تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
[ قيل المراد بالسفهاء هاهنا : المشركون ؛ مشركو العرب، قاله الزجاج. وقيل : أحبار يهود، قاله مجاهد. وقيل : المنافقون، قاله السدي. والآية عامة في هؤلاء كلهم، والله أعلم ](١).
قال البخاري : حدثنا أبو نُعَيم، سمع زُهَيراً، عن أبي إسحاق، عن البراء، رضي الله عنه ؛ أن النبي ﷺ صلى إلى بيت(٢) المقدس ستَّة عشر شهرا أو سبعة عشر شهراً، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وأنه صلى أول صلاة صلاها، صلاة العصر، وصلى معه قوم. فخرج رجل(٣) ممن كان صلى معه، فمر على أهل المسجد وهم راكعون، فقال : أشهد بالله لقد صليتُ مع النبي ﷺ قبَل مكة، فدارُوا كما هم قبل البيت. وكان الذي مات على القبلة قبل أن تُحَوّل قبل البيت رجالا قتلوا لم ندر ما نقول فيهم، فأنزل الله عز وجل ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾
انفرد به البخاري من هذا الوجه(٤). ورواه مسلم من وجه آخر(٥).
وقال محمد بن إسحاق : حدثني إسماعيل(٦) بن أبي خالد، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال : كان رسول الله ﷺ يصلي نحو بيت المقدس، ويكثر النظر إلى السماء ينتظر(٧) أمر الله، فأنزل الله :﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ فقال رجال(٨) من المسلمين : وَددْنا لو عَلمْنا علم من مات منا قبل أن نُصْرف إلى القبلة، وكيف بصلاتنا نحو بيت المقدس ؟ فأنزل الله :﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ وقال السفهاء من الناس، وهم أهل الكتاب : ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ؟ فأنزل الله :﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ إلى آخر الآية.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة، حدثنا الحسن بن عطية، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء قال : كان رسول الله ﷺ قد صلى نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرا، وكان يحب أن يوجه نحو الكعبة، فأنزل الله :﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قال : فَوُجّه نحو الكعبة. وقال السفهاء من الناس، وهم اليهود :﴿مَا وَلاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ فأنزل الله ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس : إن رسول الله ﷺ لمّا هاجر إلى المدينة، أمَره الله أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها رسول الله ﷺ بضعة عشر شهراً، وكان رسول الله ﷺ يُحِب قبلة إبراهيم، فكان يدعو الله وينظر إلى السماء، فأنزل الله عز وجل :﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ أي : نحوه. فارتاب من ذلك اليهود، وقالوا : ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ؟ فأنزل الله :﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
وقد جاء في هذا الباب أحاديثُ كثيرة، وحاصلُ الأمر أنه قد كان رسول الله ﷺ أمِرَ باستقبال الصخرة من بيت المقدس، فكان بمكة يُصَلِّي بين الركنين، فتكون بين يديه الكعبة وهو مستقبل صخرة بيت المقدس، فلما هاجر إلى المدينة تَعَذَّر الجمعُ بينهما، فأمره الله بالتوجه إلى بيت المقدس، قاله ابن عباس والجمهور، ثم اختلف هؤلاء هل كان الأمر به بالقرآن أو بغيره ؛ على قولين، وحكى القرطبي في تفسيره عن عكرمة وأبي العالية والحسن البصري أن التوجه إلى بيت المقدس كان باجتهاده عليه الصلاة والسلام. والمقصود أن التوجه إلى بيت المقدس بعد مقدمه ﷺ المدينة، فاستمرَّ الأمرُ على ذلك بضعة عَشَرَ شهراً، وكان يكثر الدعاءَ والابتهالَ أنْ يُوَجَّه إلى الكعبة، التي هي قبلة إبراهيم، عليه السلام، فأجيب إلى ذلك، وأمر بالتوجِّه إلى البيت العتيق، فخطب رسولُ الله ﷺ الناس، وأعلمهم بذلك. وكان أول صلاة صلاها إليها صلاة العصر، كما تقدم في الصحيحين من رواية البراء. ووقع عند النسائي من رواية أبي سعيد بن المعلى : أنها الظهر(٩). وأما أهل قُبَاء، فلم يبلغهم الخبر إلى صلاة الفجر من اليوم الثاني، كما جاء في الصحيحين، عن ابن عمر أنه قال : بينما الناس بقباء في صلاة الصبح، إذ جاءهم آت فقال : إن رسول الله ﷺ قد أنزل عليه الليلة قرآن وقد أمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها. وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة(١٠).
وفي هذا دليل على أن الناسخ لا يلزم حكمه إلا بعد العلم به، وإن تقدم نزوله وإبلاغه ؛ لأنهم لم يؤمروا بإعادة العصر والمغرب والعشاء، والله أعلم.
ولما وقع هذا حصل لبعض الناس - من أهل النفاق والريب والكفرة من اليهود - ارتياب وزيغ عن الهدى وتخبيط وشك، وقالوا :﴿مَا وَلاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ أي : ما لهؤلاء تارة يستقبلون كذا، وتارة يستقبلون كذا ؟ فأنزل الله جوابهم في قوله :﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ أي : الحكم والتصرف والأمر كله لله، وحيثما تولوا فثمَّ وجه الله، و ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧]أي : الشأن كله في امتثال أوامر الله، فحيثما وجهنا توجهنا، فالطاعة في امتثال أمره، ولو وجهنا في كل يوم مرات إلى جهات متعددة، فنحن عبيده وفي تصريفه وخُدَّامُه، حيثما وجَّهَنا توجهنا، وهو تعالى له بعبده ورسوله محمد - صلوات الله وسلامه عليه(١١) - وأمتِه عناية عظيمة ؛ إذ هداهم إلى قبلة إبراهيم، خليل الرحمن، وجعل توجههم إلى الكعبة المبنية على اسمه تعالى وحده لا شريك له، أشرف بيوت الله في الأرض، إذ هي بناء إبراهيم الخليل، عليه السلام، ولهذا قال :﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
وقد روى الإمام أحمد، عن علي بن عاصم، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عُمَر(١٢) بن قيس، عن محمد بن الأشعث، عن عائشة قالت : قال رسول الله ﷺ - يعني في أهل الكتاب - :" إنهم لا يحسدوننا على شيء كما يحسدوننا على يوم الجمعة، التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى القبلة التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى قولنا خلف الإمام : آمين " (١٣).
١ زيادة من جـ، ط..
٢ في جـ: "إلى البيت"..
٣ في ط: "فخرج قوم"..
٤ صحيح البخاري برقم (٤٤٨٦)..
٥ صحيح مسلم برقم (٥٢٥)..
٦ في أ: "حدثني المعلى"..
٧ في ط: "وينتظر"..
٨ في أ: "فقال رجل"..
٩ سنن النسائي الكبرى برقم (١١٠٠٤)..
١٠ صحيح البخاري برقم (٤٠٣) وصحيح مسلم برقم (٥٢٦)..
١١ في ط: "صلى الله عليه وسلم"..
١٢ في ط، أ، و: "عن عمرو"..
١٣ المسند (٦/١٣٤)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى