اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قال العلماء : هذه الآيةُ متقدِّمةٌ في النزول على قَوْلِهِ تَعَالى :
﴿سَيَقُولُ السُّفَهَآءُ مِنَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣].
ومَعْنَى " تقلُّب وَجْهِكَ " : تحرُّك وَجْهِكَ إلى السَّمَاءِ.
اعلم أنَّ " قَدْ " هذه قال فيها بعضُهم : إنها تَصْرفُ المضارعَ إلى مَعْنى المُضِيّ، وجَعَلَ مِنْ ذلك هذه الآيةَ وأمثالَها، وقوْلَ الشاعِرِ :[ الطويل ]
٨٢٩ - لِقَوْمٍ لَعَمْرِي قَدْ نَرَى أَمْسِ فِيهُمُمَرَابِطَ للأَمْهَارِ وَالعَكَرِ الدَّثِرْ(١)
وقال الزَّمَخْشَرِيُّ :" قَدْ نَرَى " : رُبَّما نَرَى، ومعناه كثرةُ الرؤية ؛ كقوله :[ البسيط ]
٨٣٠ - قَدْ أَتْرُكُ الْقِرْنَ مُضفَرًّا أَنَامِلُهُكَأَنَّ أَثْوَابَهُ مُجَّتْ بِفُرْصَادِ(٢)
قال أَبُو حَيَّان(٣) : وشرحه هذا على التحقيق مُتَضَادّ ؛ لأنه شرح " قَدْ نَرَى " ب " رُبَّمَا نَرَى "، و " ربّ " على مَذْهب المحققين إنما تكون لِتَقْلِيل الشَّيْءِ في نَفْسِه، أو لتقليل نَظِيره.
ثُمَّ قال :" ومعناه كثرةُ الرُّؤْيةِ " فهو مضادٌّ لمدلولِ " رُبّ " على مذهب الجمهور.
ثم هذا الذي ادَّعاه من كثرة الرؤية لا يدل عليه اللفظ، لأنه لم توضع للكثرة " قد " مع المضارع، سواء أريد به المضي أم لا، وإنَّما فُهِمَتِ الكَثْرة من متعلّق الرؤية، وهو التقلب.
قوله :" في السَّمَاءِ " في متعلّق الجار ثلاثةُ أَقْوالٍ :
أحدهما : أنه المصدرُ، وهو " تَقَلُّب "، وفي " في " حينئذٍ وَجْهَان :
أحدهما : أنها على بَابِهَا من الظرفية، وهو الواضِحُ.
والثَّاني : أنها بمعنى " إلَى " أي : إلى السَّمَاءِ ولا حاجةَ لذلك، فإنَّ هذا المصْدَرَ قد ثَبَت تعديه ب " في "، قال تعالى :﴿لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي الْبِلاَدِ﴾ [آل عمران: ١٩٦].
والثاني من الأقوال : أنه " نَرَى "، وحينئذٍ تَكُون " فِي " بمعنى " مِنْ " أي : قد نرى من السَّماءِ، وذِكْرُ السماءِ وإن كان تَعَالى لا يتحيّز في جِهَةٍ على سَبيل التشريفِ.
والثالث : أنه محل نَصْب على الحَال من " وَجْهِكَ " ذكره أَبُو البَقَاءِ، فيتعلّق حينئذ بمحذُوفٍ، والمصدرُ هنا مضافٌ إلى فَاعِله، ولا يجوزُ أنْ يكُونَ مُضَافاً إلى مَنْصُوبه ؛ لأنه مصدرُ ذلك التقلِيبِ، ولا حَاجَةَ إلى حَذْفٍ، ومِنْ قَوْلِه :" وَجْهَكَ " وهو بَصَر وَجْهِك، لأن ذلك لا يكاد يستعمل، بل ذكر الوجه ؛ لأنه أشرف الأعضاء، وهو الذي يقلبه السَّائل في حاجته، وقيل : كنى بالوجه عن البصر ؛ لأنه محلّه.
قوله :﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً﴾ " الفَاء " هنا للِتَّسَبُّب وهو وَاضِحٌ، وهذا جوابُ قَسَم مَحْذُوفٍ، أيْ : فوالله لنولّينَّكَ، و " نُولِّي " يتعدّى لاثْنين : الأولُ الكَافُ، والثَّانِي " قِبْلَةُ " و " تَرْضَاهَا " الجملة في محلّ نَصْبٍ صفةً ل " قبلة ".
قال أَبُو حَيَّان(٤) : وهذا ؛ يعني :" فَلَنولّينك " يدلّ على أن الجملةَ السابقةَ محذوفة تقديرهُ : قَدْ نَرَى تقلّب وَجْهِكَ في السَّماء طَالِباً قبلة غير التي أَنْت مُسْتقبلها.

فصل في الكلام على الآية


في الآية قَوْلاَنِ :
القولُ الأولُ : وهو المشهورُ الذي عليه أَكْثر المُفَسِّرين أن ذلك كان لانتظارِ تَحْوِيله من " بيتِ المقْدِس " إلى الكَعْبة، وذكروا في ذلك وجوهاً :
أحدها : أنه كان يكره التوجّه إلى بيت المقْدِس، ويحبّ التوجّه إلى الكَعْبة، إلاّ أنه ما كان يتكلَّم بذلك، فكان يقلّب وجْهَهُ في السَّماء لهذا المعنى.
رُوي عن عباس أنه [ ﷺ ] قال :" يَا جِبريلُ وَدِدْتُ أنَّ اللَّهَ - تَعَالى - صَرَفَنِي عَنْ قِبْلَةِ اليَهُود، إلَى عَيْنِهَا فَقَدْ كَرِهْتُهَا ".
فقال جبريلُ عليه الصلاة والسلام " أنَا عَبْدٌ مِثْلُكَ فَاسْأَلْ ربَّكَ ذَلِكَ ".
فجَعَلَ رسولُ الله ﷺ يُدِيمُ النَّظرَ إلى السماء ؛ رجاء مجيء جِبْرِيلَ بما سأَلَ، فأَنْزل الله تعالى هذه الآية(٥)، وهؤلاءِ ذكروا في سببِ هذه المِحْنة أموراً :
الأولُ : أنَّ اليَهُودَ كانوا يَقُولُونَ : إنه يُخَالِفُنَا، ثم إنه يتبع قِبْلَتَنَا، ولولا نحْنُ لم يدر أَيْن يستقبل. فعند ذلك كَرِهَ أن يتوجّه إلى قِبْلتهم(٦).
الثَّاني : أنَّ الكَعْبة كانتِ قِبْلة إبْراهيم عليه الصلاة والسلام.
[ الثَّالث : أنه - صلوات الله وسلامه عليه - كان يقدِّرُ أن يَصِير ذلك سبباً لاسْتمالة العرب، ولدخولهم في الإسلامِ.
الرَّابع : أنه - عليه الصلاة والسلام - أَحَبَّ(٧) ] أن يحصل هذا الشرفُ للمسجدِ الذي في بلْدَتِهِ ومَنْشَئه لا في مسجدٍ آخر.
واعترض القَاضِي على هذا الوجْهِ، وقال : إنه لا يَلِيقُ به - عليه الصلاة والسلام - أن يكره قِبْلَةً أُمِرَ أَنْ يُصَلِّي إليها، ويحبّ أن يحوله ربُّه عنها إلى قِبْلَةٍ يَهْوَاها بطبْعِه، ويميلُ إِلَيْها بحسب شَهْوتِه ؛ لأنه - عليه الصلاة والسلام - علم أنَّ الصَّلاحَ في خلاف الطَّبْعِ والمَيْلِ.
قال ابنُ الخَطِيب : وهذا قليلُ التحْصِيل ؛ لأنَّ المُسْتنكَرَ من الرسول - عليه الصلاة والسلام - أن يعرض عما أمره الله - تعالى - به، ويشتغل بما يدعوه طبعه إليه.
فأما أن يميل قلبه إلى شيء، فيتمنى في قلبه أن يأذن الله له فيه، فذلك مما لا إنكار عليه، لا سيما إذا لم ينطق به، [ أي بعد في أن يميل طبع الرسول إلى شيء، فيتمنى في قلبه أن يأذن الله له فيه، وهذا مما لا استبعاد فيه بوجه من الوجوه ](٨).
الوجهُ الثاني : أنه - عليه الصلاةُ والسلامُ - قد استأذَنَ جبريل - عليه السلام - في أن يدعو الله - تعالى - بذلك، فأخبره جبريل - عليه الصلاة والسلام - بأن الله قد أذن له في هذا الدعاء، وذلك لأن الأنبياء لا يسألون الله تعالى شيئاً إلا بإذن منه، لئلا يسألون ما لا صَلاَحَ فيه، فلا يجابوا إليه، فيفضي ذلك إلى تحقير شأنهم، فلما أذن الله - تعالى - له في الإجابة، علم أنه يستجاب إليه، فكان يقلّب وجهه في السَّماء ينتظر مجيء جبريل - عليه السلام - بالوَحْيِ في الإجابة.
الوجه الثالث : قال الحسن : إن جبريل - عليه السلام - أتى رسول الله ﷺ يخبره أن الله - تعالى سيحوّل القبلة عن بيت المقدس إلى قبلة أخرى، ولم يبين له إلى أي موضع يحوّلها، ولم تكن قبلة أحبّ إلى الرسول - عليه الصلاة والسلام - من الكَعْبة، فكان رسول الله يقلّب وجهه في السّماء ينتظر الوحي ؛ لأنه - عليه السلام - على أنّ الله تعالى لا يتركه بغير صلاة، فأتاه جبريل عليه السلام، فأمره أن يصلّي نحو الكعبة.
والقائلون بهذا الوجه اختلفوا، فمنهم من قال : إنه - عليه السلام - منع من استقبال " بيت المقدس " ولم يعين له القِبْلة، فكان يخاف أن يرد وقت الصلاة، ولم تظهر القبلة، فتتأخر صلاته، فلذلك كان يقلّب وجهه. عن الأصم.
وقال آخرون : بل وعد بذلك، وقِبْلة بيت المقدس باقية، بحيث تجوز الصلاة إليها، لكن لأجل الوعد كان يتوقع ذلك، ولأنه كان يرجو عند التحويل عن " بيت المقدس " إلى " الكعبة " وجوهاً كثيرة من المصالح الدينية :
نحو : رغبة العرب في الإسلام، والمُبَاينة عن اليهود، وتَمْيِيز المُوافق من المُنَافِق، لهذا كان يقلّب وجهه، وهذا الوجه أولى، وإلاّ لما كانت القِبْلَة الثانية ناسخة للأُولى، [ بل كانت مبتدأه.
والمفسرون أجمعوا على أنها ناسخة للأولى(٩) ]، ولأنه لا يجوز أن يؤمر بالصلاة إلاَّ مع بيان موضع التوجّه.
الرابع : أن تقلب وجهه في السَّماء هو الدعاء.
القول الثاني : وهو قول أبي مسلم الأَصْفَهَاني، قال : لولا الأخبار التي دلّت على هذا القول، وإلا فلفظ الآية يحتمل وجهاً آخر، وهو أنه يحتمل أنه - عليه الصلاة والسلام - إنما كان يقلّب وجهه في أول مقدمه " المدينة ".
فقد روي أنه - عليه السلام - كان إذا صلّى ب " مكة " جعل الكعبة بينه وبين " بيت المقدس "، وهذه صلاة إلى الكعبة، فلما هاجر لم يعلم أين يتوجه، فانتظر أمر الله - تعالى - حتى نزل قوله :﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.

فصل


اختلفوا في صلاته إلى بيت المقدس، فقال قوم : كان ب " مكة " يصلي إلى الكعبة(١٠) فلما صار إلى المدينة أمر بالتوجه [ إلى بيت المقدس سبعة عشر شهراً.
وقال قوم : بل كان ب " مكة " يصلي إلى بيت المقدس، إلا أنه يجعل الكعبة بينه وبينها.
وقال قوم : بل كان يصلي إلى بيت المقدس فقط وب " المدينة " أولاً سبعة عشر شهراً، ثم أمره الله تعالى بالتوجه إلى الكعبة لما فيه من الصلاح.
واختلفوا في توجه النبي ﷺ ](١١)إلى بيت المقدس هل كان فرضاً لا يجوز غيره، أو كان مخيراً في التوجه إليه وإلى غيره، فقال الربيع بن أنس : قد كان مخيراً في ذلك. وقال ابن عباس : كان التوجه إليه فرضاً.
وعلى كلا الوجهين صار منسوخاً، واحتج الأولون بالقرآن والخبر.
أما القرآن فقوله تعالى :﴿وَللَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥].
وذلك يقتضي كونه مخيراً في التوجه إلى أي جهة شاء.
وأما الخبر فما روى أبو بكر الرّازي في كتاب " أحكام القرآن " : أن نَفَراً قصدوا الرسول - عليه الصلاة والسلام - من " المدينة " إلى " مكة " للبيعة قبل الهِجْرَةِ، وكان فيهم البراء بن معرور، فتوجّه بصلاته إلى الكعبة في طريقه، وأبى الآخرون، وقالوا : إنه - عليه الصلاة والسلام - يتوجّه إلى بيت المقدس، فلما قدموا " مكة " سألوا النبي ﷺ، فقال له : قد كنت على قبلة يعني بيت المقدس لو ثَبَتَّ عليها أجزأك، ولم يأمره باستئناف الصلاة، فدلّ على أنهم قد كانوا مخيرين.
واحتجّ الذاهبون إلى القول الثَّاني بأنه - تعالى - قال :﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ فدلّ على أنه - عليه السلام - ما كان يرتضي القبلة الأولى، فلو كان مخيراً بينها وبين الكعبة ما كان يتوجّه إليها، فحيث توجّه إليها مع أنه كان ما يرتضيها علمنا أنه ما كان مخيراً بينها وبين الكَعْبة.

فصل في نسخ التوجه إلى بيت المقدس


المشهور أن التوجّه إلى " بيت المقدس " إنما صار منسوخاً [ بالأمر بالتوجّه إلى الكعبة.
ومن الناس من قال : التوجّه إلى بيت المقدس صار منسوخاً بقوله تعالى :﴿وَللَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ ثم إن ذلك صار منسوخاً بقوله :﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.
واحتجوا عليه بالقرآن والأثر.
أما القرآن فهو أنه تعالى ذكر أولاً قوله :﴿وَللَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ ] (١٢) ثم ذكر بعده :﴿سَيَقُولُ السُّفَهَآءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٢] ثم ذكر بعده :﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَام﴾.
وهذا الترتيب يقتضي صحّة المذهب الذي قلناه بأن التوجّه إلى بيت المقدس صار منسوخاً بقوله :{ فَوَلّ
١ - البيت لامرئ القيس ينظر ديوانه: ص ١١٢، جمهرة اللغة: ص ٧٧٠، ورصف المباني: ص ١١١، لسان العرب (دثر)، والدر المصون: ١/٣٩٧..
٢ - البيت لعبيد بن الأبرص. ينظر ديوانه: ص ٦٤، خزانة الأدب: ١١/٢٥٣، ٢٥٧، ٢٦٠، شرح أبيات سيبويه: ٢/٣٦٨، الدرر: ٥/١٢٨، شرح شواهد المغني: ص ٤٩٤، الأزهية: ص ٢١٢، الجنى الداني ص: ٢٥٩، شرح المفصل: ٨/١٤٧، الكتاب: ٤/٢٢٤، لسان العرب (قدد)، مغني اللبيب: ص ١٧٤، تذكرة النحاة: ص ٧٦، رصف المباني: ص٣٩٣، شرح شواهد الإيضاح: ص ٢٢٠، المقتضب: ١/٤٣، همع الهوامع: ٢/٧٣، البحر: ١/٦٠٢، الدر المصون: ١/٣٩٧..
٣ - ينظر البحر المحيط: ١/٦٠٢..
٤ - ينظر البحر المحيط: ١/٦٠٣..
٥ - أخرجه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" ( ١/٢/٣)..
٦ - أخرجه الطبري في تفسيره" (٣/١٧٣-١٧٤) عن مجاهد، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/ ٢٦٩) وزاد نسبته لعبد بن حميد..
٧ - سقط في أ..
٨ - سقط في أ..
٩ - سقط في أ..
١٠ - تقدم نحو من هذا الكلام..
١١ - سقط في أ..
١٢ - سقط في أ..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى