تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور

عن الكتاب
استئناف ابتدائي وإفضاء لِشرع استقبال الكعبة ونَسْخِ استقبال بيت المقدس فهذا هو المقصود من الكلام المفتتح بقوله :﴿سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها﴾ [البقرة: ١٤٢] بَعْد أن مَهَّد الله بما تقدم من أفانين التهيئة وإعدادِ الناس إلى ترقبه ابتداء من قوله :﴿ولله المشرق والمغرب ثم قوله : ولن ترضى عنك اليهود﴾ [البقرة: ١٢٠] ثم قوله :﴿وإذا جعلنا البيت﴾ [البقرة: ١٢٥] ثم قوله :﴿سيقول السفهاء﴾.
و ( قد ) في كلام العرب للتحقيق أَلاَ ترى أهلَ المعاني نَظَّروا هل في الاستفهام بقد في الخبر فقالوا من أجل ذلك إن هل لطلب التصديق فحرف قد يفيد تحقيق الفعل فهي مع الفعل بمنزلة إِنَّ مع الأسماء ولذلك قال الخليل إنها جواب لقوم ينتظرون الخبر ولو أخبروهم لا ينتظرونه لم يقل قد فعل كذا اهـ.
ولما كان علم الله بذلك مما لا يَشُك فيه النبي ﷺ حتى يُحتاجَ لتحقيق الخبر به كان الخبر به مع تأكيده مستعملاً في لازمه على وجه الكناية لدفع الاستبطاء عنه وأن يُطَمئِنهَ لأن النبي كان حريصاً على حصوله ويَلزم ذلكَ الوعدُ بحصوله فتحصل كنايتان مترتبان.
وجيء بالمضارع مَعَ ( قد ) للدلالة على التجدد والمقصود تجدد لازمه ليكون تأكيداً لذلك اللازم وهو الوعد، فمن أجْل ذلك غلب على قد الداخلة على المضارع أن تكون للتكثير مثل ربما يفعل. قال عبيد بن الأَبْرَص :
قد أَتْركُ القِرن مُصْفَرَّا أَنامِلُهكَأَنَّ أَثوابه مُبحَّت بفِرصاد
وستجيء زيادة بيان لهذا عند قوله تعالى :﴿قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون﴾ [الأنعام: ٣٣] في سورة الأنعام.
والتقلب مطاوع قَلَّبه إذا حَوَّله وهو مثل قلبهُ بالتخفيف، فالمراد بتقليب الوجه الالتفات به أي تحويله عن جهته الأصلية فهو هنا ترديده في السماء، وقد أخذوا من العدول إلى صيغة التفعيل الدلالةَ على معنى التكثير في هذا التحويل، وفيه نظر إذ قد يكون ذلك لما في هذا التحويل من الترقب والشدة فالتفعيل لقوة الكيفية، قالوا كان النبي ﷺ يقع في رُوعه إلهاماً أن الله سيحوله إلى مكة فكان يردد وجهه في السماء فقيل ينتظر نزول جبريل بذلك، وعندي أنه إذا كان كذلك لزم أن يكون تقليب وجهه عند تهيؤ نزول الآية وإلاّ لما كان يترقب جبريل فدل ذلك على أنه لم يتكرر منه هذا التقليب.
والفاء في ﴿فلنولينك﴾ فاء التعقيب لتأكيد الوعد بالصراحة بعد التمهيد لها بالكناية في قوله :﴿قد نرى تقلب وجهك﴾، والتولية تقدم الكلام عليها عند قوله تعالى :﴿ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها﴾ [البقرة: ١٤٢]، فمعنى ﴿فلنولينك قبلة﴾ لنوجهنك إلى قبلة ترضاها. فانتصب ﴿قبلة﴾ على التوسع بمنزلة المفعول الثاني وأصله لنولينك مِن قِبلة وكذلك قوله :﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾.
والمعنى أن تولية وجهه للكعبة سيحصل عقب هذا الوعد. وهذا وعد اشتمل على أداتي تأكيد وأداةِ تعقيب وذلك غاية اللطف والإحسان.
وعبر بترضاها للدلالة على أن ميله إلى الكعبة ميل لقصد الخير بناء على أن الكعبة أجدر بيُوتِ الله بأن يدل على التوحيد كما تقدم فهو أجدر بالاستقبال من بيت المقدس، ولأن في استقبالها إيماء إلى استقلال هذا الدين عن دين أهل الكتاب. ولما كان الرضى مشعراً بالمحبة الناشئة عن تعقل اختير في هذا المقام دون تُحبها أو تهواها أو نحوهما فإن مقام النبي ﷺ يربو عن أن يتعلق ميله بما ليس بمصلحة راجحة بعد انتهاء المصلحة العارضة لمشروعية استقبال بيت المقدس، ألا ترى أنه لما جاء في جانب قبلتهم بعد أن نسخت جاء بقوله :﴿ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم﴾ الآية.
وقوله :﴿فول وجهك﴾ تفريع على الوعد وتعجيل به والمعنى فول وجهك في حالة الصلاة وهو مستفاد من قرينة سياق الكلام على المجادلة مع السفهاء في شأن قبلة الصلاة.
والخطاب للنبيء ﷺ والأمر متوجه إليه باعتبار ما فيه من إرضاء رغبته، وسيعقبه بتشريك الأمة معه في الأمر بقوله :﴿وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾.
والشَّطْر بفتح الشين وسكون الطاء الجهة والناحية وفسره قتادة بتلقاء، وكذلك قرأه أبي بن كعب، وفَسر الجُبَّائي وعبد الجبار الشطر هنا بأنه وسَط الشيء، لأن الشطر يطلق على نصف الشيء فلما أضيف إلى المسجد والمسجد مكان اقتضى أن نصفه عبارة عن نصف مقداره ومساحته وذلك وسطه، وجعَلا شطر المسجد الحرام كناية عن الكعبة لأنها واقعة من المسجد الحرام في نصف مساحته من جميع الجوانب ( أي تقريباً ) قال عبد الجبار ويدل على أن المراد ما ذكرنا وجهان أحدهما أن المصلى لو وقف بحيث يكون متوجهاً إلى المسجد ولا يكون متوجهاً إلى الكعبة لا تصح صلاته، الثاني لو لم نفسر الشطر بما ذكرنا لم يبق لذكر الشطر فائدة إذ يغني أن يقول :﴿فول وجهك المسجد الحرام﴾ ولكان الواجب التوجه إلى المسجد الحرام لا إلى خصوص الكعبة.
فإن قلت ما فائدة قوله :﴿فلنولينك قبلة ترضاها﴾ قبل قوله :﴿فول وجهك﴾ وهلا قال : في السماء فول وجهك إلخ، قلت فائدته إظهار الاهتمام برغبة رسول الله ﷺ وأنها بحيث يعتنى بها كما دل عليه وصف القبلة بجملة ﴿ترضاها﴾.
ومعنى ( نولينك ) نوجهنك، وفي التوجيه قرب معنوي لأن ولي المتعدي بنفسه إذا لم يكن بمعنى القرب الحقيقي فهو بمعنى الارتباط به، ومنه الولاء والولي، والظاهر أن تعديته إلى مفعول ثان من قبيل الحذف والتقدير ولى وجهه إلى كذا ثم يَعدونه إلى مفعول ثالث بحرف عن فيقولون ولَّى عن كذا وينزلونه منزلة اللازم بالنسبة للمفعولين الآخرين فيقدرون ولى وجهه إلى جهة كذا منصرفاً عن كذا أي الذي كان يليه من قبل، وباختلاف هاته الاستعمالات تختلف المعاني كما تقدم.
فالقبلة هنا اسم للمكان الذي يستقبله المصلى وهو إما مشتق من اسم الهيئة وإما من اسم المفعول كما تقدم.
والمسجد الحرام المسجد المعهود عند المسلمين والحرام المجعول وصفاً للمسجد هو الممنوع. أي الممنوع منع تعظيم وحرمة فإن مادة التحريم تؤذن بتجنب الشيء فيفهم التجنب في كل مقام بما يناسبه. وقد اشتهر عند العرب وصف مكة بالبلد الحرام أي الممنوع عن الجبابرة والظلمة والمعتدين ووصف بالمحرم في قوله تعالى حكاية عن إبراهيم :﴿عند بيتك الحرام﴾ [إبراهيم: ٣٧]، أي المعظم المحترم وسمي الحرم قال تعالى :﴿أولم نمكن لهم حرماً أمناً﴾ [القصص: ٥٧] فوصف الكعبة بالبيت الحرام وحرم مكة بالحرم أوصاف قديمة شائعة عند العرب فأما اسم المسجد الحرام فهو من الألقاب القرآنية جعل علماً على حريم الكعبة المحيط بها وهو محل الطواف والاعتكاف ولم يكن يعرف بالمسجد في زمن الجاهلية إذ لم تكن لهم صلاة ذات سجود والمسجد مكان السجود فاسم المسجد الحرام علم بالغلبة على المساحة المحصورة المحيطة بالكعبة ولها أبواب منها باب الصفا وباب بني شيبة ولما أطلق هذا العلم على ما أحاط بالكعبة لم يتردد الناس من المسلمين وغيرهم في المراد منه فالمسجد الحرام من الأسماء الإسلامية قبل الهجرة وقد ورد ذكره في سورة الإسراء وهي مكية.
والجمهور على أن المراد بالمسجد الحرام هنا الكعبة لاستفاضة الأخبار الصحيحة بأن القبلة صرفت إلى الكعبة وأن رسول الله أمر أن يستقبل الكعبة وأنه صلى إلى الكعبة يوم الفتح وقال هذه القبلة، قال ابن العربي « وَذَكَرَ المسجد الحرام والمراد به البيت لأن العرب تعبر عن البيت بما يجاوره أو بما يشتمل عليه » وعن ابن عباس البيت قبلة لأهل المسجد والمسجد قبلة لأهل الحرم والحرم قبلة لأهل المشرق والمغرب. قال الفخر وهذا قول مالك، وأقول لا يعرف هذا عن مالك في كتب مذهبه.
وانتصب ﴿شطر المسجد﴾ على المفعول الثاني لولِّ وليس منصوباً على الظرفية.
وقوله :﴿وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾ تنصيص على تعميم حكم استقبال الكعبة لجميع المسلمين بعموم ضميري ﴿كنتم﴾ و ﴿وجوهكم﴾ لوقوعهما في سياق عموم الشرط بحيثما وحينما لتعميم أقطار الأرض لئلا يظن أن قوله :﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ خاص بالنبي ﷺ فإن قوله :﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ خطاب للنبيء ﷺ اقتضى الحال تخصيصه بالخطاب به لأنه تفريع على قوله :﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء﴾ ليكون تبشيراً له ويعلم أن أمته مثله لأن الأصل في التشريعات الإسلامية أن تعم الرسول وأمته إلاّ إذا دل دليل على تخصيص أحدهما، ولما خيف إيهام أن يكون هذا الحكم خاصاً به أو أن تجزىء فيه المرة أو بعض الجهات كالمدينة ومكة أريد التعميم في المكلفين وفي جميع البلاد، ولذلك جيء بالعطف بالواو لكن كان يكفي أن يقول وولوا وجوهكم شطره فزيد عليه ما يدل على تعميم الأمكنة تصريحاً وتأكيداً لدلالة العموم المستفاد من إضافة ﴿شطر﴾ إلى ضمير ﴿المسجد الحرام﴾ لأن شطر نكرة أشبهت الجمع في الدلالة على أفراد كثيرة فكانت إضافتها كإضافة الجموع، وتأكيداً لدلالة الأمر التشريعي على التكرار تنويهاً بشأن هذا الحكم فكأنه أفيد مرتين بالنسبة للمكلفين وأحوالهم أولاهما إجمالية والثانية تفصيلية.
وهذه الآيات دليل على وجوب هذا الاستقبال وهو حكمة عظيمة، ذلك أن المقصود من الصلاة العبادة والخضوع لله تعالى وبمقدار استحضار المعبود يقوى الخضوع له فتترتب عليه آثاره الطيبة في إخلاص العبد لربه وإقباله على عبادته وذلك ملاك الامتثال والاجتناب. ولهذا جاء في الحديث الصحيح : " الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك " ولما تنزه الله تعالى عن أن يحيط به الحس تعين لمحاول استحضار عظمته أن يجعل له مذكراً به من شيء له انتساب خاص إليه، قال فخر الدين :( إن الله تعالى خلق في الإنسان قوة عقلية مدركة للمجردات والمعقولات، وقوة خيالية متصرفة في عالم الأجسام، وقلما تنفك القوة العقلية عن مقارنة القوة الخيالية، فإذا أراد الإنسان استحضار أمر عقلي مجرد وجب أن يضع له صورة خيالية يحسها حتى تكون تلك الصورة الخيالية معينة على إدراك تلك المعاني العقلية، ولما كان العبد الضعيف إذا وصل إلى مجلس الملك العظيم لا بد من أن يستقبله بوجهه ويبالغ في الثناء عليه بلسانه وفي الخدمة له، فاستقبال القبلة في الصلاة يجري مجرى كونه مستقبلاً للملك، والقرآنُ والتسبيحات تجري مجرى الثناء عليه، والركوع والسجود يجري مجرى الخدمة ) اهـ.
فإذا تعذر استحضار الذات المطلوبة بالحس فاستحضارها يكون بشيء له انتساب إليها مباشرة كالديار أو بواسطة كالبرق والنسيم ونحو ذلك أو بالشبه كالغزال عند المحبين، وقديماً ما استهترت الشعراء بآثار الأحبة كالأطلال في قوله :* قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل * وأقوالهم في البرق والريح، وقال مالك بن الرَّيب :
دَعاني الهَوى من أهل ودي وجيرتيبذِي الطَّيِّسَيْنِ فالتفتُّ وَرائيا
والله تعالى منزه عن أن يحيط به الحس فوسيلة استحضار ذاته هي استحضار ما فيه مزيد دلالة عليه تعالى. لا جرم أن أولى المخلوقاتِ بأن يجعل وسيلة لاستحضار الخالق في نفس عبده هي المخلوقات التي كان وجودها لأجل الدلالة على توحيد الله وتنزيهه ووصفه بصفات الكمال مع تجردها عن كل ما يوهم أنها المقصو

تفسير هذه الآية من كتب أخرى