البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
الوسط : اسم لما بين الطرفين وصف به، فأطلق على الخيار من الشيء، لأن الأطراف يتسارع إليها الخلل، ولكونه اسماً كان للواحد والجمع والمذكر والمؤنث بلفظ واحد.
وقال حبيب : كانت هي الوسط المحميّ، فاكتنفت بها الحوادث حتى أصبحت طرفاً.
ووسط الوادي : خير موضع فيه، وأكثره كلأً وماء.
ويقال : فلان من أوسط قومه، وأنه لواسطة قومه، ووسط قومه : أي من خيارهم، وأهل الحسب فيهم.
وقال زهير :
وهم وسط يرضى الأنام بحكمهمإذا نزلت إحدى الليالي بمعظم
وقد وسط سطة ووساطة، وقال :
وكن من الناس جميعاً وسطاً***
وأما وسط، بسكون السين، فهو طرف المكان، وله أحكام مذكورة في النحو.
أضاع الرجل الشيء : أهمله ولم يحفظه، والهمزة فيه للنقل من ضاع يضيع ضياعاً، وضاع المسك يضوع : فاح.
﴿وكذلك جعلناكم أمّة وسطاً﴾ : الكاف : للتشبيه، وذلك : اسم إشارة، والكاف في موضع نصب، إما لكونه نعتاً لمصدر محذوف، وإما لكونه حالاً.
والمعنى : وجعلناكم أمة وسطاً جعلاً مثل ذلك، والإشارة بذلك ليس إلى ملفوظ به متقدم، إذ لم يتقدم في الجملة السابقة اسم يشار إليه بذلك، لكن تقدم لفظ يهدي، وهو دال على المصدر، وهو الهدى، وتبين أن معنى ﴿يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم﴾ : يجعله على صراط مستقيم، كما قال تعالى :﴿من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم﴾ قابل تعالى الضلال بالجعل على الصراط المستقيم، إذ ذلك الجعل هو الهداية، فكذلك معنى الهدى هنا هو ذلك الجعل.
وتبين أيضاً من قوله :﴿قل لله المشرق والمغرب﴾ إلى آخره، أن الله جعل قبلتهم خيراً من قبلة اليهود والنصارى، أو وسطاً.
فعلى هذه التقادير اختلفت الأقاويل في المشار إليه بذلك.
فقيل : المعنى أنه شبه جعلهم أمة وسطاً بهدايته إياهم إلى الصراط المستقيم، أي أنعمنا عليكم بجعلكم أمة وسطاً، مثل ما سبق إنعامنا عليكم بالهداية إلى الصراط المستقيم، فتكون الإشارة بذلك إلى المصدر الدال عليه يهدي، أي جعلناكم أمة خياراً مثل ما هديناكم باتباع محمد ﷺ، وما جاء به من الحق.
وقيل : المعنى أنه شبه جعلهم أمة وسطاً بجعلهم على الصراط المستقيم، أي جعلناكم أمة وسطاً مثل ذلك الجعل الغريب الذي فيه اختصاصكم بالهداية، لأنه قال :﴿يهدي من يشاء﴾، فلا تقع الهداية إلا لمن شاء الله تعالى.
وقيل : المعنى كما جعلنا قبلتكم خير القبل، جعلناكم خير الأمم.
وقيل : المعنى كما جعلنا قبلتكم متوسطة بين المشرق والمغرب، جعلناكم أمة وسطاً.
وقيل : المعنى كما جعلنا الكعبة وسط الأرض، كذلك جعلناكم أمة وسطاً، دون الأنبياء، وفوق الأمم، وأبعد من ذهب إلى أن ذلك إشارة إلى قوله تعالى :﴿ولقد اصطفيناه في الدنيا﴾ أي مثل ذلك الاصطفاء جعلناكم أمة وسطاً.
ومعنى وسطاً : عدولاً، روي ذلك عن رسول الله ﷺ، وقد تظاهرت به عبارة المفسرين.
وإذا صح ذلك عن رسول الله ﷺ، وجب المصير في تفسير الوسط إليه.
وقيل : خيار، أو قيل : متوسطين في الدين بين المفرط والمقصر، لم يتخذوا واحداً من الأنبياء إلهاً، كما فعلت النصارى، ولا قتلوه، كما فعلت اليهود.
واحتج جمهور المعتزلة بهذه الآية على أن إجماع الأمة حجة فقالوا : أخبر الله عن عدالة هذه الأمة وعن خيرتهم، فلو أقدموا على شيء، وجب أن يكون قولهم حجة.
﴿لتكونوا شهداء على الناس﴾ : تقدم شرح الشهادة في قوله :﴿وادعوا شهداءكم﴾ وفي شهادتهم هنا أقوال : أحدها : ما عليه الأكثر من أنها في الآخرة، وهي شهادة هذه الأمة للأنبياء على أممهم الذين كذبوهم، وقد روي ذلك نصاً في الحديث في البخاري وغيره.
وقال في المنتخب : وقد طعن القاضي في الحديث من وجوه، وذكروا وجوهاً ضعيفة، وأظنه عنى بالقاضي هنا القاضي عبد الجبار المعتزلي، لأن الطعن في الحديث الثابت الصحيح لا يناسب مذاهب أهل السنة.
وقيل : الشهادة تكون في الدنيا.
واختلف قائلوا ذلك، فقيل : المعنى يشهد بعضكم على بعض إذا مات، كما جاء في الحديث من أنه مر بجنازة فأثنى عليها خيراً، وبأخرى فأثنى عليها شرًّا، فقال الرسول :« وجبت »، يعني الجنة والنار، « أنتم شهداء الله في الأرض » ثبت ذلك في مسلم.
وقيل : الشهادة الاحتجاج، أي لتكونوا محتجين على الناس، حكاه الزّجاج.
وقيل : معناه لتنقلوا إليهم ما علمتموه من الوحي والدين كما نقله رسول الله ﷺ.
وتكون على بمعنى اللام، كقوله :﴿وما ذبح على النصب﴾ أي للنصب.
وقيل : معناه ليكون إجماعكم حجة، ويكون الرسول عليكم شهيداً، أي محتجاً بالتبليغ.
وقيل : لتكونوا شهداء لمحمد ﷺ على الأمم، اليهود والنصارى والمجوس، قاله مجاهد.
وقيل : شهداء على الناس في الدنيا، فيما لا يصح إلا بشهادة العدول الأخيار.
وأسباب هذه الشهادة، أي شهادة هذه العدول أربعة : بمعاينة، كالشهادة على الزنا، وبخبر الصادق، كالشهادة على الشهادة ؛ وبالاستفاضة، كالشهادة على الأنساب ؛ وبالدلالة، كالشهادة على الأملاك، وكتعديل الشاهد وجرحه.
وقال ابن دريد : الإشهاد أربعة : الملائكة بإثبات أعمال العباد، والأنبياء، وأمة محمد، والجوارح. انتهى.
ولما كان بين الرؤية بالبصر والإدراك بالبصيرة مناسبة شديدة، سمي إدراك البصيرة : مشاهدة وشهوداً، وسمي العارف : شاهداً ومشاهداً، ثم سميت الدلالة على الشيء : شهادة عليه، لأنها هي التي بها صار الشاهد شاهداً.
وقد اختص هذا اللفظ في عرف الشرع بمن يخبر عن حقوق الناس بألفاظ مخصوصة على جهات.
قالوا : وفي هذه الآية دلالة على أن الأصل في المسلمين العدالة، وهو مذهب أبي حنيفة، واستدل بقوله :﴿أمة وسطاً﴾، أي عدولاً خياراً.
وقال بقية العلماء : العدالة وصف عارض لا يثبت إلا ببينة، وقد اختار المتأخرون من أصحاب أبي حنيفة ما عليه الجمهور، لتغير أحوال الناس، ولما غلب عليهم في هذا الوقت، وهذا الخلاف في غير الحدود والقصاص.
﴿ويكون الرسول عليكم شهيداً﴾ : لا خلاف أن الرسول هنا هو محمد ﷺ، وفي شهادته أقوال : أحدها : شهادته عليهم أنه قد بلغهم رسالة ربه.
الثاني : شهادته عليهم بإيمانهم.
الثالث : يكون حجة عليهم.
الرابع : تزكيته لهم وتعديله إياهم، قاله عطاء، قال : هذه الأمة شهداء على من ترك الحق من الناس أجمعين، والرسول شهيد معدل مزك لهم.
وروي في ذلك حديث.
وقد تقدم أيضاً ما روى البخاري في ذلك.
واللام في قوله : لتكونوا هي، لام كي، أو لام الصيروة عن من يرى ذلك، فمجيء ما بعدها سبباً لجعلهم خياراً، أو عدولاً ظاهراً.
وأما كون شهادة الرسول عليهم سبباً لجعلهم خياراً، فظاهر أيضاً، لأنه إن كانت الشهادة بمعنى التزكية، أو بأي معنى فسرت شهادته، ففي ذلك الشرف التامّ لهم، حيث كان أشرف المخلوقات هو الشاهد عليه.
ولما كان الشهيد كالرقيب على المشهود له، جيء بكلمة على، وتأخر حرف الجر في قوله : على الناس، عما يتعلق به.
جاء ذلك على الأصل، إذ العامل أصله أن يتقدّم على المعمول.
وأما في قوله :﴿عليكم شهيداً﴾ فتقدّمه من باب الاتساع في الكلام للفصاحة، ولأن شهيداً أشبه بالفواصل والمقاطع من قوله : عليكم، فكان قوله : شهيداً، تمام الجملة، ومقطعها دون عليكم.
وما ذهب إليه الزمخشري من أن تقديم على أوّلاً، لأن الغرض فيه إثبات شهادتهم على الأمم ؛ وتأخير على : لاختصاصهم بكون الرسول شهيداً عليهم، فهو مبني على مذهبه : أن تقديم المفعول والمجرور يدل على الاختصاص.
وقد ذكرنا بطلان ذلك فيما تقدم، وأن ذلك دعوى لا يقوم عليها برهان.
وتقدّم ذكر تعليل جعلهم وسطاً بكونهم شهداء، وتأخر التعليل بشهادة الرسول، لأنه كذلك يقع.
ألا ترى أنهم يشهدون على الأمم، ثم يشهد الرسول عليهم، على ما نص في الحديث من أنهم إذا ناكرت الأمم رسلهم وشهدت أمّة محمد عليهم بالتبليغ، يؤتى بمحمد ﷺ فيسأل عن حال أمّته، فيزكيهم ويشهد بصدقهم ؟ وإن فسرت الشهادتان بغير ذلك مما يمكن أن تكون شهادة الرسول متقدّمة في الزمان، فيكون التأخير لذكر شهادة الرسول من باب الترقي، لأن شهادة الرسول عليهم أشرف من شهادتهم على الناس.
وأتى بلفظ الرسول، لما في الدلالة بلفظ الرسول على اتصافه بالرسالة من عند الله إلى أمّته.
وأتى بجمع فعلاء، الذي هو جمع فعيل وبشهيد، لأن ذلك هو للمبالغة دون قوله : شاهدين، أو إشهاداً، أو شاهداً.
وقد استدل بقوله :﴿ويكون الرسول عليكم شهيداً﴾ على أن التزكية تقتضي قبول الشهادة، فإن أكثر المفسرين قالوا : معنى شهيداً : مزكياً لكم، قالوا : وعليكم تكون بمعنى : لكم.
﴿وما جعلنا القبلة التي كانت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه﴾ : جعل هنا : بمعنى صير، فيتعدى لمفعولين : أحدهما القبلة، والآخر ﴿التي كنت عليها﴾.
والمعنى : وما صيرنا قبلتك الآن الجهة التي كنت أوّلاً عليها إلا لنعلم، أي ما صيرنا متوجهك الآن في الصلاة المتوجه أوّلاً، لأنه كان يصلي أولاً إلى الكعبة، ثم صلى إلى بيت المقدس، ثم صار يصلي إلى الكعبة.
وتكون القبلة : هو المفعول الثاني، والتي كنت عليها : هو المفعول الأول، إذ التصيير هو الانتقال من حال إلى حال.
فالمتلبس بالحالة الأولى هو المفعول الأول، والمتلبس بالحالة الثانية هو المفعول الثاني.
ألا ترى أنك تقول : جعلت الطين خزفاً، وجعلت الجاهل عالماً ؟ والمعنى هنا على هذا التقدير : وما جعلنا الكعبة التي كانت قبلة لك أولاً، ثم صرفت عنها إلى بيت المقدس، قبلتك الآن إلا لنعلم.
ووهم الزمخشري في ذلك، فزعم أن التي كنت عليها : هو المفعول الثاني لجعل، قال : التي كنت عليها ليس بصفة للقبلة، إنما هي ثاني مفعولي جعل.
تريد : وما جعلنا القبلة الجهة التي كنت عليها، وهي الكعبة، لأن رسول الله ﷺ كان يصلي بمكة إلى الكعبة، ثم أمر بالصلاة إلى صخرة بيت المقدس بعد الهجرة، تألفاً لليهود، ثم حوّل إلى الكعبة، فيقول : وما جعلنا القبلة التي يجب أن تستقبلها الجهة التي كنت عليها أولاً بمكة، يعني : وما رددناك إليها إلا امتحاناً للناس وابتلاءً، انتهى ما ذكره.
وقد أوضحنا أن التي كنت عليها : هو المفعول الأول.
وقيل : هذا بيان لحكمة جعل بيت المقدس قبلة.
والمعنى : وما جعلنا متوجهك بيت المقدس إلا لنعلم، فيكون ذلك على معنى : أن استقبالك بيت المقدس هو أمر عارض، ليتميز به الثابت على دينه من المرتدّ.
وكل واحد من الكعبة وبيت المقدس صالح بأن يوصف بقوله : التي كنت عليها، لأنه قد كان متوجهاً إليهما في وقتين.
وقيل : التي كنت عليها صفة للقبلة، وعلى هذا التقدير اختلفوا في المفعول الثاني، فقيل : تقديره : وما جعلنا القبلة التي كنت عليها قبلة إلا لنعلم.
وقيل : التقدير : وما جعلنا القبلة التي كنت عليها منسوخة إلا لنعم.
وقيل : ذلك على حذف مضاف، أي وما جعلنا صرف القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم، ويكون ال

تفسير هذه الآية من كتب أخرى