تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني

عن الكتاب
قوله تعالى :( وكذلك جعلناكم ) يعني : كما اخترنا الأنبياء واخترنا بني إسرائيل من الخلق فكذلك اخترناكم من الأمم. ( أمة وسطا ) أي : عدلا خيارا. قال الشاعر :
هُمُ وسط يرضى الأنام بحكمهمإذا نزلت إحدى الليالي بمعظم
وفي الخبر أن النبي ﷺ قال :«إنكم توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأعدلها »(١)
وقد ورد في الخبر عنه ﷺ أنه قال :«خير الدين النمط الأوسط »(٢) يعني الذي ليس فيه غلو ولا تقصير. وذلك دين الإسلام ؛ لأن النصارى غلوا في دينهم، واليهود قصروا. وأما المسلمون أخذوا بالنمط الأوسط.
( لتكونوا شهداء على الناس ) وذلك يوم القيامة، حين يسأل الأمم عن إبلاغ الرسل، فينكرون تبليغهم الرسالة. فيسأل الرسل فيقولون : بلغنا، فيقال لهم : ومن يشهد لكم ؟ فيأتون بهذه الأمة فيشهدون لهم بالبلاغ. فتقول الأمم : إنهم أتوا بعدنا فكيف يشهدون بذلك ؟ فيسأل هذه الأمة. فيقولون : أرسلت إلينا رسولا، وأنزلت علينا كتابا، وأخبرتنا فيه ببلاغ الرسل، وأنت صادق فيما أخبرت، فبذلك نشهد لهم بالبلاغ.
( ويكون الرسول عليكم شهيدا ) على أعمالكم.
وقيل : معناه مزكيا مصدقا علي شهادتكم.
قوله تعالى :( وما جعلنا القبلة التي كنت عليها ) أي : ما حولنا القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة ( إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه ) فإن قال قائل : ما معنى قوله :( إلا لنعلم ) وهو عالم بالأشياء قبل كونها ؟
قلنا بلى كان عالما به علم الغيب، وإنما أراد بهذا : العلم الذي يتعلق به الثواب والعقاب، وهو العلم بوجود الأتباع ؛ فإن كونه موجودا إنما يعلم بعد الوجود.
وقيل : معناه إلا لنرى، وهو قريب من الأول.
وقيل : الابتلاء مضمر فيه، وتقديره : إلا لنبتلي فيظهر المتبع من المنقلب، وفي الخبر :«أن القبلة لما حولت إلى الكعبة، ارتد قوم من المسلمين إلى اليهودية، وقالوا : إن محمدا رجع إلى دين آبائه ». فهذا معنى قوله :( ممن ينقلب على عقبيه ) وقوله تعالى :( وإن كانت لكبيرة ) لثقيلة.
قيل : معناه : وإن كانت القبلة لكبيرة. قال الزجاج : وإن كانت التحويلة لكبيرة.
( إلا على الذين هدى الله ) أي : هداهم الله. ( وما كان الله ليضيع إيمانكم ) نزل هذا في قوم معينين. ذلك ما روى :«أن القبلة لما حولت سأل قوم رسول الله ﷺ فقالوا : إن قوما منا كانوا قد صلوا إلى بيت المقدس، وماتوا، فما شأنهم ؟ منهم أسعد بن زرارة، وأبو أمامة والبراء بن معرور فنزل قوله تعالى :( وما كان الله ليضيع إيمانكم ) » أي : صلاتكم فجعل الصلاة إيمانا، وهذا دليل على المرجئة ؛ حيث لم يجعلوا الصلاة من الإيمان. وإنما سموا مرجئة لأنهم أخروا العلم عن الإيمان.
وحكى : أن أبا يوسف شهد عند شريك بن عبد الله القاضي فرد شهادته، قيل له أترد شهادة يعقوب ؟ فقال : كيف أقبل شهادة من يقول : إن الصلاة ليست من الإيمان ؟ !.
وقيل : معنى قوله :( وما كان الله ليضيع إيمانكم ) بالتحويل.
( إن الله بالناس لرءوف رحيم ) والرأفة : أشد الرحمة.
١ - أخرجه الترمذي (٥/٢١١ رقم ٣٠٠١) وقال: حديث حسن، وابن ماجه (٢/١٤٣٣ رقم ٤٢٨٧، ٤٢٨٨)، والإمام أحمد في مسنده (٤/٤٤٧، ٥/٣، ٥) والحاكم في مستدركه (٤/٨٤) وقال: صحيح. جميعهم من حديث بهز بن حكيم عن أبيه، عن جده مرفوعا..
٢ - عزاه العراقي في تخريجه على الإحياء (١/٧٢) لأبي عبيد في الغريب من حديث علي موقوفا ولفظه "عليكم بالنمط الأوسط". وقال: ولم أجده مرفوعاً..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى