مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون﴾
اعلم أن قوله :﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء﴾ فيه قولان :
القول الأول : وهو المشهور الذي عليه أكثر المفسرين أن ذلك كان لانتظار تحويله من بيت المقدس إلى الكعبة، والقائلون بهذا القول ذكروا وجوها. ( أحدها ) : أنه كان يكره التوجه إلى بيت المقدس، ويحب التوجه إلى الكعبة، إلا أنه ما كان يتكلم بذلك فكان يقلب وجهه في السماء لهذا المعنى، روى عن ابن عباس أنه قال :«يا جبريل وددت أن الله تعالى صرفني عن قبلة اليهود إلى غيرها فقد كرهتها » فقال له جبريل :«أنا عبد مثلك فاسأل ربك ذلك » فجعل رسول الله ﷺ يديم النظر إلى السماء رجاء مجيء جبريل بما سأل فأنزل الله تعالى هذه الآية، وهؤلاء ذكروا في سبب هذه المحنة أمورا. ( الأول ) : أن اليهود كانوا يقولون : إنه يخالفنا ثم إنه يتبع قبلتنا ولولا نحن لم يدر أين يستقبل، فعند ذلك كره أن يتوجه إلى قبلتهم. ( الثاني ) : أن الكعبة كانت قبلة إبراهيم. ( الثالث ) : أنه عليه السلام كان يقدر أن يصير ذلك سببا لاستمالة العرب ولدخولهم في الإسلام. ( الرابع ) : أنه عليه السلام أحب أن يحصل هذا الشرف للمسجد الذي في بلدته ومنشئه لا في مسجد آخر، واعترض القاضي على هذا الوجه وقال : أنه لا يليق به عليه السلام أن يكره قبلة أمر أن يصلي إليها، وأن يحب أن يحوله ربه عنها إلى قبلة يهواها بطبعه، ويميل إليها بحسب شهوته لأنه عليه السلام علم وعلم أن الصلاح في خلاف الطبع والميل : واعلم أن هذا التأويل قليل التحصيل، لأن المستنكر من الرسول أن يعرض عما أمره الله تعالى به، ويشتغل بما يدعوه طبعه إليه، فأما أن يميل قلبه إلى شيء فيتمنى في قلبه أن يأذن الله له فيه، فذلك مما لا إنكار عليه، لاسيما إذا لم ينطق به، أي بعد في أن يميل طبع الرسول إلى شيء فيتمنى في قلبه أن يأذن الله له فيه، وهذا مما لا استبعاد فيه بوجه من الوجوه.
الوجه الثاني : أنه عليه السلام قد استأذن جبريل عليه السلام في أن يدعو الله تعالى بذلك فأخبره جبريل بأن الله قد أذن له في هذا الدعاء، وذلك لأن الأنبياء لا يسألون الله تعالى شيئا إلا بإذن منه لئلا يسألوا ما لا صلاح فيه فلا يجابوا إليه فيفضي ذلك إلى تحقير شأنهم، فلما أذن الله تعالى له في الإجابة علم أنه يستجاب إليه فكان يقلب وجهه في السماء ينتظر مجيء جبريل عليه السلام بالوحي في الإجابة.
الوجه الثالث : قال الحسن : إن جبريل عليه السلام أتى رسول الله ﷺ يخبره أن الله تعالى سيحول القبلة عن بيت المقدس إلى قبلة أخرى، ولم يبين له إلى أي موضع يحولها، ولم تكن قبلة أحب إلى رسول الله ﷺ من الكعبة فكان رسول الله يقلب وجهه في السماء ينتظر الوحي، لأنه عليه السلام علم أن الله تعالى لا يتركه بغير صلاة، فأتاه جبريل عليه السلام فأمره أن يصل نحو الكعبة والقائلون بهذا الوجه اختلفوا فمنهم من قال : إنه عليه السلام منع من استقبال بيت المقدس ولم يعين له القبلة، فكان يخاف أن يرد وقت الصلاة ولم تظهر القبلة فتتأخر صلاته فلذلك كان يقلب وجهه عن الأصم، وقال آخرون : بل وعد بذلك وقبلة بيت المقدس باقية بحيث تجوز الصلاة إليها، لكن لأجل الوعد كان يتوقع ذلك، ولأنه كان يرجو عند التحويل عن بيت المقدس إلى الكعبة وجوها كثيرة من المصالح الدينية، نحو : رغبة العرب في الإسلام، والمباينة عن اليهود، وتمييز الموافق من المنافق، فلهذا كان يقلب وجهه، وهذا الوجه أولى، وإلا لما كانت القبلة الثانية ناسخة للأولى، بل كانت مبتدأة، والمفسرون أجمعوا على أنها ناسخة للأولى، ولأنه لا يجوز أن يؤمر بالصلاة إلا مع بيان موضع التوجه. ( الرابع ) : أن تقلب وجهه في السماء هو الدعاء.
القول الثاني : وهو قول أبي مسلم الأصفهاني، قالوا : لولا الأخبار التي دلت على هذا القول وإلا فلفظ الآية يحتمل وجها آخر، وهو أنه يحتمل أنه عليه السلام إنما كان يقلب وجهه في أول مقدمه المدينة، فقد روي أنه عليه السلام كان إذا صلى بمكة جعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس، وهذه صلاة إلى الكعبة فلما هاجر لم يعلم أين يتوجه فانتظر أمر الله تعالى حتى نزل قوله :﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾.
المسألة الثانية : اختلفوا في صلاته إلى بيت المقدس، فقال قوم : كان بمكة يصلي إلى الكعبة فلما صار إلى المدينة أمر بالتوجه إلى بيت المقدس سبعة عشر شهرا، وقال قوم : بل كان بمكة يصلي إلى بيت المقدس، إلا أنه يجعل الكعبة بينه وبينها : وقال قوم : بل كان يصلي إلى بيت المقدس فقط وبالمدينة أولا سبعة عشر شهرا، ثم أمره الله تعالى بالتوجه إلى الكعبة لما فيه من الصلاح.
المسألة الثالثة : اختلفوا في توجه النبي ﷺ إلى بيت المقدس هل كان فرضا لا يجوز غيره، أو كان النبي ﷺ مخيرا في توجهه إليه وإلى غيره، فقال الربيع بن أنس : قد كان مخيرا في ذلك وقال ابن عباس : كان التوجه إليه فرضا محققا بلا تخيير.
واعلم أنه على أي الوجهين كان قد صار منسوخا، واحتج الذاهبون إلى القول الأول بالقرآن والخبر، أما القرآن فقوله تعالى :﴿ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ وذلك يقتضي كونه مخيرا في التوجه إلى أي جهة شاء، وأما الخبر فما روى أبو بكر الرازي في كتاب «أحكام القرآن » : أن نفرا قصدوا الرسول عليه الصلاة والسلام من المدينة إلى مكة للبيعة قبل الهجرة، وكان فيهم البراء بن معرور، فتوجه بصلاته إلى الكعبة في طريقه، وأبى الآخرون وقالوا : إنه عليه السلام يتوجه إلى بيت المقدس، فلما قدموا مكة سألوا النبي ﷺ، فقال له : قد كنت على قبلة -يعني بيت المقدس- لو ثبت عليها أجزأك ولم يأمره باستئناف الصلاة فدل على أنهم قد كانوا مخيرين، واحتج الذاهبون إلى القول الثاني بأنه تعالى قال :﴿فلنولينك قبلة ترضاها﴾ فدل على أنه عليه السلام ما كان يرتضي القبلة الأولى، فلو كان مخيرا بينها وبين الكعبة ما كان يتوجه إليها فحيث توجه إليها مع أنه كان ما يرتضيها علمنا أنه ما كان مخيرا بينها وبين الكعبة.
المسألة الرابعة : المشهور أن التوجه إلى بيت المقدس إنما صار منسوخا بالأمر بالتوجه إلى الكعبة، ومن الناس من قال : التوجه إلى بيت المقدس صار منسوخا بقوله تعالى :﴿ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ ثم إن ذلك صار منسوخا بقوله :﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ واحتجوا عليه بالقرآن والأثر، أما القرآن فهو أنه تعالى ذكر أولا قوله :﴿ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ ثم ذكر بعد :﴿سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها﴾ ثم ذكر بعده :﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ وهذا الترتيب يقتضي صحة المذهب الذي قلناه بأن التوجه إلى بيت المقدس صار منسوخا بقوله :﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ فلزم أن يكون قوله تعالى :﴿سيقول السفهاء من الناس﴾ متأخرا في النزول والدرجة عن قوله تعالى :﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ فحينئذ يكون تقديمه عليه في الترتيب على خلاف الأصل، فثبت ما قلناه، وأما الأثر فما روي عن ابن عباس أمر القبلة أول ما نسخ من القرآن، والأمر بالتوجه إلى بيت المقدس غير مذكور في القرآن، إنما المذكور في القرآن :﴿ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ فوجب أن يكون قوله :﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ ناسخا لذلك، لا للأمر بالتوجه إلى بيت المقدس.
أما قوله :﴿فلنولينك قبلة ترضاها﴾ ففيه مسائل :
المسألة الأولى : ﴿فلنولينك﴾ فلنعطينك ولنمكننك من استقبالها من قولك وليته كذا، إذا جعلته واليا له، أو فلنجعلنك تلي سمتها دون سميت بيت المقدس.
المسألة الثانية : قوله ﴿ترضاها﴾ فيه وجوه. ( أحدها ) : ترضاها تحبها وتميل إليها، لأن الكعبة كانت أحب إليه من غيرها بحسب ميل الطبع، قال القاضي : هذا لا يجوز فإنه من المحال أن يقول الله تعالى : فلنولينك قبلة يميل طبعك إليها، لأن ذلك يقدح في حكمته تعالى فيما يكلف، ويقدح في حال النبي عليه الصلاة والسلام فيما يريده في حال التكليف، وهذا الاعتراض ضعيف لأن الطعن إنما يتوجه لو قال الله تعالى : أنا حولناك إلى القبلة التي مال طبعك إليها بمجرد ميل طبعك فأما لو قال : أنا حولناك إلى القبلة التي مال طبعك إليها لأجل أن الحكمة والمصلحة وافقت ميل طبعك فأي ضرر يلزم منه وقال عليه الصلاة والسلام :
( وجعلت قرة عيني في الصلاة ) فكان طبعه يميل إلى الصلاة مع أن المصلحة كانت موافقة لذلك. ( وثانيها ) :﴿قبلة ترضاها﴾ أي تحبها بسبب اشتمالها على المصالح الدينية. ( وثالثها ) قال الأصم : أي كل جهة وجهك الله إليها فهي لك رضا لا يجوز أن تسخط، كما فعل من انقلب على عقيبه من العرب الذين كانوا قد أسلموا، فلما تحولت القبلة ارتدوا. ( ورابعها ) :﴿ترضاها﴾ أي ترضى عاقبتها لأنك تعرف بها من يتبعك للإسلام، فمن يتبعك لغير ذلك من دنيا يصيبها أو مال يكتسبه.
أما قوله تعالى :﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ ففيه مسائل :
المسألة الأولى : المراد من الوجه ههنا جملة بدن الإنسان لأن الواجب على الإنسان أن يستقبل القبلة بجملته لا بوجهه فقط والوجه يذكر ويراد به نفس الشيء لأن الوجه أشرف الأعضاء ولأن بالوجه تميز بعض الناس عن بعض، فلهذا السبب قد يعبر عن كل الذات بالوجه.
المسألة الثانية : قال أهل اللغة : الشطر اسم مشترك يقع على معنيين. ( أحدهما ) : النصف يقال : شطرت الشيء أي جعلته نصفين، ويقال في المثل أجلب جلبا لك شطره أي نصفه. ( والثاني ) : نحوه وتلقاءه وجهته، واستشهد الشافعي رضي الله عنه في كتاب «الرسالة » على هذا بأبيات أربعة : قال خقاف بن ندبة :
ألا من مبلغ عمرا رسولاوما تغني الرسالة شطر عمرو
وقال ساعدة بن جؤبة :
أقول لأم زنباع : أقيمي *** صدور العيس شطر بني تميم
وقال لقيط الأيادي :
وقد أظلكم من شطر شعركمهول له ظلم يغشاكم قطعا
وقال آخر :
إن العسير بها داء مخامرهافشطرها بصر العينين مسحور
قال الشافعي رضي الله عنه : يريد تلقاءها بصر العينين مسحور، إذا عرفت هذا فنقول : في الآية قولان :
( الأول ) : وهو قول جمهور المفسرين من الصحابة والتابعين والمتأخرين، واختيار الشافعي رضي الله عنه في كتاب الرسالة : أن المراد جهة المسجد الحرام وتلقاءه وجانبه، قرأ أبي بن كعب تلقاء المسجد الحرام.
( القول الثاني ) : وهو قول الجبائي واختيار القاضي أن المراد من الشطر ههنا : وسط المسجد ومنتصفه لأن الشطر هو النصف، والكعبة واقعة من المسجد في النصف من جميع الجوانب، فلما كان الواجب هو التوجه إلى الكعبة، وكانت الكعبة واقعة في نصف المسجد حسن منه تعالى أن يقول :﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ يعني النصف من كل جهة، وكأنه عبارة عن بقعة الكعبة، قال القاضي : ويدل على أن المراد ما ذكرنا وجهان. ( الأول ) : أن المصلي خارج المسجد لو وقف بحيث يكون متوجها إل

تفسير هذه الآية من كتب أخرى