جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
يعني بذلك جل ثناؤه : قد نرى يا محمد نحن تقلب وجهك في السماء. ويعني بالتقلب : التحوّل والتصرّف. ويعني بقوله : في السّماء نحو السماء وقِبَلها.
وإنما قيل له ذلك ﷺ فيما بلغنا، لأنه كان قبل تحويل قبلته من بيت المقدس إلى الكعبة يرفع بصره إلى السماء ينتظر من الله جل ثناؤه أمره بالتحويل نحو الكعبة. كما :
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله : قَدْ نَرَىَ تَقَلّبَ وَجْهِكَ فِي السّماءِ قال : كان ﷺ يقلب وجهه في السماء يحبّ أن يصرفه الله عزّ وجلّ إلى الكعبة حتى صرفه الله إليها.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة قوله : قَدْ نَرَىَ تَقَلّبَ وَجْهِكَ فِي السّماءِ فكان نبيّ الله ﷺ يصلي نحو بيت المقدس، يَهْوَى ويشتهي القبلة نحو البيت الحرام، فوجهه الله جل ثناؤه لقبلة كان يهواها ويشتهيها.
حدثنا المثنى، قال : حدثني إسحاق، قال : حدثني ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله : قَدْ نَرَىَ تَقَلّبَ وَجْهِكَ فِي السّماءِ يقول : نظرك في السماء. وكان النبيّ ﷺ يقلب وجهه في الصلاة وهو يصلي نحو بيت المقدس، وكان يَهْوَى قبلة البيت الحرام، فولاه الله قبلة كان يهواها.
حدثني موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو بن حماد، قال : حدثنا أسباط، عن السدي، قال : كان الناس يصلون قِبَل بيت المقدس، فلما قدم النبيّ ﷺ المدينة على رأس ثمانية عشر شهرا من مهاجره، كان إذا صلى رفع رأسه إلى السماء ينظر ما يؤمر، وكان يصلي قبل بيت المقدس. فنسختها الكعبة، فكان النبي ﷺ يحبّ أن يصلي قِبَل الكعبة، فأنزل الله جل ثناؤه : قَدْ نَرَىَ تَقَلّبَ وَجْهِكَ فِي السّماءِ الآية.
ثم اختلف في السبب الذي من أجله كان ﷺ يهوى قبلة الكعبة.
قال بعضهم : كره قبلة بيت المقدس، من أجل أن اليهود قالوا : يتبع قبلتنا ويخالفنا في ديننا. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال : قالت اليهود : يخالفنا محمد، ويتبع قبلتنا فكان يدعو الله جل ثناؤه، ويستفرض للقبلة، فنزلت : قَدْ نَرَىَ تَقَلّبَ وَجْهِكَ فِي السّمَاءِ فَلَنُوَلّيَنّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرَامِ وانقطع قول يهود : يخالفنا ويتبع قبلتنا في صلاة الظهر، فجعل الرجال مكان النساء، والنساء مكان الرجال.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : سمعته، يعني ابن زيد يقول : قال الله تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : فأيْنَمَا تُوَلّوا فَثَمّ وَجْهُ الله قال : فقال رسول الله ﷺ :«هَؤُلاَءِ قَوْمُ يَهُودَ يَسْتَقْبِلُونَ بَيْتا مِنْ بُيُوتِ اللّهِ » لبيت المقدس «لو أنا اسْتَقْبَلْنَاهُ »، فاستقبله النبيّ ﷺ ستة عشر شهرا، فبلغه أن يهود تقول : والله ما درى محمد ﷺ وأصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم. فكره ذلك النبي ﷺ، ورفع وجهه إلى السماء، فقال الله جل ثناؤه : قَدْ نَرَىَ تَقَلّبَ وَجْهِكَ فِي السّمَاءِ فَلَنُوَلّيَنّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرَامِ الآية.
وقال آخرون : بل كان يَهْوَى ذلك من أجل أنه كان قبلة أبيه إبراهيم عليه السلام. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : حدثنا معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس : أن رسول الله ﷺ لما هاجر إلى المدينة وكان أكثر أهلها اليهود أمره الله عزّ وجل أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها رسول الله ﷺ ستة عشر شهرا. فكان رسول الله ﷺ يحبّ قبلة إبراهيم، فكان يدعو وينظر إلى السماء، فأنزل الله عزّ وجل : قَدْ نَرَىَ تَقَلّبَ وَجْهِكَ فِي السّمَاءِ. . . الآية.
فأما قوله : فَلَنُوَلّيَنّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فإنه يعني : فلنصرفنك عن بيت المقدس إلى قبلة ترضاها، تهواها وتحبها.
وأما قوله : فَوَلّ وَجْهَكَ يعني اصرف وجهك وحوّله. وقوله : شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرَامِ يعني بالشطر : النحو والقصد والتلقاء، كما قال الهذلي :
إنّ العَسِير بِهَا دَاءٌ مُخامِرُها فَشَطْرَها نَظَرُ العَيْنَيْن مَحْسُورُ
يعني بقوله شطرها : نحوها. وكما قال ابن أحمر :
تَعْدُو بِنا شَطْرَ جَمْعٍ وهْيَ عاقِدَةٌ قَدْ كارَبَ العَقْدُ مِنْ إيفَادِها الحَقَبا
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني سفيان بن وكيع، قال : حدثنا أبيّ، عن سفيان، عن داود بن أبي هند، عن ابن أبي العالية : شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرَام يعني تلقاءه.
وحدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح قال : حدثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس : شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرَامِ نحوه.
حدثنا محمد بن عمرو قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله : فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرَامِ نحوه.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة : فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرَامِ أي تلقاء المسجد الحرام.
حدثنا الحسين بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله : فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرَامِ قال : نحو المسجد الحرام.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع : فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرَامِ أي تلقاءه.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثني حجاج، قال : قال ابن جريج : أخبرني عمرو بن دينار، عن ابن عباس أنه قال : شطره : نحوه.
حدثني المثنى، قال : حدثنا الحماني، قال : حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن البراء : فَوَلّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ قال : قِبَله.
حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد : شَطْرَهُ ناحيته جانبه، قال : وجوانبه : شطوره.
ثم اختلفوا في المكان الذي أمر الله نبيه ﷺ أن يولي وجهه إليه من المسجد الحرام.
فقال بعضهم : القبلة التي حوّل إليها النبي ﷺ وعناها الله تعالى ذكره بقوله : فَلَنُوَلّيَنّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا حيال ميزاب الكعبة. ذكر من قال ذلك :
حدثني عبد الله بن أبي زياد، قال : حدثنا عثمان، قال : أنا شعبة، عن يعلى بن عطاء، عن يحيى بن قمطة، عن عبد الله بن عمرو : فَلَنُوَلّيَنّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا حيال ميزاب الكعبة.
وحدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : حدثنا هشيم، عن يعلى بن عطاء، عن يحيى بن قمطة، قال : رأيت عبد الله بن عمرو جالسا في المسجد الحرام بإزاء الميزاب، وتلا هذه الآية : فَلَنُوَلّيَنّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا قال : هذه القبلة هي هذه القبلة.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا هشيم بإسناده عن عبد الله بن عمرو نحوه، إلا أنه قال : استقبل الميزاب فقال : هذا القبلة التي قال الله لنبيه : فَلَنُوَلّيَنّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا.
وقال آخرون : بل ذلك البيت كله قبلة، وقبلة البيت الباب. ذكر من قال ذلك :
حدثني يعقوب، قال : حدثنا ابن علية، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس : البيت كله قبلة، وهذه قبلة البيت، يعني التي فيها الباب.
والصواب من القول في ذلك عندي ما قال الله جل ثناؤه : فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الْحَرَامِ فالمولّي وجهه شطر المسجد الحرام هو المصيب القبلة. وإنما على من توجه إليه النية بقلبه أنه إليه متوجه، كما أن على من ائتمّ بإمام فإنما عليه الائتمام به وإن لم يكن محاذيا بدنه بدنه، وإن كان في طرف الصف والإمام في طرف آخر عن يمينه أو عن يساره، بعد أن يكون من خلفه مؤتما به مصليا إلى الوجه الذي يصلي إليه الإمام. فكذلك حكم القبلة، وإن لم يكن يحاذيها كل مصلّ ومتوجه إليها ببدنه غير أنه متوجه إليها، فإن كان عن يمينها أو عن يسارها مقابلها فهو مستقبلها بعد ما بينه وبينها، أو قرب من عن يمينها أو عن يسارها بعد أن يكون غير مستدبرها ولا منحرف عنها ببدنه ووجهه. كما :
حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال : حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال : أخبرنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عميرة بن زياد الكندي، عن عليّ : فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرَامِ قال : شطره قِبَله.
قال أبو جعفر : وقبلة البيت : بابه. كما :
حدثني يعقوب بن إبراهيم، والفضل بن الصباح، قالا : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا عبد الملك، عن عطاء قال : قال أسامة بن زيد : رأيت رسول الله ﷺ حين خرج من البيت أقبل بوجهه إلى الباب فقال :«هَذِهِ القِبْلَةُ، هَذِهِ القِبْلَةُ ».
حدثنا ابن حميد وسفيان بن وكيع قالا : حدثنا جرير، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، قال : حدثني أسامة بن زيد، قال : خرج النبيّ ﷺ من البيت، فصلى ركعتين مستقبلاً بوجهه الكعبة، فقال :«هذه القِبْلَةُ » مرّتين.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن عبد الملك، عن عطاء، عن أسامة بن زيد، عن رسول الله ﷺ نحوه.
حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، قال : حدثنا أبيّ، قال : حدثنا ابن جريج، قال : قلت لعطاء : سمعت ابن عباس يقول : إنما أمرتم بالطواف، ولم تؤمروا بدخوله. قال : لم يكن ينهى عن دخوله، ولكني سمعته يقول : أخبرني أسامة بن زيد أن رسول الله ﷺ لما دخل البيت دعا في نواحيه كلها، ولم يصلّ حتى خرج، فلما خرج ركع في قبل القبلة ركعتين وقال :«هذه القِبْلَةُ ».
قال أبو جعفر : فأخبر ﷺ أن البيت هو القبلة، وأن قبلة البيت بابه.
القول في تأويل قوله تعالى : وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ.
يعني جل ثناؤه بذلك : فأينما كنتم من الأرض أيها المؤمنون فحوّلوا وجوهكم في صلاتكم نحو المسجد الحرام وتلقاءه. والهاء التي في «شطره » عائدة إلى المسجد الحرام.
فأوجب جلّ ثناؤه بهذه الآية على المؤمنين فرض التوجه نحو المسجد الحرام ف
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
والقراءة على أحد الوجهين الأوَّلين.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: قد نرى يا محمد نحنُ تقلُّبَ وجهك في السماء.
* * *
ويعني: ب"التقلب"، التحوُّل والتصرُّف.
ويعني بقوله:"في السماء"، نحو السماء وقِبَلها.
* * *
وإنما قيل له ذلك ﷺ -فيما بلغنا- لأنه كان =قَبل تحويل قبلته من بيت المقدس إلى الكعبة= يرفع بصره إلى السماءِ ينتظر من الله جل ثناؤه أمرَه بالتحويل نحو الكعبة، كما:-
٢٢٣٠- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"قدْ نَرى تَقلُّبَ وجهك في السماء" قال، كان ﷺ يقلّب وجهه في السماء، يحبّ أن يصرفه الله عز وجل إلى الكعبة، حتى صرَفه الله إليها.
٢٢٣١- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"قد نَرَى تَقلُّب وجهك في السماء"، فكان نبي الله ﷺ يُصلّي نحو بيتَ المقدس، يَهوى وَيشتهي القبلةَ نحو البيت الحرام، فوجَّهه الله جل ثناؤه لقبلة كان يهواها وَيشتهيها.
٢٢٣٣- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: كان الناس يصلون قبَلَ بيت المقدس، فلما قَدِم النبي ﷺ المدينةَ على رأس ثمانية عشر شهرًا من مُهاجَره، كان إذا صلى رفع رأسه إلى السماء يَنظُر ما يُؤمر، وكان يصلّي قبَل بيت المقدس، فنسختها الكعبةُ. فكان النبي ﷺ يُحب أن يصلي قبَل الكعبة، فأنزل الله جل ثناؤه:"قد نَرَى تقلب وَجهك في السماء" الآية.
* * *
ثم اختلف في السبب الذي من أجله كان ﷺ يهوى قبلة الكعبة.
قال بعضهم: كره قبلةَ بيت المقدس، من أجل أن اليهودَ قالوا: يتَّبع قبلتنا ويُخالفنا في ديننا!
* ذكر من قال ذلك:
٢٢٣٤- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قال: قالت اليهود: يخالفنا محمد ويتّبع قبلتنا! فكان يدعو الله جل ثناؤه، ويَستفرض للقبلة، (١) فنزلت:"قد نَرَى تقلُّب وَجهك في السماء فلنولينك قبلة تَرْضَاها فول وجهك شَطرَ المسجد الحَرَام"، -وانقطع قول يهود:
٢٢٣٥- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، سمعته -يعني ابن زيد- يقول: قال الله تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم:"فأينما تولوا فثمَّ وجه الله". قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" هؤلاء قَومُ يهودَ يستقبلون بيتًا من بيوت الله -لبيت المقدس- ولو أنَّا استقبلناه! فاستقبله النبي ﷺ ستة عشر شهرًا، فبلغه أن يهودَ تَقول: والله ما دَرَى محمد وأصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم! (٢) فكره ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، ورفع وجهه إلى السماء، فقال الله جل ثناؤه:"قد نَرَى تقلُّب وجهك في السماء فلنوَلينَّك قبلةً ترضَاها فوَلّ وجهك شَطرَ المسجد الحرام" الآية. (٣)
* * *
وقال آخرون: بل كان يهوى ذلك، من أجل أنه كان قبلةَ أبيه إبراهيم عليه السلام.
* ذكر من قال ذلك:
٢٢٣٦- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثنا معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ لما هاجر إلى المدينة، وكان أكثرَ أهلها اليهودُ، أمره الله عز وجل أن يستقبل بيتَ المقدس. ففرحت اليهودُ. فاستقبلها رسول الله ﷺ ستة عشر شهرًا، فكان رسول الله صَلى الله عليه وسلم يُحب قبلةَ إبراهيم، فكان يدعو وينظر إلى السماء، فأنزل الله عز وجل:"قد نرى تقلُّبَ وجهك في السماء" الآية. (٤)
* * *
(٢) في المطبوعة: "ما درى محمد صلى الله عليه وسلم"، ولا تقوله يهود، فرفعته. وكذلك جاء في رقم: ١٨٣٨.
(٣) الأثر: ٢٢٣٥- مضى برقم: ١٨٣٨.
(٤) الأثر: ٢٢٣٦- مضى برقم: ١٨٣٣، ورقم: ٢١٦٠.
* * *
وأما قوله:"فوَلِّ وجهك"، يعني: اصرف وجهك وَحوِّله.
* * *
وقوله:"شَطرَ المسجد الحَرَام"، يعني: ب"الشطر"، النحوَ والقصدَ والتّلقاء، كما قال الهذلي: (٢)
| إنَّ العَسِيرَ بهَا دَاء مُخَامِرُهَا | فَشَطْرَهَا نَظَرُ العَيْنَيْنِ مَحْسُورُ (٣) |
| تَعْدُو بِنَا شَطْر جَمْعٍ وهْيَ عَاقِدةٌ، | قَدْ كَارَبَ العَقْدُ مِنْ إيفَادِهَا الحَقَبَا (٤) |
(٢) هو قيس بن العي زارة الهذلي. والعي زارة أمه، واسمه قيس بن خويلد بن كاهل.
(٣) ديوانه في أشعار الهذليين للسكري: ٢٦١ (أوربة)، ورسالة الشافعي: ٣٥، ٤٨٧، وسيرة ابن هشام ٢: ٢٠٠، والكامل ١: ١٢، ٢: ٣ ومجاز القرآن لأبي عبيدة: ٦٠، واللسان (شطر) (حسر)، وغيرها. ورواية الشافعي في الرسالة: "إن العسيب" بالباء في آخره، ورواية ديوانه وابن هشام: "إن النعوس". والعسير: التي تعسر بذنبها إذا حملت، من شراستها. والنعوس: التي تغمض عينيها عند الحلب. والعسيب: جريد النخل إذا كشط عنه خوصه. وأرى أنه لم يرد صفة الناقة بأحد هذه الألفاظ الثلاثة، وإنما هو اسم ناقته. وكلها صالح أن يكون اسما للناقة. وقد قال ابن هشام: "النعوس: ناقته، وكان بها داء فنظر إليها نظر حسير، من قوله: "وهو حسير". ويروى: "داء يخامرها فنحوها... "، ورواية ديوانه"مخزور". ومحسور، هو الحسير: الذي قد أعيي وكل. ومخزور: من قولهم: "خزر بصره": إذا دانى بين جفنيه ونظر بلحاظه. وهو يصف ناقته، ويذكر حزنه وحبه لها، فهو من الداء الذي خامرها مشفق عليها، يطيل النظر إليها حتى تحسر عيناه ويكل.
(٤) سيرة ابن هشام ٢: ١٩٩، والروض الأنف ٢: ٣٨، والخزانة ٣: ٣٨، ومجاز القرآن لأبي عبيدة: ٦٠. وفي المطبوعة: "من إنفادها"، وهو خطأ. وقال: قبله: أَنْشَأتُ أَسْأَلُه عَنْ حَالِ رُفْقَتِهِ... فقال: حَيَّ، فَإِنَّ الرَّكْبَ قَدْ نَصَبَا
حي: اعجل. ونصب: جد في السير: وقوله: "جمع"، هي مزدلفة، يريد الحج. وقوله: عاقدة، أي: قد عطفت ذنبها بين فخذيها. وقوله: كارب، أي أوشك وكاد وقارب ودنا. وأوفدت الناقة إيفادًا: أسرعت. والحقب: الحزام يشد به الرحل في بطن البعير مما يلي ثيله لئلا يؤذيه التصدير. يقول: قد أسرعوا إسراعًا إلى مزدلفة، فجعلت تعطف ذنبها تسد به فرجها حتى كاد عقد ذنبها يبلغ الحقب. والناقة تسد فرجها بذنبها في إسراعها، يقول المخبل السعدي:
| وإذَ رَفَعْتُ السَّوْطَ، أفْزَعَهَا | تَحْتَ الضُّلُوعِ مُرَوِّعٌ شَهْمُ |
| وتَسُدُّ حَاذَيْهَا بِذِي خُصَلٍ | عُقِمَتْ فناعَمَ، نَبْتَهُ العُقْمُ |
| تَسُدُّ بِدَائِمِ الخَطَرَانِ جَثْلٍ | خَوايَةَ فَرْجِ مِقْلاَتٍ دَهِينِ |
* ذكر من قال ذلك:
٢٢٣٧- حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن داود بن أبي هند، عن أبي العالية:"شَطْرَ المسجد الحَرَام"، يعني: تلقاءه.
٢٢٣٨- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:"شطر المسجد الحرام"، نحوَه.
٢٢٣٩- حدثنا محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله:"فوَلِّ وجهك شَطر المسجد الحرام"، نَحوَه.
٢٢٤٠- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
٢٢٤١- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة:"فولِّ وجهك شطرَ المسجد الحرام"، أي تلقاءَ المسجد الحرام.
٢٢٤٢- حدثنا الحسين بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"فولّ وجهك شطرَ المسجد الحرام" قال، نحو المسجد الحرام.
٢٢٤٤- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج: أخبرني عمرو بن دينار، عن ابن عباس أنه قال:"شطرَه"، نحوَه.
٢٢٤٥- حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن البراء:"فولوا وجُوهكم شَطره" قال، قِبَله.
٢٢٤٦- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد:"شَطْره"، ناحيته، جانبه. قال: وجوانبه:"شُطوره". (١)
* * *
ثم اختلفوا في المكان الذي أمر الله نبيّه ﷺ أن يولَّيَ وجهه إليه من المسجد الحرام.
فقال بعضهم: القبلةُ التي حُوِّل إليها النبي صلى الله عليه وسلم، وعناها الله تعالى ذكره بقوله:"فلنولينَّك قبلة تَرْضاها"، حيالَ ميزاب الكعبة.
* ذكر من قال ذلك:
٢٢٤٧- حدثني عبد الله بن أبي زياد قال، حدثنا عثمان قال، أخبرنا شعبة، عن يعلى بن عطاء، عن يحيى بن قمطة، عن عبد الله بن عمرو:"فلنولينَّك قبلة ترضاها"، حيالَ ميزاب الكعبة. (٢)
(٢) الحديث: ٢٢٤٧- عبد الله بن أبي زياد، شيخ الطبري: نسب إلى جده. وهو"عبد الله بن الحكم بن أبي زياد القطواني"، واسم"أبي زياد": "سليمان". وعبد الله هذا: ثقة، روى عنه أبو زرعة، وأبو حاتم، وابن خزيمة، وغيرهم. مترجم في التهذيب. وابن أبي حاتم ٢/٢/٣٨.
وشيخه"عثمان": ما أدري من هو؟ وأغلب الظن أنه محرف، وصوابه"عفان".
يحيى بن قمطة: تابعي ثقة، ترجمه البخاري في الكبير ٤/٢/٢٢٩، وابن أبي حاتم ٤/٢/١٨١، وذكر أنه حجازي، ولم يذكرا فيه جرحًا. وذكر البخاري أنه يروي"عن ابن عمر". وذكر ابن أبي حاتم أنه يروي"عن عبد الله بن عمرو". وذكره ابن حبان في الثقات، ص: ٣٧١، وقال: "يروي عن ابن عمر، وعبد الله بن عمرو". روى عنه يعلى بن عطاء.
واسم أبيه: "قمطة" بالقاف ثم الميم ثم الطاء المهملة. ولم أجد ما يدل على ضبط هذه الحروف. لكنه ثبت هكذا في الطبري وتفسير عبد الرزاق ومراجع الترجمة. ووقع في ابن كثير والمستدرك"قطة" بدون الميم. وهو خطأ، لمخالفته ما ذكرنا عن المراجع.
والحديث رواه الحاكم في المستدرك ٢: ٢٦٩، من طريق مسلم بن إبراهيم، عن شعبة، بهذا الإسناد، مطولا بنحو الرواية التي بعد هذه. وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي.
٢٢٤٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا هشيم -بإسناده عن عبد الله بن عمرو، نحوه- إلا أنه قال: استقبل الميزاب فقال: هذه القبلة التي قال الله لنبيه:"فلنولينك قبلة تَرضاها". (١)
* * *
وقال آخرون: بل ذلك البيت كله قبلةٌ، وقبلةُ البيت الباب.
* ذكر من قال ذلك:
وهشيم- بالتصغير: هو ابن بشير، بفتح الموحدة وكسر الشين المعجمة. وهو أبو معاوية بن أبي خازم، وهو حافظ ثقة ثبت. مترجم في التهذيب. والكبير ٤/٢/٢٤٢، وابن سعد ٧/٢/٦١، ٧٠. وابن أبي حاتم ٤/٢/١١٥-١١٦. وتذكرة الحفاظ ١: ٢٢٩-٢٣٠.
والحديث في تفسير عبد الرزاق، ص: ١٣، بهذا الإسناد. وليس فيه كلمة"هي" المزادة هنا بعد قوله: "هذه القبلة". وأخشى أن تكون زيادتها غير جيدة ولا ثابتة.
وذكر ابن كثير ١: ٣٥٢، أنه رواه أيضًا ابن أبي حاتم"عن الحسن بن عرفة، عن هشيم، عن يعلى بن عطاء". ووقع اسم"هشيم" فيه محرفًا، فيصحح من هذا الموضع.
والحديث في الدر المنثور أيضًا ١: ١٤٧، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور، وأحمد بن منيع في مسنده، وابن المنذر، والطبراني في الكبير. وهو في مجمع الزوائد ٦: ٣١٦، وقال: "رواه الطبراني من طريقين، ورجال إحداهما ثقات".
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي ما قال الله جل ثناؤه:"فوَلِّ وجهك شَطر المسجد الحرام"، فالمولِّي وجهه شطرَ المسجد الحرام، هو المصيبُ القبلةَ. وإنما عَلى من توجه إليه النيةُ بقلبه أنه إليه متوجِّه، كما أن على من ائتمِّ بإمام فإنما عليه الائتمام به، وإن لم يكن مُحاذيًا بدنُه بدنَه، وإن كان في طَرَف الصّفّ والإمام في طرف آخر، عن يمينه أو عن يساره، بعد أن يكون من خلفه مُؤتمًّا به، مصليًا إلى الوجه الذي يصلِّي إليه الإمام. فكذلك حكمُ القبلة، وإنْ لم يكن يحاذيها كل مصلّ ومتوَجِّه إليها ببدنه، غير أنه متوجِّه إليها. فإن كان عن يمينها أو عن يسارها مقابلَها، فهو مستقبلها، بعُد ما بينه وَبينها، أو قَرُب، من عن يمينها أو عن يسارها، بعد أن يكون غيرَ مستدبرها ولا منحرف عنها ببدنه ووَجهه، كما:
٢٢٥١- حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عميرة بن زياد الكندي، عن علي:"فول وجهك شطر المسجد الحرام" قال، شطُره، قبله. (٢)
* * *
(٢) الحديث: ٢٢٥١- أبو إسحاق: هو السبيعي الهمداني.
عميرة -بفتح العين- بن زياد الكندي: تابعي ثقة، ترجمه ابن سعد في الطبقات ٦: ١٤١، وقال: "روى عن عبد الله". أراد بذلك عبد الله بن مسعود. وترجمه البخاري في الكبير ٤/١/٦٩. وابن أبي حاتم ٣/٢/٢٤. ولم يذكرا فيه جرحًا، ولا رواية عن غير ابن مسعود. وذكرا أن الراوي عنه أبو إسحاق.
والحديث رواه الحاكم في المستدرك ٢: ٢٦٩، من طريق محمد بن كثير، عن سفيان -وهو الثوري- عن أبي إسحاق بهذا الإسناد. وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي. وكذلك رواه البيهقي في السنن الكبرى ج ٢ ص ٣، عن الحاكم.
وذكره السيوطي ١: ١٤٧، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والدينوري في المجالسة.
وذكره ابن كثير ١: ٢٦٨، نقلا عن الحاكم.
ولفظه عندهم جميعًا: "قال: شطره قبله"، كما أثبتنا. ووقع في المطبوعة هنا: "قال: شطره فينا قبلة"!! وهو خطأ سخيف، من ناسخ أو طابع.
ووقع في الإسناد في ابن كثير"محمد بن إسحاق" بدل"أبي إسحاق". وهو خطأ يخالف ما ثبت هنا، وما ثبت في سائر المراجع.
ووقع فيه في ابن كثير والمستدرك ومختصره للذهبي -المطبوع والمخطوط-"عمير بن زياد". وهو خطأ أيضًا. وثبت على الصواب في رواية البيهقي عن الحاكم.
٢٢٥٢- حدثني يعقوب بن إبراهيم والفضل بن الصَّبَّاح قالا حدثنا هشيم قال، أخبرنا عبد الملك، عن عطاء قال، قال أسامة بن زيد: رأيت رسول الله ﷺ حين خرجَ من البيت أقبلَ بوجهه إلى الباب، فقال: هذه القبلةُ، هذه القبلة. (١)
٢٢٥٣- حدثنا ابن حميد وسفيان بن وكيع قالا حدثنا جرير، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، قال، حدثني أسامة بن زيد قال: خرج النبي صلى
عبد الملك: هو ابن أبي سليمان العرزمي، مضى في: ١٤٥٥.
عطاء: هو ابن أبي رباح، التابعي الكبير، الإمام الحجة، القدوة العلم، مفتي أهل مكة ومحدثهم. مترجم في التهذيب. وابن أبي حاتم ٣/١/٣٣٠-٣٣١. وتذكرة الحفاظ ١: ٩٢: ٩٣، وتاريخ الإسلام ٤: ٢٧٨-٢٨٠، وابن سعد ٢/٢/١٣٣-١٣٤، و ٥: ٣٤٤-٣٤٦.
أسامة بن زيد بن حارثة: هو حب رسول الله ﷺ وابن حبه.
وقد زعم أبو حاتم -فيما حكاه عنه ابنه في المراسيل: ص: ٥٧- أن عطاء لم يسمع من أسامة. ولكن الرواية التالية لهذه، فيها تصريح عطاء بالسماع منه. ثم المعاصرة كافية في ثبوت الاتصال، كما هو الراجح عند أهل العلم بالحديث.
وعطاء ولد سنة ٢٧ ومات سنة ١١٤. بل ذكر الذهبي أنه مات عن ٩٠ سنة. وأسامة بن زيد مات سنة ٥٤. بل أرخ مصعب الزبيري وفاته في آخر خلافة معاوية سنة ٥٨ أو ٥٩.
وهذا الحديث رواه أحمد في المسند (٥: ٢٠٩)، عن هشيم، بهذا الإسناد واللفظ. ثم رواه عقبه، بالإسناد نفسه مطولا، بنحوه.
٢٢٥٤- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن عبد الملك، عن عطاء، عن أسامة بن زيد، عن رسول الله ﷺ نحوه. (٢)
٢٢٥٥- حدثنا سعيد بن يحيى الأموي قال، حدثنا أبي قال، حدثنا ابن جريج قال، قلت لعطاء: سمعت ابن عباس يقول: إنما أمرتم بالطَّوَاف ولم تؤمروا بدخوله. قال: قال: لم يكن ينهَى عن دخوله، ولكني سمعته يقول: أخبرني أسامة بن زيد أنّ رسول الله ﷺ لما دخل البيت دَعا في نواحيه كلها، ولم يصلِّ حتى خرج، فلما خرج ركع في قِبَل القبلة ركعتين، وقال: هذه القبلة. (٣)
* * *
جرير: هو ابن عبد الحميد بن قرط الرازي، وهو ثقة حجة. مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري ١/٢/٢١٤، وابن سعد ٧/٢/١١٠. وابن أبي حاتم ١/١/٥٠٥-٥٠٧، والخطيب ٧: ٢٥٣-٢٦١، وتذكرة الحفاظ ١: ٢٥٠.
فهذا إسناد صحيح، صرح فيه عطاء بالسماع من أسامة بن زيد، كما أشرفا في الإسناد السابق.
والحديث رواه أحمد في المسند (٥: ٢١٠ ح)، ضمن قصة، عن يحيى -وهو القطان- عن عبد الملك"حدثنا عطاء، عن أسامة بن زيد".
(٢) الحديث: ٢٢٥٤- عبد الرحيم بن سليمان: هو المروزي الأشل، مضت ترجمته: ٢٠٣٠. والحديث تكرار لسابقه، لكن لم يصرح في هذا الإسناد بسماع عطاء من أسامة.
(٣) الحديث ٢٢٥٥- سعيد بن يحيى بن سعيد، الأموي: ثقة ثبت، بل قال علي بن المديني: "جماعة من الأولاد أثبت عندنا من آبائهم... وهذا سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي: أثبت من أبيه". وهو من شيوخ البخاري ومسلم وأبي زرعة وأبي حاتم، مترجم في التهذيب، والكبير ٢/١/٤٧٧، وابن أبي حاتم ٢/١/٧٤، والخطيب ٩: ٩٠-٩١. أبوه، يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص: حافظ ثقة. مترجم في التهذيب، والكبير ٤/٢/٢٧٧، وابن سعد ٦: ٢٧٧-٢٧٨، و ٧/٢/٨٠-٨١. وابن أبي حاتم ٤/٢/١٥١-١٥٢، والخطيب ١٤: ١٣٢-١٣٥، وتذكرة الحفاظ ١: ٢٩٨.
والحديث رواه أحمد في المسند (٥: ٢٠٨ح)، عن عبد الرزاق، وروح - كلاهما عن ابن جريج، بهذا الإسناد نحوه.
رواه قبل ذلك (ص: ٢٠١ ح) عن عبد الرزاق وحده، مختصرًا، طوى القصة فلم يذكرها.
وليس في هذا الحديث ما ينفي أن يكون عطاء سمع الحديث من أسامة بن زيد، لأنه -هنا- إنما يجيب السائل عن قوا ابن عباس، وينفي أن يكون ابن عباس ينهى عن دخول البيت. فهو يذكر رواية ابن عباس عن أسامة، من أجل هذا. ولا يمنع هذا أن يكون الحديث عند عطاء عن أسامة مباشرة.
والحديث رواه أيضًا مسلم ١: ٣٧٦-٣٧٧، من طريق محمد بن بكر، عن ابن جريج، بهذا الإسناد، نحو هذه القصة، أطول منها قليلا.
ورواه البخاري ١: ٤٢٠- ٤٢١ (فتح الباري)، من طريق عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، مختصرًا. لم يذكر القصة، ولم يذكر أنه عن أسامة، جعله من حديث ابن عباس. وذكر الحافظ أنه رواه الإسماعيلي وأبو نعيم، في مستخرجيهما، من طريق إسحاق بن راهويه، عن عبد الرزاق، بإسناد هذا: "فجعله من رواية ابن عباس عن أسامة بن زيد". قال الحافظ: "وهو الأرجح".
والخلاف في أن رسول الله ﷺ صلى في الكعبة أو لم يصل - مذكور في الدواوين. والراجح صلاته فيها. المثبت مقدم على النافي. وانظر نصب الراية ٢: ٣١٩-٣٢٢.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهْ﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بذلك: فأينما كنتم من الأرض أيها المؤمنون فحوِّلوا وجُوهكم في صلاتكم نَحو المسجد الحرام وتلقاءَه.
و"الهاء" التي في"شطرَه"، عائدة إلى المسجد الحرام.
فأوجب جل ثناؤه بهذه الآية على المؤمنين، فرضَ التوجُّه نحو المسجد الحرام
وأدخلت"الفاء" في قوله:"فولوا"، جوابًا للجزاء. وذلك أن قوله:"حيثما كنتم" جزاء، ومعناه: حيثما تكونوا فولوا وجوهكم شطره.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾
يعني بقوله جل ثناؤه:"وإنّ الذين أوتُوا الكتاب" أحبارَ اليهود وعلماء النصارى.
* * *
وقد قيل: إنما عنى بذلك اليهودَ خاصةً.
* ذكر من قال ذلك:
٢٢٥٦- حدثنا موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"وإن الذين أوتوا الكتاب"، أنزل ذلك في اليهود.
* * *
وقوله:"ليعلمون أنه الحق من ربهم"، يعني هؤلاء الأحبارَ والعلماءَ من أهل الكتاب، يعلمون أن التوجُّهَ نحو المسجد، الحقُّ الذي فرضه الله عز وجل على إبراهيم وذريته وسائر عباده بعده.
* * *
ويعني بقوله:"من رَبِّهم" أنه الفرضُ الواجب على عباد الله تعالى ذكره، وهو الحقُّ من عند ربهم، فَرَضَه عليهم.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك تبارك وتعالى: وليس الله بغافل عما تعملون أيها المؤمنون، في اتباعكم أمرَه، وانتهائكم إلى طاعته، فيما ألزمكم من فرائضه، وإيمانكم به في صَلاتكم نحو بيت المقدس، ثم صلاتكم من بعد ذلك شطرَ المسجد الحرام، ولا هو ساه عنه، (١) ولكنه جَل ثَناؤه يُحصيه لكم ويدّخره لكم عنده، حتى يجازيَكم به أحسن جزاء، ويثيبكم عليه أفضل ثواب.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك تبارك اسمه: ولئن جئتَ، يا محمد، اليهودَ والنصارَى، بكل برهان وحُجة - وهي"الآية"- (٢) بأن الحق هو ما جئتهم به، من فرض التحوُّل من قبلة بيت المقدس في الصلاة، إلى قبلة المسجد الحرام، ما صدّقوا به، ولا اتَّبعوا -مع قيام الحجة عليهم بذلك- قبلتَك التي حوَّلتُك إليها، وهي التوجُّه شَطرَ المسجد الحرام.
* * *
قال أبو جعفر: وأجيبت"لئن" بالماضي من الفعل، وحكمها الجوابُ بالمستقبل تشبيهًا لها ب"لو"، فأجيبت بما تجاب به"لو"، لتقارب معنييهما.
(٢) انظر تفسيره"آية" فيما سلف ١: ١٠٦/٢: ٥٥٣.
* * *
فكانَ مَعنى الكلام -إذ كان الأمر على ما وصفنا-: لو أتيتَ الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك.
* * *
وأما قوله:"وما أنتَ بتابع قِبلتهم"، يقول: وما لك من سبيل يا محمد إلى اتّباع قبلتهم. وذلك أن اليهود تستقبل بيت المقدس بصلاتها، وأن النصارى تستقبل المشرقَ، فأنَّى يكون لك السبيل إلى إتباع قِبلتهم. مع اختلاف وجوهها؟ يقول: فالزم قبلتَك التي أمِرت بالتوجه إليها، ودعْ عنك ما تقولُه اليهود والنصارى وتدعُوك إليه من قبلتهم واستقبالها.
* * *
وأما قوله:"وما بعضهم بتابع قبلة بعض"، فإنه يعني بقوله: وما اليهود بتابعةٍ
(٢) قوله: "أجوبة الأيمان لنا على الأيمان" هذه عبارة غامضة، لم أظفر لها بوجه أرتضيه، وأنا لا أشك في تحريفها أو نقصها.
تفسير القرآن العظيم — ابن كثير
وروى ابن مَرْدريه من حديث القاسم العُمَري، عن عمه عُبيد الله بن عمر، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس : قال : كان النبي ﷺ إذا سلم من صلاته إلى بيت المقدس رفع رأسه إلى السماء فأنزل الله :﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ إلى الكعبة إلى الميزاب، يَؤُم به جبرائيل(٢) عليه السلام.
وروى الحاكم، في مستدركه، من حديث شعبة عن يعلى بن عطاء، عن يحيى بن قمطة قال : رأيت عبد الله بن عمرو(٣) جالسا في المسجد الحرام، بإزاء الميزاب، فتلا هذه الآية :﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ قال : نحو ميزاب الكعبة.
ثم قال : صحيح الإسناد، ولم يخرجاه(٤).
ورواه ابن أبي حاتم، عن الحسن بن عرفة، عن هُشَيْم، عن يعلى بن عطاء، به.
وهكذا قال غيره، وهو أحد قولي الشافعي، رحمه الله : إن الغرض إصابة عين القبلة. والقول الآخر وعليه الأكثرون : أن المراد المواجهة(٥) كما رواه الحاكم من حديث محمد بن(٦) إسحاق، عن عمير بن زياد الكندي، عن علي، رضي الله عنه، ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قال : شطره : قبله. ثم قال : صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
وهذا قول أبي العالية، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جُبَير، وقتادة، والربيع بن أنس، وغيرهم. وكما تقدم في الحديث الآخر : ما بين المشرق والمغرب قبلة.
[ وقال القرطبي : روى ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال :" ما بين المشرق والمغرب قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة لأهل الأرض في مشارقها ومغاربها من أمتي (٧) " ](٨).
وقال أبو نعيم الفضل بن دكين :
حدثنا زهير، عن أبي إسحاق، عن البراء أن النبي ﷺ صلَّى قبلَ بيت المقدس ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا، وكان يعجبه قبلته قبل البيت وأنه صَلّى صلاة العصر، وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن كان يصلي معه، فمر على أهل المسجد وهم راكعون، فقال : أشهد بالله لقد صَلّيت مع رسول الله ﷺ قبل مكَّة، فداروا كما هم قبل البيت(٩).
وقال عبد الرزاق : أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء [ قال ](١٠) لما قدم رسول الله ﷺ المدينة صلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا، وكان رسول الله ﷺ يُحِب أن يحوَّل نحو الكعبة، فنزلت :﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ [ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ](١١)﴾ فصرف إلى الكعبة.
وروى النسائي عن أبي سعيد بن المعلى قال : كنا نَغْدُو إلى المسجد على عهد رسول الله ﷺ، فنمر على المسجد فنصلي فيه، فمررنا يومًا - ورسول الله ﷺ قاعد على المنبر - فقلت : لقد حَدث أمر، فجلست، فقرأ رسول الله ﷺ هذه الآية :﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ حتى فرغ من الآية. فقلت لصاحبي : تعال نركع ركعتين قبل أن ينزل رسول الله ﷺ فنكون أول من صلى، فتوارينا فصليناهما. ثم نزل النبي ﷺ فصلى للناس الظهر يومئذ(١٢).
وكذا روى ابن مَرْدويه، عن ابن عمر : أن أول صلاة صلاها رسول الله ﷺ إلى الكعبة صَلاةُ الظهر، وأنها الصلاة الوُسطى. والمشهور أن أول صلاة صلاها إلى الكعبة صلاة العصر، ولهذا تأخر الخبر عن أهل قباء إلى صلاة الفجر.
وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه : حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا الحسين بن إسحاق التَّسْتَري، حدثنا رجاء بن محمد السقطي، حدثنا إسحاق بن إدريس، حدثنا إبراهيم بن جعفر، حدثني أبي، عن جدته أم أبيه نُوَيلة بنت مسلم، قالت : صَلَّينا الظهر - أو العصر(١٣) - في مسجد بني حارثة، فاستقبلنا مسجد إيلياء فصلينا ركعتين، ثم جاء مَنْ يحدثنا أن رسول الله ﷺ قد استقبل البيت الحرام، فتحول النساءُ مكان(١٤) الرجال، والرجالُ مكان(١٥) النساء، فصلينا السجدتين الباقيتين، ونحن مستقبلون(١٦) البيت الحرام. فحدثني رجل من بني حارثة أن النبي ﷺ قال :" أولئك رجال يؤمنون بالغيب " (١٧).
وقال ابن مردويه أيضًا : حدثنا محمد بن علي بن دُحَيْم، حدثنا أحمد بن حازم، حدثنا مالك بن إسماعيل النهدي، حدثنا قيس، عن زياد بن علاقة، عن عُمَارة بن أوس قال : بينما نحن في الصلاة نحو بيت المقدس، ونحن ركوع، إذ أتى مناد بالباب : أن القبلة قد حُوِّلت إلى الكعبة. قال : فأشهد على إمامنا أنه انحرف فتحوَّل هو والرِّجال والصبيان، وهم ركوع، نحو الكعبة(١٨).
وقوله :﴿وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ أمَرَ تعالى باستقبال الكعبة من جميع جهات الأرض، شرقًا وغربًا وشمالا وجنوبًا، ولا يستثنى من هذا شَيء، سوى النافلة في حال السفر، فإنه يصليها حيثما توجه قَالبُه، وقَلْبُه نحو الكعبة. وكذا في حال المسايفة في القتال يصلي على كل حال، وكذا من جهل جهة القبلة يصلي باجتهاده، وإن كان مخطئًا في نفس الأمر، لأن الله تعالى لا يكلف نفسًا إلا وسعها.
مسألة : وقد استدل المالكية بهذه الآية على أن المصلي ينظر أمامه لا إلى موضع سجوده كما ذهب إليه الشافعي وأحمد وأبو حنيفة، قال المالكية لقوله :﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ فلو نظر إلى موضع سجوده لاحتاج أن يتكلف ذلك بنوع من الانحناء وهو ينافي كمال القيام. وقال بعضهم : ينظر المصلي في قيامه إلى صدره. وقال شريك القاضي : ينظر في حال قيامه إلى موضع سجوده كما قال جمهور الجماعة، لأنه أبلغ في الخضوع وآكد في الخشوع وقد ورد به الحديث، وأما في حال ركوعه فإلى موضع قدميه، وفي حال سجوده إلى موضع أنفه وفي حال قعوده إلى حجره.
وقوله :﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أي : واليهودُ - الذين أنكروا استقبالكم الكعبة وانصرافكم عن بيت المقدس - يعلمون أن الله تعالى سَيُوجهك إليها، بما في كتبهم عن أنبيائهم، من النعت والصفة لرسول الله ﷺ وأمَّته، وما خصه الله تعالى به وشَرفه من الشريعة الكاملة العظيمة، ولكن أهل الكتاب يتكاتمون ذلك بينهم حسدًا وكفرًا وعنادًا ؛ ولهذا يهددهم تعالى بقوله :﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾(١٩).
٢ في ط: "جبريل"..
٣ في أ: "بن عمر"..
٤ المستدرك (٢/٢٦٩)..
٥ في ط، أ، و: "الوجهة"..
٦ في ط: "محمد أبي"..
٧ رواه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٩، ١٠) من طريق عمر بن حفص عن ابن جريج به، وقال البيهقي: "تفرد به عمر بن حفص المكي وهو ضعيف لا يحتج به، وروى بإسناد آخر ضعيف، عن عبد الله بن حبش كذلك مرفوعا، ولا يحتج بمثله، والله أعلم"..
٨ زيادة من ج، ط، أ..
٩ رواه البخاري في صحيحه برقم (٤٤٨٦) عن أبي نعيم..
١٠ زيادة من جـ، ط، و..
١١ زيادة من جـ..
١٢ سنن النسائي الكبرى (١١٠٠٤)..
١٣ في جـ: "الظهر والعصر"..
١٤ في أ: "موضع"..
١٥ في أ: "موضع"..
١٦ في أ: "ونحن مستقبلو"..
١٧ المعجم الكبير (٢٥/٤٣) وقال الهيثمي في المجمع (٢/١٤) "فيه إسحاق بن إدريس الأسواري وهو ضعيف متروك"..
١٨ ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (١/٣٣٥) عن شبابة عن قيس عن زياد به.
١٩ في جـ، ط: "تعلمون"..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
[وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَصَحَّحَهُ (٣) ] (٤).
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدّثني مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَوْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أَيْ: بِالْقِبْلَةِ الْأُولَى، وَتَصْدِيقَكُمْ نَبِيَّكُمْ، وَاتِّبَاعَهُ إِلَى الْقِبْلَةِ الْأُخْرَى. أَيْ: لَيُعْطيكم (٥) أجرَهما جَمِيعًا. ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أَيْ: مَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَانْصِرَافَكُمْ مَعَهُ حَيْثُ انْصَرَفَ ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾
وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى امْرَأَةً مِنَ السَّبْيِ قَدْ فُرِّقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ وَلَدِهَا، فَجَعَلَتْ كُلَّما وَجَدَتْ صَبِيًّا مِنَ السَّبْيِ أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِصَدْرِهَا، وَهِيَ تَدُور عَلَى، وَلَدِهَا، فَلَمَّا وَجَدَتْهُ ضَمَّتْهُ إِلَيْهَا وَأَلْقَمَتْهُ ثَدْيَهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَتَرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ، وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَلَّا تَطْرَحَهُ؟ " قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: "فَوَاللَّهِ، لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا" (٦).
﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤)﴾
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عباس: كان أوَّل ما نُسخَ من القرآن القبلة، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا هاجرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَكَانَ أَكْثَرُ أَهْلِهَا الْيَهُودَ، فَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَفَرِحَتِ الْيَهُودُ، فَاسْتَقْبَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بضْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ يُحِبُّ قِبْلَةَ إِبْرَاهِيمَ فَكَانَ يَدْعُو إِلَى اللَّهِ وَيَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ فَارْتَابَ مِنْ ذَلِكَ الْيَهُودُ، وَقَالُوا: ﴿مَا وَلاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ [يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ] (٧)﴾ وَقَالَ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١١٥] وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾
(٢) سبق تخريج الحديث قريبا.
(٣) سنن الترمذي برقم (٢٩٦٤).
(٤) زيادة من جـ، ط، أ.
(٥) في أ: "ليضيعنكم" وفي و: "ليعطينكم".
(٦) صحيح البخاري برقم (٥٩٩٩) وصحيح مسلم برقم (٢٧٥٤).
(٧) زيادة من ط.
وَرَوَى الْحَاكِمُ، فِي مُسْتَدْرَكِهِ، مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ قَمْطَةَ قَالَ: رَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو (٢) جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، بِإِزَاءِ الْمِيزَابِ، فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ قَالَ: نَحْوَ مِيزَابِ الْكَعْبَةِ.
ثُمَّ قَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ (٣).
وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَرَفَةَ، عَنْ هُشَيْم، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، بِهِ.
وَهَكَذَا قَالَ غَيْرُهُ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ: إِنَّ الْغَرَضَ إِصَابَةُ عَيْنِ الْقِبْلَةِ. وَالْقَوْلُ الْآخَرُ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ: أَنَّ الْمُرَادَ الْمُوَاجَهَةَ (٤) كَمَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ (٥) إِسْحَاقَ، عَنْ عُمَيْرِ بْنِ زِيَادٍ الْكِنْدِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قَالَ: شَطْرَهُ: قِبَلَهُ. ثُمَّ قَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي الْعَالِيَةِ، وَمُجَاهِدٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَير، وَقَتَادَةَ، وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، وَغَيْرِهِمْ. وَكَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ.
[وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: رَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ لِأَهْلِ الْمَسْجِدِ، وَالْمَسْجِدُ قِبْلَةٌ لِأَهْلِ الْحَرَمِ، وَالْحَرَمُ قِبْلَةٌ لِأَهْلِ الْأَرْضِ فِي مَشَارِقِهَا وَمَغَارِبِهَا مِنْ أُمَّتِي (٦) "] (٧).
وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ:
حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلَّى قبلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ يُعْجِبُهُ قِبْلَتُهُ قِبَلَ الْبَيْتِ وَأَنَّهُ صَلّى صَلَاةَ الْعَصْرِ، وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ يُصَلِّي مَعَهُ، فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ الْمَسْجِدِ وَهُمْ رَاكِعُونَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ صَلّيت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبل مكَّة، فداروا كما هم قبل البيت (٨).
(٢) في أ: "بن عمر".
(٣) المستدرك (٢/٢٦٩).
(٤) في ط، أ، و: "الوجهة".
(٥) في ط: "محمد أبي".
(٦) رواه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٩، ١٠) من طريق عمر بن حفص عن ابن جريج به، وقال البيهقي: "تفرد به عمر بن حفص المكي وهو ضعيف لا يحتج به، وروى بإسناد آخر ضعيف، عن عبد الله بن حبش كذلك مرفوعا، ولا يحتج بمثله، والله أعلم".
(٧) زيادة من ج، ط، أ.
(٨) رواه البخاري في صحيحه برقم (٤٤٨٦) عن أبي نعيم.
وَرَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَى قَالَ: كُنَّا نَغْدُو إِلَى الْمَسْجِدِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَنَمُرُّ عَلَى الْمَسْجِدِ فَنُصَلِّي فِيهِ، فَمَرَرْنَا يَوْمًا -وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاعِدٌ عَلَى الْمِنْبَرِ -فَقُلْتُ: لَقَدْ حَدث أَمْرٌ، فَجَلَسْتُ، فَقَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ حَتَّى فَرَغَ مِنَ الْآيَةِ. فَقُلْتُ لِصَاحِبِي: تَعَالَ نَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَكُونَ أَوَّلَ مَنْ صَلَّى، فَتَوَارَيْنَا فَصَلَّيْنَاهُمَا. ثُمَّ نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى لِلنَّاسِ الظُّهْرَ يَوْمَئِذٍ (٣).
وَكَذَا رَوَى ابْنُ مَرْدويه، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ أَوَّلَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا رسول الله ﷺ إلى الْكَعْبَةِ صَلاةُ الظُّهْرِ، وَأَنَّهَا الصَّلَاةُ الوُسطى. وَالْمَشْهُورُ أَنَّ أَوَّلَ صَلَاةٍ صَلَاهَا إِلَى الْكَعْبَةِ صَلَاةُ الْعَصْرِ، وَلِهَذَا تَأَخَّرَ الْخَبَرُ عَنْ أَهْلِ قُبَاءَ إِلَى صَلَاةِ الْفَجْرِ.
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْحَاقَ التَّسْتَري، حَدَّثَنَا رَجَاءُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّقَطِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِدْرِيسَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدَّتِهِ أُمِّ أَبِيهِ نُوَيلة بِنْتِ مُسْلِمٍ، قَالَتْ: صَلَّينا الظُّهْرَ -أَوِ الْعَصْرَ (٤) -فِي مَسْجِدِ بَنِي حَارِثَةَ، فَاسْتَقْبَلْنَا مَسْجِدَ إِيلِيَاءَ فَصَلَّيْنَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جَاءَ مَنْ يُحَدِّثُنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِ اسْتَقْبَلَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ، فَتَحَوَّلَ النساءُ مَكَانَ (٥) الرِّجَالِ، والرجالُ مَكَانَ (٦) النِّسَاءِ، فَصَلَّيْنَا السَّجْدَتَيْنِ الْبَاقِيَتَيْنِ، وَنَحْنُ مُسْتَقْبِلُونَ (٧) الْبَيْتَ الْحَرَامَ. فَحَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي حَارِثَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "أُولَئِكَ رِجَالٌ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ" (٨).
وَقَالَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ أَيْضًا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دُحَيْم، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ النَّهْدِيُّ، حَدَّثَنَا قَيْسٌ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عَلَاقَةَ، عَنْ عُمَارة بْنِ أَوْسٍ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ فِي الصَّلَاةِ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَنَحْنُ رُكُوعٌ، إِذْ أَتَى مُنَادٍ بِالْبَابِ: أَنَّ الْقِبْلَةَ قَدْ حُوِّلت إِلَى الْكَعْبَةِ. قَالَ: فَأَشْهَدُ عَلَى إِمَامِنَا أَنَّهُ انْحَرَفَ فتحوَّل هُوَ والرِّجال وَالصِّبْيَانُ، وَهُمْ رُكُوعٌ، نَحْوَ الْكَعْبَةِ (٩).
وَقَوْلُهُ: ﴿وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ أمَرَ تَعَالَى بِاسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِ الْأَرْضِ، شَرْقًا وَغَرْبًا وَشَمَالًا وَجَنُوبًا، وَلَا يُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا شَيء، سِوَى النَّافِلَةِ فِي حَالِ السفر، فإنه
(٢) زيادة من جـ.
(٣) سنن النسائي الكبرى (١١٠٠٤).
(٤) في جـ: "الظهر والعصر".
(٥) في أ: "موضع".
(٦) في أ: "موضع".
(٧) في أ: "ونحن مستقبلو".
(٨) المعجم الكبير (٢٥/٤٣) وقال الهيثمي في المجمع (٢/١٤) "فيه إسحاق بن إدريس الأسواري وهو ضعيف متروك".
(٩) ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (١/٣٣٥) عن شبابة عن قيس عن زياد به
تيسير الكريم الرحمن — السعدي
يقول الله لنبيه :﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ أي : كثرة تردده في جميع جهاته، شوقا وانتظارا لنزول الوحي باستقبال الكعبة، وقال :﴿وَجْهِكَ﴾ ولم يقل : " بصرك " لزيادة اهتمامه، ولأن تقليب الوجه مستلزم لتقليب البصر.
﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ﴾ أي : نوجهك لولايتنا إياك، ﴿قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ أي : تحبها، وهي الكعبة، وفي هذا بيان لفضله وشرفه ﷺ، حيث إن الله تعالى يسارع في رضاه، ثم صرح له باستقبالها فقال :﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ والوجه : ما أقبل من بدن الإنسان، ﴿وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ﴾ أي : من بر وبحر، وشرق وغرب، جنوب وشمال. ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ أي : جهته.
ففيها اشتراط استقبال الكعبة، للصلوات كلها، فرضها، ونفلها، وأنه إن أمكن استقبال عينها، وإلا فيكفي شطرها وجهتها، وأن الالتفات بالبدن، مبطل للصلاة، لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده، ولما ذكر تعالى فيما تقدم، المعترضين على ذلك من أهل الكتاب وغيرهم، وذكر جوابهم، ذكر هنا، أن أهل الكتاب والعلم منهم، يعلمون أنك في ذلك على حق وأمر، لما يجدونه في كتبهم، فيعترضون عنادا وبغيا، فإذا كانوا يعلمون بخطئهم فلا تبالوا بذلك، فإن الإنسان إنما يغمه اعتراض من اعترض عليه، إذا كان الأمر مشتبها، وكان ممكنا أن يكون معه صواب.
فأما إذا تيقن أن الصواب والحق مع المعترض عليه، وأن المعترض معاند، عارف ببطلان قوله، فإنه لا محل للمبالاة، بل ينتظر بالمعترض العقوبة الدنيوية والأخروية، فلهذا قال تعالى :﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ بل يحفظ عليهم أعمالهم، ويجازيهم عليها، وفيها وعيد للمعترضين، وتسلية للمؤمنين.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
يقول الله لنبيه: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ أي: كثرة تردده في جميع جهاته، شوقا وانتظارا لنزول الوحي باستقبال الكعبة، وقال: ﴿وَجْهكَ﴾ ولم يقل: "بصرك "لزيادة اهتمامه، ولأن تقليب الوجه مستلزم لتقليب البصر.
﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ﴾ أي: نوجهك لولايتنا إياك، ﴿قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ أي: تحبها، وهي الكعبة، وفي هذا بيان لفضله وشرفه صلى الله عليه وسلم، حيث إن الله تعالى يسارع في رضاه، ثم صرح له باستقبالها فقال: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ والوجه: ما أقبل من بدن الإنسان، ﴿وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ﴾ أي: من بر وبحر، وشرق وغرب، جنوب وشمال. ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ أي: جهته.
ففيها اشتراط استقبال الكعبة، للصلوات كلها، فرضها، ونفلها، وأنه إن أمكن استقبال عينها، وإلا فيكفي شطرها وجهتها، وأن الالتفات بالبدن، مبطل للصلاة، لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده، ولما ذكر تعالى فيما تقدم، المعترضين على ذلك من أهل الكتاب وغيرهم، وذكر جوابهم، ذكر هنا، أن أهل الكتاب والعلم منهم، يعلمون أنك في ذلك على حق وأمر، لما يجدونه في كتبهم، فيعترضون عنادا وبغيا، فإذا كانوا يعلمون بخطئهم فلا تبالوا بذلك، فإن الإنسان إنما يغمه اعتراض من اعترض عليه، إذا كان الأمر مشتبها، وكان ممكنا أن يكون معه صواب.
-[٧٢]-
فأما إذا تيقن أن الصواب والحق مع المعترض عليه، وأن المعترض معاند، عارف ببطلان قوله، فإنه لا محل للمبالاة، بل ينتظر بالمعترض العقوبة الدنيوية والأخروية، فلهذا قال تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ بل يحفظ عليهم أعمالهم، ويجازيهم عليها، وفيها وعيد للمعترضين، وتسلية للمؤمنين.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٣٢ كتابًا)
غريب الكلمات ومعانيها
معاني الكلمات الغريبة في الآية
- شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ
- أي قصده ونحوه، أي تلقاءه، والتلقاء: النحو. وشطر الشيء: نصفه أيضا .
إعراب الآية ١٤٤ من سورة البقرة
من كتاب: إعراب القرآن
[سورة البقرة (٢) : آية ١٤٣]
وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً مفعولان. قال القتبي «١» : إنما قيل للخير وسط لأن الغلوّ والتقصير مذمومان، وخير الأمور أوساطها. قال أبو إسحاق: العرب تشبّه القبيلة بالوادي والقاع وخير الوادي وسطه وكذا خير القبيلة وسطها، وقيل: سبيل الجليل والرئيس أن لا يكون طرفا وأن يكون متوسّطا فلهذا قيل للفاضل: وسط. لِتَكُونُوا لام كي أي لأن تكونوا، شُهَداءَ خبر ويكون عطفا. وقرأ الزهري إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ «٢» «من» : في موضع رفع على هذه القراءة لأنها اسم ما لم يسمّ فاعله.
وجمع قبلة في التكسير قبل وفي التسليم قبلات، ويجوز أن تبدل من الكسرة فتحة، ويجوز أن تحذف الكسرة. وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً الفراء يذهب إلى أنّ «إن» واللام بمعنى «ما» و «إلّا»، والبصريون «٣» يقولون: هي «إن» الثقيلة خفّفت فصلح الفعل بعدها ولزمتها اللام لئلّا تشبه «إن» التي بمعنى «ما» قال الأخفش: أي وإن كانت القبلة لكبيرة، لَرَؤُفٌ على وزن فعول والكوفيون يقرءون لَرَؤُفٌ «٤»، وحكى الكسائي أن لغة بني أسد لرأف على فعل.
[سورة البقرة (٢) : آية ١٤٤]
قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤)شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ظرف مكان كما تقول: تلقاءه وجهته، وانتصب الظرف لأنه فضلة بمنزلة المفعول به، وأيضا فإن الفعل واقع فيه.
[سورة البقرة (٢) : آية ١٤٥]
وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥)وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ لأنهم كفروا وقد تبيّنوا الحق
(٢) انظر المحتسب ١/ ١١١، ومختصر ابن خالويه ١٠، والبحر المحيط ١/ ٥٩٨.
(٣) انظر إعراب القرآن ومعانيه للزجاج ١٨٧.
(٤) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد ١٧١ والبحر المحيط ١/ ٦٠١.
سبب نزول الآية ١٤٤ من سورة البقرة
من كتاب: أسباب نزول القرآن - الواحدي
وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال لجبريل عليه السلام: وَدِدْتُ أَنَّ الله تعالى صرفني عن قبلة اليهود إلى غيرها - وكان يريد الكعبة لأنها قبلة إبراهيم - فقال له جبريل: إنما أنا عبد مثلك لا أملك شيئاً، فسل ربك أن يحولك عنها إلى قبلة إبراهيم. ثم ارتفع جبريل وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يديم النظر إلى السماء رجاء أن يأتيه جبريل بما سأله. فأنزل الله تعالى هذه الآية.
أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد المنصوري، أخبرنا علي بن عمر الحافظ، حدَّثنا عبد الوهاب بن عيسى، حدَّثنا أبو هشام الرفاعي، حدَّثنا أبو بكر ابن عياش، حدَّثنا أبو إسحاق، عن البَرَاء قال:
صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعد قدومه المدينة ستة عشر شهراً نحو بيت المقدس، ثم علم الله عز وجل هوى نبيه صلى الله عليه وسلم، فنزلت: ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ الآية، رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن أبي الأحوص.
ورواه البخاري عن أبي نعيم عن زهير، كلاهما عن أبي إسحاق.
القراءات في الآية ١٤٤ من سورة البقرة
اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية
فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً
ادغام الكاف في القاف ادغاماً كبيراً
اظهار الكاف المفتوحة
يَعْمَلُونَ
(تعملون) بالتاء
(يعملون) بالياء
الموضوعات القرآنية للآية ١٤٤ من سورة البقرة
١٠ موضوعات تتناولها هذه الآية
أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور
٤٩ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور
تفسير
٢١ قولًاعن عبد الله بن عباس: يريد: أنكم يا معشر المؤمنين تطلبون مرضاتي، وما أنا بغافل عن ثوابكم وجزائكم١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وما الله بغافل عما يعملون﴾، يعني: عَمّا يعملون من كفرهم بالقبلة١٢
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- ﴿شَطْره﴾: ناحيته، جانبه. قال: وجوانبه: شُطُورُه١٢
عن أبي العالية -من طريق الربيع بن أنس- ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء﴾ يقول: قد نرى نظرك إلى السماء ﴿فلنولينك قبلة ترضاها﴾، وذلك أنّ الكعبة كانت أحبَّ القِبْلَتَيْن إلى رسول الله ﷺ، وكان يُقَلِّب وجهه في السماء، وكان يَهْوى الكعبة، فوَلّاه اللهُ قِبْلَةً كان يهواها ويرضاها١
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها﴾، قال: هو يومئذ يُصَلِّي نحو بيت المقدس، وكان يهوى قبلة نحو البيت الحرام، فوَلّاه الله قبلة كان يهواها ويرضاها١
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- في قوله: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء﴾، يقول: نَظرَك في السماء. وكان النبي ﷺ يقلِّب وجهه في الصلاة وهو يُصَلّي نحو بيت المقدس، وكان يهوى قبلةَ البيت الحرام، فولّاه الله قبلةً كان يهواها١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء﴾ يعني: نرى أنك تُدِيم نظرك إلى السماء، ﴿فلنولينك﴾ يعني: لنُحَوِّلَنَّك إلى ﴿قبلة ترضاها﴾؛ لأنّ الكعبة كانت أحبَّ إلى النبي ﷺ من بيت المقدس١
عن علي بن أبي طالب -من طريق عميرة بن زياد الكندي- في قوله: ﴿فولّ وجهك شطر المسجد الحرام﴾، قال: شطره فينا قِبَلَه١
عن عبد الله بن عمرو، في قوله: ﴿فلنولينك قبلة ترضاها﴾، قال: قِبلَة إبراهيم نحو المِيزاب١
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- قال: ﴿شطر المسجد الحرام﴾: نَحْوَه١
عن البراء بن عازب -من طريق شَرِيكٍ، عن أبي إسحاق- في قوله: ﴿فولّ وجهك شطر المسجد الحرام﴾، قال: قِبَلَه١
عن البراء بن عازب -من طريق يونس بن أبي إسحاق- في قوله: ﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾، قال: وسطه١
عن أبي العالية: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء﴾، يقول: إنّك تُدِيم النظر إلى السماء لِلَّذي سألت، ﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ يقول: فحَوِّل وجهك في الصلاة نحو المسجد الحرام١
عن رُفَيْع أبي العالية -من طريق داود بن أبي هند- في قوله: ﴿شطر المسجد الحرام﴾، قال: تِلْقاءَه١
عن سعيد بن جبير، ومجاهد بن جبر، وعكرمة مولى ابن عباس، نحو ذلك١
عن مجاهد بن جَبْر -من طريق ابن أبي نَجِيح- في قوله: ﴿شطره﴾، يعني: نحوه١
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿فولّ وجهك شطر المسجد الحرام﴾، قال: تِلْقاء المسجد الحرام١
عن قتادة بن دِعامة -من طريق مَعْمَر- في قوله: ﴿فولّ وجهك﴾ قال: توجّه ﴿شطرَ المسجد الحرام﴾ قال: نحو المسجد الحرام١
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- ﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾، أي: تِلْقاءَه١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فول﴾ يعني: فحَوِّل ﴿وجهك شطر﴾ يعني: تِلْقاء ﴿المسجد الحرام﴾١
عن سفيان الثوري: في قول الله -جلَّ وعزَّ-: ﴿فولّ وجهك شطر المسجد الحرام﴾، قال: تِلْقاءه١
آثار متعلقة بأحكام الآية
٦ أقوالعن عطاء، قال: قال أسامة بن زيد: رأيتُ رسول الله ﷺ حين خرجَ من البيت أقبلَ بوجهه إلى الباب، فقال: «هذه القبلةُ، هذه القبلة»١
عن ابن جُرَيْج، قال: قلتُ لعطاء: أسَمعتَ ابن عباس يقول: إنّما أُمِرتُم بالطَّواف، ولم تُؤْمَرُوا بدخوله. قال: لم يكن ينهى عن دخوله، ولكني سمعته يقول: أخبرني أسامة بن زيد: أنّ رسول الله ﷺ لَمّا دخل البيتَ دَعا في نواحيه كلها، ولم يُصَلِّ حتى خرج، فلمّا خرج ركع في قِبَل القِبْلَة ركعتين، وقال: «هذه القبلة»١
عن ابن عباس مرفوعًا: «البيتُ قِبْلةٌ لأهل المسجد، والمسجدُ قِبْلةٌ لأهل الحرم، والحرمُ قِبْلةٌ لأهل الأرض في مشارقها ومغاربها من أُمَّتِي»١
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- قال: البيتُ كله قِبْلةٌ، وقِبْلةُ البيت البابُ١٢
عن ابن جُرَيْج، قال: قلت لعطاء [بن أبي رباح]: أرأيتَ الموقف بعرفة، أحَقٌّ على الناس أن يُوَجِّهُوا إلى البيت؟ قال: أمّا إذا وجَّهْتَ نحو الحرم فحسبُك، الحرمُ كلُّه قِبْلةٌ ومسجدٌ. ثم تلا عَلَيَّ: ﴿فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام﴾. قال: فالحرم كله مسجد. قال: فقال: أرأيتَ أهل الآفاق، أليس إنّما يستقبلون الحرم كله؟ وتلا: ﴿إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام﴾ [التوبة:٢٨]. قال: لم يَعْنِ المسجد قط، ولكن يعني: مكة، والحرم. فقلت له: أثَبت أنّه الحرم؟ قال: فأَمْسِك١
عن ابن عمر -من طريق سعيد بن جبير-: [أنّه كان] يُصَلِّي حيثما تَوَجَّهَتْ به راحلتُه، قال ابنُ عمر: وقد رأيتُ رسول الله ﷺ يفعل ذلك، ويتأوّل عليه: ﴿وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم﴾١
قراءات
قول واحدعن أبي رَزِينٍ، قال: في قراءة عبد الله [بن مسعود]: (وحَيْثُما كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَهُ)١
تفسير الآية
٦ أقوالعن أبي العالية: ﴿وحيثما كنتم﴾ يعني: من الأرض ﴿فولّوا وجوهكم﴾ في الصلاة ﴿شطره﴾: نَحْوَ الكعبة١
عن قتادة بن دِعامة -من طريق مَعْمَر- في قوله: ﴿وحيثما كنتم فولّوا وجوهكم شطره﴾، أي: تِلْقاءَه١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وحيث ما كنتم﴾ من الأرض ﴿فولّوا وجوهكم شطره﴾ يعني: فحوّلوا وجوهكم في الصلاة تِلْقاءَه١
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- في قوله: ﴿وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم﴾، قال: يعني بذلك: القبلة١
عن أبي العالية، في قوله: ﴿وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم﴾، يقول: لَيعلمون أنّ الكعبة كانت قبلةَ إبراهيم والأنبياء، ولكنَّهم تركوها عَمْدًا١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وإن الذين أوتوا الكتاب﴾ يعني: أهل التوراة ﴿ليعلمون أنه الحق من ربهم﴾ بأنّ القبلة هي الكعبة. فأوعدهم الله، فقال: ﴿وما الله بغافل عما يعملون﴾١٢
نزول الآية
١٥ قولًاعن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- في قوله: ﴿وإن الذين أوتوا الكتاب﴾، قال: أُنزِل ذلك في اليهود١
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- قال: لَمّا حُوِّل النبي ﷺ إلى الكعبة قالتِ اليهود: إنّ محمدًا اشتاقَ إلى بلد أبيه ومولده، ولو ثَبَت على قِبْلَتِنا لكُنّا نرجو أن يكون هو صاحبَنا الذي ننتظر. فأنزل الله عز وجل فيهم: ﴿وإنّ الذين أوتوا الكتابَ ليعلمون أنه الحق من ربهم﴾ إلى قوله: ﴿ليكتمون الحق وهم يعلمون﴾١
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهْب-، مثل ذلك١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وإن الذين أوتوا الكتاب﴾ يعني: أهل التوراة، وهم اليهود، منهم الحُمَيْس بن عمرو، قال: يا محمد، ما أُمِرتَ بهذا الأمر، وما هذا إلا شيءٌ ابتدعته -يعني: في أمر القبلة-. فأنزل الله عز وجل: ﴿وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم﴾١
عن معاذ بن جبل، قال: صلّى رسول الله ﷺ بعد أن قَدِم المدينة إلى بيت المقدس سبعة عشر شهرًا، ثم أنزل الله أنّه يأمره فيها بالتَّحَوُّل إلى الكعبة، فقال: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء﴾ الآية١
عن البراء، قال: صَلَّيْنا معَ رسول الله ﷺ نحو بيت المقدس ثمانية عشر شهرًا، وصُرِفَت القبلة إلى الكعبة بعد دخوله المدينة بشهرين، وكان رسول الله ﷺ إذا صلّى إلى بيت المقدس أكْثَرَ تَقَلُّبَ وجهِه في السماء، وعَلِم الله من قلب نبيه أنه يهوى الكعبة، فصعد جبريل، فجعل رسول الله ﷺ يُتْبِعُه بَصَرَه وهو يصعد بين السماء والأرض، ينظر ما يأتيه به؛ فأنزل الله: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء﴾ الآية. فقال رسول الله ﷺ: «يا جبريل، كيف حالنا في صلاتنا إلى بيت المقدس؟». فأنزل الله: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾١
عن عبد الله بن عباس، قال: كان النبي ﷺ إذا سَلَّم من صلاته إلى بيت المقدس رَفَعَ رأسه إلى السماء؛ فأنزل الله: ﴿قد نرى تقلب وجهك﴾ الآية١
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- قال: كان رسول الله ﷺ يُحِبُّ قِبْلَة إبراهيم، وكان يدعو الله، وينظر إلى السماء؛ فأنزل الله: ﴿قد نرى تقلب وجهك﴾ الآية١
عن أبي سعيد بن المُعَلّى، قال: كُنّا نغدو إلى المسجد على عهد رسول الله ﷺ، فنَمُرُّ على المسجد، فنُصَلِّي فيه، فمررنا يومًا ورسول الله ﷺ قاعد على المنبر، فقلت: لقد حَدَث أمْرٌ. فجلستُ، فقرأ رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء﴾ حتى فرغ من الآية. فقلت لصاحبي: تعال نركع ركعتين قبل أن ينزل رسول الله ﷺ، فنكون أولَ مَن صَلّى. فتوارَيْنا، فصَلَّيْناهُما، ثم نزل رسول الله ﷺ، فصلّى للناس الظهر يومئذ إلى الكعبة١
عن أبي العالية: أنّ رسول الله ﷺ نظر نحو بيت المقدس، فقال لجبريل: «وددت أنّ الله صَرَفَني عن قِبلة اليهود إلى غيرها». فقال له جبريل: إنّما أنا عبد مثلك، ولا أملك لك شيئًا إلا ما أُمِرْت، فادْعُ ربَّك، وسَلْهُ. فجعل رسول الله ﷺ يُديم النظر إلى السماء؛ رجاءَ أن يأتيه جبريل بالذي سأل؛ فأنزل الله: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء﴾١
عن مجاهد بن جَبْر -من طريق ابن جُرَيْج- قال: قالت اليهود: يخالفنا محمد ويَتَّبِعُ قِبْلَتَنا! فكان يدعو الله ويَسْتَفْرِضُ١ القِبْلَة؛ فنزلت: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء﴾ الآية -وانقَطَعَ قولُ يهود: يخالفنا محمد ويَتَّبِع قبلتنا!- في صلاة الظهر، وحوَّل الرجالَ مكان النساء، والنساءَ مكان الرجال٢
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- قال: كان الناس يُصَلُّون قِبَلَ بيت المقدس، فلَمّا قَدِم النبي ﷺ المدينةَ على رأس ثمانية عشر شهرًا مِن مُهاجَره، وكان إذا صَلّى رفع رأسه إلى السماء يَنظُر ما يُؤمر، وكان يُصَلِّي قِبَل بيت المقدس، فنَسَخَتْها الكعبةُ، فكان النبي ﷺ يُحِبُّ أن يُصَلِّي قِبَل الكعبة؛ فأنزل الله: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء﴾ الآية١
عن الكلبي: أنّ رسول الله ﷺ قال لجبريل: «ودِدتُ أنّ الله صرفني عن قبلة اليهود إلى غيرها». فقال جبريل: إنما أنا عبد مثلك، فادع الله، وسله. ثم ارتفع جبريل، فجعل رسول الله ﷺ يُدِيم النظر إلى السماء رجاء أن يأتيه جبريل بالذي سأل الله؛ فأنزل الله عليه: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها﴾١
عن مقاتل بن حيّان: لَمّا أُمِر رسول الله ﷺ أن يُصَلِّي نحو بيت المقدس قالت اليهود: زعم محمّد أنّه نبيّ، وما نراه أحدث في نبوته شيئًا، أليس يصلّي إلى قبلتنا ويستنّ بسنّتنا؟! فإن كانت هذه نُبُوَّةٌ فنحن أقدم وأوفر نصيبًا. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فشقّ عليه، وزاده شوقًا إلى الكعبة١
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهْب- قال: قال الله لنبيه محمد ﷺ: ﴿فأينما تولوا فثمَّ وجه الله﴾. قال: فقال رسول اللهﷺ: «هؤلاء قَومُ يهود، يستقبلون بيتًا من بيوت الله -لبيت المقدس-، لَوْ أنّا اسْتَقْبَلْناه». فاستقبله النبيُّ ﷺ ستة عشر شهرًا، فبلغه أن يهودَ تقول: واللهِ، ما دَرى محمد وأصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم. فكره ذلك النبي ﷺ، ورفع وجهه إلى السماء؛ فقال الله: ﴿قد نَرى تقلُّب وجهك في السماء فلنوَلينَّك قبلةً ترضاها فوَلّ وجهك شَطرَ المسجد الحرام﴾ الآية١
وقفات تدبرية في الآية ١٤٤ من سورة البقرة
٢٩ وقفةً في هذه الآية
-
" قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها" قد يحقق الله لك ما تمنيته بصدق ورجاء وإن لم تدع الله به ، وهذا من كمال العناية الربانية.
— محمد الربيعة
-
"قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها" من كرمه : أنه لا يحقق دعوات عباده فحسب بل حتى رغباتهم الهامسة في قلوبهم.
— بدون مصدر
-
قد يحقق الله لك ما تمنيته بصدق ورجاء وإن لم تدع الله به ، وهذا من كمال العناية الربانية { قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها}.
— محمد الربيعة
-
( قَدْ نرىٰ تَقلُّب وَجهِكَ في السماء ) إذا ضاقت بك الأرض مُد طرفك للفضاء ، وتضرع لـ ربك ولن يُخيّب الله ذلك الدعاء.
— عايض المطيري
-
﴿ﻗﺪ ﻧﺮﻯ ﺗﻘﻠﺐ ﻭﺟﻬﻚ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﻤﺎﺀ ﻓﻠﻨﻮﻟﻴﻨﻚ ﻗﺒﻠﺔ ﺗﺮﺿﺎﻫﺎ﴾ كل أمنية من هذه النفس المباركة هي عزيزة عند الله ومحل التحقيق.
— روائع القرآن
-
﴿ قد نرى تقلّب وجهك في السّماء ﴾ يعرِف الله ما يُشغل عقلك وَ قلبك يعلم مطلوباتك وَ حاجاتك فقط بنظرةٍ عينٍ ملؤها الرجاء.
— تأملات قرآنية
-
"قد نرى (تقلب وجهك) في السماء (فلنولينك) قبلة ترضاها" بقدر أشواقك للهداية يمنحك الله أنوارها.
— عبدالله بلقاسم
-
﴿ قد نرى تقلّب وجهك في السماء ﴾ يعلم الله ما يُشغل عقلك وقلبك، يعلم مطلوباتك وحاجاتك ،فقط بنظرة عينٍ ملؤها الرجاء .
— تأملات قرآنية
-
" قد نرى تقلب ( وجهك ) في السماء " قال : " وجهك " ولم يقل : " بصرك " لزيادة اهتمامه ؛ ولأن تقليب الوجه مستلزم لتقليب البصر .
— تفسير السعدي
-
قوله تعالى لنبيه (قبلة َترْضَاهَا)دون قوله: تحبها أو تهواها فيه دلالة على أن ميل الرسول إلى الكعبة ميل لقصد الخير لا لهوى النفس؛ وذلك أن الكعبة أجدر بيوت الله بأن يكون قبلة، فهو أول بيت وضع للناس بالتوحيد، وفي استقبال بيت المقدس أولًا ثم التحول إلى الكعبة إشارة إلى استقلال هذا الدين عن دين أهل الكتاب.
— ابن عاشور
-
سورة البقرة (144)
— محمد الربيعة
-
برنامج لطائف قرآنية سورة البقرة آية 144
— محمد حسان
و١٧ وقفةً أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.
الناسخ والمنسوخ في الآية ١٤٤ من سورة البقرة
من كتاب: الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه
قوله تعالى: ﴿فولِّ وَجْهَكَ شطرَ المسجدِ الحرامِ وحَيْثُما كُنتم فولُّوا وجوهَكُم شطرَه﴾:
هذه الآيةُ عند أكثرِ (المفسرين) وأهلِ المعاني ناسخةٌ (لِلصّلاة إلى بيتِ) المقدسِ، وهي عندَهم أَوَّلُ ما نُسِخ.
وإذا (كان) هذا أَوَّلَ ناسخٍ ومنسوخٍ - على قول جميعِهم - والناسخ والمنسوخ مدنيُّ - فواجبٌ أن لا يكونَ ناسخٌ ومنسوخٌ مكيّاً؛ إِذ أَوَّلُ النسخ عندهم إنّما حدَث بالمدينة، وكان نسخُ القبلةِ بعدَ الهجرة بستَّةَ عشرَ شهراً، وقيل سبعةَ عشَرَ شهراً، إلا أن يكونوا أرادوا بقولِهم (هذا): أَوَّلَناسخٍ ومنسوخٍ، يعنون: بالمدينة، فيجوز أن يكون ثَمَّ مكيٌّ نَسَخَ مكِّياً. ولم أَجدْه مجمعاً عليه، وسترى ما وجَدْتُ منه.
واختُلِفَ في صَلاةِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إلى بيتِ المقدس، هل كان بأمر من الله - عزَّ وجلَّ - أو باختيارِه؟
فقال جماعةٌ: كانَ بأمرٍ مِن الله، بدليل قوله: ﴿وما جَعَلْنَا القِبْلَةَ التي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ - يعني بيتَ المقدس -
وقد قيل: القِبلَةُ في هذه الآية: الكعبة، و"كُنْتَ": بمعنى: أنت. فلا حجة فيه لمن استدلَّ به على أَن النَّبيَّ - صلّى الله عليه وسلم - إلى بيت المقدس بأمر (مِن) الله - على هذا القول -؛ لأَِنَّ القبلةَ في قوله: ﴿الَّتى كنت عليها﴾ مرادٌ بها الكعبة.
(وعلى) القول الأول، يراد بها بيتُ المقدس.
و"كنتَ" بمعنى: أنت، جائزٌ على أن (تكون "كان" زائدةً). وقد قيل في قوله: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أمَّةٍ﴾ معناه: أنتُم خيرُ أُمَّة.
قال ابنُ زيد: كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابُه بِمكَّةَ يُصَلُّونَ نحو الكعبة ثماني سنين. قال وكانوا يُصَلُّونَ ركعتيْنِ بالغداةِ وركعَتيْنِ بالعشيّ، فلما فرض الله "خمسَ صلواتٍ"؛ إِذْ عَرَجَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - صارت الركعتان لِلمسافر. قال: فلما هاجَرَ النبيُّ - عليه السلام - إلى المدينة أَمرَه (الله - عزَّ وجيل -)بالصَّلاة نحو بيتِ المقدس.
وعنه أيضاً أنه قال: لما قَدِم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - المدينةَ، قال: ما ندري أين نتوجه؟ فأنزل اللهُ: ﴿وَلِلَّهِ المشرقُ والمغربُ فأينما تُولُّوا فَثَمَّ وجهُ الله﴾ [البقرة: ١١٥]فصلّى النبي - صلى الله عليه وسلم - نحوَ بيتِ المقدس ستَّةَ عشَرَ شهراً، فتكلَّمَت اليهود فقالوا: ما درى محمدٌ وأصحابُه. ولا اهتدوا لِقِبْلَتِهم إلا بنا، فشقَّ ذلك على النبيِّ - عليه السلام فَنَسَخَ اللهُ القبلةَ، (وأَمرَه) بالصَّلاة نحو الكعبة.
وقال ابنُ حبيب: كان الله - جلّ وعزَّ - قد أَمرَ نبيَّه أن يقتدِيَ بمن كان قبله من الأنبياء، يريدُ بقوله: ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِه﴾ [الأنعام: ٩٠]. قال: فلمَّا قَدِمَ النبي- صلى الله عليه وسلم - المدينةَ صلّى نحو البيت المقدس؛ لأنها كانت قبلةَ جماعةٍ من الأنبياء قبلَه. ثم شقَّ على النبي قولُ اليهود في القبلةِ. فنسخَ اللهُ ذلك بالكعبة.
وقد قيل: إن الله - جلَّ ذكرُه - كان قد فرضَ على إبراهيم [- خليله -الصَّلاَةَ نحو الكعبة، ودلَّ (على) ذلك قولُه ﴿واتَّخذُوا مِن مَقام إبراهِيم]مُصَلَّى﴾ - على قراءة من قرأ بفتح الخاء - على الخبر -.
ثم أمر الله نبيّه - بغير قرآن - بالصَّلاة نحو بيت المقدس، فصلى نحوها (بضعةَ عشرَ) شهراً، وكان يُحِبُّ التَّوَجُّهَ إلى الكعبةِ.
فَنَسَخَ (الله) الصَّلاة نحو بيتِ المقدس بالصَّلاة إلى الكعبةِ، فصار المنسوخ ناسخاً لِما نسخَه اللهُ قبلُ. وهذا قليلُ النَّظير في الناسخ والمنسوخ.
فهذا كُلُّه يدُلُّ على أن الصلاةَ نحو بيتِ المقدس [كان بأمرِ الله له، فهو نَسْخُ قرآن بقرآن.
وقد رُوِيَ أن الأنصارَ (صلَّت نحو بيت المقدس] قبلَ قدوم النبي - صلى الله عليه وسلم - حَوْلين).
فلما قَدِمَ النبي - صلى الله عليه وسلم - صلّى نحو (بيتِ المقدس) بضعةَ عشر شهرا، وكانت نفسُه تائقةً إلى قِبلة أبيه إبراهيم. فأمره اللهُ باستقبالها.
وقيل: بل صلَّى نحو بيتِ المقدِس لِيَتأَلَّفَ بذلك اليهود؛ وذلك أنه هاجرَ إلى المدينة، وكان أكثرُ أهلِها ومَنْ حواليها اليهودَ، فصلَّى نحو بيت المقدس، ليتألَّفَ بذلك اليهودَ، فطعنوا في ذلك وتكلَّموا فيه بما شقَّ على النبيِّ وأصحابِه. فأمر اللهُ بالصلاةِ نحو الكعبةِ.
فيكون - على هذا القولِ - مِن نَسْخِ السُّنة بالقرآن -.
والشَّطْر: النحو - في الآية -.
فتاوى متعلقة بالآية ١٤٤ من سورة البقرة
فتوى واحدة تتعلق بهذه الآية
ترجمات معاني الآية ١٤٤ من سورة البقرة
ترجمة معاني الآية إلى ٦٠ لغةً
(144) We have certainly seen the turning of your face, [O Muḥammad], toward the heaven, and We will surely turn you to a qiblah with which you will be pleased. So turn your face [i.e., yourself] toward al-Masjid al-Ḥarām.[53] And wherever you [believers] are, turn your faces [i.e., yourselves] toward it [in prayer]. Indeed, those who have been given the Scripture [i.e., the Jews and the Christians] well know that it is the truth from their Lord. And Allāh is not unaware of what they do.
[53]- The Sacred Mosque in Makkah containing the Kaʿbah.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال
- الإنجليزية
- الفرنسية
- الإسبانية
- البرتغالية
- الألمانية
- الإيطالية
- التركية
- الإندونيسية
- الفلبينية
- الفارسية
- الأردية
- البنغالية
- الكردية
- البشتوية
- البوسنية
- الألبانية
- الأوكرانية
- الصينية
- الأويغورية
- اليابانية
- الكورية
- الفيتنامية
- الكازاخية
- الأوزبكية
- الأذرية
- الطاجيكية
- الهندية
- المليبارية
- الغوجراتية
- الماراتية
- التلجوية
- التاميلية
- السنهالية
- الأسامية
- الخميرية
- النيبالية
- التايلاندية
- الصومالية
- الهوساوية
- الأمهرية
- اليورباوية
- الأورومية
- الفنلندية
- ماراناو
- فلمكني (هولندية)
- النرويجية
- البولندية
- الرومانية
- الروسية
- تتاري
- السواحلية
- لغة الملايو
- تشيكي
- المالديفية
- السويدية
- العبرية
- الجورجية
- الصربية
- اللوغندية
- الإنكو بامبارا