة اللبن، ويَبَسة اللبن، وكما قال جل ثناؤه : فاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقا في البَحْرِ يَبسا. وقال زهير بن أبي سلمى في الوسط :
هُمُ وَسَطٌ يَرْضَى الأنامُ يحُكمِهِمْ إذَا نَزَلَتْ إحْدَى اللّيالي بِمُعْظَمِ
قال : وأنا أرى أن الوسط في هذا الموضع هو الوسط الذي بمعنى الجزء الذي هو بين الطرفين، مثل «وسط الدار »، محرّك الوسط مثقّله، غير جائز في سينه التخفيف. وأرى أن الله تعالى ذكره إنما وصفهم بأنهم وسط لتوسطهم في الدين، فلا هم أهل غلوّ فيه غلوّ النصارى الذين غلوا بالترهب وقيلهم في عيسى ما قالوا فيه، ولا هم أهل تقصير فيه تقصير اليهود الذين بدلوا كتاب الله وقتلوا أنبياءهم وكذبوا على ربهم وكفروا به ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه، فوصفهم الله بذلك، إذ كان أحبّ الأمور إلى الله أوسطها.
وأما التأويل فإنه جاء بأن الوسط العدل، وذلك معنى الخيار لأن الخيار من الناس عدولهم. ذكر من قال : الوسط العدل.
حدثنا سالم بن جنادة ويعقوب بن إبراهيم، قالا : حدثنا حفص بن غياث، عن الأعمش، عن أبي صالح عن أبي سعيد، عن النبيّ ﷺ في قوله : وكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطا قال :«عُدُولاً ».
حدثنا مجاهد بن موسى ومحمد بن بشار، قالا : حدثنا جعفر بن عون، عن الأعمش، عن أبي صالح عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ، مثله.
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا مؤمل، قال : حدثنا سفيان عن الأعمش عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري : وكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطا قال :«عُدُولاً.
حدثني عليّ بن عيسى، قال : حدثنا سعيد بن سليمان، عن حفص بن غياث، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ في قوله : جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطا قال : عُدُولاً ».
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا ابن يمان، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد : وكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطا قال : عُدُولاً.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل : وكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطا قال : عُدُولاً.
حدثني المثنى، قال : حدثنا حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة قوله : أُمّةً وَسَطا قال : عُدولاً.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله : أُمّةً وَسَطا قال : عُدولاً.
حدثنا المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله : أُمّةً وَسَطا قال : عدولاً.
حدثني محمد بن سعد، قال : حدثني أبي، قال : حدثني عمي، قال : حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس : وكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطا يقول : جعلكم أمة عدولاً.
حدثني المثنى، قال : حدثنا سويد بن نصر، قال : أخبرنا ابن المبارك، عن راشد بن سعد، قال : أخبرنا ابن أنعم المعافري، عن حبان بن أبي جبلة بسنده إلى رسول الله ﷺ : وكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطا قال :«الوَسَطُ : العَدْلُ ».
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء ومجاهد وعبد الله بن كثير : أُمّةً وَسَطا قالوا : عدولاً، قال مجاهد : عدولاً.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد : وكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطا قال : هم وسط بين النبيّ ﷺ وبين الأمم.
القول في تأويل قوله تعالى : لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَىَ النّاس ويَكُونَ الرّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدا.
والشهداء جمع شهيد. فمعنى ذلك : وكذلك جعلناكم أمة وسطا عدولاً ( لتكونوا ) شهداء لأنبيائي ورسلي على أممها بالبلاغ أنها قد بلغت ما أمرت ببلاغه من رسالاتي إلى أممها، ويكون رسولي محمد ﷺ شهيدا عليكم بإيمانكم به، وبما جاءكم به من عندي. كما :
حدثني أبو السائب، قال : حدثنا حفص، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، قال : قال رسول الله ﷺ :«يُدْعَىَ بِنُوحٍ عَلَيْهِ السّلاَمُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُقَالُ لَهُ : هَلْ بَلّغْتَ ما أُرْسِلْتَ بِهِ ؟ فَيَقُولُ : نَعَمْ، فَيُقَالُ لِقَوْمِهِ : هَلْ بَلّغَكُمْ ؟ فَيَقُولُونَ : مَا جَاءَنَا مِنْ نَذِيرٍ، فَيُقَالُ لَهُ : مَنْ يَعْلَمُ ذَاكَ ؟ فَيَقُولُ مُحَمّدٌ وأُمّتُهُ فهو قوله : وكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَىَ النّاسِ ويَكُونُ الرّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدا ».
حدثنا مجاهد بن موسى، قال : حدثنا جعفر بن عون، قال : حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد عن النبيّ ﷺ بنحوه، إلا أنه زاد فيه :«فَيُدْعَوْنَ وَيَشْهَدُونَ أنّهُ قَدْ بَلّغَ ».
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا مؤمل، قال : حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد : وكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَىَ النّاسِ بأن الرسل قد بلغوا، ويَكُونَ الرّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدا : بما عملتم أو فعلتم.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا ابن فضيل، عن أبي مالك الأشجعي، عن المغيرة بن عيينة بن النهاس، أن مكاتبا لهم حدثهم عن جابر بن عبد الله، أن النبيّ ﷺ قال :«إنّي وأُمّتِي لَعَلَىَ كَوْمٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُشْرِفِينَ عَلَىَ الْخَلاَئِقِ مَا أحَدٌ مِنَ الأُمَم إلاّ وَدّ أنّهُ مِنْهَا أيّتُها الأُمّةُ، وَمَا مِنْ نَبِيَ كَذّبَهُ قَوْمُهُ إلاّ نَحْنُ شُهَدَاؤُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أنّهُ قَدْ بَلّغَ رِسَالاتِ رَبّه وَنَصَحَ لَهُمْ » قال :«ويَكُونَ الرّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدا ».
حدثني عصام بن ورّاد بن الجراح العسقلاني، قال : حدثنا أبي، قال : حدثنا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن الفضل، عن أبي هريرة، قال : خرجت مع النبيّ ﷺ في جنازة، فلمّا صلّى على الميت قال الناس : نعم الرجل فقال النبي ﷺ :«وَجَبَتْ ». ثم خرجت معه في جنازة أخرى، فلما صلوا على الميت قال الناس : بئس الرجل فقال النبي ﷺ :«وَجَبَتْ ». فقام إليه أبيّ بن كعب فقال : يا رسول الله ما قولك وجبت ؟ قال :«قول الله عَزّ وجَلّ : لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَىَ النّاسِ ».
حدثني عليّ بن سهل الرملي، قال : حدثنا الوليد بن مسلم، قال : حدثني أبو عمرو عن يحيى، قال : حدثني عبد الله بن أبي الفضل المديني، قال : حدثني أبو هريرة، قال : أُتي رسول الله ﷺ بجنازة، فقال الناس : نعم الرجل، ثم ذكر نحو حديث عصام عن أبيه.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا زيد بن حباب، قال : حدثنا عكرمة بن عمار، قال : حدثني إياس بن سلمة بن الأكوع، عن أبيه، قال : كنا مع النبيّ ﷺ، فمرّ عليه بجنازة فأثنى عليها بثناء حسن، فقال :«وَجَبَتْ »، ومرّ عليه بجنازة أخرى، فأثنى عليها دون ذلك، فقال :«وَجَبَتْ »، قالوا : يا رسول الله ما وجبت ؟ قال :«المَلاَئِكَةُ شُهَدَاءُ اللّهِ في السّماءِ وأنْتُمْ شُهَداءُ اللّهِ في الأرْضِ فَمَا شَهِدْتُمْ عَلَيْهِ وَجَبَ ». ثم قرأ : وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَىَ اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ والمُؤْمِنُونَ. . . الآية.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : لِتَكُونُوا شُهَدَاء على النّاس تكونوا شهداء لمحمد عليه الصلاة والسلام على الأمم اليهود والنصارى والمجوس.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، قال : يأتي النبيّ ﷺ يوم القيامة بإذنه ليس معه أحد فتشهد له أمة محمد ﷺ أنه قد بلغهم.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن أبي نجيح، عن أبيه أنه سمع عبيد بن عمير، مثله.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا حجاج، عن ابن جريج، قال : حدثني ابن أبي نجيح، عن أبيه قال : يأتي النبي ﷺ يوم القيامة، فذكر مثله، ولم يذكر عبيد بن عمير مثله.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَىَ النّاسِ أي أن رسلهم قد بلغت قومها عن ربها، وَيَكُونُ الرّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدا على أنه قد بلغ رسالات ربه إلى أمته.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن زيد بن أسلم : أن قوم نوح يقولون يوم القيامة : لم يبلغنا نوح. فيدعى نوح عليه السلام فيسأل : هل بلغتهم ؟ فيقول : نعم، فيقال : من شهودك ؟ فيقول : أحمد ﷺ وأمته. فتدعون فتسألون، فتقولون : نعم قد بلغهم. فتقول قوم نوح عليه السلام : كيف تشهدون علينا ولم تدركونا ؟ قالوا : قد جاء نبيّ الله ﷺ فأخبرنا أنه قد بلغكم، وأنزل عليه أنه قد بلغكم، فصدقناه. قال : فيصدق نوح عليه السلام ويكذّبونهم. قال : لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدا.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة : لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَىَ النّاسِ لتكون هذه الأمة شهداء على الناس أن الرسل قد بلغتهم، ويكون الرسول على هذه الأمة شهيدا، أن قد بلغ ما أرسل به.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن زي
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
* * *
وإنّما عنى جل ثناؤه بقوله:"يَهدي من يَشاء إلى صراط مُستقيم"، قُلْ يا محمد: إنّ الله هَدانا بالتوجُّه شطرَ المسجد الحرام لقبلة إبراهيم، وأضلَّكم -أيها اليهودُ والمنافقون وجماعةُ الشرك بالله- فخذلكم عما هدانا لهُ من ذلك.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"وكذلك جَعلناكم أمة وسطًا"، كما هديناكم أيّها المؤمنون بمحمد عليه والسلام وبما جاءكم به من عند الله، فخصصناكم بالتوفيق لقِبلة إبراهيم وملته، وفضلناكم بذلك على من سواكم من أهل الملل، كذلك خصصناكم ففضَّلناكم على غيركم من أهل الأديان، بأن جعلناكم أمة وسطًا.
* * *
وقد بينا أن"الأمة"، هي القرن من الناس والصِّنف منهم وغَيرهم. (٢)
* * *
وأما"الوسَط"، فإنه في كلام العرب الخيارُ. يقال منه:"فلان وَسَطُ الحسب في قومه"، (٣) أي متوسط الحسب، إذا أرادوا بذلك الرفع في حسبه، و"هو وَسَطٌ في قومه، وواسطٌ"، (٤)
كما يقال:"شاة يابِسةُ اللبن ويَبَسةُ اللبن"، وكما قال جل ثناؤه:
(٢) انظر ما سلف١: ٢٢١ / ثم هذا الجزء ٣: ٧٤، ١٠٠، ١٢٨.
(٣) يقولون أيضًا: "هو وسيط الحسب في قومه"، إذا كان أوسطهم نسبًا، وأرفعهم مجدًا.
(٤) شاهد قولهم"واسط" من شعرهم، قول جابر بن ثعلب الطائي:
| وَمَنْ يَفْتَقِرْ فِي قَوْمِهِ يَحْمَدِ الغِنَى | وَإنْ كَانَ فِيهِمْ وَاسِطَ العَمِّ مُخْوِلَا |
| هُمُ وَسَطٌ تَرْضَى الأنامُ بِحُكْمِهِمْ | إذَا نزلَتْ إحْدَى الليَالِي بِمُعْظَمِ (١) |
قال أبو جعفر: وأنا أرى أن"الوسط" في هذا الموضع، هو"الوسط" الذي بمعنى: الجزءُ الذي هو بين الطرفين، مثل"وسَط الدار" محرَّك الوَسط مثقَّله، غيرَ جائز في"سينه" التخفيف.
وأرى أن الله تعالى ذكره إنما وصفهم بأنهم"وسَط"، لتوسطهم في الدين، فلا هُم أهل غُلوٍّ فيه، غلوَّ النصارى الذين غلوا بالترهب، وقيلهم في عيسى ما قالوا فيه - ولا هُم أهلُ تقصير فيه، تقصيرَ اليهود الذين بدَّلوا كتابَ الله، وقتلوا أنبياءَهم، وكذبوا على ربهم، وكفروا به؛ ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه. فوصفهم الله بذلك، إذ كان أحبَّ الأمور إلى الله أوْسطُها.
* * *
وأما التأويل، فإنه جاء بأن"الوسط" العدلُ. وذلك معنى الخيار، لأن الخيارَ من الناس عُدولهم.
ذكر من قال:"الوسطُ" العدلُ.
٢١٦٥- حدثنا سَلْم بن جُنادة ويعقوب بن إبراهيم قالا حدثنا حفص بن غياث، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله
ولم أجد هذه الرواية فيما طبع من روايات ديوانه. ولكن البيت بهذه الرواية أنشده الجاحظ في البيان ٣: ٢٢٥ غير منسوب. وهو منسوب إلى زهير في أساس البلاغة"وسط". ورواية الديوان، والجاحظ: "إذا طرقت إحدى الليالي". وهما سواء.
٢١٦٦- حدثنا مجاهد بن موسى ومحمد بن بشار قالا حدثنا جعفر بن عون، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ مثله.
٢١٦٧- حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري:"وكذلك جَعلناكم أمَّة وسَطًا" قال،"عدولا.
٢١٦٨- حدثني علي بن عيسى قال: حدثنا سعيد بن سليمان، عن حفص بن غياث، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ في قوله:"جعلناكم أمَّة وسطًا" قال، عدولا. (٢)
يعقوب بن إبراهيم: هو الدورقي الحافظ، مضى: ٢٣٧.
وهذا الإسناد والإسنادان بعده، لحديث واحد، مختصر من حديث سيأتي: ٢١٧٩.
ورواه مختصرًا أيضًا، أحمد في المسند: ١١٠٨٤، عن أبي معاوية، عن الأعمش، به. ورواه بنحوه أيضًا: ١١٢٩١، عن وكيع، عن الأعمش. (المسند ٣: ٩، ٣٢ حلبي). ونقله ابن كثير ١: ٣٤٨، عن المسند. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٦: ٣١٦، وقال: "رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح".
وقد وهم صاحب الزوائد في إدخاله فيها، لأنه مختصر من الحديث المطول الآتي، وقد أخرجه البخاري وغيره، فليس من الزوائد.
وهذه الروايات المختصرة عند الطبري - أشار إليها الحافظ في الفتح ٨: ١٣١، أثناء شرحه الرواية المطولة.
وكل الروايات التي رأينا، فيها"عدلا" بدل"عدولا". ولعل ما هنا من تحريف الناسخين، لأن الأجود صيغة الإفراد. على الوصف بالمصدر، يستوي فيه المذكر والمؤنث والمثنى والجمع. وفي اللسان: "فإن رأيته مجموعًا أو مثنى أو مؤنثًا - فعلى أنه قد أجرى مجرى الوصف الذي ليس بمصدر". والذي نقله الحافظ في الفتح، والسيوطي في الدر المنثور ١: ١٤٤ - بلفظ"عدلا" أيضًا بل عبارة أبي جعفر نفسه، قبل هذا الحديث تدل على ذلك، إذ قال: "ذكر من قال: الوسط العدل".
(٢) الحديث: ٢١٦٨- علي بن عيسى بن يزيد البغدادي الكراجكي: ثقة، من شيوخ الترمذي وابن خزيمة، مترجم في التهذيب، بغداد ١٢: ١٢-١٣. قال الخطيب: "وما علمت من حاله إلا خيرًا". مات سنة ٢٤٧.
سعيد بن سليمان: هو أبو عثمان الواسطي البزاز، لقبه"سعدويه"، سبق توثيقه في شرح: ٦١١. مترجم في التهذيب، والكبير ٢/١/٤٤٠ وابن سعد ٧/٢/٨١، وابن أبي حاتم ٢/١/٢٦، وتاريخ بغداد ٩: ٨٤-٨٧. مات سنة ٢٢٥، وله ١٠٠ سنة.
حفص بن غياث: مضى في: ١٠٣٧، ولكن روايته هنا عن أبي صالح ذكوان السمان، منقطعة يقينًا، فإن أبا صالح مات سنة ١٠١، وحفص ولد سنة ١١٧. وإنما يروي عن الأعمش وطبقته، عن أبي صالح، كما في الإسناد الماضي: ٢١٦٥.
ولعله سقط من نسخة الطبري في هذا الموضع بينهما: "عن الأعمش" - فيستقيم الإسناد، ويكون صحيحا. ولم أستطع الجزم بشيء في ذلك، لأني لم أجد حديث أبي هريرة هذا في كتاب آخر ذي إسناد. وإنما ذكره السيوطي في الدر المنثور ١: ١٤٤، ونسبه الطبري وحده.
وقد يرجح سقوط"الأعمش" من الإسناد في هذا الموضع: أن الحافظ حين أشار في الفتح ٨: ١٣١- إلى روايات الطبري المختصرة لحديث أبي سعيد، السابق، ذكر منها أن الطبري رواه"من طريق وكيع عن الأعمش، بلفظ: والوسط العدل، مختصر مرفوعا. ومن طريق أبي معاوية عن الأعمش، مثله". فهذان إسنادان لحديث أبي سعيد، نقلهما الحافظ ابن حجر - وهو من هو، دقة وتحريًا - عن هذا الموضع من الطبري، وليسا في النسخة بين أيدينا. فلا يبعد أن يكون في هذا الإسناد أيضًا نقص قوله"عن الأعمش" بين حفص بن غياث وأبي صالح.
* * *
٢١٧٠- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل:"وكذلك جَعلناكم أمة وسَطًا" قال، عدولا.
٢١٧١- حدثنا المثنى قال، حدثنا حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
٢١٧٢- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"أمة وسَطًا" قال، عُدولا.
٢١٧٣- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"أمة وسَطًا" قال، عدولا.
٢١٧٤- حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله:"أمة وسَطًا" قال، عدولا.
٢١٧٦- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن رِشْد بن سعد قال، أخبرنا ابن أنعم المعافري، عن حبان بن أبي جبلة، يسنده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم:"وكذلك جعلناكم أمةً وَسَطًا" قال، الوسطُ العدل. (١)
٢١٧٧- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء ومجاهد وعبد الله بن كثير:"أمة وَسَطًا"، قالوا: عُدولا. قال مجاهد: عَدْلا. (٢)
٢١٧٨- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد:"وكذلك جَعلناكم أمهً وسطًا" قال، هم وَسَطٌ بين النبي ﷺ وبين الأمم.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾
قال أبو جعفر:"والشهداء" جمع"شَهيد". (٣)
فمعنى ذلك: وكذلك جَعلناكم أمَّة وسَطًا عُدولا [لتكونوا]
(٢) في المطبوعة: "وقال مجاهد: عدولا"، وكأن الصواب ما أثبت، وإلا كان كلاما زائدا، لا معنى له.
(٣) انظر تفسير"الشهداء" فيما سلف ١: ٣٧٦-٣٧٨ / وهذا الجزء ٣: ٩٧.
٢١٧٩- حدثني أبو السائب قال، حدثنا حفص، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يُدعى بنوح عليه السلام يوم القيامة فيقال له: هل بلَّغتَ ما أرسِلت به؟ فيقول: نعم. فيقال لقومه: هل بلغكم؟ فيقول: ما جاءنا ممن نذير! فيقال له: من يعلم ذاك؟ فيقول: محمد وأمته. فهو قوله:"وكذلك جعلناكم أمَّةً وسطًا لتكونوا شُهداء على الناس ويكونَ الرسولُ عليكم شهيدًا". (٢)
٢١٨٠- حدثنا مجاهد بن موسى قال، حدثنا جعفر بن عون قال، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم، بنحوه - إلا أنه زاد فيه: فيُدعون ويَشهدون أنه قد بلَّغ.
٢١٨١- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد:"وكذلك جعلناكم أمة وسَطًا لتكونوا شُهداءَ عَلى الناس" -بأن الرسل قد بلَّغوا-"ويكونَ الرسول عليكم
(٢) الحديث: ٢١٧٩- هو والإسنادان بعده، لحديث واحد، مضى بعضه بهذه الأسانيد: ٢١٦٥-٢١٦٧، إلا أن هناك زيادة شيخين للطبري في الإسنادين الأولين منا.
والحديث رواه الإمام أحمد في المسند، بنحوه: ١١٣٠، عن وكيع عن الأعمش، و ١١٥٧٩، عن أبي معاوية عن الأعمش. (٣: ٣٢، ٥٨ حلبي).
ورواه البخاري ٦: ٢٦٤، من طريق عبد الواحد بن زياد، و ٨: ١٣٠-١٣١، من طريق جرير وأبي أسامة، و ١٣: ٢٦٦، من طريق أبي أسامة وجعفر بن عون - كلهم عن الأعمش، بهذا الإسناد نحوه.
ونقله ابن كثير في التفسير ١: ٣٤٧-٣٤٨، من روايتي الإمام أحمد، وقال: "رواه البخاري والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، من طرق، عن الأعمش".
ونسبه السيوطي ١: ١٤٤ لهؤلاء ولغيرهم.
٢١٨٢- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن فضيل، عن أبي مالك الأشجعي، عن المغيرة بن عتيبة بن النهاس: أن مُكاتبًا لهم حَدّثهم عن جابر بن عبد الله: أن النبي ﷺ قال: إني وأمتي لعلى كَوْمٍ يومَ القيامة، مُشرفين على الخلائق. ما أحدٌ من الأمم إلا ودَّ أنه منها أيَّتُها الأمة، (١) ومَا من نبيّ كذّبه قومُه إلا نحن شُهداؤه يومَ القيامة أنه قد بلَّغ رسالات ربه ونصحَ لهُم. قال:"ويكونَ الرسول عليكم شَهيدًا". (٢)
(٢) الحديث: ٢١٨٢- هذا إسناد ضعيف، لجهالة التابعي الذي رواه عن جابر، وفي اسم الراوي عن التابعي بحث يحتاج إلى تحقيق.
ابن فضيل: هو محمد بن فضيل بن غزوان، مضى: ١٨٤٠. أبو مالك الأشجعي: هو سعد بن طارق بن أشيم، تابعي ثقة. مترجم في التهذيب. والكبير ٢/٢/٥٩، وابن أبي حاتم ٢/١/٨٦-٨٧.
المغيرة بن عتيبة بن النهاس: ثبت في الطبري هنا"عيينة"، بدل"عتيبة". ولم يترجم في التهذيب ولا ذيوله. وترجمه ابن أبي حاتم ٤/١/٢٢٧ هكذا: "مغيرة بن عتيبة بن نهاس العجلي. وكان قاضيًا لأهل الكوفة. روى عن سعيد بن جبير، وموسى بن طلحة، وعن مكتب عن جابر"، إلخ، وترجمه البخاري في الكبير ٤/١/٣٢٢-٣٢٣ هكذا: "مغيرة بن عيينة بن عابس. قال ابن المبارك: ابن النحاس، عن... وعن مكتب بن جابر... ".
وحقق العلامة الشيخ عبد الرحمن بن يحيى اليماني، مصحح الكتابين - ترجيح ما يفي كتاب ابن أبي حاتم، لموافقته ما ثبت في الثقات لابن حبان، والإكمال لابن ماكولا. وهو الصحيح. وللمغيرة هذا روايات كثيرة في تاريخ الطبري، وثبت اسم أبيه في كثير منها على الصواب، وذكر اسمه ونسبه كاملا هناك ٤: ٨١"المغيرة بن عتيبة بن النهاس العجلي".
وأما قوله هنا"أن مكاتبًا لهم حدثهم عن جابر" - فيفهم منه أن التابعي المبهم الراوي عن جابر، هو من موالي آل المغيرة الراوي عنه، وأنه مكاتب لهم. ولكن الذي في كتابي البخاري وابن أبي حاتم - كما ترى: "وعن مكتب عن جابر". فقال العلامة عبد الرحمن في تعليقه على ابن أبي حاتم: " أراه سعيد بن زياد المكتب" ولكنه قبل ذلك في تعليقه على التاريخ الكبير، ذكر ذلك احتمالا فقط، بل كاد يرده بأن"سعيد بن زياد المكتب مولى زياد المكتب مولى بني زهرة" ترجمه البخاري - يعني في ٢/١/٤٣٣"ولكن لم يذكر روايته عن جابر ولا غيره من الصحابة". وهو كما قال، وكذلك ترجمه في التهذيب وغيره. فلذلك أنا أستبعد جدًا أن يكون هو المراد بقول البخاري وابن أبي حاتم في شيوخ المغيرة"عن مكتب عن جابر". بل أكاد أرجح ما هنا في الطبري: أنه عن"مكاتب"، وأن يكون ذكر في بعض الروايات هكذا، ولعل بعض الناسخين القدماء نقلها حين نسخها محذوفة الألف.
ولم أجد هذا الحديث في كتاب آخر ذي إسناد، حتى أستطيع أن أتجاوز هذا الحد في التحقيق. ولكن ذكره السيوطي ١: ١١٤ -دون إسناد طبعًا- ونسبه لابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، فقط.
وذكره ابن كثير ١: ٣٤٨، نقلا عن ابن مردويه وابن أبي حاتم، من طريق عبد الواحد بن زياد، عن أبي مالك الأشجعي، بهذا الإسناد. وفيه"عن مغيرة بن عتيبة بن نياس"! وهو غلط واضح.
٢١٨٤- حدثني عليّ بن سَهل الرملي قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال،
أبوه"رواد بن الجراح": مضت ترجمته: ١٢٦. ونزيد هنا: مترجم أيضًا في ميزان الاعتدال. ومجموع الكلام فيه يؤيد ضعفه. وقد روى له الطبري - فيما يأتي (٢٢: ٧٢-٧٣) حديثًا مكذوبًا لا أصل له. وروى ما يدل على أن هذا الشيخ أدخل عليه ذلك الحديث، فلئن كان ذاك إن فيه لغفلة شديدة ما يجوز معها أن يقبل شيء من روايته. أما هذا الحديث -الذي هنا- فإنه لم ينفرد بروايته، كما سيجيء في الإسناد التالي لهذا.
وقد وقع المطبوعة هنا"عصام بن وراد" بتقديم الواو على الراء؛ وهو خطأ ظاهر. عبد الله بن أبي الفضل المديني: ترجمه ابن أبي حاتم ٢/٢/١٣٧، وروى عن أبيه قال: "لم يرو عنه غير يحيى بن أبي كثير، ولا نعرفه". وعن ذلك قال الذهبي في الميزان: "مجهول". وقال الحافظ في لسان الميزان: "ذكره ابن حبان في الثقات". وهذا - عندنا كاف في الاحتجاج بحديثه، إذ هو تابعي عرف شخصه، ووثقه ابن حبان. والتابعون -عندنا- على القبول، حتى يثبت في أحدهم جرح مقبول.
ووقع هنا في المطبوعة"عبد الله بن الفضل" بحذف كلمة"أبي"، وهو خطأ. وثبت على الصواب في الإسناد بعده.
٢١٨٥- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا زيد بن حباب قال، حدثنا عكرمة بن عمار قال، حدثني إياس بن سلمة بن الأكوع، عن أبيه قال: كنا مع النبي ﷺ فمُرّ عليه بجنازة، فأثنِيَ عليها بثناء حَسن، فقال: وجبت! ومُرَّ عليه بجنازة أخرى، فأثنِيَ عليها دون ذلك، فقال: وجبت! قالوا: يا رسول الله، ما وجبت؟ قال: الملائكة شُهداء الله في السماء، وأنتم شهداء الله في الأرض، فما شهدتم عليه وجب. ثم قرأ: (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) الآية [سورة التوبة: ١٠٥]. (٢)
* * *
وشيخه في هذا الإسناد"أبو عمرو"-: هو الأوزاعي.
والحديث -من هذا الوجه- صحيح، وذكره السيوطي، ١: ١٤٥، ونسبه للطبري وابن أبي حاتم.
وأصله ثابت من حديث أبي هريرة. رواه أحمد في المسند: ٧٥٤٣. ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجه، كما بينا هنا. ولكن لم يذكر فيه سؤال أبي بن كعب، ولا الاستشهاد بالآية. وفي مجمع الزوائد ٣: ٤ رواية أخرى له مطولة، وفيها أن السائل هو عمر. وذكر أنه"رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح".
(٢) الحديث: ٢١٨٥- وهذا إسناد صحيح، على شرط مسلم.
زيد بن الحباب -بضم الحاء المهملة وتخفيف الموحدة- العكلي: ثقة من شيوخ أحمد وابن المديني وغيرهما من الأئمة، وهو مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري ٢/١/٣٥٨، وابن سعد ٦: ٢٨١، وابن أبي حاتم ١/٢/٥٦١-٥٦٢.
عكرمة بن عمار العجلي: ثقة، روى عنه شعبة والثوري ووكيع وغيرهم. وهو مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري ٤/١/٥٠، وابن سعد ٥: ٤٠٤، وابن أبي حاتم ٣/٢/١٠-١١.
إياس بن سلمة بن الأكوع: تابعي ثقة كثير الحديث، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو قد سمع من أبيه الصحابي، وروى له الشيخان وغيرهما أحاديث من روايته عنه. وهو مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري ١/١/٤٣٩، وابن سعد ٥: ١٨٤، وابن أبي حاتم ١/١/٢٧٩-٢٨٠. ورجال الصحيحين، ص: ٤٧.
والحديث ذكره السيوطي ١: ١٤٥، باختصار في آخره. ونسبه لابن أبي شيبة، وهناد، وابن جرير والطبراني. ونقله الهيثمي في مجمع الزوائد ٣: ٤-٥، عن إسنادين للطبراني في الكبير، في كل منهما رجل ضعيف. فيستفاد تصحح الحديث بهذا الإسناد الصحيح عند ابن جرير. وفي المطبوعة: "فما شهدتم عليه وجبت"، والصواب ما أثبت.
٢١٨٧- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
٢١٨٨- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا [أبو] عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح قال: يأتي النبي ﷺ يوم القيامة نَادِيَهُ ليس معه أحد، فتشهد له أمة محمد ﷺ أنه قد بلغهم. (١)
٢١٨٩- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن أبيه أنه سمع عبيد بن عمير مثله.
٢١٩٠- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج قال، حدثني ابن أبي نجيح، عن أبيه قال، يأتي النبي ﷺ يوم القيامة، فذكر مثله، ولم يذكر عبيد بن عمير، مثله.
٢١٩١- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن
٢١٩٢- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن زيد بن أسلم: أنّ قوم نوح يَقولونَ يوم القيامة: لم يبلِّغنا نوحٌ! فيدعَى نوح عليه السلام فيسأل: هل بلغتهم؟ فيقول: نعم. فيقال: من شُهودك؟ فيقول: أحمد ﷺ وأمته. فتدعون فتُسألون فتقولون: نعم، قد بلّغهم. فتقول قوم نوح عليه السلام: كيف تشهدون علينا ولم تدركونا؟ قالوا: قد جاء نبيُّ الله ﷺ فأخبرنا أنه قد بلغكم، وأنزل عليه أنه قد بلغكم، فصدَّقناه. قال: فيصدّق نوح عليه السلام ويكذبونهم. قال:"لتكونوا شُهداء على الناس ويَكونَ الرسول عليكم شهيدًا"
٢١٩٣- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة:"لتكونوا شُهداء على الناس"، لتكون هذه الأمة شُهداء على الناس أنّ الرسل قد بلَّغتهم، ويكون الرسول على هذه الأمة شهيدًا، أن قد بلَّغ ما أرسل به.
٢١٩٤- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن زيد بن أسلم: أنّ الأمم يقولُون يوم القيامة: والله لقد كادت هذه الأمَّة أن تكون أنبياءَ كلهم! لما يرون الله أعطاهم.
٢١٩٥- حدثنا المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، حدثنا ابن المبارك، عن رِشْدين بن سعد، قال أخبرني ابن أنعم المعافري، عن حبان بن أبي جبلة يُسنده إلى رسول الله ﷺ قال: إذا جمع الله عباده يوم القيامة، كان أوَّلَ من يدعى إسرافيلُ، فيقول له ربه: ما فعلتَ في عهدي؟ هل بلغت عهدي؟ فيقول: نعم رَبّ، قد بلغته جبريل عليهما السلام، فيدعى جبريل، فيقال له:
٢١٩٦- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك في قوله:"لتكونوا شُهداء على الناس"، يعني بذلك. الذين استقاموا على الهُدى، فهم الذين يكونون شهداء على الناس يوم القيامة، لتكذيبهم رُسلَ الله وكفرهم بآيات الله.
(٢) الحديث: ٢١٩٥- هذا حديث ضعيف، من ناحيتين: من ناحية أنه مرسل، رواه تابعي لم يسنده عن صحابي. ومن ناحية ضعف"رشدين بن سعد"، كما سيأتي.
وقد مضت قطعة منه بهذا الإسناد: ٢١٧٦. وأحلنا تخريجها على هذا الموضع.
رشدين بن سعد: ضعيف جدًا، سبق بيانه في: ١٩٣٨. ووقع في المطبوعة هنا، وفي: ٢١٧٦: "راشد"، كما كان ذلك في: ١٩٣٨. وهو خطأ.
ابن أنعم المعافري: هو عبد الرحمن بن زياد بن أنعم -بفتح الهمزة وسكون النون وضم العين المهملة- المعافري الإفريقي القاضي. وهو ثقة، تكلم فيه كثير من العلماء بغير حجة، سمع من أجلة التابعين، وكان شجاعًا في الحق. وكان أحمد بن صالح يقول: هو ثقة، وينكر على من تكلم فيه. قاله أبو بكر المالكي في رياض النفوس: "كان من جلة المحدثين، منسوبًا إلى الزهد والورع، صلبًا في دينه، متفننًا في علوم شتى". وغلا فيه ابن حبان غلوًا فاحشًا، فقال في كتاب المجروحين، ص: ٢٨٣-٢٨٤: "كان يروي الموضوعات عن الثقات، ويأتي عن الأثبات ما ليس من أحاديثهم، وكان يدلس عن محمد بن سعيد بن أبي قيس المطلوب". ثم روى حديثًا من طريقه يستدل به على ما قال. وهو حديث موضوع، ولكن ابن أنعم بريء من عهدته، فإن الحمل فيه على أحد الكذابين، وهو يوسف بن زياد البصري. وقد تعقب الدارقطني على ابن حبان ذلك، فيما ثبت بهامش مخطوطة المجروحين.
والمشارقة أخطأوا معرفة ابن أنعم، فعن ذلك جاء ما جاء من جرحه، بل أخطأوا تاريخ وفاته، فأرخوه سنة ١٥٦. والمغاربة أعرف به، وأرخوه سنة ١٦١.
وله تراجم وافية: في التهذيب ٦: ١٧٣-١٧٦، والصغير للبخاري، ص: ١٨٠، وابن أبي حاتم ٢/٢/٣٣٤-٣٣٥. والمجروحين لابن حبان: ٢٨٣-٢٨٤، والميزان للذهبي ٢: ١٠٤-١٠٥، وطبقات علماء إفريقية لأبي العرب: ٢٧-٣٢. ورياض النفوس لأبي بكر المالكي ١: ٩٦-١٠٣، وتاريخ بغداد ١٠: ٢١٤-٢١٨.
حبان -بكسر المهملة وتشديد الموحدة- بن أبي جبلة المصري: تابعي ثقة. وهو أحد العشرة الذين أرسلهم عمر بن عبد العزيز، ليفقهوا أهل إفريقية ويعلموهم أمر دينهم. مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري ٢/١/٨٣، وابن أبي حاتم ١/٢/٢٦٩.
وهذا الحديث مرسل، إذ حكى راويه عن التابعي أنه"يسنده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم"، لم يذكر من حدثه به.
وقوله"يسنده" - كتب في المطبوعة هنا وفي: ٢١٧٦"بسنده" بالباء الموحدة. وهو تصحيف. والحديث ذكره السيوطي ١: ١٤٥، ولم ينسبه لغير الطبري وابن المبارك في الزهد.
وكان في المطبوعة"حقد على أخيه". وفي الدر المنثور ١: ١٤٦"إحنة"، والذي أثبته من القرطبي، وبعض المخطوطات. والحنة: الحقد، من"وحن يحن حنة" مثل: "وعد يعد عدة" (بكسر الحاء وفتح النون). وقال الأزهري: ليست من كلام العرب، إنما هي إحنة: أي حقد. وأنكر الأصمعي"حنة"، وحكى عنه أبو نصر أنه قال: "كنا نظن الطرماح شيئًا حتى قال:
| وَأَكرَهُ أنْ يَعِيبَ عَلَيَّ قَوْمِي | ِجَائِي الأَرْذَلِينَ ذَوِي الحِنَاتِ |
٢١٩٨- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:"لتكونوا شُهداء على الناس"، يعني: أنهم شَهدوا على القرون بما سمَّى الله عز وجل لَهم.
٢١٩٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج: قلت لعطاء: ما قوله:"لتكونوا شهداء على الناس"؟ قال: أمة محمد، شهدوا على من ترك الحق حين جاءه الإيمانُ والهدى، ممن كان قبلنا. قالها عبد الله بن كثير. قال: وقال عطاء: شهداء على مَنْ ترك الحق ممن تركه من الناس أجمعين، جاء ذلك أمَّةَ محمد ﷺ في كتابهم،"ويكون الرسولُ عليكمْ شهيدًا" على أنهم قد آمنوا بالحق حين جاءهم، وصَدَّقوا به.
٢٢٠٠- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله:"لتكونوا شُهداء عل الناس ويكونَ الرسولُ عليكم شهيدًا" قال، رسول الله ﷺ شاهدٌ على أمَّته، وهم شهداء على الأمم، وهم أحد الأشهاد الذين قال الله عز وجل: (وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ) [سورة غافر: ٥١] الأربعة: الملائكة الذين يُحصُون أعْمالنا، لنا وعلينا، وقرأ قوله: (وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ) [سورة ق: ٢١]، وقال: هذا يوم القيامة. قال: والنبيون شُهداء على أممهم. قال: وأمة محمد ﷺ شُهداء على الأمم. قال:
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"وما جَعلنا القبلة التي كنت عليها"، ولم نجعل صَرْفك عَن القبلة التي كنت على التوجه إليها يا محمد فصرفْناك عنها، إلا لنعلم من يَتَّبعك ممن لا يتَّبعك، ممن يَنقلبُ على عقبيه.
* * *
والقبلة التي كان رسولُ الله ﷺ عليها، التي عناها الله بقوله:"وما جعلنا القبلة التي كنت عليها"، هي القبلة التي كنت تتوجَّه إليها قبل أن يصرفك إلى الكعبة، كما:-
٢٢٠١- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"وما جَعلنا القبلة التي كنت عليها"، يعني: بيت المقدس.
٢٢٠٢- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج، عن
"عن زيد بن أسلم: الأشهاد أربعة: الملائكة الذين يحصون علينا أعمالنا، وقرأ: "وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد"، والنبيون، شهداء على أممهم، وقرأ: "فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد"، وأمة محمد صلى الله عليه وسلم، شهداء على الأمم، وقرأ: "لتكونوا شهداء على الناس"، والأجساد والجلود، وقرأ: "وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الذي أنطق كل شيء".
أما ما جاء في نص الطبري، ووضعته بين قوسين، فهو خطأ لا شك فيه، وأخشى أن يكون صوابه"الأطراف والأجساد والجلود"، ويعني بالأطراف، الجوارح، يريد بذلك الأيدي والأرجل، في قوله تعالى في [سورة يس: ٦٥] :(اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وتُكَلّمنَا أَيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)
* * *
قال أبو جعفر: وإنما ترك ذكر"الصرف عنها"، اكتفاء بدلالة ما قد ذكر من الكلام على معناه، كسائر ما قد ذكرنا فيما مضى من نَظائره. (١)
وإنما قُلنا: ذلك معناه، لأن محنةَ الله أصحابَ رسوله في القِبلة، إنما كانت -فيما تظاهرت به الأخبار- عند التحويل من بيت المقدس إلى الكعبة، حتى ارتدَّ -فيما ذكر- رجالٌ ممن كان قد أسلمَ واتَّبع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأظهرَ كثيرٌ من المنافقين =من أجل ذلك= نفاقَهم، وقالوا: ما بَالُ محمد يحوّلنا مرة إلى هاهنا ومرة إلى هاهنا! وقال المسلمون، فيمن مضى من إخوانهم المسلمين وهم يصلون نحو بيت المقدس: بطلت أعمالُنا وأعمالُهم وضاعت! وقال المشركون: تحيَّر محمد [صلى الله عليه وسلم] في دينه! فكان ذلك فتنةً للناس، وتمحيصًا للمؤمنين.
فلذلك قال جل ثناؤه:"ومَا جَعلنا القِبلةَ التي كنت عليها إلا لنعلمَ من يتَّبع الرسول ممن ينقلب على عَقبيه"، أي: ومَا جعلنا صَرْفك عن القبلة التي كنت عليها، وتحويلك إلى غيرها، كما قال جل ثناؤه: (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ) [سورة الإسراء: ٦٠] بمعنى: وما جعلنا خَبرَك عن الرؤيا التي أريناك. وذلك أنه لو لم يكن أخبَر القوم بما كان أُرِي، لم يكن فيه على أحد فتنةٌ، وكذلك القبلة الأولى التي كانت نحو بيت المقدس، لو لم يكن صرفٌ عنها إلى الكعبة، لم يكن فيها على أحد فتنةٌ ولا محْنة.
* * *
ذكر الأخبار التي رُويت في ذلك بمعنى ما قلنا:
٢٢٠٤- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: كان النبي ﷺ يُصلي قِبَل بيت المقدس، فنسختها الكعبة. فلما وُجِّه قبل المسجد الحرام، (٢) اختلف الناس فيها، فكانوا أصنافًا، فقال المنافقون: ما بالهم كانوا على قبلة زمانًا، ثم تركوها وتوجهوا إلى غيرها؟ وقال المسلمون: ليت شعرَنا عَن إخواننا الذين مَاتوا وهم يصلُّون قبَلَ بيت المقدس! هل تقبَّل الله منا ومنهم، أوْ لا؟ وقالت اليهود: إنّ محمدًا اشتاق إلى بلد أبيه ومولده، ولو ثبت على قبلتنا لكنا نرجو أن يكون هو صاحبنا الذي ننتظر! وقال
(٢) في المطبوعة: "فلما توجه قبل المسجد"، والصواب من رقم: ٢١٦٤، والدر المنثور.
٢٢٠٥- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج قال، قلت لعطاء:"إلا لنعلمَ من يتَّبع الرسول ممن ينقلبُ على عَقبيه"؟ فقال عطاء: يبتليهم، ليعلم من يُسلم لأمره. قال ابن جريج: بلغني أنّ ناسًا ممن أسلم رَجعوا فقالوا: مرة هاهنا ومرة هاهنا!
* * *
قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: أوَ مَا كان الله عالمًا بمن يتَّبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه، إلا بعد اتباع المتّبع، وانقلاب المنقلب على عقبيه، حتى قال: ما فعلنا الذي فعلنا من تحويل القبلة إلا لنعلم المتّبعَ رسولَ الله ﷺ من المنقلب على عقبيه؟
قيل: إن الله جل ثناؤه هو العالم بالأشياء كلها قَبل كونها، وليس قوله:"وما جعلنا القبلةَ التي كنتَ عليها إلا لنعلمَ من يتَّبع الرسول ممن يَنقلب على عَقبيه" يخبر [عن] أنه لم يعلم ذلك إلا بعد وجُوده. (٢)
فإن قال: فما معنى ذلك؟
قيل له: أما معناه عندنا، فإنه: وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا ليعلم رَسولي وحزبي وأوليائي مَنْ يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه، فقال جل ثناؤه:"إلا لنعلم"، ومعناه: ليعلمَ رَسولي وأوليائي. إذْ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
(٢) في المطبوعة: "يخبر أنه لم يعلم ذلك... "، والصواب ما أثبت، مع الزيادة بين القوسين.
٢٢٠٦- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا خالد، عن محمد بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قالَ الله: استقرضتُ عَبدي فلم يُقرضني، وشتمني ولم يَنبغ له أن يشتُمني! يقول: وادَهراه! وأنا الدهر، أنا الدهر.
٢٢٠٧- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بنحوه. (١)
* * *
فأضاف تعالى ذكره الاستقراض والعيادة إلى نفسه، وقد كان ذلك بغيره، إذ كان ذلك عن سببه.
وقد حكي عن العرب سماعًا:"أجوع في غَيْر بَطني، وأعرى في غير
خالد- في أولهما: هو خالد بن مخلد القطواني، بفتح القاف والطاء. وهو ثقة من شيوخ البخاري، أخرج له هو ومسلم في الصحيحين، تكلم فيه من جهة إفراطه في التشيع، ولكنه صدوق في الرواية. مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري ٢/١/١٦٠، وابن سعد ٦: ٢٨٣، وابن أبي حاتم ١/٢/٣٥٤. وشيخه محمد بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري الزرقي: ثقة معروف، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
والحديث رواه الحاكم في المستدرك ١: ٤١٨، من طريق يزيد بن هارون، عن محمد بن إسحاق، بالإسناد الثاني، بنحوه. وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي.
والنهي عن سب الدهر، في الحديث القدسي، من حديث أبي هريرة-: ثابت من أوجه، في الصحيحين وغيرهما. فانظر المسند: ٧٢٤٤، ٧٥٠٩. والبخاري ٨: ٤٤١، و ١٠: ٤٦٥، و ١٣: ٣٨٩. وصحيح مسلم ٢: ١٩٦-١٩٧.
فكذلك قوله:"إلا لنعلم"، بمعنى: يعلم أوليائي وحزبي.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
٢٢٠٨- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:"وما جَعلنا القبلةَ التي كنت عليها إلا لنعلم من يتّبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه"، قال ابن عباس: لنميّز أهلَ اليقين من أهل الشرك والريبة.
* * *
وقال بعضهم: إنما قيل ذلك، من أجل أن العرَب تَضع"العلم" مكان"الرؤية"، و"الرؤية" مكان"العلم"، كما قَال جلّ ذكره: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ) [سورة الفيل: ١]، فزعم أن معنى"ألم تر"، ألم تعلم؟ وزعم أن معنى قوله:"إلا لنعلم"، بمعنى: إلا لنرى من يتبع الرسول. وزعم أنّ قول القائل:"رأيتُ، وعَلمت، وشَهدت"، حروفٌ تتعاقب، فيوضَع بعضها موضع بعض، كما قال جرير بن عطية
| كَأَنَّكَ لَمْ تَشْهَدْ لَقِيطًا وَحَاجِبًا | وَعَمْرَو بن عَمْرٍو إذْ دَعَا يَالَ دَارِمِ (١) |
* * *
ورواية الديوان والنقائض: "إذا دعوا"، وكلتاهما صحيحة المعنى.
* * *
وقال آخرون: إنما قيل:"إلا لنعلم"، من أجل أنّ المنافقين واليهودَ وأهلَ الكفر بالله، أنكروا أن يكون الله تعالى ذكره يَعلم الشيءَ قبل كونه. وقالوا - إذ قيل لهم: إن قومَا من أهل القبلة سيرتدُّون على أعقابهم، إذا حُوِّلت قبلة محمد ﷺ إلى الكعبة-: ذلك غير كائن! أو قالوا: ذلك باطل! فلما فَعل الله ذلك، وحوَّل القبلة، وكفر من أجل ذلك من كفر، قال الله جل
(٢) الزيادة بين القوسين، لا بد للسياق منها، وإلا اختل الكلام.
(٣) زيادة يقتضيها سياقه.
فكأن معنى قائلي هذا القول في تأويل قوله:"إلا لنعلم": إلا لنبيّن لكم أنّا نعلمُ من يَتّبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه. وهذا وإن كان وَجهًا له مَخرج، فبعيدٌ من المفهوم.
* * *
وقال آخرون: إنما قيل:"إلا لنعلم"، وهو بذلك عالم قبل كونه وفي كل حال، على وجه الترفّق بعباده، واستمالتهم إلى طاعته، (٢) كما قال جل ثناؤه: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) (٣) [سورة سبأ: ٢٤]، وقد علم أنه على هدى، وأنهم على ضلال مبين، ولكنه رَفقَ بهم في الخطاب، فلم يقل: أنّا على هدى، وأنتم على ضلال. فكذلك قوله:"إلا لنعلم"، معناه عندهم: إلا لتعلموا أنتم، إذ كنتم جُهالا به قبل أن يكونَ. فأضاف العلم إلى نفسه، رفقًا بخطابهم.
* * *
وقد بيَّنا القول الذي هو أوْلى في ذلك بالحقّ.
* * *
وأما قوله:"مَنْ يتَّبع الرسول". فإنه يعني: الذي يتبع محمدًا ﷺ فيما يأمره الله به، فيوجِّه نحو الوَجه الذي يتوَجَّه نحوه محمد صلى الله عليه وسلم.
* * *
(٢) في المطبوعة: "على وجه الترفيق بعباده"، وهو خطأ.
(٣) كان في الأصل: "قل الله" أول الآية المستشهد بها، فآثرت إتمامها.
٢٢٠٩- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"وما جَعلنا القبلةَ التي كنتَ عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه" قال، مَنْ إذا دخلتْه شُبهة رجع عن الله، وانقلب كافرًا على عَقبيه.
* * *
وأصل"المرتد على عقبيه"، هو:"المنقلب على عقبيه"، الراجع مستدبرًا في الطريق الذي قد كان قطعه، منصرفًا عنه. فقيل ذلك لكل راجع عن أمر كان فيه، من دين أو خير. ومن ذلك قوله: (فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا) [سورة الكهف: ٦٤]، بمعنى: رَجعا في الطريق الذي كانا سَلكاه، وإنما قيل للمرتد:"مرتد"، لرجوعه عن دينه وملته التي كان عليها.
وإنما قيل:"رجع عَلى عقبيه"، لرجوعه دُبُرًا على عَقبه، إلى الوجه الذي كان فيه بدء سيره قبل مَرْجعه عنه. فيجعل ذلك مثلا لكل تارك أمرًا وآخذٍ آخرَ غيره، إذا انصرف عما كان فيه، إلى الذي كان له تاركًا فأخذه. فقيل:"ارتد فلان على عَقِبه، وانقلب على عَقبيه".
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهلُ التأويل في التي وصفها الله جل وعز بأنها كانت"كبيرة إلا على الذين هَدى الله".
* ذكر من قال ذلك:
٢٢١٠- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قال الله:"وإن كانت كبيرةً إلا على الذين هدى الله"، يعني: تحويلَها.
٢٢١١- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى بن ميمون، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل:"وإن كانت لكبيرةً إلا على الذين هدى الله" قال، ما أمِروا به من التحوُّل إلى الكعبة من بيت المقدس.
٢٢١٢- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
٢٢١٣- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"لكبيرة إلا على الذين هَدى الله" قال، كبيرة، حين حُولت القبلة إلى المسجد الحرام، فكانت كبيرةً إلا على الذين هدى الله.
* * *
وقال آخرون: بل"الكبيرة"، هي القبلة بعينها التي كان ﷺ يتوجَّه إليها من بيت المقدس قبلَ التحويل.
* ذكر من قال ذلك.
٢٢١٤- حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية:"وإن كانت لكبيرة"، أي: قبلةُ بيت المقدس -"إلا على الذين هدى الله". (١)
* ذكر من قال ذلك.
٢٢١٥- حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد:"وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله" قال، صلاتكم حتى يهديَكم اللهُ عز وجل القِبلةَ. (١)
٢٢١٦- وقد حدثني به يونس مرة أخرى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد:"وإن كانت لَكبيرة" قال، صلاتك هاهنا -يعني إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا- وانحرافُك هاهنا
* * *
وقال بعض نحويي البصرة: أنِّثت"الكبيرة" لتأنيث القبلة، وإياها عنى جل ثناؤه بقوله:"وإن كانت لكبيرة".
وقال بعض نحويي الكوفة: بل أنثت"الكبيرة" لتأنيث التولية والتحويلة
فتأويل الكلام على ما تأوله قائلو هذه المقالة: وما جعلنا تحويلتنا إياك عن القبلة التي كنتَ عليها وتوليتُناك عنها، إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه، وإن كانت تحويلتُنا إياك عنها وتوليتُناكَ"لكبيرة إلا على الذين هدى الله".
* * *
وهذا التأويل أولى التأويلات عندي بالصواب. لأن القوم إنما كبُر عليهم تحويل النبي ﷺ وَجْهه عن القبلة الأولى إلى الأخرى، لا عين القبلة، ولا الصلاة. لأن القبلة الأولى والصلاة، قد كانت وهى غير كبيرة عليهم. إلا أن يوجِّه موجِّه تأنيث"الكبيرة" إلى"القبلة"، ويقول: اجتُزئ بذكر"القبلة" من ذكر"التولية والتحويلة"، لدلالة الكلام على معنى ذلك، كما قد وصفنا لك في نظائره. (٢) فيكون ذلك وجهًا صحيحًا، ومذهبًا مفهومًا.
* * *
(٢) انظر ما سلف في فهارس الأجزاء الماضية.
٢٢١٧- حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد:"وإن كانت لكبيرة إلا عَلى الذين هدى الله" قال، كبيرة في صدور الناس، فيما يدخل الشيطانُ به ابنَ آدم. قال: ما لهم صلُّوا إلى هاهنا ستةَ عشر شهرًا ثم انحرفوا! فكبُر ذلك في صدور من لا يعرف ولا يعقل والمنافقين، فقالوا: أيّ شيء هذا الدين؟ وأما الذين آمنوا، فثبَّت الله جل ثناؤه ذلك قي قلوبهم، وقرأ قول الله"وإن كانت لكبيرةً إلا على الذين هدى الله" قال، صَلاتكم حَتى يهديكم إلى القبلة. (٢)
* * *
قال أبو جعفر: وأما قوله:"إلا على الذين هَدى الله"، فإنه يعني به:
وإن كان تقلي بتناك عن القبلة التي كنتَ عليها، لعظيمة إلا على من وّفَّقه الله جل ثناؤه، فهداهُ لتصديقك والإيمان بك وبذلك، واتباعِك فيه، وفيما أنزل الله تعالى ذكره عليك، كما:-
٢٢١٨- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:"وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله"، يقول: إلا على الخاشعين، يعني المصدِّقين بما أنزل الله تبارك وتعالى. (٣)
* * *
(٢) الأثر: ٢٢١٧- انظر ما سلف رقم: ٢١١٥، والتعليق عليه.
(٣) الأثر ٢٢١٨- أخشى أن يكون هذا الأثر، هو نفس الأثر السالف برقم: ٨٥٦.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾
قال أبو جعفر: قيل: عنى ب"الإيمان"، في هذا الموضع: الصلاةَ.
* * *
ذكر الأخبار التي رُويت بذلك، وذكر قول من قاله:
٢٢١٩- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع وعبيد الله -وحدثنا سفيان بن وكيع قال حدثنا عبيد الله بن موسى- جميعًا، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال، لما وُجِّه رَسوله الله ﷺ إلى الكعبة قالوا: كيف بمن ماتَ من إخواننا قبل ذلك، وهم يصلون نحو بيت المقدس؟ فأنزل الله جل ثناؤه:"وما كانَ الله ليضيعَ إيمانكم". (١)
٢٢٢٠- حدثني إسماعيل بن موسى قال، أخبرنا شريك، عن أبي إسحاق، عن البراء في قول الله عز وجل:"وما كان الله ليضيع إيمانكم" قال، صلاتكم نحوَ بَيت المقدس.
٢٢٢١- حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن البراء نحوه. (٢)
٢٢٢٢- وحدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن محمد بن نفيل الحرّاني قال، حدثنا زهير قال، حدثنا أبو إسحاق، عن البراء قال: مات على القبلة قبلَ أن تحوّل إلى البيت
وعبيد الله بن موسى العبسي: مضى في ٢٠٩٢.
والحديث رواه أحمد في المسند: ٣٢٤٩، عن وكيع، عن إسرائيل، بهذا الإسناد، نحوه. ورواه أيضًا مطولا ومختصرًا، من طرق عن إسرائيل: ٢٦٩١، ٢٧٧٦، ٢٩٦٦. وخرجناه هناك في: ٢٦٩١.
(٢) الحديثان: ٢٢٢٠-٢٢٢١- هما حديث واحد بإسنادين.
وذكره السيوطي ١: ١٤٦، ونسبه أيضًا لسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم.
٢٢٢٣- حدثنا بشر بن معاذ العقدي قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال، قال أناسٌ من الناس -لما صرفت القبلة نحو البيت الحرام-: كيف بأعمالنا التي كنا نَعملُ في قبلتنا؟ فأنزل الله جل ثناؤه:"وما كان الله ليضيع إيمانكم".
٢٢٢٤- حدثني موسى بن هارون قال، حدثني عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: لما وُجِّه رسول الله ﷺ قبَل المسجد الحرام، (٢) قال المسلمون: ليتَ شِعْرنا عن إخواننا الذين مَاتوا وهم يصلون قبل بيت المقدس! هل تقبَّل الله منا ومنهم أم لا؟ فأنزل الله جل ثناؤه فيهم:"وما كان الله ليضيع إيمانكم" قال، صلاتكم قبَلَ بيت المقدس: يقول: إنّ تلك طاعة وهذه طاعة. (٣)
٢٢٢٥- حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قال: قال ناسٌ -لما صرفت القبلة إلى البيت الحرام-: كيف بأعمالنا التي كنا نعملُ في قبلتنا الأولى؟ فأنزل الله تعالى ذكره:"وما كانَ الله ليضيع إيمانكم" الآية.
٢٢٢٦- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، أخبرني داود بن أبي عاصم قال، لما صُرف رسولُ الله صلى الله
زهير: هو ابن معاوية الجعفي أبو خيثمة. مضى: ٢١٤٤. وأبو إسحاق: هو السبيعي الهمداني. والحديث هو باقي الحديث الماضي لهذا الإسناد: ٢١٥٣. وقد بينا تخريجه هناك.
(٢) في المطبوعة: "لما توجه... "، وانظر ما سلف رقم: ٢٢٠٤، والتعليق عليه.
(٣) الأثر: ٢٢٢٤- مضى برقم: ٢١٦٤، ثم: ٢٢٠٤، وفيه هنا زيادة.
٢٢٢٧- حدثنا محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله:"وما كان الله ليضيع إيمانكم"، يقول: صَلاتكم التي صليتموها من قبل أن تكون القبلة. فكان المؤمنون قد أشفقوا على مَن صلى منهم أن لا تُقبلَ صلاتهم.
٢٢٢٨- حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد:"وما كان الله ليضيع إيمانكم"، صلاتكم.
٢٢٢٩- حدثنا محمد بن إسماعيل الفزاري قال، أخبرنا المؤمل قال، حدثنا سفيان، حدثنا يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب في هذه الآية:"وما كان الله ليضيع إيمانكم" قال، صلاتكم نحو بيت المقدس.
* * *
قال أبو جعفر: قد دللنا فيما مضى على أن"الإيمان" التصديق. وأن التصديقَ قد يكون بالقول وحده، وبالفعل وحده، وبهما جميعًا. (١)
فمعنى قوله:"وما كان الله ليُضيع إيمانكم" -على ما تظاهرت به الرواية من أنه الصلاة-: وما كان الله ليُضيع تصديقَ رَسوله عليه السلام، بصَلاتكم التي صليتموها نحو بيت المقدس عن أمره، لأن ذلك كان منكم تصديقًا لرسولي، واتِّباعًا لأمْري، وطاعةً منكم لي.
* * *
قال:"وإضاعته إياه" جل ثناؤه -لو أضاعه-: تركُ إثابة أصْحابه وعامليه عليه، فيذهب ضياعًا، ويصير باطلا كهيئة"إضاعة الرجل ماله"، وذلك إهلاكه إياه فيما لا يعتاض منه عوضًا في عاجل ولا آجل.
* * *
* * *
فإن قال قائل: وكيفَ قال الله جل ثناؤه:"وما كان الله ليُضيع إيمانكم"، فأضاف الإيمان إلى الأحياء المخاطبين، والقومُ المخاطبون بذلك إنما كانوا أشفقوا على إخوانهم الذين كانوا ماتوا وهم يصلون نحو بيت المقدس، وفي ذلك من أمرهم أنزلت هذه الآية؟
قيل: إن القوم وإن كانوا أشفقوا من ذلك، فإنهم أيضًا قد كانوا مشفقين من حُبُوط ثواب صلاتهم التي صلوها إلى بيت المقدس قبل التحويل إلى الكعبة، وظنّوا أنّ عملهم ذلك قد بطلَ وذهب ضياعًا؟ فأنزل الله جل ثناؤه هذه الآية حينئذ، فوجّه الخطاب بها إلى الأحياء ودخل فيهم الموتى منهم. لأن من شأن العرب -إذا اجتمع في الخبر المخاطبُ والغائبُ- أن يغلبوا المخاطب فيدخل الغائب في الخطاب. فيقولوا لرجل خاطبوه على وجه الخبر عنه وعن آخر غائب غير حاضر:"فعلنا بكما وصنعنا بكما"، كهيئة خطابهم لهما وهما حاضران، ولا يستجيزون أن يقولوا:"فعلنا بهما"، وهم يخاطبون أحدهما، فيردّوا المخاطب إلى عِدَاد الغَيَب. (١)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾
قال أبو جعفر: ويعني بقوله جل ثناؤه:"إنّ الله بالناس لَرَءوفٌ رحيمٌ": أن الله بجميع عباده ذُو رأفة.
* * *
* * *
وأما"الرحيم": فإنه ذو الرحمة للمؤمنين في الدنيا والآخرة، على ما قد بينا فيما مضى قبل. (١)
* * *
وإنما أراد جل ثناؤه بذلك أنّ الله عز وجل أرْحمُ بعباده منْ أن يُضيع لهم طاعةً أطاعوه بها فلا يثيبهم عليها، وأرأفُ بهم من أن يُؤاخذهم بترك ما لم يفرضه عليهم -أيْ ولا تأسوا عَلى مَوْتاكم الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس-، فإني لهم =على طاعتهم إياي بصَلاتهم التي صلوها كذلك= مثيبٌ، لأني أرحم بهم من أن أضيع لهم عملا عملوه لي؛ ولا تحزنوا عليهم، فإني غيرُ مؤاخذهم بتركهم الصلاة إلى الكعبة، لأني لم أكن فرضت ذلك عليهم، وأنا أرأف بخلقي من أن أعاقبهم على تركهم ما لم آمرهم بعمله.
* * *
وفي"الرءوف" لغات. إحداها"رَؤُف" على مثال"فَعُل"، كما قال الوليد بن عقبة:
| وَشرُّ الطالِبِينَ -وَلا تَكُنْه- | بقَاتِلِ عَمِّه، الرَّؤُفُ الرَّحِيم (٢) |
(٢) كان في المطبوعة: "الرءوف الرحيما". وجاء على الصواب في القرطبي ٢: ١٤٥، وأبي حيان ١: ٤٢٧، وفيهما خطأ آخر، الأول فيه"يقاتل"، والثاني"يقابل"، وكأن هذا البيت من شعر الوليد بن عقبة، الذي كتب به إلى معاوية يحض معاوية على قتال علي رضي الله عنهما. وهي في أنساب الأشراف: ١٤٠، وتاريخ الطبري ٥: ٢٣٦-٢٣٧، وحماسة البحتري: ٣٠، واللسان (حلم) وغيرها، وليس فيها هذا البيت، وكأنه قبل البيت الذي يقول فيه:
| لَكَ الْوَيْلاتُ! أَقْحِمْهَا عَلَيْهِمْ | فخيرُ الطَّالبي التِّرَةِ الغَشُومُ |
تفسير القرآن العظيم — ابن كثير
وقال الإمام أحمد : حدثنا وَكِيع، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد قال : قال رسول الله ﷺ :" يدعى نوح يوم القيامة فيقال له : هل بلَّغت ؟ فيقول : نعم. فيدعى قومه فيقال لهم : هل بلغكم ؟ فيقولون : ما أتانا من نذير وما أتانا من أحد، فيقال لنوح : من يشهد لك ؟ فيقول : محمد وأمته " قال : فذلك قوله :﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾(٦).
قال : الوسط(٧) : العدل، فتدعون، فتشهدون له بالبلاغ، ثم أشهد عليكم(٨).
رواه البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه من طرق عن الأعمش، [ به ](٩) (١٠).
وقال الإمام أحمد أيضًا : حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله ﷺ :" يجيء النبي يوم القيامة [ ومعه الرجل والنبي ](١١) ومعه الرجلان وأكثر من ذلك فيدعى قومه، فيقال [ لهم ](١٢) هل بلغكم هذا ؟ فيقولون : لا. فيقال له : هل بلغت قومك ؟ فيقول : نعم. فيقال [ له ](١٣) من يشهد لك ؟ فيقول : محمد وأمته فيدعى بمحمد وأمته، فيقال لهم : هل بلغ هذا قومه ؟ فيقولون : نعم. فيقال : وما علمكم ؟ فيقولون : جاءنا نبينا ﷺ فأخبرنا أن الرسل قد بلغوا " فذلك قوله عز وجل :﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ قال :" عدلا ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ " (١٤).
وقال الإمام أحمد أيضًا : حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ في قوله تعالى :﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ قال :" عدلا " (١٥).
وروى الحافظ أبو بكر بن مَرْدويه وابن أبي حاتم من حديث عبد الواحد بن زياد، عن أبي مالك الأشجعي، عن المغيرة بن عتيبة (١٦) بن نهاس : حدثني مكتب لنا(١٧) عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ، قال : أنا وأمَّتي يوم القيامة على كَوْم مُشرفين على(١٨) الخلائق. ما من الناس أحد إلا ودّ أنه منَّا. وما من نبي كَذَّبه قومه إلا ونحن نشهدُ أنه قد بلغ رسالةَ ربه، عز وجل(١٩).
وروى الحاكم، في مستدركه وابن مَرْدُويَه أيضاً، واللفظ له، من حديث مصعب بن ثابت، عن محمد بن كعب القُرَظي، عن جابر بن عبد الله، قال : شهد رسولُ الله ﷺ جنازة، في بني سلمة، وكنت إلى جانب رسول الله ﷺ، فقال بعضهم : والله - يا رسولَ الله - لنعم المرءُ كان، لقد كان عفيفا مسلما وكان. . . وأثنوا عليه خيراً. فقال رسول الله ﷺ :" أنت بما تقول ". فقال الرجل : الله أعلم بالسرائر، فأما الذي بدا لنا منه فذاك. فقال النبي ﷺ :" وجبت ". ثم شَهِد جنازة في بني حَارِثة، وكنتُ إلى جانب رسول الله ﷺ، فقال بعضهم : يا رسولَ الله، بئس المرءُ كان، إن كان لفَظّاً غليظاً، فأثنوا عليه شراً فقال رسول الله ﷺ لبعضهم :" أنت بالذي تقول ". فقال الرجل : الله أعلم بالسرائر، فأما الذي بدا لنا منه فذاك. فقال رسول الله ﷺ :" وجبت ".
قال مصعب بن ثابت : فقال لنا عند ذلك محمد بن كَعْب : صدقَ رسُول الله ﷺ، ثم قرأ :﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾
ثم قال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه(٢٠).
وقال الإمام أحمد : حدثنا يونس بن محمد، حدثنا داود بن أبي الفرات، عن عبد الله بن بُريدة، عن أبي الأسود أنه قال : أتيتُ المدينة فوافقتها، وقد وقع بها مرض، فهم يموتون موتاً ذَريعاً. فجلست إلى عمر بن الخطاب، فمرّت به جنازة، فَأثْنِيَ على صاحبها خير. فقال : وجبت وجَبَت. ثم مُرّ بأخرى فَأُثْنِيَ عليها شرٌّ، فقال عمر : وجبت [ وجبت ](٢١). فقال أبو الأسود : ما وجبت يا أمير المؤمنين ؟ قال : قلت كما قال رسولُ الله ﷺ :" أيّما مسلم شَهِد له أربعة بخير أدخله الله الجنة ". قال : فقلنا. وثلاثة ؟ قال :" وثلاثة ". قال، فقلنا : واثنان ؟ قال :" واثنان " ثم لم نسأله عن الواحد.
وكذا رواه البخاري، والترمذي، والنسائي من حديث داود بن أبي الفرات، به(٢٢).
قال ابن مَرْدويه : حدثنا أحمد بن عثمان بن يحيى، حدثنا أبو قِلابة الرقاشي، حدثني أبو الوليد، حدثنا نافع بن عمر، حدثني أمية بن صفوان، عن أبي بكر بن أبي زهير الثقفي، عن أبيه، قال : سمعت رسول الله ﷺ بالنَّباوَة(٢٣) يقول :" يوشك أن تعلموا خياركم من شراركم " قالوا : بم يا رسول الله ؟ قال : بالثناء الحسن والثناء السَّيِّئ، أنتم شهداء الله في الأرض ". ورواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يزيد بن هارون(٢٤). ورواه الإمام أحمد، عن يزيد بن هارون، وعبد الملك بن عمر(٢٥) وشريح، عن نافع عن ابن عمر، به(٢٦).
وقوله تعالى :﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ يقول تعالى : إنما شرعنا لك - يا محمد - التوجه أولا إلى بيت المقدس، ثم صرفناك عنها إلى الكعبة، ليظهر حالُ من يَتَّبعك ويُطيعك ويستقبل معك حيثما توجهتَ مِمَّن ينقلب على عَقبَيْه، أي : مُرْتَدّاً عن(٢٧) دينه ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ أي : هذه الفعلة، وهو صرف التوجه عن بيت المقدس إلى الكعبة، أي : وإن كان هذا الأمر عظيماً في النفوس، إلا على الذين هدى الله قلوبهم، وأيقنُوا بتصديق الرسُول، وأنَّ كلَّ ما جاء به فهو الحقّ الذي لا مرْية فيه، وأن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فله أن يكلّف عباده بما شاء(٢٨)، وينسخ ما يشاء، وله الحكمة التامة والحجة البالغة في جميع ذلك، بخلاف الذين في قلوبهم مرض، فإنه كلما حدث أمر أحدث لهم شكّاً، كما يحصل للذين آمنوا إيقان وتصديق، كما قال الله تعالى :﴿وَإِذَا مَا أُنزلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٤، ١٢٥] وقال تعالى :﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت: ٤٤] وقال تعالى :﴿وَنُنزلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢]. ولهذا كان مَن(٢٩) ثَبَتَ على تصديق الرسول ﷺ واتباعه في ذلك، وتوجه حيثُ أمره الله من غير شك ولا رَيْب، من سادات الصحابة. وقد ذهب بعضُهم إلى أن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار هم الذين صلّوا القبلتين.
وقال البخاري في تفسير هذه الآية :
حدثنا مُسَدَّد، حدثنا يحيى، عن سُفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال : بينا الناسُ يصلون الصبح في مسجد قُباء إذ جاء رجل فقال : قد أنزل على النبي ﷺ قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها. فتوجهوا إلى الكعبة(٣٠).
وقد رواه مسلم من وجه آخر، عن ابن عمر(٣١). ورواه الترمذي من حديث سفيان الثوري(٣٢) وعنده : أنهم كانوا ركوعاً، فاستداروا كما هم إلى الكعبة، وهم ركوع. وكذا رواه مسلم من حديث حَمّاد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، مثله(٣٣)، وهذا يدل على كمال طاعتهم لله ورسوله، وانقيادهم لأوامر الله عز وجل، رضي الله عنهم أجمعين.
وقوله :﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي : صلاتكم إلى بيت المقدس قبل ذلك لا يضيع(٣٤) ثوابها عند الله، وفي الصحيح من حديث أبي إسحاق السَّبِيعي، عن البراء، قال : مات قوم كانوا يصلون نحو بيت المقدس فقال الناس : ما حالهم في ذلك ؟ فأنزل الله تعالى :﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾(٣٥).
[ ورواه الترمذي عن ابن عباس وصححه(٣٦) ](٣٧).
وقال ابن إسحاق : حَدّثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس :﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي : بالقبلة الأولى، وتصديقكم نبيكم، واتباعه إلى القبلة الأخرى. أي : لَيُعْطيكم(٣٨) أجرَهما جميعا. ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾
وقال الحسن البصري :﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي : ما كان الله ليضيع محمدا ﷺ وانصرافكم معه حيث انصرف ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾
وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ رأى امرأة من السبي قد فرق بينها وبين ولدها، فجعلت كُلَّما وجدت صبيًا من السبي أخذته فألصقته بصدرها، وهي تَدُور على ولدها، فلما وجدته ضمته إليها وألقمته ثديها. فقال رسول الله ﷺ :" أترون هذه طارحة ولدها في النار، وهي تقدر على ألا تطرحه ؟ " قالوا : لا يا رسول الله. قال :" فوالله، لله أرحم بعباده من هذه بولدها " (٣٩).
٢ في أ: "واحترفناها لكم"، وفي و: "واخترناكم لها"..
٣ في أ: "الأمم"..
٤ في ط: "معترفين" وهو خطأ...
٥ في جـ: "وأصح"..
٦ المسند (٣/٣٢)..
٧ في جـ، ط: "قال: والوسط"..
٨ في جـ: "بقول يشهد عليكم" وفي ط: "وأشهد عليكم"..
٩ زيادة من جـ، ط، أ، و..
١٠ صحيح البخاري برقم (٣٣٣٩، ٤٤٨٧) وسنن الترمذي برقم (٢٩٦١) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٠٠٧) وسنن ابن ماجة برقم (٤٢٨٤)..
١١ زيادة من جـ، أ، والمسند..
١٢ زيادة من جـ، أ، والمسند..
١٣ زيادة من جـ، والمسند..
١٤ المسند (٣/٥٨)..
١٥ المسند (٣/٩)..
١٦ في جـ: "بن عيينة"..
١٧ في و: "مكاتب لنا"..
١٨ في جـ: "مشرف على"..
١٩ ورواه الطبري في تفسيره (٣/١٤٧) من طريق ابن فضيل عن أبي مالك الأشجعي به..
٢٠ المستدرك (٢/٢٦٨) وتعقبه الذهبي بقوله: "فيه مصعب بن ثابت ليس بالقوي"..
٢١ زيادة من أ..
٢٢ المسند ( ١/٢٢) وصحيح البخاري برقم (١٣٦٨) وسنن الترمذي برقم (١٠٥٩) وسنن النسائي (٤/٥٠)..
٢٣ في جـ: "بالبناوة"..
٢٤ سنن ابن ماجة برقم (٤٢٢١) وقال البوصيري في الزوائد (٣/٣٠١) "إسناد صحيح، رجاله ثقات"..
٢٥ في جـ، ط: "بن عمرو"..
٢٦ لم أجده في المطبوع من المسند بهذا الطريق، وذكره الحافظ ابن حجر في أطراف المسند (٦/٢٣١)..
٢٧ في جـ: "مرتدا على"..
٢٨ في أ: "بما يشاء"..
٢٩ في جـ: "من كان"..
٣٠ صحيح البخاري برقم (٤٤٨٨)..
٣١ صحيح مسلم برقم (٥٢٦)..
٣٢ سنن الترمذي برقم (٣٤١)..
٣٣ صحيح مسلم برقم (٥٢٧)..
٣٤ في ط، أ: "ما يضيع"..
٣٥ سبق تخريج الحديث قريبا..
٣٦ سنن الترمذي برقم (٢٩٦٤)..
٣٧ زيادة من جـ، ط، أ..
٣٨ في أ: "ليضيعنكم" وفي و: "ليعطينكم"..
٣٩ صحيح البخاري برقم (٥٩٩٩) وصحيح مسلم برقم (٢٧٥٤)..
تيسير الكريم الرحمن — السعدي
وفي باب الطهارة والمطاعم، لا كاليهود الذين لا تصح لهم صلاة إلا في بيعهم وكنائسهم، ولا يطهرهم الماء من النجاسات، وقد حرمت عليهم الطيبات، عقوبة لهم، ولا كالنصارى الذين لا ينجسون شيئا، ولا يحرمون شيئا، بل أباحوا ما دب ودرج.
بل طهارتهم أكمل طهارة وأتمها، وأباح الله لهم الطيبات من المطاعم والمشارب والملابس والمناكح، وحرم عليهم الخبائث من ذلك، فلهذه الأمة من الدين أكمله، ومن الأخلاق أجلها، ومن الأعمال أفضلها.
ووهبهم الله من العلم والحلم، والعدل والإحسان، ما لم يهبه لأمة سواهم، فلذلك كانوا ﴿أُمَّةً وَسَطًا﴾ [ كاملين ] ليكونوا ﴿شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ بسبب عدالتهم وحكمهم بالقسط، يحكمون على الناس من سائر أهل الأديان، ولا يحكم عليهم غيرهم، فما شهدت له هذه الأمة بالقبول، فهو مقبول، وما شهدت له بالرد، فهو مردود. فإن قيل : كيف يقبل حكمهم على غيرهم، والحال أن كل مختصمين غير مقبول قول بعضهم على بعض ؟ قيل : إنما لم يقبل قول أحد المتخاصمين، لوجود التهمة فأما إذا انتفت التهمة، وحصلت العدالة التامة، كما في هذه الأمة، فإنما المقصود، الحكم بالعدل والحق، وشرط ذلك، العلم والعدل، وهما موجودان في هذه الأمة، فقبل قولها.
فإن شك شاك في فضلها، وطلب مزكيا لها، فهو أكمل الخلق، نبيهم ﷺ، فلهذا قال تعالى :﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾
ومن شهادة هذه الأمة على غيرهم، أنه إذا كان يوم القيامة، وسأل الله المرسلين عن تبليغهم، والأمم المكذبة عن ذلك، وأنكروا أن الأنبياء بلغتهم، استشهدت الأنبياء بهذه الأمة، وزكاها نبيها.
وفي الآية دليل على أن إجماع هذه الأمة، حجة قاطعة، وأنهم معصومون عن الخطأ، لإطلاق قوله :﴿وَسَطًا﴾ فلو قدر اتفاقهم على الخطأ، لم يكونوا وسطا، إلا في بعض الأمور، ولقوله :﴿ولتكونوا شهداء على الناس﴾ يقتضي أنهم إذا شهدوا على حكم أن الله أحله أو حرمه أو أوجبه، فإنها معصومة في ذلك. وفيها اشتراط العدالة في الحكم، والشهادة، والفتيا، ونحو ذلك.
يقول تعالى :﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ وهي استقبال بيت المقدس أولا ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ أي : علما يتعلق به الثواب والعقاب، وإلا فهو تعالى عالم بكل الأمور قبل وجودها.
ولكن هذا العلم، لا يعلق عليه ثوابا ولا عقابا، لتمام عدله، وإقامة الحجة على عباده، بل إذا وجدت أعمالهم، ترتب عليها الثواب والعقاب، أي : شرعنا تلك القبلة لنعلم ونمتحن ﴿مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ ويؤمن به، فيتبعه على كل حال، لأنه عبد مأمور مدبر، ولأنه قد أخبرت الكتب المتقدمة، أنه يستقبل الكعبة، فالمنصف الذي مقصوده الحق، مما يزيده ذلك إيمانا، وطاعة للرسول.
وأما من انقلب على عقبيه، وأعرض عن الحق، واتبع هواه، فإنه يزداد كفرا إلى كفره، وحيرة إلى حيرته، ويدلي بالحجة الباطلة، المبنية على شبهة لا حقيقة لها.
﴿وَإِنْ كَانَتْ﴾ أي : صرفك عنها ﴿لَكَبِيرَةٌ﴾ أي : شاقة ﴿إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ فعرفوا بذلك نعمة الله عليهم، وشكروا، وأقروا له بالإحسان، حيث وجههم إلى هذا البيت العظيم، الذي فضله على سائر بقاع الأرض، وجعل قصده، ركنا من أركان الإسلام، وهادما للذنوب والآثام، فلهذا خف عليهم ذلك، وشق على من سواهم.
ثم قال تعالى :﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي : ما ينبغي له ولا يليق به تعالى، بل هي من الممتنعات عليه، فأخبر أنه ممتنع عليه، ومستحيل، أن يضيع إيمانكم، وفي هذا بشارة عظيمة لمن مَنَّ الله عليهم بالإسلام والإيمان، بأن الله سيحفظ عليهم إيمانهم، فلا يضيعه، وحفظه نوعان :
حفظ عن الضياع والبطلان، بعصمته لهم عن كل مفسد ومزيل له ومنقص من المحن المقلقة، والأهواء الصادة، وحفظ له بتنميته لهم، وتوفيقهم لما يزداد به إيمانهم، ويتم به إيقانهم، فكما ابتدأكم، بأن هداكم للإيمان، فسيحفظه لكم، ويتم نعمته بتنميته وتنمية أجره، وثوابه، وحفظه من كل مكدر، بل إذا وجدت المحن المقصود منها، تبيين المؤمن الصادق من الكاذب، فإنها تمحص المؤمنين، وتظهر صدقهم، وكأن في هذا احترازا عما قد يقال إن قوله :﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ قد يكون سببا لترك بعض المؤمنين إيمانهم، فدفع هذا الوهم بقوله :﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ بتقديره لهذه المحنة أو غيرها.
ودخل في ذلك من مات من المؤمنين قبل تحويل الكعبة، فإن الله لا يضيع إيمانهم، لكونهم امتثلوا أمر الله وطاعة رسوله في وقتها، وطاعة الله، امتثال أمره في كل وقت، بحسب ذلك، وفي هذه الآية، دليل لمذهب أهل السنة والجماعة، أن الإيمان تدخل فيه أعمال الجوارح.
وقوله :﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ أي : شديد الرحمة بهم عظيمها، فمن رأفته ورحمته بهم، أن يتم عليهم نعمته التي ابتدأهم بها، وأن ميَّزَ عنهم من دخل في الإيمان بلسانه دون قلبه، وأن امتحنهم امتحانا، زاد به إيمانهم، وارتفعت به درجتهم، وأن وجههم إلى أشرف البيوت، وأجلها.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
قد اشتملت الآية الأولى على معجزة، وتسلية، وتطمين قلوب المؤمنين، واعتراض وجوابه، من ثلاثة أوجه، وصفة المعترض، وصفة المسلم لحكم الله دينه.
فأخبر تعالى أنه سيعترض السفهاء من الناس، وهم الذين لا يعرفون مصالح أنفسهم، بل يضيعونها ويبيعونها بأبخس ثمن، وهم اليهود والنصارى، ومن أشبههم من المعترضين على أحكام الله وشرائعه، وذلك أن المسلمين كانوا مأمورين باستقبال بيت المقدس، مدة مقامهم بمكة، ثم بعد الهجرة إلى المدينة، نحو سنة ونصف - لما لله تعالى في ذلك من الحكم التي سيشير إلى بعضها، وكانت حكمته تقتضي أمرهم باستقبال الكعبة، فأخبرهم أنه لا بد أن يقول السفهاء من الناس: ﴿مَا وَلاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ وهي استقبال بيت المقدس، أي: أيُّ شيء صرفهم عنه؟ وفي ذلك الاعتراض على حكم الله وشرعه، وفضله وإحسانه، فسلاهم، وأخبر بوقوعه، وأنه إنما يقع ممن اتصف بالسفه، قليل العقل، والحلم، والديانة، فلا تبالوا بهم، إذ قد علم مصدر هذا الكلام، فالعاقل لا يبالي باعتراض السفيه، ولا يلقي له ذهنه. ودلت الآية على أنه لا يعترض على أحكام الله، إلا سفيه جاهل معاند، وأما الرشيد المؤمن العاقل، فيتلقى أحكام ربه بالقبول، والانقياد، والتسليم كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية، ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ وقد كان في قوله ﴿السفهاء﴾ ما يغني عن رد قولهم، وعدم المبالاة به.
ولكنه تعالى مع هذا لم يترك هذه الشبهة، حتى أزالها وكشفها مما سيعرض لبعض القلوب من الاعتراض، فقال تعالى: ﴿قُلْ﴾ لهم مجيبا: ﴿لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: فإذا كان المشرق والمغرب ملكا لله، ليس جهة من الجهات خارجة عن ملكه، ومع هذا يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، ومنه هدايتكم إلى هذه القبلة التي هي من ملة أبيكم إبراهيم، فلأي شيء يعترض المعترض بتوليتكم قبلة داخلة تحت ملك الله، لم تستقبلوا جهة ليست ملكا له؟ فهذا يوجب التسليم لأمره، بمجرد ذلك، فكيف وهو من فضل الله عليكم، وهدايته وإحسانه، أن هداكم لذلك فالمعترض عليكم، معترض على فضل الله، حسدا لكم وبغيا.
ولما كان قوله: ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ والمطلق يحمل على المقيد، فإن الهداية والضلال، لهما أسباب أوجبتها حكمة الله وعدله، وقد أخبر في غير موضع من كتابه بأسباب الهداية، التي إذا أتى بها العبد حصل له الهدى كما قال تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ﴾ ذكر في هذه الآية السبب الموجب لهداية هذه الأمة مطلقا بجميع أنواع الهداية، ومنة الله عليها فقال:
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ أي: عدلا خيارا، وما عدا الوسط، فأطراف داخلة تحت الخطر، فجعل الله هذه الأمة، وسطا في كل أمور الدين، وسطا في الأنبياء، بين من غلا فيهم، كالنصارى، وبين من جفاهم، كاليهود، بأن آمنوا بهم كلهم على الوجه اللائق بذلك، ووسطا في الشريعة، لا تشديدات اليهود وآصارهم، ولا تهاون النصارى.
وفي باب الطهارة والمطاعم، لا كاليهود الذين لا تصح لهم صلاة إلا في بيعهم وكنائسهم، ولا يطهرهم الماء من النجاسات، وقد حرمت عليهم الطيبات، عقوبة لهم، ولا كالنصارى الذين لا ينجسون شيئا، ولا يحرمون شيئا، بل أباحوا ما دب ودرج.
بل طهارتهم أكمل طهارة وأتمها، وأباح الله لهم الطيبات من المطاعم والمشارب والملابس والمناكح، وحرم عليهم الخبائث من ذلك، فلهذه الأمة من الدين أكمله، ومن الأخلاق أجلها، ومن الأعمال أفضلها.
ووهبهم الله من العلم والحلم، والعدل والإحسان، ما لم يهبه لأمة سواهم، فلذلك كانوا ﴿أُمَّةً وَسَطًا﴾ [كاملين] ليكونوا ﴿شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ بسبب عدالتهم وحكمهم بالقسط، يحكمون على الناس من سائر أهل الأديان، ولا يحكم عليهم غيرهم، فما شهدت له هذه الأمة بالقبول، فهو مقبول، وما شهدت له بالرد، فهو مردود. فإن قيل: كيف يقبل حكمهم على غيرهم، والحال أن كل مختصمين غير مقبول قول بعضهم على بعض؟ قيل: إنما لم يقبل قول أحد المتخاصمين، لوجود التهمة فأما إذا انتفت التهمة، وحصلت العدالة التامة، كما في هذه الأمة، فإنما المقصود، الحكم بالعدل والحق، وشرط ذلك، العلم والعدل، وهما موجودان في هذه الأمة، فقبل قولها.
فإن شك شاك في فضلها، وطلب مزكيا لها، فهو أكمل الخلق، نبيهم صلى الله عليه وسلم، فلهذا قال تعالى: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾.
-[٧١]-
ومن شهادة هذه الأمة على غيرهم، أنه إذا كان يوم القيامة، وسأل الله المرسلين عن تبليغهم، والأمم المكذبة عن ذلك، وأنكروا أن الأنبياء بلغتهم، استشهدت الأنبياء بهذه الأمة، وزكاها نبيها.
وفي الآية دليل على أن إجماع هذه الأمة، حجة قاطعة، وأنهم معصومون عن الخطأ، لإطلاق قوله: ﴿وَسَطًا﴾ فلو قدر اتفاقهم على الخطأ، لم يكونوا وسطا، إلا في بعض الأمور، ولقوله: ﴿ولتكونوا شهداء على الناس﴾ يقتضي أنهم إذا شهدوا على حكم أن الله أحله أو حرمه أو أوجبه، فإنها معصومة في ذلك. وفيها اشتراط العدالة في الحكم، والشهادة، والفتيا، ونحو ذلك.
يقول تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ وهي استقبال بيت المقدس أولا ﴿إِلا لِنَعْلَمَ﴾ أي: علما يتعلق به الثواب والعقاب، وإلا فهو تعالى عالم بكل الأمور قبل وجودها.
ولكن هذا العلم، لا يعلق عليه ثوابا ولا عقابا، لتمام عدله، وإقامة الحجة على عباده، بل إذا وجدت أعمالهم، ترتب عليها الثواب والعقاب، أي: شرعنا تلك القبلة لنعلم ونمتحن ﴿مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ ويؤمن به، فيتبعه على كل حال، لأنه عبد مأمور مدبر، ولأنه قد أخبرت الكتب المتقدمة، أنه يستقبل الكعبة، فالمنصف الذي مقصوده الحق، مما يزيده ذلك إيمانا، وطاعة للرسول.
وأما من انقلب على عقبيه، وأعرض عن الحق، واتبع هواه، فإنه يزداد كفرا إلى كفره، وحيرة إلى حيرته، ويدلي بالحجة الباطلة، المبنية على شبهة لا حقيقة لها.
﴿وَإِنْ كَانَتْ﴾ أي: صرفك عنها ﴿لَكَبِيرَةٌ﴾ أي: شاقة ﴿إِلا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ فعرفوا بذلك نعمة الله عليهم، وشكروا، وأقروا له بالإحسان، حيث وجههم إلى هذا البيت العظيم، الذي فضله على سائر بقاع الأرض، وجعل قصده، ركنا من أركان الإسلام، وهادما للذنوب والآثام، فلهذا خف عليهم ذلك، وشق على من سواهم.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي: ما ينبغي له ولا يليق به تعالى، بل هي من الممتنعات عليه، فأخبر أنه ممتنع عليه، ومستحيل، أن يضيع إيمانكم، وفي هذا بشارة عظيمة لمن مَنَّ الله عليهم بالإسلام والإيمان، بأن الله سيحفظ عليهم إيمانهم، فلا يضيعه، وحفظه نوعان:
حفظ عن الضياع والبطلان، بعصمته لهم عن كل مفسد ومزيل له ومنقص من المحن المقلقة، والأهواء الصادة، وحفظ له بتنميته لهم، وتوفيقهم لما يزداد به إيمانهم، ويتم به إيقانهم، فكما ابتدأكم، بأن هداكم للإيمان، فسيحفظه لكم، ويتم نعمته بتنميته وتنمية أجره، وثوابه، وحفظه من كل مكدر، بل إذا وجدت المحن المقصود منها، تبيين المؤمن الصادق من الكاذب، فإنها تمحص المؤمنين، وتظهر صدقهم، وكأن في هذا احترازا عما قد يقال إن قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ قد يكون سببا لترك بعض المؤمنين إيمانهم، فدفع هذا الوهم بقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ بتقديره لهذه المحنة أو غيرها.
ودخل في ذلك من مات من المؤمنين قبل تحويل الكعبة، فإن الله لا يضيع إيمانهم، لكونهم امتثلوا أمر الله وطاعة رسوله في وقتها، وطاعة الله، امتثال أمره في كل وقت، بحسب ذلك، وفي هذه الآية، دليل لمذهب أهل السنة والجماعة، أن الإيمان تدخل فيه أعمال الجوارح.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ أي: شديد الرحمة بهم عظيمها، فمن رأفته ورحمته بهم، أن يتم عليهم نعمته التي ابتدأهم بها، وأن ميَّزَ عنهم من دخل في الإيمان بلسانه دون قلبه، وأن امتحنهم امتحانا، زاد به إيمانهم، وارتفعت به درجتهم، وأن وجههم إلى أشرف البيوت، وأجلها.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٣١ كتابًا)
غريب الكلمات ومعانيها
معاني الكلمات الغريبة في الآية
- يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ
- يَرْتَدُّ عَنْ دِينِهِ.
إعراب الآية ١٤٣ من سورة البقرة
من كتاب: إعراب القرآن
[سورة البقرة (٢) : آية ١٤٣]
وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً مفعولان. قال القتبي «١» : إنما قيل للخير وسط لأن الغلوّ والتقصير مذمومان، وخير الأمور أوساطها. قال أبو إسحاق: العرب تشبّه القبيلة بالوادي والقاع وخير الوادي وسطه وكذا خير القبيلة وسطها، وقيل: سبيل الجليل والرئيس أن لا يكون طرفا وأن يكون متوسّطا فلهذا قيل للفاضل: وسط. لِتَكُونُوا لام كي أي لأن تكونوا، شُهَداءَ خبر ويكون عطفا. وقرأ الزهري إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ «٢» «من» : في موضع رفع على هذه القراءة لأنها اسم ما لم يسمّ فاعله.
وجمع قبلة في التكسير قبل وفي التسليم قبلات، ويجوز أن تبدل من الكسرة فتحة، ويجوز أن تحذف الكسرة. وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً الفراء يذهب إلى أنّ «إن» واللام بمعنى «ما» و «إلّا»، والبصريون «٣» يقولون: هي «إن» الثقيلة خفّفت فصلح الفعل بعدها ولزمتها اللام لئلّا تشبه «إن» التي بمعنى «ما» قال الأخفش: أي وإن كانت القبلة لكبيرة، لَرَؤُفٌ على وزن فعول والكوفيون يقرءون لَرَؤُفٌ «٤»، وحكى الكسائي أن لغة بني أسد لرأف على فعل.
[سورة البقرة (٢) : آية ١٤٤]
قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤)شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ظرف مكان كما تقول: تلقاءه وجهته، وانتصب الظرف لأنه فضلة بمنزلة المفعول به، وأيضا فإن الفعل واقع فيه.
[سورة البقرة (٢) : آية ١٤٥]
وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥)وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ لأنهم كفروا وقد تبيّنوا الحق
(٢) انظر المحتسب ١/ ١١١، ومختصر ابن خالويه ١٠، والبحر المحيط ١/ ٥٩٨.
(٣) انظر إعراب القرآن ومعانيه للزجاج ١٨٧.
(٤) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد ١٧١ والبحر المحيط ١/ ٦٠١.
سبب نزول الآية ١٤٣ من سورة البقرة
من كتاب: أسباب نزول القرآن - الواحدي
قال ابن عباس في رواية الكلبي: كان رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد ماتوا على القبلة الأولى منهم أسعد بن زُرَاةَ، وأبو أمَامَةَ أحَدُ بني النّجار، والبَرَاء بن مَعْرُور أحد بني سلمة، وأناس آخرون جاءت عشائرهم فقالوا: يا رسول الله توفي إخواننا وهم يصلون إلى القبلة الأولى، وقد صرفك الله تعالى إلى قبلة إبراهيم، فكيف بإخواننا؟ فأنزل الله ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ الآية.
القراءات في الآية ١٤٣ من سورة البقرة
اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية
النَّاسِ
بالإمالة
بالفتح
بِالنَّاسِ
بالإمالة
بالفتح
لَرَءوُفٌ
(لَرَءوفٌ) بهمزة مضمومة بعدها مد بدل يمد 2 أو 4 أو 6 حركات
(لَرَءُوف) بهمزة مضمومة بعدها مد بدل يمد حركتين
(لَرَؤُفٌ) بهمزة مضمومة دون مد
لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ
ادغام الميم في الميم ادغاماً كبيراً وادغام النون في الياء بغنة
اظهار الميم الأولى المفتوحة وادغام النون في الياء بغنة
اظهار الميم الأولى المفتوحة وادغام النون في الياء بلا غنة
الموضوعات القرآنية للآية ١٤٣ من سورة البقرة
١٩ موضوعًا تتناولها هذه الآية
- الأمة الوسط: أمة محمد صلى الله عليه وسلم
- الأمة الوسط ودورها في الناس
- الأمة الوسط خير أمة أخرجت للناس
- اعتبار الوسطية منهج الأمة في قيادة الناس والحياة
- تحول القبلة
- الرحمن، الرحيم، الرءوف، الغفور
- الرسول شهيد على أمته وأمته شهداء على الناس
- الرسالات [لإسقاط حجة البشر وللشهادة عليهم]
- الرؤوف
- الرحيم
- شهادته على أمته وشهادة أمته على الناس
- شهادات الأنبياء و الملائكة و محمد
- العَقِب
- القبلة
- الله رءوف بالعباد
- لا يضيع عند الله عمل عامل
- مقولات السفهاء عند تحويل القبلة
- من يهده يشرح صدره
- نعم الأسوة رسول الله صلى الله عليه وسلم
أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور
١٠٥ أقوال من موسوعة التفسير بالمأثور
تفسير الآية
٢١ قولًاقال مقاتل بن سليمان: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾، يعني: إيمان صلاتكم نحوَ بيت المقدس، يقول: لقد تُقُبِّلَتْ منهم١
عن مالك بن أنس -من طريق ابن وهْب- في قول الله: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾، قال: هي صلاة المؤمنين إلى بيت المقدس مِن قبل أن تُصْرَف القبلة إلى الكعبة، فلَمّا صرف الله القبلة أنزل: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾، لِلصلاة التي كانوا يصلونها تِلْقاءَ بيت المقدس١
عن أحمد بن يوسف، قال: قال سفيان في قول الله: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾، قال: صلاتكم إلى بيت المقدس١
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهْب- ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾: صلاتكم١٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- في قوله: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾، يقول: صلاتكم التي صلَّيتم من قَبْلِ أن تكون القبلة، وكان المؤمنون قد أشفقوا على مَن صَلّى منهم ألا تُقبَل صلاتهم١
عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن إسحاق بسنده- قال: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾، يقول: صلاتكم بالقبلة الأولى، وتصديقكم نبيَّكم، واتِّباعكم إياه إلى القبلة الآخرة، أي: ليعطينكم أجرهما جميعًا، ﴿إن الله بالناس لرؤوف رحيم﴾١
عن البراء بن عازب، في قوله: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾، قال: صلاتكم نحو بيت المقدس١
عن سعيد بن المسيب -من طريق يحيى بن سعيد- في هذه الآية: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾، قال: صلاتكم نحو بيت المقدس١
عن الحسن البصري -من طريق عَبّاد بن منصور- قوله: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ أي: ما كان الله ليضيع محمدًا وانصرافكم معه حيث انصرف، ﴿إنَّ اللَّهَ بِالنّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾١
عن إسماعيل السُّدِّي -من طريق أسباط- ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾، قال: صلاتكم قِبَلَ بيت المقدس، يقول: إنّ تلك كانت طاعة، وهذه طاعة١
عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ، في قوله: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا﴾، قال: «عَدْلًا»١
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا﴾، قال: «عَدْلًا»١
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- في قوله: ﴿جعلناكم أمة وسطا﴾، يقول: جعلكم أُمَّةً عَدْلًا١
عن سعيد بن جبير -من طريق جعفر- ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا﴾، قال: عَدْلًا١
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قول الله عز وجل: ﴿وكذلك جَعلناكم أمة وسَطًا﴾، قال: عَدْلًا١
عن عطاء، ومجاهد بن جبر، وعبد الله بن كثير -من طريق ابن جُرَيْج-: ﴿أمة وسَطًا﴾، قالوا: عَدْلًا. قال مجاهد: عُدُولًا١
عن قتادة بن دِعامة -من طريق معمر- قال في قوله: ﴿أمة وسطا﴾، قال: عُدُولًا١
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- ﴿أمة وسَطًا﴾، قال: عَدْلًا١
قال الكَلْبِيُّ: يعني: أهل دين، وسطٌ بين الغُلُوِّ والتَّقْصِير١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وكذلك﴾ يعني: وهكذا ﴿جعلناكم أمة وسطا﴾ يعني: عَدْلًا. نظيرها في «ن والقلم» قوله سبحانه: ﴿قال أوسطهم﴾ [٢٨]، يعني: أعدلهم، وقوله سبحانه: ﴿من أوسط ما تطعمون أهليكم﴾ [المائدة:٨٩] يعني: أعدل. فقول الله: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا﴾ يعني: أمة محمد تشهد بالعدل في الآخرة بين الأنبياء وبين أممهم١
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهْب- ﴿وكذلك جَعلناكم أمة وسَطًا﴾، قال: هم وسَطٌ بين النبي ﷺ وبين الأمم١٢
تفسير
٥٥ قولًاعن سعيد بن جبير -من طريق عطاء بن دينار- في قوله: ﴿لرؤوف﴾ قال: يرأف بكم، ﴿رحيم﴾ يعني: بالمؤمنين١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إن الله بالناس لرؤوف﴾ يعني: يَرِقُّ لهم، ﴿رحيم﴾ حين قَبِلها منهم قبل تحويل القبلة١
قال محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- ﴿رحيم﴾، قال: يرحم الله العباد على ما فيهم١
عن سعيد بن أبي عروبة:﴿رؤوف رحيم﴾، يعني: رؤوف رفيق١
عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن إسحاق بسنده- قال: ﴿إلا على الذين هدى الله﴾، أي: الذين ثَبَّت الله١
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- ﴿وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله﴾، يقول: إلا على الخاشعين، يعني: المُصَدِّقين بما أنزل الله تبارك وتعالى١٢
عن مُجالِد بن سعيد، قال الحجاج للحسن: أخبرني برأيك في أبي تُراب. قال الحسن: سمعت الله يقول: ﴿وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله﴾؛ فَعَليٌّ مِمَّن هَدى الله١
عن قتادة بن دِعامة، قال: عصم الله١
قال مقاتل بن سليمان: ثم استثنى، فقال: ﴿إلا على الذين هدى الله﴾؛ فإنّه لا يكبُر عليهم ذلك١
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- في قوله: ﴿إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه﴾، قال: إلا لِنُمَيِّز أهل اليقين مِن أهل الشك والريبة١٢
عن جابر الجُعْفِي، قال: أقسم بالله الشعبي: ما رُدَّ النبيُّ ﷺ على أهل بيت المقدس إلا لسَخَطِه على أهل بيت المقدس١
عن عطاء بن أبي رباح -من طريق ابن جُرَيْج- في قوله: ﴿إلا لنعلم من يتبع الرسول﴾، قال: يبتليهم ليعلم من يُسَلِّم لأمره١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إلا لنعلم﴾: إلا لنرى١ ﴿من يتبع الرسول﴾ يعني: محمدًا ﷺ على دينه في القِبلة، ومن يخالفه من اليهود ﴿ممن ينقلب على عقبيه﴾ يقول: ومن يرجع إلى دينه الأول٢
عن عبد الملك ابن جُرَيْج -من طريق حَجّاج- قال: بَلَغَنِي: أنّ أُناسًا من الذين أسلموا رجعوا، فقالوا: مرّة ههنا، ومرّة ههنا١
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهْب- في قوله: ﴿وما جَعلنا القبلةَ التي كنتَ عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه﴾، قال: مَن إذا دَخَلَتْه شُبْهَةٌ رجع عن الله، وانقلب كافرًا على عَقِبَيْه١٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- في قوله: ﴿وإن كانت لكبيرة﴾، يعني: تحويلها على أهل الشك والريب١
عن أبي العالية -من طريق الربيع بن أنس- ﴿وإن كانت لكبيرة﴾ أي: قبلة بيت المقدس، ﴿إلا على الذين هدى الله﴾١
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نَجِيح- في قوله: ﴿وإن كانت لكبيرة﴾، يقول: ما أُمِرَ به من التَّحَوُّل إلى الكعبة من بيت المقدس١
عن أبي العالية -من طريق الربيع بن أنس-، نحو ذلك١
وعن مقاتل بن حَيّان -من طريق بُكَيْر بن معروف-، نحو ذلك١
عن قتادة بن دِعامة -من طريق مَعْمَر- في قوله: ﴿لكبيرة إلا على الذين هَدى الله﴾، قال: كبيرة حين حُوِّلَت القبلة إلى المسجد الحرام، فكانت كبيرةً إلا على الذين هدى الله١٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وإن كانت لكبيرة﴾، يعني: القبلة، حين صرفها عن بيت المقدس إلى الكعبة، عَظُمَت على اليهود١
عن سفيان الثوري، في قول الله -جلَّ وعزَّ-: ﴿وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله﴾، قال: اليهود١
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهْب- ﴿وإن كانت لكبيرة إلا عَلى الذين هدى الله﴾، قال: كبيرة في صدور الناس، فيما يدخل الشيطانُ به ابنَ آدم. قال: ما لَهُم صلّوا إلى هاهنا ستةَ عشر شهرًا، ثم انحرفوا؟! فكَبُر ذلك في صدور من لا يعرف ولا يعقل والمنافقين، فقالوا: أيُّ شيء هذا الدين؟! وأما الذين آمنوا فثبَّت الله ذلك في قلوبهم. وقرأ قول الله: ﴿وإن كانت لكبيرةً إلا على الذين هدى الله﴾ قال: صلاتكم حتى يهديكم إلى القبلة١٢
عن ابن أبي نَجِيح -من طريق عيسى- قال: يأتي النبي ﷺ يوم القيامة بإذنه ليس معه أحد، فتشهد له أُمَّة محمد ﷺ أنّه قد بَلَّغَهم١
قال ابن جُرَيْج: قلت لعطاء [بن أبي رباح]: ما قوله: ﴿لتكونوا شهداء على الناس﴾؟ قال: أمة محمد، شهداء على من ترك الحقّ حين جاءه الإيمانُ والهدى، مِمَّن كان قبلنا، وقالها عبد الله بن كثير. قال: وقال عطاء: شهداء على مَن ترك الحق، من تركه من الناس أجمعين، جاء ذلك أمَّةَ محمد - ﷺ - في كتابهم ﴿ويكون الرسولُ عليكمْ شهيدًا﴾ على أنهم قد آمنوا بالحق حين جاءهم، وصَدَّقوا به١. (٢/ ٢٤)
عن قتادة بن دِعامة -من طريق مَعْمَر- ﴿لتكونوا شهداء على الناس﴾ أي: أنّ رسلهم قد بلّغت قومَها عن ربّها، ﴿ويكون الرسول عليكم شَهيدًا﴾ على أنّه قد بلّغ رسالات ربِّه إلى أمته١
عن زيد بن أسلم -من طريق مَعْمَر-: أنّ قوم نوح يقولون يوم القيامة: لَمْ يُبَلِّغْنا نوح. قال: فيُدْعى نوح، فيُسأل: هل بلّغتهم؟ قال: فيقول: نعم، قد بلَّغتُهم. فيُقال: مَن شهودُك؟ فيقول: أحمد وأمته. فيُدعَون، فيُسألون، فيقولون: نعم، قد بلَّغهم. قال: فيقول قوم نوح: وكيف تشهدون علينا ولم تُدْرِكُونا؟! قال: فيقولون: قد جاءنا نبيٌّ، فأخبرنا أنّه قد بلّغكم، وأُنزِل عليه أنه قد بلَّغكم، فصدَّقناه. فيُصَدَّق نوح، ويُكَذَّبون. قال: ﴿لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا﴾١
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- قوله: ﴿لتكونوا شهداء على الناس﴾، يقول: لتكونوا شهداء على الأمم الذين خَلَوا مِن قبلكم بما جاءتهم به رسلهم، وبما كذّبوهم، فقالوا يوم القيامة، وعَجِبوا: أنّ أمة لم يكونوا في زماننا، فآمنوا بما جاءتْ به رسلُنا، وكذّبنا نحن بما جاءوا به! فعَجِبوا كُلَّ العجب، ﴿ويكون الرسول عليكم شَهيدًا﴾ يشهد أنّهم آمنوا بالحق إذ جاءهم١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿لتكونوا شهداء على الناس﴾ يعني: على الرسل، هل بلّغت الرسالة عن ربها إلى أممهم؟ ﴿ويكون الرسول﴾ يعني: [محمدًا] ﷺ ﴿عليكم شهيدا﴾ يعني: على أمته أنَّه بلّغهم الرسالة١
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهْب- في قوله: ﴿لتكونوا شُهداء عل الناس ويكونَ الرسولُ عليكم شهيدًا﴾، قال: رسولُ الله ﷺ شاهدٌ على أمَّته، وهم شهداء على الأمم، وهم أحد الأشهاد الذين قال الله: ﴿ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾ [غافر:٥١]. والأشهاد أربعة: الملائكة الذين يُحصُون أعْمالنا؛ لنا وعلينا، وقرأ قوله: ﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ [ق:٢١]. وقال: هذا يوم القيامة. قال: والنبيون شُهداء على أممهم. قال: وأمة محمد ﷺ شُهداء على الأمم. قال: والأطوار١ الأجساد والجلود٢
عن عطاء بن أبي رباح -من طريق ابن جُرَيْج- في قوله: ﴿وما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها﴾ الآية، قال: يعني: بيت المقدس١
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- ﴿وما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها﴾، يعني: بيت المقدس١
عن عطية [العوفي]، نحو ذلك١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وما جعلنا القبلة التي كنت عليها﴾، يعني: بيت المقدس١٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن إسحاق بسنده- قال: ﴿إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه﴾، أي: ابتلاءً واختبارًا١
عن الحسن البصري، وقتادة، نحو ذلك١
عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ: «يُدْعى نوح يوم القيامة، فيُقال له: هل بلّغتَ؟ فيقول: نعم. فيدعو قومه، فيُقال لهم: هل بلّغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، وما أتانا من أحد. فيقال لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته. فذلك قوله: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا﴾. قال: والوسط: العدل. فتُدْعَون، فتشهدون له بالبلاغ، وأَشهد عليكم»١
عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ: «يجيءُ النبي يوم القيامة ومعه الرجل، والنبي ومعه الرجلان، وأكثر من ذلك، فيُدْعى قومه، فيقال لهم: هل بلّغكم هذا؟ فيقولون: لا. فيقال له: هل بلَّغت قومك؟ فيقول: نعم. فيقال له: مَن يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته. فيُدْعى محمد وأمته، فيُقال لهم: هل بلَّغ هذا قومَه؟ فيقولون: نعم. فيقال: وما علمكم؟ فيقولون: جاءنا نبيُّنا، فأخبرنا أنّ الرسل قد بلّغوا. فذلك قوله تعالى: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا﴾، قال: عدلًا؛ ﴿لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا﴾»١
عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ، قال: «أنا وأمتي يوم القيامة على كَوْمٍ مُشْرِفِين على الخلائق، ما من الناس أحد إلا ودَّ أنّه مِنّا، وما من نبي كذَّبه قومه إلا ونحن نشهد أنه بلَّغ رسالة ربه»١
عن جابر، قال: شَهِد رسولُ الله ﷺ جنازة في بني سلمة، وكنتُ إلى جانبه، فقال بعضهم: والله، يا رسول الله، لَنِعْمَ المرءُ كان، لقد كان عفيفًا مسلمًا، وكان. وأَثْنَوْا عليه خيرًا. فقال رسول الله ﷺ: «أنت الذي تقول؟». فقال: يا رسول الله، ذلك الذي بَدا لنا، والله أعلم بالسرائر. فقال رسول الله ﷺ: «وجَبَتْ». قال: وكُنّا معه في جنازة رجل من بني حارثة، أو من بني عبد الأشهل، فقال رجل: بِئْسَ المرءُ ما عَلِمْنا، إن كان لَفَظًا غليظًا، إن كان. فقال رسول الله ﷺ: «أنت الذي تقول؟». فقال: يا رسول الله، الله أعلم بالسرائر، فأمّا الذي بدا لنا مِنه فذاك. فقال: «وجَبَتْ». ثم تلا رسول الله ﷺ: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس﴾١
عن أنس، قال: مَرُّوا بجنازة، فأُثْنِي عليها خيرًا، فقال النبي ﷺ: «وجَبَتْ، وجَبَتْ، وجَبَتْ». ومُرّ بجنازة، فأُثْنِي عليها شرًّا، فقال النبي ﷺ: «وجَبَتْ، وجَبَتْ، وجَبَتْ». فسأله عمر، فقال: «مَن أثْنَيْتُم عليه خيرًا وجَبَتْ له الجنة، ومَن أثْنَيْتُمْ عليه شرًّا وجَبَتْ له النار؛ أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض». زاد الحكيم الترمذي: ثم تلا رسول الله ﷺ: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس﴾١
عن أبي هريرة، قال: أُتِي النبي ﷺ بجنازة يُصَلِّي عليها، فقال الناس: نِعْمَ الرجلُ. فقال النبي ﷺ: «وجَبَتْ». وأُتِي بجنازة أخرى، فقال الناس: بِئْسَ الرجلُ. فقال النبي ﷺ: «وجَبَتْ». قال أُبَيُّ بن كعب: ما قولك؟ فقال: «قال الله تعالى: ﴿لتكونوا شهداء على الناس﴾»١
عن حِبّانِ بنِ أبي جَبَلَةَ، بسنده إلى رسول الله ﷺ، قال: «إذا جَمَع الله عباده يوم القيامة كان أوَّل مَن يُدْعى إسرافيل، فيقول له ربه: ما فعلت في عهدي، هل بلَّغت عهدي؟ فيقول: نَعم، يا رب، قد بلّغته جبريل. فيُدعى جبريل، فيقال: هل بلّغك إسرافيل عهدي؟ فيقول: نعم. فيُخَلّى عن إسرافيل، ويقول لجبريل: هل بلّغت عهدي؟ فيقول: نعم، قد بلّغت الرسل. فتُدعى الرسل، فيقال لهم: هل بلّغكم جبريل عهدي؟ فيقولون: نعم. فيُخَلّى عن جبريل، ثم يقال للرسل: هل بلّغتم عهدي؟ فيقولون: نعم، بلّغناه الأمم. فتُدْعى الأمم، فيقال لهم: هل بلّغتكم الرسلُ عهدي؟ فمنهم المكذب، ومنهم المصدق، فتقول الرسل: إنّ لنا عليهم شهداء. فيقول: مَن؟ فيقولون: أُمَّةُ محمد ﷺ. فتُدْعى أُمَّةُ محمد، فيُقال لهم: أتشهدون أنّ الرسل قد بَلَّغَتِ الأمم؟ فيقولون: نعم. فتقول الأمم: يا ربنا، كيف يشهد علينا من لم يُدْرِكْنا؟! فيقول الله: كيف تشهدون عليهم ولم تدركوهم؟ فيقولون: يا ربنا، أرسلت إلينا رسولًا، وأنزلت علينا كتابًا، وقصصت علينا فيه أن قد بَلَّغوا، فنشهد بما عهدت إلينا. فيقول الرب: صَدَقُوا. فذلك قوله: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطًا﴾ والوسط: العدل؛ ﴿لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا﴾»١
عن أُبَيّ بن كعب -من طريق أبي العالية- في الآية، قال: ﴿لِتكونوا شهداء على الناس﴾ يوم القيامة، كانوا شهداء على قوم نوح، وعلى قوم هود، وعلى قوم صالح، وعلى قوم شعيب، وغيرهم، أنّ رسلهم بَلَّغَتْهُم، وأنّهم كَذَّبُوا رسلَهم. قال أبو العالية: وهي في قراءة أُبَيٍّ: (لِّتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلى النّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ)١
عن أبي سعيد الخُدْرِيّ، في قوله: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس﴾: بأنّ الرُّسُلَ قد بَلَّغوا، ﴿ويكون الرسول عليكم شهيدًا﴾ بما عَمِلْتُم١
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- ﴿لتكونوا شُهداء على الناس﴾، يعني: أنهم شهداء على القرون بما سمّى الله عز وجل لَهم١
عن كعب [الأحبار]، قال: أُعْطِيَت هذه الأمّة ثلاث خصال، لم يُعْطَها إلا الأنبياء، كان النبي يُقال له: بلِّغ ولا حرج، وأنت شهيد على قومك، وادْعُ أُجِبْك. وقال لهذه الأمّة: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [الحج:٧٨]. وقال: ﴿لتكونوا شهداء على الناس﴾. وقال: ﴿ادعوني استجب لكم﴾ [غافر:٦٠]١
عن عُبَيْد بن عُمَيْر -من طريق شِبْل وعيسى، عن ابن أبي نَجِيح، عن أبيه- قال: يأتي النبيُّ بأمته ليس معه أحد، فتشهد له أُمَّةُ محمد أنه قد بَلَّغَهم١
عن أبي نَجِيح -من طريق ابن جُرَيْج، عن ابن أبي نَجِيح- مثله١
عن أبي العالية -من طريق الربيع بن أنس- ﴿لتكونوا شهداء على الناس﴾ يقول: لتكونوا شهداء على الأمم التي قد خَلَت قبلكم، بما جاءتهم به رسلُهم، وبما كَذَّبوهم، ﴿ويكون الرسول عليكم شَهيدًا﴾ يشهد أنّهم آمنوا بالحق إذ جاءهم١٢
عن مجاهد بن جَبْر -من طريق ابن أبي نَجِيح- ﴿لتكونوا شهداء على الناس﴾: تكونوا شهداء لمحمد ﷺ على الأمم؛ اليهود، والنصارى، والمجوس١
عن الضحاك بن مُزاحِم -من طريق جُوَيْبِر- في قوله: ﴿لتكونوا شهداء على الناس﴾، يعني بذلك: الذين استقاموا على الهُدى، فهم الذين يكونون شهداء على الناس يوم القيامة لتكذيبهم رُسلَ الله، وكفرهم بآيات الله١
عن عكرمة مولى ابن عباس، قال: يُقال: يا نوح، هل بَلَّغْتَ؟ قال: نعم، يا رب. قال: فمَن يشهد لك؟ قال: رب، أحمد وأمته. قال: فكُلَّما دُعِيَ نبيّ كذّبه قومه شَهِدَتْ له هذه الأمةُ بالبلاغ، فإذا سأل عن هذه الأمة لم يَسْأل عنها إلا نبيها١
عن الحسن البصري -من طريق عَبّاد بن منصور- قوله: ﴿لتكونوا شهداء على الناس﴾ أي: عَدْلًا على الناس، ﴿ويكون الرسول عليكم شَهيدًا﴾ أي: عَدْلًا١
نزول الآية
٩ أقوالعن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- قال: لَمّا وُجِّه رسولُ الله ﷺ إلى القبلة قالوا: يا رسول الله، فكيف بالذين ماتوا وهم يُصَلُّون إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾١
عن البراء بن عازب، قال: قال رجال من المسلمين: ودِدْنا لو عَلِمنا مَن مات مِنّا قبل أن نُصرَف إلى القبلة، وكيف بصلاتنا نحو بيت المقدس؟ فأنزل الله: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾١
عن البراء بن عازب، قال: مات على القبلة قبل أن تُحَوَّل إلى البيت رجال، وقُتِلوا، فلَمْ نَدْرِ ما نقول فيهم؛ فأنزل الله -تعالى ذِكْرُه-: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾١
عن داود بن أبي عاصم -من طريق ابن جُرَيْج- قال: لَمّا صُرِف رسول الله ﷺ إلى الكعبة قال المسلمون: هلك أصحابنا الذين كانوا يصلون إلى بيت المقدس. فنزلت: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾١
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- قال: قال أُناس من الناس لَمّا صُرِفَت القبلة نحو البيت الحرام: كيف بأعمالنا التي كنا نعمل في قبلتنا الأولى؟ فأنزل الله: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾. وقد يبتلي الله عباده بما شاء من أمره الأمر بعد الأمر؛ ليعلم من يطيعه ممن يعصيه، وكل ذلك مقبول في درجة الإيمان بالله، والإخلاص، والتسليم لقضاء الله١
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- قال: لَمّا تَوَجَّه رسول الله ﷺ قِبَل المسجد الحرام؛ قال المسلمون: لَيْتَ شِعْرنا عن إخواننا الذين ماتوا وهم يصلون قِبَل بيت المقدس! هل تقبَّل الله مِنّا ومنهم أم لا؟ فأنزل الله فيهم: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾١
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- قال: قال ناسٌ لَمّا صُرِفَتِ القبلةُ إلى البيت الحرام: كيف بأعمالنا التي كُنّا نعملُ في قِبْلَتِنا الأولى؟ فأنزل الله: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾الآية١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾، وذلك أن حُيَيَّ بن أخْطَب اليهودي وأصحابَه قالوا للمسلمين: أخبِرونا عن صلاتكم نحو بيت المقدس، أكانت هدًى أم ضلالة؟ فواللهِ، لَئِن كانت هدًى لقد تَحَوَّلْتُم عنه، ولَئِن كانت ضلالةً لقد دِنتُم الله بِها فتقربتم إليه بها، وإنّ مَن مات منكم عليها مات على الضلالة. فقال المسلمون: إنما الهدى ما أمر الله عز وجل به، والضلالة ما نهى الله عنه. قالوا: فما شهادتكم على مَن مات منكم على قبلتنا؟ -وكان قد مات قبل أن تُحَوَّل القبلة إلى الكعبة أسعد بن زرارة من بني النجار، ومات البراء بن معرور من بني سَلِمة، وكانا من النُّقَباء، ومات رجال- فانطلقت عشائرهم، فقالوا للنبي ﷺ: تُوُفِّي إخواننا وهم يصلون إلى القبلة الأولى، وقد صرفك الله عز وجل إلى قبلة إبراهيم عليه السلام؛ فكيف بإخواننا؟ فأنزل الله عز وجل: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا﴾، وذلك أنّ اليهود -منهم مَرْحَب، ورافع، وربيعة- قالوا لمعاذ: ما ترك محمد قِبْلتنا إلا حسدًا، وإنّ قِبْلتنا قِبْلةُ الأنبياء، ولقد علم محمد أنّا عَدْلٌ بين الناس. فقال معاذ: إنّا على حق وعدل. فأنزل الله عز وجل في قول معاذ: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا﴾١
آثار متعلقة بالآية
٥ أقوالعن أبي زُهَير الثَّقَفِيّ، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ بالنَّباوَة١ يقول: «يُوشِك أن تعلموا خياركم من شِراركم». قال: بِمَ، يا رسول الله؟ قال: «بالثناء الحسن، والثناء السَّيِّء، أنتم شهداء الله في الأرض»٢
عن سَلَمة بن الأَكْوَع، قال: مُرَّ على النبي ﷺ بجنازة رجل من الأنصار، فأُثْني عليها خيرًا، فقال: «وجَبَتْ». ثم مُرَّ عليه بجنازة أخرى، فأُثْني عليها دون ذلك، فقال: «وجَبَتْ». فقالوا: يا رسول الله، وما وجَبَتْ؟ قال: «الملائكة شهود الله في السماء، وأنتم شهود الله في الأرض»١
عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يكون اللعّانون شهداءَ ولا شُفَعاءَ يوم القيامة»١
عن حِبّانِ بن أبي جَبَلَةَ، قال: بلغني: أنه تُرفع أمَّةُ محمد على كَوْم بين يدي الله، تشهد للرسل على أُمَمِها بالبلاغ، فإنما يشهد منهم يومئذ من لم يكن في قلبه إحْنَة١ على أخيه المسلم٢
عن القاسم بن عبد الرحمن، قال: قال رجل لابن عمر: مَن أنتم؟ قال: ما تقولون؟ قال: نقول: إنكم سِبْط. ونقول: إنكم وسط. فقال: سبحان الله! إنما السِّبْط في بني إسرائيل، والأمة الوسط أمة محمد جميعًا١. (٢/١٧)
نزول الآيات
١٥ قولًاعن عثمان بن عبد الرحمن، قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام يُصَلِّي انتظر أمرَ الله في القِبْلة، وكان يفعل أشياء لم يؤمر بها ولم يُنْهَ عنها مِن فعل أهل الكتاب، فبينا رسول الله ﷺ يُصَلّي الظهر في مسجده قد صلّى ركعتين إذ نزل عليه جبريل، فأشار له أن صَلِّ إلى البيت، وصلّى جبريلُ إلى البيت، وأنزل الله: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون﴾. قال: فقال المنافقون: حنَّ محمدٌ إلى أرضه وقومه. وقال المشركون: أراد محمدٌ أن يجعلنا له قِبْلة ويجعلنا له وسيلة، وعرف أنّ ديننا أهدى من دينه. وقال اليهود للمؤمنين: ما صرفكم إلى مكة وترَّكَكم القِبْلة؛ قِبْلة موسى ويعقوب والأنبياء؟ واللهِ، إنْ أنتم إلّا تُفْتَنون. وقال المؤمنون: لقد ذهب مِنّا قومٌ ماتوا ما ندري أكُنّا نحن وهم على قِبْلة أو لا؟ قال: فأنزل الله عز وجل في ذلك: ﴿سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها﴾ إلى قوله: ﴿إن الله بالناس لرؤوف رحيم﴾١
عن يحيى بن سلام أنّه قال: نزلت هذه الآية بعد ما صُرِف النبي عليه السلام إلى الكعبة، فهي قبلها في التَّأْلِيف، وهي بعدها في التنزيل، وذلك أنّ رسول الله ﷺ لَمّا حوَّله الله عز وجل إلى الكعبة من بيت المقدس قال المشركون: يا محمد، رَغِبْتَ عن قِبْلة آبائك، ثم رجعت إليها، وأيضًا -واللهِ- لترجعن إلى دينهم. فأنزل الله: ﴿سيقول السفهاء من الناس﴾ الآية١
عن البراء بن عازب، قال: كان رسول الله ﷺ صلى نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرًا، وكان رسول الله ﷺ يُحِبُّ أن يُوَجَّه إلى الكعبة؛ فأنزل الله: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء﴾ [البقرة:١٤٤]. فتَوَجَّه نحو الكعبة، وقال السفهاء من الناس -وهم اليهود-: ﴿ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم﴾ [البقرة: ١٤٢] فصلّى مع النبي ﷺ رجل، ثم خرج بعد ما صلى، فمرَّ على قوم من الأنصار في صلاة العصر نحو بيت المقدس، فقال: هو يشهد أنّه صلى مع رسول الله ﷺ، وأنه توجه نحو الكعبة. فتحرّف القوم، حتى توجَّهوا نحو الكعبة١
عن البراء بن عازب، قال: كان رسول الله ﷺ يُصَلِّي نحو بيت المقدس، ويُكثِر النَّظَر إلى السماء، ينتظر أمر الله؛ فأنزل الله: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾. فقال رجال من المسلمين: ودِدْنا لو علمنا مَن مات مِنّا قبل أن نُصرَف إلى القِبْلة، وكيف بصلاتنا نحو بيت المقدس؟ فأنزل الله: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾. وقال السفهاء من الناس -وهم من أهل الكتاب-: ما ولاّهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟ فأنزل الله: ﴿سيقول السفهاء﴾ إلى آخر الآية١
عن البراء بن عازب: أنّ رسول الله ﷺ كان أول ما قدم المدينة نزل على أجداده أو أخواله من الأنصار، وأنّه صلّى قِبَل بيت المقدس ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا، وكان يُعجبه أن تكون قِبْلته قِبَل البيت، وأنه صلّى صلاة العصر ومعه قوم، فخرج رجلٌ مِمَّن صلّى معه، فمرَّ على أهل المسجد وهم ركوع، فقال: أشهدُ لقد صلَّيْتُ مع رسول الله ﷺ قِبَل مكة. فداروا كما هم قِبَل البيت، وكان يعجبه أن يُحوَّل قِبَل البيت، وكان اليهود قد أعجبهم هذا؛ أن كان رسول الله ﷺ يُصَلِّي قِبَل بيت المقدس، وأهلُ الكتاب، فلمّا ولّى وجهه قِبَل البيت أنكروا ذلك١
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- قال: إنّ أول ما نُسِخ في القرآن القِبْلة، وذلك أنّ رسول الله ﷺ لَمّا هاجر إلى المدينة، وكان أكثر أهلها اليهود؛ أمره الله أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها رسول الله ﷺ بضعة عشر شهرًا، وكان رسول الله ﷺ يُحِبُّ قِبْلة إبراهيم، وكان يدعو الله وينظر إلى السماء؛ فأنزل الله: ﴿قد نرى تقلب وجهك﴾ إلى قوله: ﴿فولوا وجوهكم شطره﴾. يعني: نحوه، فارتاب من ذلك اليهود، وقالوا: ما ولّاهم عن قبلتهم الني كانوا عليها؟ فأنزل الله: ﴿قل لله المشرق والمغرب﴾. وقال: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ [البقرة:١١٥]١
عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن إسحاق بسنده- قال: صُرِفت القِبْلة عن الشام إلى الكعبة في رجب على رأس سبعة عشر شهرًا من مَقْدَم رسول الله ﷺ المدينة، فأتى رسولَ الله ﷺ رِفاعةُ بن قيس، وقِرْدَم بن عمرو، وكعب بن الأشرف، ونافع بن أبي نافع، والحجاج بن عمرو حليفُ كعب بن الأشرف، والربيع بن أبي الحُقَيق، وكنانة بن أبي الحُقَيق، فقالوا له: يا محمد، ما ولّاك عن قِبْلتك التي كنت عليها وأنت تزعم أنّك على مِلَّة إبراهيم ودينه؟! ارجع إلى قِبْلتك التي كنت عليها نَتبعْك ونُصَدِّقْك. وإنّما يريدون فتنته عن دينه؛ فأنزل الله فيهم: ﴿سيقول السفهاء من الناس﴾ إلى قوله: ﴿إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه﴾١
عن سعيد بن جبير، نحو ذلك مختصرًا١
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر-، نحو ذلك مختصرًا١
عن سعيد بن المسيب -من طريق يحيى بن سعيد- في قوله -جلَّ وعزَّ: ﴿وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول﴾، قال: صَلّى رسول الله ﷺ قَبْل بدر بشهرين نحو بيت المقدس، وكان يرفع بصره إلى السماء ويُحِبُّ أن يُصْرَف؛ فنزلت فيه: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فولّ وجهك شطر المسجد الحرام﴾١
عن محمد ابن شهاب الزهري، قال: صُرِفت القِبْلة نحو المسجد الحرام في رجب على رأس ستة عشر شهرًا من مخرج رسول الله ﷺ من مكة، وكان رسول الله ﷺ يُقَلِّب وجهه في السماء وهو يُصَلِّي نحو بيت المقدس، فأنزل الله حين وجّهه إلى البيت الحرام: ﴿سيقول السفهاء من الناس﴾ وما بعدها من الآيات. فأنشأت اليهود تقول: قد اشتاق الرجلُ إلى بلده وبيت أبيه وما لهم حتى تركوا قِبْلتهم؛ يُصَلُّون مرة وجهًا ومرة وجهًا آخر؟ وقال رجال من الصحابة: فكيف بمَن مات مِنّا وهو يُصَلّي قِبَل بيت المقدس؟ وفرِح المشركون، وقالوا: إنّ محمدًا قد التَبَس عليه أمرُه، ويُوشِك أن يكون على دينكم. فأنزل الله في ذلك هؤلاء الآيات١
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قال: كانت القِبْلة فيها بلاء وتمحيص، صلَّتِ الأنصارُ نحو بيت المقدس حولين قبل قدوم النبي ﷺ، وصلّى نبيُّ الله بعد قدومه المدينة نحو بيت المقدس ستة عشر شهرًا، ثم وجّهه الله بعد ذلك إلى الكعبة؛ البيت الحرام، فقال في ذلك قائلون من الناس: ما ولّاهم عن قِبْلتهم التي كانوا عليها؟ لقد اشتاق الرجل إلى مولده. قال الله عز وجل: ﴿قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم﴾١
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- قال: لَمّا وُجِّه النبي ﷺ قِبَل المسجد الحرام اختلف الناس فيها، فكانوا أصنافًا؛ فقال المنافقون: ما بالهم كانوا على قِبْلةٍ زمانًا ثم تركوها وتوجّهوا غيرها؟ وقال المسلمون: ليت شعرنا عن إخواننا الذين ماتوا وهم يُصَلُّون قِبَل بيت المقدس، هل يقبل الله مِنّا ومنهم أم لا؟ وقالت اليهود: إنّ محمدًا اشتاق إلى بلد أبيه ومولده، ولو ثبت على قِبْلتنا لكُنّا نرجو أن يكون هو صاحبنا الذي ننتظر. وقال المشركون من أهل مكة: تَحَيَّر على محمد دينُه؛ فتَوَجَّه بقِبْلته إليكم، وعلم أنّكم أهدى منه، ويوشك أن يدخل في دينكم. فأنزل الله في المنافقين: ﴿سيقول السفهاء من الناس﴾ إلى قوله: ﴿إلا على الذين هدى الله﴾. وأنزل الله في الآخرين الآيات بعدها١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿سيقول السفهاء من الناس﴾، وذلك أنّ النبي ﷺ وأصحابه كانوا بمكة يُصَلُّون ركعتين بالغداة، وركعتين بالعَشِيِّ، فلمّا عُرِج بالنبي ﷺ إلى السماء ليلًا أُمِر بالصلوات الخمس، فصارت الركعتان للمسافر، وللمقيم أربع ركعات، فلمّا هاجر إلى المدينة لليلتين خَلَتا من ربيع الأول أُمِر أن يُصَلِّي نحو بيت المقدس؛ لِئَلّا يُكَذِّب به أهل الكتاب إذا صلّى إلى غير قِبْلتهم، مع ما يجدون من نعته في التوراة. فصلّى النبيُّ ﷺ وأصحابه قِبَل بيت المقدس من أوّل مَقْدمه المدينة سبعة عشر شهرًا، وصلَّت الأنصار قِبَل بيت المقدس سنتين قَبْل هجرة النبي ﷺ، وكانت الكعبةُ أحبَّ القبلتين إلى النبي ﷺ، فقال لجبريل عليه السلام: وددت أنّ ربي صرفني عن قبلة اليهود إلى غيرها. فقال جبريل عليه السلام: إنّما أنا عبدٌ مثلك لا أملك شيئًا، فاسأل ربك ذلك. وصعد جبريل إلى السماء، وجعل النبيُّ ﷺ يُديم النظر إلى السماء رجاء أن يأتيه جبريل عليه السلام بما سأل؛ فأنزل الله عز وجل في رجب، عند صلاة الأولى، قبل قتال بدر بشهرين: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾. ولَمّا صُرِفَت القِبْلة إلى الكعبة قال مشركو مكة: قد تَرَدَّد على أمره، واشتاق إلى مولد آبائه، وقد توجّه إليكم وهو راجع إلى دينكم. فكان قولهم هذا سَفَهًا منهم؛ فأنزل الله عز وجل: ﴿سيقول السفهاء من الناس﴾، يعني: مُشرِكي مكة١
عن مالك بن أنس -من طريق عبد الله بن وهْب-: أنّ رسول الله ﷺ بعد أن قَدِم المدينة صلّى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا، ثم أُمِر بالتحويل إلى الكعبة، فتحول إلى الكعبة في صلاة الصبح، فذهب ذاهب إلى قباء، فوجدهم في صلاة الصبح، فقال لهم: إنّ النبي عليه السلام قد أُنزل عليه القرآن، وقد أُمر أن يستقبل الكعبة. فاستداروا وهم في الصلاة [طاعةً] لله، واتِّباعًا لأمره، قال: ونزل القرآن: ﴿سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم الــتي كانوا عليها﴾١
وقفات تدبرية في الآية ١٤٣ من سورة البقرة
٥٣ وقفةً في هذه الآية
-
(وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس) لا يحقق مقام الوسطية وثمرتها الشهادة إلا ذو علم وعمل وعقل ورسالة، وتخلف واحد منها نقص فيها!
— رقية المحارب
-
ﻻ يلزم أن تكون الوسطية بين طرفين فربما كانت واحدا من اثنين أو كانت واحدا ﻻ ثاني له ؛ ﻷن العبرة بالخيرة والعدل (جعلناكم أمة وسطا) يعني عدﻻ خيارا.
— سعود الشريم
-
"وكذلك جعلناكم أمة وسطا" في أكثر الصراعات الفكرية لا يمكن أن يستقل فريق بكل الحق.
— عبدالله بلقاسم
-
اعتدالك هو الوسط ، لكنه عند الجافي إفراط ، وعند الغالي تفريط ، فلا يخجلنك الغالي ، و ﻻ يغرنك الجافي (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس).
— سعود الشريم
-
تأمل سر ورود قوله { وكذلك جعلناكم أمة وسطا } في سياق آيات القبلة للإشعار بأن الله تعالى اختار هذه الأمة لتكون خير أمة واختار لها خير قبلة.
— محمد الربيعة
-
" جعلناكم أمة وسطاً " من معاني الوسط الفضل والحُسن.. ليس هناك من هو الأفضل لحسبه ونسبه ومنصبه وماله .. بل لأن الله جعله كذلك .
— علي الفيفي
-
{ لتكونوا شهداء على الناس } (أنتم شهود الله في أرضه) حكم خيار الناس على شخص مدحا أو ذما ناتج عن تاريخ له في الخير أو الشر وهو حكم معتبر شرعا.
— محمد الربيعة
-
إذا أردت أن تعرف أهلية شخص وخيريته فانظر شهادة أهل الخير والصلاح فيه ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا [خيارا عدولا] لتكونوا شهداء على الناس).
— محمد الربيعة
-
"وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول" حياتك مزروعة بالاختبارات الإلهية .. فاعتمد على خارطة الشرع لتصل .
— علي الفيفي
-
تدبر سورة البقرة ويؤكد مقصدها آية الاستخلاف التي وردت في آيات القبلة وقد توسطت آيات السورة { وكذلك جعلناكم أمة وسطا…}.
— محمد الربيعة
-
{…وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله} تفقّد هدايتك في قدْر استجابتك لأوامر الله.
— ابراهيم الفيفي
-
"وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله" الهداية تحيط قلبك بمادة نورانية تريك الأمور بحجمها الطبيعي.
— غدير حسين
و٤١ وقفةً أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.
فتاوى متعلقة بالآية ١٤٣ من سورة البقرة
فتوَيانِ تتعلق بهذه الآية
ترجمات معاني الآية ١٤٣ من سورة البقرة
ترجمة معاني الآية إلى ٦٠ لغةً
(143) And thus We have made you a median [i.e., just] community that you will be witnesses over the people and the Messenger will be a witness over you. And We did not make the qiblah which you used to face except that We might make evident who would follow the Messenger from who would turn back on his heels.[52] And indeed, it is difficult except for those whom Allāh has guided. And never would Allāh have caused you to lose your faith [i.e., your previous prayers]. Indeed Allāh is, to the people, Kind and Merciful.
[52]- i.e., refuse.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال
- الإنجليزية
- الفرنسية
- الإسبانية
- البرتغالية
- الألمانية
- الإيطالية
- التركية
- الإندونيسية
- الفلبينية
- الفارسية
- الأردية
- البنغالية
- الكردية
- البشتوية
- البوسنية
- الألبانية
- الأوكرانية
- الصينية
- الأويغورية
- اليابانية
- الكورية
- الفيتنامية
- الكازاخية
- الأوزبكية
- الأذرية
- الطاجيكية
- الهندية
- المليبارية
- الغوجراتية
- الماراتية
- التلجوية
- التاميلية
- السنهالية
- الأسامية
- الخميرية
- النيبالية
- التايلاندية
- الصومالية
- الهوساوية
- الأمهرية
- اليورباوية
- الأورومية
- الفنلندية
- ماراناو
- فلمكني (هولندية)
- النرويجية
- البولندية
- الرومانية
- الروسية
- تتاري
- السواحلية
- لغة الملايو
- تشيكي
- المالديفية
- السويدية
- العبرية
- الجورجية
- الصربية
- اللوغندية
- الإنكو بامبارا