تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
وقوله تعالى :﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ يقول تعالى : إنما حَوّلناكم إلى قبلة(١) إبراهيم، عليه السلام، واخترناها لكم(٢) لنجعلكم خيار الأمم، لتكونوا يوم القيامة شُهَداء على الأمم ؛ لأن الجميع(٣) معترفون(٤) لكم بالفضل. والوسط هاهنا : الخيار والأجود، كما يقال : قريش أوسطُ العرب نسباً وداراً، أي : خيرها. وكان رسول الله ﷺ وسطا في قومه، أي : أشرفهم نسبا، ومنه الصلاة الوسطى، التي هي أفضل الصلوات، وهي العصر، كما ثبت في الصحاح وغيرها، ولما جعل الله هذه الأمة وسطاً خَصَّها بأكمل الشرائع وأقوم المناهج وأوضح(٥) المذاهب، كما قال تعالى :﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٨]
وقال الإمام أحمد : حدثنا وَكِيع، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد قال : قال رسول الله ﷺ :" يدعى نوح يوم القيامة فيقال له : هل بلَّغت ؟ فيقول : نعم. فيدعى قومه فيقال لهم : هل بلغكم ؟ فيقولون : ما أتانا من نذير وما أتانا من أحد، فيقال لنوح : من يشهد لك ؟ فيقول : محمد وأمته " قال : فذلك قوله :﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾(٦).
قال : الوسط(٧) : العدل، فتدعون، فتشهدون له بالبلاغ، ثم أشهد عليكم(٨).
رواه البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه من طرق عن الأعمش، [ به ](٩) (١٠).
وقال الإمام أحمد أيضًا : حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله ﷺ :" يجيء النبي يوم القيامة [ ومعه الرجل والنبي ](١١) ومعه الرجلان وأكثر من ذلك فيدعى قومه، فيقال [ لهم ](١٢) هل بلغكم هذا ؟ فيقولون : لا. فيقال له : هل بلغت قومك ؟ فيقول : نعم. فيقال [ له ](١٣) من يشهد لك ؟ فيقول : محمد وأمته فيدعى بمحمد وأمته، فيقال لهم : هل بلغ هذا قومه ؟ فيقولون : نعم. فيقال : وما علمكم ؟ فيقولون : جاءنا نبينا ﷺ فأخبرنا أن الرسل قد بلغوا " فذلك قوله عز وجل :﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ قال :" عدلا ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ " (١٤).
وقال الإمام أحمد أيضًا : حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ في قوله تعالى :﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ قال :" عدلا " (١٥).
وروى الحافظ أبو بكر بن مَرْدويه وابن أبي حاتم من حديث عبد الواحد بن زياد، عن أبي مالك الأشجعي، عن المغيرة بن عتيبة (١٦) بن نهاس : حدثني مكتب لنا(١٧) عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ، قال : أنا وأمَّتي يوم القيامة على كَوْم مُشرفين على(١٨) الخلائق. ما من الناس أحد إلا ودّ أنه منَّا. وما من نبي كَذَّبه قومه إلا ونحن نشهدُ أنه قد بلغ رسالةَ ربه، عز وجل(١٩).
وروى الحاكم، في مستدركه وابن مَرْدُويَه أيضاً، واللفظ له، من حديث مصعب بن ثابت، عن محمد بن كعب القُرَظي، عن جابر بن عبد الله، قال : شهد رسولُ الله ﷺ جنازة، في بني سلمة، وكنت إلى جانب رسول الله ﷺ، فقال بعضهم : والله - يا رسولَ الله - لنعم المرءُ كان، لقد كان عفيفا مسلما وكان. . . وأثنوا عليه خيراً. فقال رسول الله ﷺ :" أنت بما تقول ". فقال الرجل : الله أعلم بالسرائر، فأما الذي بدا لنا منه فذاك. فقال النبي ﷺ :" وجبت ". ثم شَهِد جنازة في بني حَارِثة، وكنتُ إلى جانب رسول الله ﷺ، فقال بعضهم : يا رسولَ الله، بئس المرءُ كان، إن كان لفَظّاً غليظاً، فأثنوا عليه شراً فقال رسول الله ﷺ لبعضهم :" أنت بالذي تقول ". فقال الرجل : الله أعلم بالسرائر، فأما الذي بدا لنا منه فذاك. فقال رسول الله ﷺ :" وجبت ".
قال مصعب بن ثابت : فقال لنا عند ذلك محمد بن كَعْب : صدقَ رسُول الله ﷺ، ثم قرأ :﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾
ثم قال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه(٢٠).
وقال الإمام أحمد : حدثنا يونس بن محمد، حدثنا داود بن أبي الفرات، عن عبد الله بن بُريدة، عن أبي الأسود أنه قال : أتيتُ المدينة فوافقتها، وقد وقع بها مرض، فهم يموتون موتاً ذَريعاً. فجلست إلى عمر بن الخطاب، فمرّت به جنازة، فَأثْنِيَ على صاحبها خير. فقال : وجبت وجَبَت. ثم مُرّ بأخرى فَأُثْنِيَ عليها شرٌّ، فقال عمر : وجبت [ وجبت ](٢١). فقال أبو الأسود : ما وجبت يا أمير المؤمنين ؟ قال : قلت كما قال رسولُ الله ﷺ :" أيّما مسلم شَهِد له أربعة بخير أدخله الله الجنة ". قال : فقلنا. وثلاثة ؟ قال :" وثلاثة ". قال، فقلنا : واثنان ؟ قال :" واثنان " ثم لم نسأله عن الواحد.
وكذا رواه البخاري، والترمذي، والنسائي من حديث داود بن أبي الفرات، به(٢٢).
قال ابن مَرْدويه : حدثنا أحمد بن عثمان بن يحيى، حدثنا أبو قِلابة الرقاشي، حدثني أبو الوليد، حدثنا نافع بن عمر، حدثني أمية بن صفوان، عن أبي بكر بن أبي زهير الثقفي، عن أبيه، قال : سمعت رسول الله ﷺ بالنَّباوَة(٢٣) يقول :" يوشك أن تعلموا خياركم من شراركم " قالوا : بم يا رسول الله ؟ قال : بالثناء الحسن والثناء السَّيِّئ، أنتم شهداء الله في الأرض ". ورواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يزيد بن هارون(٢٤). ورواه الإمام أحمد، عن يزيد بن هارون، وعبد الملك بن عمر(٢٥) وشريح، عن نافع عن ابن عمر، به(٢٦).
وقوله تعالى :﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ يقول تعالى : إنما شرعنا لك - يا محمد - التوجه أولا إلى بيت المقدس، ثم صرفناك عنها إلى الكعبة، ليظهر حالُ من يَتَّبعك ويُطيعك ويستقبل معك حيثما توجهتَ مِمَّن ينقلب على عَقبَيْه، أي : مُرْتَدّاً عن(٢٧) دينه ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ أي : هذه الفعلة، وهو صرف التوجه عن بيت المقدس إلى الكعبة، أي : وإن كان هذا الأمر عظيماً في النفوس، إلا على الذين هدى الله قلوبهم، وأيقنُوا بتصديق الرسُول، وأنَّ كلَّ ما جاء به فهو الحقّ الذي لا مرْية فيه، وأن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فله أن يكلّف عباده بما شاء(٢٨)، وينسخ ما يشاء، وله الحكمة التامة والحجة البالغة في جميع ذلك، بخلاف الذين في قلوبهم مرض، فإنه كلما حدث أمر أحدث لهم شكّاً، كما يحصل للذين آمنوا إيقان وتصديق، كما قال الله تعالى :﴿وَإِذَا مَا أُنزلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٤، ١٢٥] وقال تعالى :﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت: ٤٤] وقال تعالى :﴿وَنُنزلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢]. ولهذا كان مَن(٢٩) ثَبَتَ على تصديق الرسول ﷺ واتباعه في ذلك، وتوجه حيثُ أمره الله من غير شك ولا رَيْب، من سادات الصحابة. وقد ذهب بعضُهم إلى أن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار هم الذين صلّوا القبلتين.
وقال البخاري في تفسير هذه الآية :
حدثنا مُسَدَّد، حدثنا يحيى، عن سُفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال : بينا الناسُ يصلون الصبح في مسجد قُباء إذ جاء رجل فقال : قد أنزل على النبي ﷺ قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها. فتوجهوا إلى الكعبة(٣٠).
وقد رواه مسلم من وجه آخر، عن ابن عمر(٣١). ورواه الترمذي من حديث سفيان الثوري(٣٢) وعنده : أنهم كانوا ركوعاً، فاستداروا كما هم إلى الكعبة، وهم ركوع. وكذا رواه مسلم من حديث حَمّاد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، مثله(٣٣)، وهذا يدل على كمال طاعتهم لله ورسوله، وانقيادهم لأوامر الله عز وجل، رضي الله عنهم أجمعين.
وقوله :﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي : صلاتكم إلى بيت المقدس قبل ذلك لا يضيع(٣٤) ثوابها عند الله، وفي الصحيح من حديث أبي إسحاق السَّبِيعي، عن البراء، قال : مات قوم كانوا يصلون نحو بيت المقدس فقال الناس : ما حالهم في ذلك ؟ فأنزل الله تعالى :﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾(٣٥).
[ ورواه الترمذي عن ابن عباس وصححه(٣٦) ](٣٧).
وقال ابن إسحاق : حَدّثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس :﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي : بالقبلة الأولى، وتصديقكم نبيكم، واتباعه إلى القبلة الأخرى. أي : لَيُعْطيكم(٣٨) أجرَهما جميعا. ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾
وقال الحسن البصري :﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي : ما كان الله ليضيع محمدا ﷺ وانصرافكم معه حيث انصرف ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾
وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ رأى امرأة من السبي قد فرق بينها وبين ولدها، فجعلت كُلَّما وجدت صبيًا من السبي أخذته فألصقته بصدرها، وهي تَدُور على ولدها، فلما وجدته ضمته إليها وألقمته ثديها. فقال رسول الله ﷺ :" أترون هذه طارحة ولدها في النار، وهي تقدر على ألا تطرحه ؟ " قالوا : لا يا رسول الله. قال :" فوالله، لله أرحم بعباده من هذه بولدها " (٣٩).
١ في ط: "ملة"..
٢ في أ: "واحترفناها لكم"، وفي و: "واخترناكم لها"..
٣ في أ: "الأمم"..
٤ في ط: "معترفين" وهو خطأ...
٥ في جـ: "وأصح"..
٦ المسند (٣/٣٢)..
٧ في جـ، ط: "قال: والوسط"..
٨ في جـ: "بقول يشهد عليكم" وفي ط: "وأشهد عليكم"..
٩ زيادة من جـ، ط، أ، و..
١٠ صحيح البخاري برقم (٣٣٣٩، ٤٤٨٧) وسنن الترمذي برقم (٢٩٦١) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٠٠٧) وسنن ابن ماجة برقم (٤٢٨٤)..
١١ زيادة من جـ، أ، والمسند..
١٢ زيادة من جـ، أ، والمسند..
١٣ زيادة من جـ، والمسند..
١٤ المسند (٣/٥٨)..
١٥ المسند (٣/٩)..
١٦ في جـ: "بن عيينة"..
١٧ في و: "مكاتب لنا"..
١٨ في جـ: "مشرف على"..
١٩ ورواه الطبري في تفسيره (٣/١٤٧) من طريق ابن فضيل عن أبي مالك الأشجعي به..
٢٠ المستدرك (٢/٢٦٨) وتعقبه الذهبي بقوله: "فيه مصعب بن ثابت ليس بالقوي"..
٢١ زيادة من أ..
٢٢ المسند ( ١/٢٢) وصحيح البخاري برقم (١٣٦٨) وسنن الترمذي برقم (١٠٥٩) وسنن النسائي (٤/٥٠)..
٢٣ في جـ: "بالبناوة"..
٢٤ سنن ابن ماجة برقم (٤٢٢١) وقال البوصيري في الزوائد (٣/٣٠١) "إسناد صحيح، رجاله ثقات"..
٢٥ في جـ، ط: "بن عمرو"..
٢٦ لم أجده في المطبوع من المسند بهذا الطريق، وذكره الحافظ ابن حجر في أطراف المسند (٦/٢٣١)..
٢٧ في جـ: "مرتدا على"..
٢٨ في أ: "بما يشاء"..
٢٩ في جـ: "من كان"..
٣٠ صحيح البخاري برقم (٤٤٨٨)..
٣١ صحيح مسلم برقم (٥٢٦)..
٣٢ سنن الترمذي برقم (٣٤١)..
٣٣ صحيح مسلم برقم (٥٢٧)..
٣٤ في ط، أ: "ما يضيع"..
٣٥ سبق تخريج الحديث قريبا..
٣٦ سنن الترمذي برقم (٢٩٦٤)..
٣٧ زيادة من جـ، ط، أ..
٣٨ في أ: "ليضيعنكم" وفي و: "ليعطينكم"..
٣٩ صحيح البخاري برقم (٥٩٩٩) وصحيح مسلم برقم (٢٧٥٤)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى