اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
الكاف في قوله تعالى :" وَكَذَلِكَ " فيها الوجهان المَشْهُوران كما تقدم ذلك غير مَرّة : إما النصب على النعت، أو على الحال من المصدر المحذوف.
والتقدير : وكذلك جعلناكم أمّة وسطاً جعلاً مثل ذلك، ولكن المشار إليه ب " ذلك " غير مذكور فيما تقدم، وإنما تقدم ما يدلّ عليه. واختلفوا في " ذلك " على خمسة أوجه :
أحدها : أن المشار إليه هو الهُدى المدلول عليه بقوله :﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾.
والتقدير : جعلناكم أمة وسطاً مثل ما هديناكم.
الثاني : أنه الجعل، والتقدير : جعلناكم أمة وسطاً مثل ذلك الجَعْل القريب الذي فيه اختصاصكم بالهداية.
الثالث : قيل : المعنى كما جعلنا قبلتكم متوسّطة جعلناكم أمة وسطاً.
الرابع : قيل : المعنى كما جعلنا القِبْلة وسط الأرض جعلناكم أمة وسطاً.
الخامس - وهو أبعدها - أن المشار إليه قوله :﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا﴾ [البقرة: ١٣٠] أي : مثل ذلك الاصطفاء جعلناكم أمة وسطاً.
[ قال ابن الخطيب : ويحتمل عندي أن يكون التقدير : ولله المشرق والمغرب، فهذه الجهات بعد استوائها لكونها مِلْكاً لله تعالى، خصّ بعضها بمزيد الشرف والتكريم، بأن جعله قبلة فضلاً منه، وإحساناً ؛ فكذا العباد كلهم يشتركون في العبودية إلا أنه خص هذه الأمة بمزيد الفضل والعبادة، فضلاً منه وإحساناً لا وجوباً.
وفيه وجه آخر : وهو أنه قد يذكر ضمير الشيء، وإن لم يكن المضمر مذكوراً إذا كان المضمر مشهوراً معروفاً، كقوله تعالى :
﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١] لأن المعروف عند كل أحد أنه - سبحانه وتعالى - هو القادر على إعزاز من يشاء من خلقه، وإذلال من يشاء، فقوله تعالى :﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾
أي : ومثل ذلك الجعل العجيب الذي لا يقدر عليه أحد سواه جعلناكم أمة وسطاً ](١).
و " جعل " بمعنى صير، فيتعدّى لاثنين، فالضمير مفعول أول، و " أمة " مفعول ثاني ووسطاً نعته.
والوَسَط بالتحريك : اسم لما بين الطرفين، ويطلق على خيار الشيء ؛ لأن الأوساط محميَّة بالأطراف ؛ قال حَبِيبٌ :[ البسيط ].
٨٢١ - كَانَتْ هِيَ الوَسَطَ المَحْمِيَّ فَاكْتَنَفَتْبِهَا الحَوَادِثُ حَتَّى أَصْبَحَتُ طَرَفَا(٢)
ووسط الوادي خير موضع فيه ؛ قال زُهَيْر :[ الطويل ]
٨٢٢ - هُمُ وَسَطٌ تَرْضَى الأَنَامُ بِحُكْمِهِمْإذَا نَزَلَتْ إِحْدَى البَلاَياَ بِمُفْضَلِ(٣)
[ وقال آخر :[ الراجز ].
٨٢٣ - كُنْ مِنَ النَّاسِ جَمِيعاً وَسَطَا(٤) ](٥) ***. . .
وقال تعالى :﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ [القلم: ٢٨] أي أعدلهم.
[ وروى القفال عن الثورى عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن النبي ﷺ وشرف وبجل وعظم وكرم " أمّة وَسَطاً " ؛ قال :" عَدْلاً (٦) ".
وقال عليه صلوات الله وسلام :" خَيْرُ الأُمُورِ أَوْسَطُهَا(٧) " ؛ أي : أعدلها. وقيل : كان النبي - صلوات الله وسلامه عليه - أوسط قريش نَسَباً.
وقال عليه أفضل الصلاة والسلام :" عَلَيْكُمْ بالنَّمطِ الأَوْسَطِ(٨) "
قال الجوهري في الصحاح :" أمة وسطاً " أي : عدلاً، وهو الذي قاله الأخفش، والخليل، وقطرب، فالقرآن والحديث والشعر يدلون على أن الوَسَط : خيار الشيء(٩) ].
وأما المعنى فمن وجوه.
أحدها : أن الوسط حقيقة في البُعْد عن الطرفين، ولا شك أن طرفي الإفراط والتفريط رذيلتان، فالمتوسّط في الأخلاق يكون بعيداً عن الطرفين، فكان معتدلاً فاضلاً.
وثانيها : إنما سمي العدل وسطاً ؛ لأنه لا يميل إلى أحد الخصمين، [ والعدل هو المعتدل الذي لا يميل إلى أحد الطرفين ](١٠).
وثالثها : أن المراد بقوله :﴿جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ طريقة المدح لهم ؛ لأنه لا يجوز أن يذكر الله - تعالى - وصفاً، ويجعله كالعلة في أن جعلهم شهوداً له ثم عطف على ذلك شهادة الرسول، وذلك مدح، فثبت أن المراد بقوله :" وَسَطاً " ما يتعلّق بالمدح في باب الدين، ولا يجوز أن يمدح الله الشُّهود حال حكمه عليهم بكونهم شهوداً لا بكونهم عدولاً ؛ فوجب أن يكون المراد من الوَسَط العدالة.
ورابعها : أن الأوساط محمية بالأطراف، وحكمها مع الأطراف على حَدّ سواء، والأطراف يتسارع إليها الخَلَل والفساد، والوسط عبارة عن المعتدل الذي لا يميل إلى جِهَةٍ دون جهة.
وقال بعضهم : تفسير الوسط بأنه خيار الشيء [ أوْلى من تفسيره بالعدالة ؛ لأن العدالة لا تطلق على الجمادات، فكان أَوْلَى، والمراد من الآية : أنهم لم يغلوا ؛ كما غلت النصارى، فجعلوه ابناً وإلهاً، ولا قصَّروا ؛ كتقصير اليهود في قتل الأنبياء، وتبديل الكُتُبِ وغير ذلك(١١) ]. وفرق بَعْضهم بين " وَسَط " بالفتح و " وَسْط " بالتسكين.
فقال : كلُّ موضع صَلَحَ فيه لفظ " بَيْن " يقال بالسكون، وإلا فبالتحريك.
فتقول : جلست وَسْطَ القومِ، بالسكون.
وقال الراغب : وسط الشيء ما له طرفان متساويان القَدْر، ويقال ذلك في الكمية المتصلة كالجسم الواحد، فتقول : وسطه صلب، ووسْط بالسكون يقال في الكميّة المنفصلة ؛ كشيء يفصل بين جسمين نحو :" وَسْط القوم " كذا.
وتحرير القول فيه هو أن المفتوح في الأصل مَصْدَرٌ، ولذلك استوى في الوصف به الواحدُ وغيره، والمؤنَّث والمذكَّر، والسَّاكن ظَرْفٌ، والغالب فيه عدم التصرُّف، وقد جاء متمكِّناً في قول الفرزدق :[ الطويل ].
٨٢٤ - أَتَتْهُ بِمَجْلُومٍ كَأَنَّ جَبِينَهُصَلاَءَةُ وَرْسٍ وَسْطُهَا قَدْ تَفَلَّقَا(١٢)
روي برفع الطَّاء، والضمير ل " صلاءة "، وبفتحها والضمير للجائية.

فصل في الاستدلال بالآية على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى


احتج الأصحاب بهذه الآية على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى ؛ لأن هذه الآية دالة على أن عدالة هذه الأمة وخيرتيهم بجعل الله وخلقه، وهذا صريح في المذهب.
وقالت المعتزلة : المراد من هذا الجعل فعل الألطاف.
أجيب عنه بوجوده :
الأول : أن هذا ترك للظاهر، وذلك محال لا يصار إليه إلا عند عدم إمكان حمل الآية على ظاهرها، أقصى ما للمعتزلة في هذا الباب التمسّك بفصل المَدْح والذم والثواب والعقاب، وقد بيّنا أن هذه الطريقة منتقضةٌ على أصولهم بمسألة العلم ومسألة الداعي.
والثاني : أنه تعالى - قال قبل هذه الآية ﴿يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ١٤٢].
وقد بيّنا دلالة هذه الآية على قولنا في أنه - تعالى - يخص البعض بالهداية دون البعض، فهذه الآية يجب أن تكون محمولة على ذلك لتكون كل واحدة منها مؤكدة لمضمون الأخرى.
والثالث : أن كلّ ما في مقدور الله - تعالى - من الألطاف في حقّ الكل فقد فعله، وإذا كان كذلك لم يكن لتخصيص المؤمنين بهذا المعنى فائدة.
والرابع : أن الله - تعالى - ذكر ذلك في معرض الامْتِنَان.
فصل في الاستدلال بالآية على أن الإجماع حجّة(١٣)
احتج الجمهور بهذه الآية على أن الإجماع حجة فقالوا : أخبر الله - تعالى - عن عدالة هذه الأمة، وعن خيريتهم، فلو أقدموا على شيء من المَحْظُورات لما اتّصفوا بالخيرية وإذا ثبت أنهم لا يقدمون على شيء من المَحْظُورات وجب أن يكون قولهم حجّة، فإن قيل : الآية متروكة الظاهر ؛ لأن وصف الأمة بالعدالة يقتضي اتِّصَاف كل واحد منهم بها، وخلاف ذلك معلوم بالضرورة، فلا بد من حملها على البعض، فنحن نحملها على الأئمة المعصومين.
فالجواب : أنها ليست متروكة الظاهر، لكن لا نسلم أن الوسط من كل شيء خياره، والوجوه التي ذكرتموها معارضة بوجهين :
الأول : أن عدالة الرجل عبارة عن أداء الواجبات، واجتناب المحرمات، وهذا من فعل العبد، وقد أخبر الله - تعالى - أنه جعلهم وسطاً، وذلك يقتضي أن يكون كونهم وسطاً غير كونهم عدولاً، وإلا لزم وقوع مقدور واحد بقادرين وهو محال.
الثاني : أن الوَسَط اسم لما يكون متوسطاً بين شيئين، فجعله حقيقة في العدالة والخيرية يقتضي الاشتراك، وهو خلاف الأصل.
سلّمنا اتصافهم بالخيرية، وذلك لا يكفي في حصول هذا الوصف الاجتناب عن الكبائر فقط، وإذا كان كذلك احتمل أن الذي اجتمعوا عليه وإن كان خطأ، لكنه من الصَّغائر، فلا يقدح ذلك في خيريتهم، ومما يؤكّد ذلك الاحتمال أنه - تعالى - حكم بكونهم عدولاً ليكونوا شهداء على الناس، وفعل الصغائر لا يمنع الشهادة.
سلمنا اجتنابهم عن الصغائر والكبائر، ولكن الله - تعالى - بيّن وصفهم بذلك لكونهم شهداء على النَّاس، ومعلوم أن هذه الشهادة إنما تتحقق في الآخرة، فيلزم وجوب تحقق عدالتهم هناك، لأن عدالة الشهود إنما تعتبر حالة الأداء لا حالة التحمُّل، وذلك لا نزاع فيه ؛ لأن الأمة تصير معصومة في الآخرة.
فلم قلت : إنهم في الدنيا كذلك ؟
سلمنا وجوب كونهم عدولاً في الدنيا، لكن المخاطبين بهذا الخطاب [ هم الذين كانوا موجودين عند نزول هذه الآية، لأن الخطاب ](١٤) مع مَنْ لم يوجد مُحَال، وإذا كان كذلك، فهذه الآية تقتضي عدالة أولئك الذين كانوا موجودين في ذلك الوقت لا عدالة غيرهم، فدلّت الآية على أن إجماع [ أولئك ](١٥) حق، فيجب ألاَّ نتمسّك بالإجماع إلا إذا علمنا حصول قول كل أولئك فيه.
لكن ذلك لا يمكن [ إلا إذا علمنا كل واحد من أولئك الأقوام بأعيانهم، وعلمنا بقاء كل واحد ](١٦)منهم إلى ما بعد وفاة محمد ﷺ وعلمنا حصول أقوالهم بأسرهم في ذلك الإجماع، ولما كان ذلك كالمتعذّر امتنع التمسّك بالإجماع.
والجواب عن قولهم : الآية متروكة الظاهر.
قلنا : لا نُسلّم فإن قوله :﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ يقتضي أنه - تعالى - جعل كلّ واحد منهم عند اجتماعه مع غيره بهذه الصفة.
وعندنا أنهم في كل أمر اجتمعوا عليه، فإنّ كل واحد منهم يكون عدلاً في ذلك الأمر، بل إذا اختلفوا، فعند ذلك قد يفعلون القبيح، وإنما قلنا : إن هذا الخطاب معهم حال الاجتماع، لأن قوله :" جَعَلْنَاكُمْ " خطاب لمجموعهم لا لكلّ واحد منهم وحده، على أنا وإن سلمنا أن هذا يقتضي كون كل واحد فيهم عدلاً، لكنا نقول ترك العمل به في حقّ البعض لدليل قام عليه، فوجب أن يبقى معمولاً به في حقّ الباقي، وهذا معنى ما قاله العلماء : ليس المراد من الآية أن كلهم كذلك، بل المراد أنه لا بد وأن يوجد فيما بينهم من يكون بهذه الصفة، فإذا كُنَّا لا نعلمهم بأعيانهم افتقرنا إلى إجماع جماعتهم على القول والفعل لكي يدخل المعتبرون في جملتهم.
مثاله : أن الرسول - عليه الصلاة والسلام - إذا قال : إن واحداً من أولاد فلان لا بد وأن يكون مصيباً في الرأي، فإذا لم نعلمه بعينه، ووجدنا أولاده مجتمعين على رأي علمناه حقّاً ؛ لأنه لا بد وأن يوجد فيهم ذلك المحق.
فأما إذا اجتمعوا سوى الواحد على رأي لم نحكم بكونه حقّاً، لتجويز أن يكون الصواب مع ذلك الواحد المخالف.
ولهذا قال العلماء : إنا لو ميزنا في الأمة من كان مصيباً عمن كان مخطئاً كانت الحجة قائمة في قول المصيب ولم نعتبر ألبتة [ بقول المخطئ.
قوله : لو كان المراد من كونهم وسطاً هو عدالتهم لزم أن يكون فعل العبد خلقاً لله تعالى.
قلنا : هذا مذهبن
١ - سقط في ب..
٢ - ينظر ديوانه: (١٩٢)، الكشاف: ١/٣١٧، الدر المصون: ١/٣٩٢..
٣ - البيت ليس في ديوان زهير. ينظر البحر المحيط: ١/٥٩١، الطبري: ٣/١٤٢، القرطبي: ٢/١٠٤، الدر المصون: ١/٣٩٣..
٤ -ينظر القرطبي: ٢/١٠٤، البحر المحيط: ١/ ٥٩١، والدر المصون: ١/ ٣٩٣..
٥ -سقط في ب..
٦ - أخرجه البخاري (٣٣٣٩) باب قول الله عز وجل: (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه)، وفي "الاعتصام" (٧٣٤٩) باب (وكذلك جعلناكم أمة وسطا)، وأحمد (٣/٣٢، ٥٨) والترمذي (٢٩٦٥) وابن ماجه (٤٢٨٤) والطبري في "التفسير" (٣/١٤٣) وابن حبان (١٧١٩-موارد) وأبو يعلى (٢/٣٩٧) رقم (٣٩٧) والبيهقي في "الأسماء والصفات" ص ٢١٦..
٧ - أخرجه البيهقي (٣/ ٢٧٣) وانظر كشف الخفا للعجلوني (١/٤٦٩)..
٨ - ذكره الحافظ العراقي في "تخريج الإحياء" (١/ ٨١) وقال: أخرجه أبو عبيد في "غريب الحديث" موقوفا على علي بن أبي طالب ولم أجده مرفوعا..
٩ - سقط من ب..
١٠ - سقط من أ..
١١ سقط من ب..
١٢ - ينظر خزانة الأدب: ٣/٩٢، ٩٦، ولسان العرب (وسط) (جلم)، والخصائص: ٢/٣٦٩، والدرر: ٣/ ٢٨٨، ونوادر أبي زيد: ص ١٦٣، وهمع الهوامع: ١/٢٠١، والدر المصون: ١/٢٩٣..
١٣ - إن إثبات حجية الإجماع يرتكز على دعائم ثلاث: إمكانه في نفسه؛ وإمكان العلم به، وإمكان نقله إلى من يحتج به، ولقد أراد منكرو حجيته أن يأتوا البنيان من قواعده فأنكروها، قالوا على وجه الإجمال: يمتنع ثبوت الإجماع، ولو ثبت، يمتنع العلم به، ولو علم يمتنع نقله إلى المجتهد، فقد أسندوا كلامهم إلى ثلاث جهات، فلا بد لهذا من مقامات:
الأول: في بيان إمكان الإجماع
ذهب جمهور العلماء إلى أنه ممكن، وادعى بعض النظامية والروافض استحالته، وتحرير محل النزاع: أنه لا خلاف لأحد في إمكان الإجماع عقلا؛ لأن العقل لا يمنع من تصور اتفاق المجتهدين في عصر على حكم من الأحكام؛ ولأن أدلتهم الآتية إنما تنتج استحالته في حكم العادة، لا في جوازه في ضروريات الأحكام، وإنما النزاع في إمكانه عادة في الأحكام التي لا تكون معلومة بالضرورة، ونسب "ابن الحاجب" هذا القول إلى "النظام" ووافقه الكمال، وذكر "السبكي" أن هذا قول بعض أصحابه، وأما رأي "النظام" نفسه مع بعض أصحابه: فهو أنه يتصور، ولكن لا حجية فيه، كذا نقله القاضي، وأبو إسحاق الشيرازي، وابن السمعاني وهي طريقة الإمام الرازي وأتباعه في النقل عنه.
شبه المخالفين في إمكان الإجماع.
في هذا الصدد لم يلجأ معظم المصنفين إلى أدلة لإثبات دعوى الجمهور وهي إمكان الإجماع، بل اكتفوا بإيراد شبه الخصوم ثم هدمها، وفي ذلك إشعار بأن دعواهم بلغت من البداهة إلى حد لا تحتاج فيه إلى دليل أو تنبيه، ورُبّ سكوت أفضح من كلام.
قالوا: أولا لو أمكن اتفاقهم، لأمكن نقل الحكم إليهم جميعا؛ لأن اتفاقهم فرع تساؤلهم من نقل الحكم إليهم، فلا يتحقق إلا بعد تحققه، ونقل الحكم إليهم جميعا باطل؛ لأن انتشارهم في الأقطار يمنع منه عادة، فبطل المقدم وثبت نقيضه، وهو عدم إمكانه.
والجواب: قولكم "انتشارهم في الأقطار" يمنع من نقل الحكم إليهم ممنوع؛ فإنه لا منع في المتواتر؛ كالكتاب فهو لشهرته لا يخفى على أحد، ولا في أوائل الإسلام؛ لأن المجتهدين كانوا قليلين، فيتيسر نقل الحكم إليهم، و لا بعد جدهم في الطلب والبحث، فإن المطلوب لا يخفى على الطالب الجاد وجدّهم في طلب العلم لا ينكره أحد، فمنهم من رحل من أصفهان ببلاد الفرس إلى "معرة النعمان" بـ "الشام" على بعد ما بين البلدين، ولم يكن له من غرض سوى تحقيق بعض مسائل العلم، وأمثال هذا من طُلاّب العلم من المسلمين كثير، تقرأ تاريخ حياتهم فتجدهم تحملوا المشاقّ، واقتحموا العقبات، وساحوا في أرجاء الدنيا من "الفرس"، و"العراق" و"الشام"، "ومصر"، و"الأندلس"؛ ليدرسوا على مشاهير العلماء، وليطفئوا نيران ظمئهم إلى العلوم بالري من مناهله؛ وبالجملة؛ لم نجد أمة بذلت في هذا المضمار مثل ما بذلت هذه الأمة.
قالوا: ثانيا: لو أمكن اتفاقهم، فإما أن يكون عن قاطع، أو ظني؛ إذ لا بد للإجماع من مستند، وليس وراءهما مستند يستند إليه، والتالي بشقيه باطل، أما القاطع: فلأن العادة تحيل عدم الاطلاع عليه؛ لتوفر الدواعي على نقله، ولو اطلع عليه لنقل، لكنه لم ينقل، فلم يطلع عليه، فليس الإجماع عن قطعي، والظني تحيل العادة الاتفاق عليه؛ لاختلاف القرائح، وتباين الأنظار.
والجواب بالمنع فيهما، أما القاطع: فلأنه لا يجب نقله عادة؛ إذ قد يستغنى عن نقله بحصول الإجماع الذي هو أقوى منه؛ لعدم احتمال النسخ، بخلاف القاطع، وأما الظني: فلأنه قد يكون جليا فتقبله القرائح فتتفق عليه، واختلاف القرائح والأنظار إنما يمنع الاتفاق في الظن الخفي، دون الجلي.
.

١٤ - سقط في أ..
١٥ - في أ: القوم..
١٦ - سقط في أ..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى