قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ولا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ من أهل مكة، ﴿والمُنافِقِينَ﴾ من أهل المدينة؛ ذلك أن عبد الله بن أُبَيّ، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وطُعْمَةَ بن أُبَيْرِقٍ، وهم المنافقون، كتبوا مع غلام لطُعْمَة إلى مشركي مكة من قريش: إلى أبي سفيان بن حرب، وعكرمة بن أبي جهل، وأبي الأعور رأس الأحزاب، أن اقدُموا علينا، فسنكون لكم أعوانًا فيما تريدون، وإن شئتم مَكَرْنا بمحمد ﷺ حتى يتبع دينكم الذي أنتم عليه. فكتبوا إليهم: إنّا لن نأتيكم حتى تأخذوا العهد والميثاق من محمد، فإنا نخشى أن يغدر بنا، ثم نأتيكم فنقول وتقولون؛ لعله يتبع ديننا. فلما جاءهم الكتاب انطلق هؤلاء المنافقون حتى أتوا النبي ﷺ، فقالوا: أتيناك في أمر أبي سفيان بن حرب، وأبي الأعور، وعكرمة بن أبي جهل أن تعطيهم العهد والميثاق على دمائهم وأموالهم، فيأتون وتكلمهم؛ لعل إلهك يهدي قلوبهم. فلما رأى رسول الله ﷺ ذلك، وكان حريصًا على أن يؤمنوا؛ أعطاهم الأمان مِن نفسه، فكتب المنافقون إلى الكافرين من قريش: أنا قد اسْتَمْكَنّا من محمد ﷺ، ولقد أعطانا وإياكم الذي تريدون، فأقبلوا على اسم اللات والعزى؛ لعلنا نزيله إلى ما نهواه. ففرحوا بذلك، ثم ركب كل رجل منهم راحلة حتى أتوا المدينة، فلما دخلوا على عبد الله بن أُبَيّ أنزلهم، وأكرمهم ورحَّب بهم، وقال: أنا عند الذي يسُرُّكم، محمد أُذُنٌ، ولو قد سمع كلامنا وكلامَكم لعله لا يعصينا فيما نأمره، فأبشروا واستعينوا بآلهتكم عليه، فإنّها نعم العون لنا ولكم. فلما رأوا ذلك منه قالوا: أرسل إلى إخواننا. فأرسل عبد الله بن أُبي إلى طعمة وسعد: أن إخواننا من أهل مكة قدموا علينا، فلما أتاهم الرسول جاءوا، فرحبوا بهم، ولزم بعضهم بعضًا مِن الفرح وهم قيام، ثم جلسوا يرون أن يستنْزِلوا محمدًا ﷺ عن دينه. فقال عبد الله بن أُبَيّ: أمّا أنا فأقول له ما تسمعون، لا أعدو ذلك ولا أزيد، أقول: إنا -معشر الأنصار- لم نزل وإلهنا محمود بخير، ونحن اليوم أفضل منذ أرسل إلينا محمد، ونحن كل يوم منه في مزيد، ونحن نرجو بعد اليوم من إله محمد كل خير، ولكن لو شاء محمد قَبِل أمرًا كان -يكون ما عاش- لنا وله ذِكْرٌ في الأولين الذين مضوا، ويذهب ذِكْرُه في الآخرين- على أن يقول: إنّ اللات والعزى لهما شفاعة يوم القيامة، ولهما ذكر ومنفعة على طاعتهما. هذا قولي له... قال أبو سفيان: نخشى علينا وعليكم الغدر والقتل، فإنّ محمدًا -زعموا- أنّه لن يُبقِي بها أحدًا مِنّا مِن شِدَّة بغضه إيّانا، وإنّا نخشى أن يكون يُضمِر لنا في نفسه ما كان لقي أصحابُه يوم أحد. قال عبد الله بن أُبَيّ: إنه إذا أعطى الأمان فإنه لن يغدر، هو أكرم من ذلك، وأوفى بالعهد مِنّا. فلما أصبحوا أتوه، فسلَّموا عليه، فقال النبي ﷺ: مرحبًا بأبي سفيان، اللهم، اهدِ قلبه. فقال أبو سفيان: اللهم، يَسِّر الذي هو خير. فجلسوا، فتكلموا وعبد الله بن أُبَيّ، فقالوا للنبي ﷺ: ارفض ذكر اللات والعزة ومناة -حجر يُعبد بأرض هذيل-، وقل: إنّ لهما شفاعة ومنفعة في الآخرة لمن عبدهما. فنظر إليه النبيُّ ﷺ، وشَقَّ عليه قولهم، فقال عمر بن الخطاب: ائذن لي -يا رسول الله- في قتلهم. فقال النبي ﷺ: «إني قد أعطيتهم العهد والميثاق». وقال النبي ﷺ: «لو شعرت أنكم تأتون لهذا من الحديث لَما أعطيتهم الأمان». فقال أبو سفيان: ما بأس بهذا أنّ قومًا استأنسوا إليك، يا محمد، ورجوا منك أمرًا، فأما إذا قطعت رجاءهم فإنه لا ينبغي لك أن تؤذيَهم، وعليك باللِّين والتؤدة لإخوانك وأصحابك، فإنّ هذا مِن قوم أكرموك ونصروك وأعانوك، ولولاهم لكنت مطلوبًا مقتولًا، وكنت في الأرض خائفًا لا يقبلك أحد. فزجرهم عمر بن الخطاب، فقال: اخرجوا في لعنة الله وغضبه، فعليكم رجس الله وغضبه وعذابه، ما أكثر شِرْككم، وأقل خيركم، وأبعدكم من الخير، وأقربكم من الشر! فخرجوا مِن عنده، فأمر النبيُّ ﷺ أن يخرجهم من المدينة، فقال بعضهم لبعض: لا نخرج حتى يعطينا العهد إلى أن نرجع إلى بلادنا. فأعطاهم النبي ﷺ ذلك؛ فنزلت فيهم: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ولا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ يعني تبارك وتعالى: أبا سفيان، وعكرمة، وأبا الأعور اسمه عمرو بن سفيان، ثم قال: ﴿والمُنافِقِينَ﴾ يعني: عبد الله بن أُبَيّ، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وطُعْمَة بن أبيرق، فلما خرجوا من عنده قال النبي ﷺ: «ما لهؤلاء؟! عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين«
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ولا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ يعني تبارك وتعالى: أبا سفيان، وعكرمة، وأبا الأعور اسمه عمرو بن سفيان، ثم قال: ﴿والمُنافِقِينَ﴾ يعني: عبد الله بن أُبَيّ، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وطُعْمَة بن أبيرق
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ وثِق بالله فيما تسمع مِن الأذى، ﴿وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ ناصرًا ووَلِيًّا ومانِعًا، فلا أحد أمنع من الله، وإنما نزلت فيها ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ولا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ مِن أهل مكة ﴿والمنافقين﴾ مِن أهل المدينة، يعني: هؤلاء النفر الستة الـمُـســَـمَّين، ودع أذاهم إيّاك لقولهم للنبي ﷺ: قل: للآلهة شفاعة ومنفعة لمن عبدها. ﴿وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ يعني: مانِعًا، فلا أحد أمنع من الله عز وجل
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ نزلت في أبي معمر ابن أنس الفهري، كان رجلًا حافظًا لِما سمع وأهدى الناس بالطريق، وكان لبيبًا، فقالت قريش: ما أحفظ أبا معمر إلا أنه ذو قَلْبَين. فكان جميل يقول: إنّ في جوفي قَلْبَين أحدهما أعقل من محمد. فلما كان يوم بدر انهزم وأخذ نعله في يده، فقال له سفيان بن الحارث: أين تذهب، يا جميل؟ تزعم أن لك قَلْبَين أحدهما أعقل مِن محمد ﷺ!
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللّائِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ﴾، يعني: أوس بن الصامت بن قيس بن الصامت الأنصاري، مِن بني عوف بن الخزرج، وامرأته خولة بنت قيس بن ثعلبة بن مالك بن أصرم بن حزامة، من بني عمرو بن عوف بن الخزرج
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وما جَعَلَ أدْعِياءَكُمْ أبْناءَكُمْ﴾، يعني: النبي ﷺ تبنّى زيد بن حارثة، واتَّخذه ولدًا، فقال الناس: زيد بن محمد. فضرب الله تعالى لذلك مثلًا للناس، فقال: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾، ﴿وما جَعَلَ أدْعِياءَكُمْ أبْناءَكُمْ﴾ فكما لا يكون للرجل الواحد قلبان كذلك لا يكون دَعِيُّ الرجلِ ابنَه، يعني: النبي ﷺ وزيد بن حارثة بن قرة بن شرحبيل الكلبي، من بني عبد ود، كان النبي ﷺ تبنّاه في الجاهلية، وآخى بينه وبين حمزة بن عبد المطلب في الإسلام، فجعل الفقيرَ أخا الغني ليعود عليه، فلما تزوج النبي ﷺ زينب بنت جحش -وكانت تحت زيد بن حارثة- قالت اليهود والمنافقون: تزوج محمدٌ امرأةَ ابنه وهو ينهانا عن ذلك! فنزلت هذه الآية، فذلك قوله: ﴿وما جَعَلَ أدْعِياءَكُمْ أبْناءَكُمْ﴾
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وما جَعَلَ أدْعِياءَكُمْ﴾ يعني: دَعِيَّ النبي ﷺ حين ادَّعى زيدًا ولدًا، فقال: هو ابني ﴿أبْناءَكُمْ﴾ يقول: لم يجعل أدعياءكم أبناءكم