تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور

عن الكتاب
هذه الجملة معترضة بين جملة : سيقول السفهاء ﴿وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى الناس وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٢] الخ وجملة :﴿وما جعلنا القبلة التي كنت عليها﴾ الخ، والواو اعتراضية وهي من قبيل الواو الاستئنافية، فالآية السابقة لما أشارت إلى أن الذين هدوا إلى صراط مستقيم هم المسلمون وأن ذلك فضل لهم ناسب أن يستطرد لذكر فضيلة أخرى لهم هي خير مِما تقدم وهي فضيلة كون المسلمين عُدولاً خياراً ليشهدوا على الأمم لأن الآيات الواقعة بعدها هي في ذكر أمر القبلة وهذه الآية لا تتعلق بأمر القبلة.
وقوله :﴿وكذلك﴾ مركب من كاف التشبيه واسممِ الإشارة فيتعيَّن تَعَرُّف المشار إليه وما هو المشبه به قال صاحب « الكشاف » :« أي مثلَ ذلك الجَعْل العَجيب جعلناكم أمةً وسطاً » فاختلف شارحُوه في تقرير كلامه وتبين مراده، فقال البيضاوي :« الإشارة إلى المفهوم أي ما فهم من قوله :﴿يهدي من يشاى إلى صراط مستقيم﴾ [البقرة: ١٤٢] أي كما جعلناكم أمة وسطاً أو كما جعلنا قبلتكم أفضلَ قِبلة جعلناكم أمة وسطاً » اهـ. أي إن قوله :﴿يهدي من يشاء﴾ يُومِىء إلى أن المهدي هم المسلمون وإلى أن المهدي إليه هو استقبال الكعبة وقت قول السفهاء ﴿ما وَلاَّهم﴾ [البقرة: ١٤٢] على ما قدمناه وهذا يجعل الكاف باقية على معنى التشبيه ولم يُعَرِّجْ على وصف « الكشاف » الجعل بالعجيب كأنه رأى أن اسم الإشارة لا يتعين للحمل على أكثر من الإشارة وإن كان إشارة البعيد فهو يستعمل غالباً من دون إرادة بُعد وفيه نظر، والمشار إليه على هذا الوجه معنى تقدم في الكلام السَّابق فالإشارة حينئذٍ إلى مذكور متقرر في العِلم فهي جارية على سَنن الإشارات.
وحمل شراح « الكشاف » الكاف على غير ظاهر التشبيه، فأما الطيبي والقطب فقالا الكاف فيه اسم بمعنى مِثل منتصب على المفعولية المطلقة لِجعلناكم أي مثلَ الجَعْل العجيب جعلناكم فليس تشبيهاً ولكنه تمثيل لحالة والمشار إليه ما يفهم من مضمون قوله :﴿يهدي﴾ وهو الأمر العجيب الشأن أي الهدى التام، ووجه الإتيان بإشارة البعيد التنبيه على تعظيم المشار إليه وهو الذي عناه في « الكشاف » بالجعل العجيب، فالتعظيم هنا لبداعة الأمر وعجابته، ثم إن القطب ساق كلاماً نقض به صدر كلامه.
وأما القزويني صاحبُ « الكشْف » والتفتزاني فبيناه بأن الكاف مقحمة كالزائدة لا تدل على تمثيل ولا تشبيه فيصير اسم الإشارة على هذا نائباً مناب مفعول مطلق لجعلناكم كأنه قيل ذلك الجعلَ جعلناكم أي فعدل عن المصدر إلى اسم إشارته النائب عنه لإفادة عجابة هذا الجعل بما مع اسم الإشارة من علامة البعد المتعين فيها لبعد المرتبة. والتشبيه على هذا الوجه مقصود منه المبالغة بإيهام أنه لو أراد المشبِّه أن يشبه هذا في غرابته لما وجد له إلاّ أن يشبهه بنفسه وهذا قريب من قوله النابغة :« والسفاهة كاسمها » فليست الكاف بزائدة ولا هي للتشبيه ولكنها قريبة من الزائدة، والإشارة حينئذٍ إلى ما سيذكر بعد اسم الإشارة.
وكلام « الكشاف » أظهر في هذا المحمل فيدل على ذلك تصريحه في نظائره إذ قال في قوله تعالى :﴿كذلك وأورثناها بني إسرائيل﴾ [الشعراء: ٥٩] الكاف منصوبة على معنى مثل أي مثل ذلك الإخراج أخرجناهم وأورثناها. واعلم أن الذي حدا صاحب « الكشاف » إلى هذا المحمل أن استعمال اسم الإشارة في هذا وأمثاله لا يطرد فيه اعتبار مشار إليه مما سبق من الكلام ألا ترى أنه لا يتجه اعتبار مشار إليه في هذه الآية وفي آية سورة الشعراء ولكن صاحب « الكشاف » قد خالف ذلك في قوله تعالى في سورة الأنعام ( ١١٢ ) ﴿وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً﴾ فقال : كما خلَّيْنَا بينَك وبين أعدائك كذلك فعلنا بمن قبلك من الأنبياء وأعدائهم اهـ، وما قاله في هذه الآية منزع حسن ؛ لكنه لم يضرب الناظرون فيه بعَطن.
والتحقيق عندي أن أصل :﴿كذلك﴾ أن يدل على تشبيه شيء بشيء والمشبه به ظاهر مشار إليه أو كالظاهر ادعاءً، فقد يكون المشبه به المشار إليه مذكوراً مثل قوله تعالى :﴿وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة﴾ [هود: ١٠٢] إشارة إلى قوله :﴿وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله﴾ [هود: ١٠١] الآية. وكقول النابغة :
فأَلْفَيْتُ الأَمانةَ لم تَخُنْهاكذلك كانَ نوحٌ لا يَخُون
وقد يكون المشبه به المُشارُ إليه مفهوماً من السياق فيحتمل اعتبار التشبيه ويُحتمل اعتبار المفعوليَّة المطلقة كقوللِ أبي تَمَّام :
كَذا فليجلَّ الخَطْبُ وَلْيَفْدحَ الأَمْرفليس لعين لم يفض دمعُها عُذر
قال التبريزي في « شرحه » الإشارة للتعظيم والتهويل وهو في صدر القصيدة لم يسبق له ما يشبه به فقُطع النظر فيه عن التشبيه واستعمل في لازم معنى التشبيه اهـ، يعني أن الشاعر أشار إلى الحادث العظيم وهو موت محمد بن حميد الطوسي، ومثله قول الأسدي من شعراء « الحماسة » يرثى أخاه(١) :
فهكذا يذهب الزمان ويفْنَى العلم فيه ويَدْرُسُ الأَثَر
وقوله تعالى :﴿وكذلك جعلناكم أمةً وسطاً﴾ على ما فسر به البيضاوي من هذا القبيل.
وقد يكون مراداً منه التنويه بالخبر فيجعل كأنه مما يروم المتكلم تشبيهه ثم لا يجد إلاّ أن يشبهه بنفسه وفي هذا قطع للنظر عن التشبيه في الواقع ومثله قول أحد شعراء فزارة في الأدب من « الحماسة » :
كذاك أُدِّبْت حتى صار من خُلُقيأني رأيتُ مِلاكَ الشِّيمة الأدبا
أي أدبت هذا الأدب الكامن العجيب، ومنه قول زهير
كَذَلك خِيمهم ولكُلِّ قومإذا مَسَّتْهم الضَّراء خِيمُ
وقوله تعالى :﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطاً﴾ من هذا القبيل عند شراح « الكشاف » وهو الحق، وأوضح منه في هذا المعنى قوله تعالى :
﴿وكذلك فتنا بعضهم ببعض﴾ [الأنعام: ٥٣] فإنه لم يسبق ذكر شيء غير الذي سماه الله تعالى فتنة أخذاً من فعل ﴿فتنا﴾. والإشارة على هذا المحمل المشار إليه مأخوذ من كلام متأخر عن اسم الإشارة كما علمت آنفاً لأنه الجعل المأخوذ من ﴿جعلناكم﴾، وتأخير المشار إليه عن الإشارة استعمال بليغ في مقام التشويق كقوله تعالى :﴿قال هذا فراق بيني وبينك﴾ [الكهف: ٧٨] أو من كلام متقدم عن اسم الإشارة كما للبيضاوي إذ جعل المشار إليه هو الهدى المأخوذة من قوله تعالى :﴿يهدي من يشاء﴾ [البقرة: ١٤٢] ولعله رأى لزوم تقدم المشار إليه.
والوسط اسم للمكان الواقع بين أمكنة تحيط به أو للشيء الواقع بين أشياء محيطة به ليس هو إلى بعضها أقرب منه إلى بعض عرفاً ولما كان الوصول إليه لا يقع إلاّ بعد اختراق ما يحيط به أخذ فيه معنى الصيانة والعزة طبعاً كوسط الوادي لا تصل إليه الرعاة والدواب إلاّ بعد أكل ما في الجوانب فيبقى كثير العشب والكلأ، ووضعاً كوسط المملكة يجعل محل قاعدتها ووسط المدينة يجعل موضع قصبتها لأن المكان الوسط لا يصل إليه العدو بسهولة، وكواسطة العقد لأنفس لؤلؤة فيه، فمن أجل ذلك صار معنى النفاسة والعزة والخيار من لوازم معنى الوسط عرفاً فأطلقوه على الخيار النفيس كناية قال زهير
هُمُ وسَط يَرضى الأنام بحكمهمإذا نزلت إحدى الليالي بمعضل
وقال تعالى :﴿قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون﴾ [القلم: ٢٨].
ويقال أوسط القبيلة لصميمها.
وأما إطلاق الوسط على الصفة الواقعة عدلاً بين خلقين ذميمين فيهما إفراط وتفريط كالشجاعة بين الجبن والتهور، والكرم بين الشح والسرف والعدالة بين الرحمة والقساوة، فذلك مجاز بتشبيه الشيء الموهوم بالشيء المحسوس فلذلك روي حديث : " خير الأمور أوساطها " وسنده ضعيف وقد شاع هذان الإطلاقان حتى صارا حقيقتين عرفيتين.
فالوسط في هذه الآية فسر بالخيار لقوله تعالى :﴿كنتم خير أمةٍ أُخرجت للناس﴾ [آل عمران: ١١٠] وفسر بالعدول والتفسير الثاني رواه الترمذي في « سننه » من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ وقال حسن صحيح، والجمع في التفسيرين هو الوجه كما قدمناه في المقدمة التاسعة.
ووصفت الأمة بوسط بصيغة المذكر لأنه اسم جامد فهو لجموده يستوي فيه التذكير والتأنيث مثل الوصف بالمصدر في الجمود والإشعار بالوصفية بخلاف نحو رأيت الزيدين هذين فإنه وصف باسم مطابق لعدم دلالته على صفة بل هو إشارة محضة لا تشعر بصفة في الذات.
وضمير المخاطبين هنا مراد به جميع المسلمين لترتبه على الاهتداء لاستقبال الكعبة فيعم كل من صلى لها، ولأن قوله ﴿لتكونوا شهداء﴾ قد فسر في الحديث الصحيح بأنها شهادة الأمة كلها على الأمم فلا يختص الضمير بالموجودين يوم نزول الآية.
والآية ثناء على المسلمين بأن الله قد ادخر لهم الفضل وجعلهم وسطاً بما هيأ لهم من أسبابه في بيان الشريعة بياناً جعل أذهان أتباعها سالمة من أن تروج عليهم الضلالات التي راجت على الأمم، قال فخر الدين يجوز أن يكونوا وسطاً بمنعى أنهم متوسطون في الدين بين المفرط والمفرط والغالي والمقصر لأنهم لم يغلوا كما غلت النصارى فجعلوا المسيح ابن الله، ولم يقصروا كما قصرت اليهود فبدلوا الكتب واستخفوا بالرسل.
واستدل أهل أصول الفقه بهذه الآية على أن إجماع علماء الأمة أي المجتهدين حجة شرعية فيما أجمعوا عليه، وفي بيان هذا الاستدلال طرق :
الأول قال الفخر إن الله أخبر عن عدالة الأمة وخيريتها فلو أقدموا على محظور لما اتصفوا بالخيرية وإذا ثبت ذلك وجب كون قولهم حجة اهـ، أي لأن مجموع المجتهدين عدول بقطع النظر عن احتمال تخلف وصف العدالة في بعض أفرادهم، ويبطل هذا أن الخطأ لا ينافي العدالة ولا الخيرية فلا تدل الآية على عصمتهم من الخطأ فيما أجمعوا عليه وهذا رَدٌّ متمكن، وأجيب عنه بأن العدالة الكاملة التي هي التوسط بين طرفي إفراط وتفريط تستلزم العصمة من وقوع الجميع في الخطأ في الأقوال والأفعال والمعتقدات.
الطريق الثاني قال البيضاوي لو كان فيما اتفقوا عليه باطل لانثلمت عدالتهم اهـ، يعني أن الآية اقتضت العدالة الكاملة لاجتماع الأمة فلو كان إجماعهم على أمر باطل لانثلمت عدالتهم أي كانت ناقصة وذلك لا يناسب الثناء عليهم بما في هذه الآية، وهذا يرجع إلى الطريق الأول.
الطريق الثالث قال جماعة الخطاب للصحابة وهم لا يجمعون على خطأ فالآية حجة على الإجماع في الجملة، ويرد عليه أن عدالة الصحابة لا تنافي الخطأ في الاجتهاد وقد يكون إجماعهم عن اجتهاد أما إجماعهم على ما هو من طريق النقل فيندرج فيما سنذكره.
والحق عندي أن الآية صريحة في أن الوصف المذكور فيها مدحٌ للأمة كلها لا لخصوص علمائها فلا معنى للاحتجاج بها من هاته الجهة على حجية الإجماع الذي هو من أحوال بعض الأمة لا من أحوال جميعها، فالوجه أن الآية دالة على حجية إجماع جميع الأمة فيما طريقه النقل للشريعة وهو المعبر عنه بالتواتر وبما علم من الدين بالضرورة وهو اتفاق المسلمين على نسبة قول أو فعل أو صفة للنبيء ﷺ مما هو تشريع مؤصل أو بيان مجمل مثل أعداد الصلوات والركعات وصفة الصلاة والحج ومثل نقل القرآن، وهذا من أحوال إثبات الشريعة، به فسرت المجملات وأسست الشريعة، وهذا هو الذي قالوا بكفر جاحد المجمع عليه منه، وهو الذي اعتبر فيه أبو بكر الباقلاني وفاق الع
١ - وقبل البيت لابن كناسة في رثاء حماد الراوية، وقال الجاحظ هو بعض الشعراء في رثاء بعض العلماء..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى