محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٣ من سورة الأحزاب في ٨١ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقولانِ من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٣ من سورة الأحزاب

٨١ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَتَوَكّلْ عَلَىَ اللّهِ وَكَفَىَ بِاللّهِ وَكِيلاً﴾.


يقول تعالى ذكره : وفوّض إلى الله أمرك يا محمد، وثق به وكَفَى بالله وَكِيلاً يقول : وحسيك بالله فيما يأمرك وكيلاً، وحفيظا بك.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
وَكِيلا (٣) }
يقول تعالى ذكره: وفوّض إلى الله أمرك يا محمد، وثق به (وكَفَى بالَّلهِ وَكيلا) يقول: وحسبك بالله فيما يأمرك وكيلا وحفيظا بك.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤)﴾
اختلف أهل التأويل في المراد من قول الله (ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوفِهِ) فقال بعضهم: عنى بذلك تكذيب قوم من أهل النفاق، وصفوا نبيّ الله ﷺ بأنه ذو قلبين، فنفى الله ذلك عن نبيه وكذّبهم.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا حفص بن نفيل، قال: ثنا زهير بن معاوية، عن قابوس بن أبي ظبيان أن أباه حدثه، قال: قلنا لابن عباس: أرأيت قول الله: (ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ) ما عنى بذلك؟ قال: قام رسول الله ﷺ يوما فصلى، فخطر خطرة (١) فقال المنافقون الذين يصلون معه: إن له قلبين، قلبا معكم، وقلبا معهم، فأنزل الله (ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ).
وقال آخرون: بل عنى بذلك: رجل من قريش كان يُدعى ذا القلبين من دهيه.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس (ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ) قال: كان رجل من قريش يسمى من دهيه (٢) ذا القلبين، فأنزل الله هذا في شأنه.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْن فِي جَوْفِهِ) قال: إن رجلا من بني فهر، قال: إن في جوفي
(١) خطر خطرة: سها سهوة.
(٢) الدهو والدهى والدهاء: العقل.
قلبين، أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد، وكذب.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة قوله: (ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ) قال قتادة: كان رجل على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يسمى ذا القلبين، فأنزل الله فيه ما تسمعون.
قال قتادة: وكان الحسن يقول: كان رجل يقول لي: نفس تأمرني، ونفس تنهاني، فأنزل الله فيه ما تسمعون.
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن خصيف، عن عكرمة، قال: كان رجل يسمى ذا القلبين، فنزلت (ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ).
وقال آخرون: بل عنى بذلك زيد بن حارثة من أجل أن رسول الله ﷺ كان تبناه، فضرب الله بذلك مثلا.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، في قوله: (ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ) قال: بلغنا أن ذلك كان في زيد بن حارثة، ضرب له مثلا يقول: ليس ابن رجل آخر ابنك.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: ذلك تكذيب من الله تعالى قول من قال لرجل في جوفه قلبان يعقل بهما، على النحو الذي رُوي عن ابن عباس، وجائز أن يكون ذلك تكذيبا من الله لمن وصف رسول الله ﷺ بذلك، وأن يكون تكذيبا لمن سمى القرشيّ الذي ذُكر أنه سمي ذا القلبين من دهيه، وأيّ الأمرين كان فهو نفي من الله عن خلقه من الرجال أن يكونوا بتلك الصفة.
وقوله: (وَما جَعَلَ أزْوَاجَكُمُ اللائِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أمَّهاتِكُمْ) يقول تعالى ذكره: ولم يجعل الله أيها الرجال نساءكم اللائي تقولون لهنّ: أنتنّ علينا كظهور أمهاتنا أمهاتكم، بل جعل ذلك من قبلكم كذبا، وألزمكم عقوبة لكم كفَّارة.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: (وَما جَعَلَ أزْوَاجَكُمُ اللائي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ) : أي ما جعلها أمك؛ فإذا ظاهر الرجل من امرأته، فإن الله

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
سُورَةِ الْأَحْزَابِ
وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ عَنْ زِرٍّ قَالَ: قَالَ لِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: كَأَيِّنْ تَقْرَأُ سُورَةَ الْأَحْزَابِ أَوْ كَأَيِّنْ تَعُدُّهَا؟ قَالَ: قُلْتُ ثَلَاثًا وَسَبْعِينَ آيَةً، فَقَالَ: قَطُّ لَقَدْ رَأَيْتُهَا وَإِنَّهَا لَتُعَادِلُ سُورَةَ الْبَقَرَةِ، وَلَقَدْ قَرَأْنَا فِيهَا الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ، نَكَالًا مِنَ اللَّهِ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ «١»، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَاصِمٍ وَهُوَ ابْنُ أَبِي النَّجُودِ، وَهُوَ ابْنُ بَهْدَلَةَ بِهِ، وَهَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ، وَهُوَ يَقْتَضِي أنه قد كَانَ فِيهَا قُرْآنٌ ثُمَّ نُسِخَ لَفْظُهُ وَحُكْمُهُ أَيْضًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

[سُورَةُ الأحزاب (٣٣) : الآيات ١ الى ٣]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (١) وَاتَّبِعْ مَا يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (٢) وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (٣)
هَذَا تَنْبِيهٌ بِالْأَعْلَى عَلَى الْأَدْنَى، فَإِنَّهُ تَعَالَى إِذَا كَانَ يَأْمُرُ عَبْدَهُ وَرَسُولَهُ بِهَذَا، فَلَأَنْ يَأْتَمِرَ مِنْ دُونِهِ بِذَلِكَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى والأخرى. وَقَدْ قَالَ طَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ: التَّقْوَى أَنْ تَعْمَلَ بِطَاعَةِ اللَّهِ عَلَى نُورٍ مِنَ اللَّهِ، تَرْجُو ثَوَابَ اللَّهِ، وَأَنْ تَتْرُكَ مَعْصِيَةَ اللَّهِ عَلَى نُورٍ مِنَ اللَّهِ مَخَافَةَ عَذَابِ اللَّهِ وَقَوْلُهُ:
وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ أَيْ لَا تَسْمَعْ مِنْهُمْ وَلَا تَسْتَشِرْهُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً أَيْ فَهُوَ أَحَقُّ أَنْ تَتَّبِعَ أَوَامِرَهُ وَتُطِيعَهُ، فَإِنَّهُ عَلِيمٌ بِعَوَاقِبِ الْأُمُورِ، حَكِيمٌ في أقواله وأفعاله، ولهذا قال تعالى: وَاتَّبِعْ مَا يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ أَيْ مِنْ قُرْآنٍ وَسُنَّةٍ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً أَيْ فَلَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ، أَيْ فِي جَمِيعِ أُمُورِكَ وَأَحْوَالِكَ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا أَيْ وَكَفَى بِهِ وكيلا لمن توكل عليه وأناب إليه.

[سورة الأحزاب (٣٣) : الآيات ٤ الى ٥]

مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللاَّئِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤) ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (٥)
يَقُولُ تَعَالَى مُوَطِّئًا قَبْلَ الْمَقْصُودِ الْمَعْنَوِيِّ أَمْرًا معروفا حسيا، وهو أنه كما لا يكون
(١) المسند ٥/ ١٣٢.
لِلشَّخْصِ الْوَاحِدِ قَلْبَانِ فِي جَوْفِهِ وَلَا تَصِيرُ زَوْجَتُهُ الَّتِي يُظَاهِرُ مِنْهَا بِقَوْلِهِ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي أُمًّا لَهُ، كَذَلِكَ لَا يَصِيرُ الدَّعِيُّ وَلَدًا لِلرَّجُلِ إِذَا تَبَنَّاهُ فَدَعَاهُ ابْنًا لَهُ، فَقَالَ مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللَّائِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ كقوله عز وجل مَا هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ [المجادلة: ٢] الآية. وقوله تعالى: وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ هَذَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِالنَّفْيِ، فَإِنَّهَا نَزَلَتْ فِي شَأْنِ زَيْدِ بْنِ حارثة رضي الله عنه مَوْلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ تَبَنَّاهُ قبل النبوة، فكان يُقَالُ لَهُ زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، فَأَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ يَقْطَعَ هَذَا الْإِلْحَاقَ وَهَذِهِ النِّسْبَةَ بقوله تعالى: وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ كما قال تعالى فِي أَثْنَاءِ السُّورَةِ مَا كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً [الْأَحْزَابِ: ٤٠] وَقَالَ هَاهُنَا ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ يَعْنِي تَبَنِّيكُمْ لَهُمْ قَوْلٌ لَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ ابْنًا حَقِيقِيًّا، فَإِنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنْ صُلْبِ رَجُلٍ آخَرَ، فما يمكن أن يكون أَبَوَانِ كَمَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لِلْبَشَرِ الْوَاحِدِ قَلْبَانِ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ يَقُولُ الْحَقَّ أَيِ الْعَدْلَ، وَقَالَ قَتَادَةُ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ أَيِ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ.
وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ كَانَ يُقَالُ لَهُ ذُو الْقَلْبَيْنِ، وَأَنَّهُ كَانَ يَزْعُمُ أَنَّ لَهُ قَلْبَيْنِ كُلٌّ مِنْهُمَا بعقل وافر، فأنزل الله تعالى هَذِهِ الْآيَةَ رَدًّا عَلَيْهِ. هَكَذَا رَوَى الْعَوْفِيُّ عن ابن عباس، وقاله مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ «١» : حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ عَنْ قابوس يعني ابن أبي ظبيان، قال: أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَرَأَيْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ مَا عَنَى بِذَلِكَ؟ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا يُصَلِّي فَخَطَرَ خَطْرَةً، فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ الَّذِينَ يُصَلُّونَ مَعَهُ: أَلَا تَرَوْنَ لَهُ قَلْبَيْنِ: قَلْبًا مَعَكُمْ وَقَلْبًا مَعَهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ «٢» عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيِّ عَنْ صَاعِدٍ الحراني، عن عبد بن حميد وعن أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ، كِلَاهُمَا عَنْ زُهَيْرٍ وَهُوَ ابْنُ مُعَاوِيَةَ بِهِ.
ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا حَدِيثٌ حسن، وكذا رواه ابن جرير وابن حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ زُهَيْرٍ بِهِ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ قَالَ بَلَغَنَا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ ضُرِبَ لَهُ مَثَلٌ: يَقُولُ لَيْسَ ابْنُ رَجُلٍ آخَرَ ابْنَكَ «٣»، وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَابْنُ زَيْدٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ في زيد بن حارثة رضي الله عنه، وَهَذَا يُوَافِقُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ التَّفْسِيرِ وَاللَّهُ سبحانه وتعالى أعلم. وقوله عَزَّ وَجَلَّ ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ هَذَا أَمْرٌ نَاسِخٌ لِمَا كَانَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ مِنْ جَوَازِ ادِّعَاءِ الْأَبْنَاءِ الْأَجَانِبِ وهم
(١) المسند ١/ ٢٦٧، ٢٦٨.
(٢) كتاب التفسير، تفسير سورة ٣٣، باب ١.
(٣) انظر تفسير الطبري ١٠/ ٢٥٦.
الأدعياء، فأمر تبارك وتعالى بِرَدِّ نِسَبِهِمْ إِلَى آبَائِهِمْ فِي الْحَقِيقَةِ، وَأَنَّ هذا هو العدل والقسط والبر.
قَالَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ عَنْ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمٌ عَنْ عبد الله بن عمر قال: إن زيد بن حارثة رضي الله عنه مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا كُنَّا نَدْعُوهُ إِلَّا زَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ حَتَّى نَزَلَ الْقُرْآنُ ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ «١» وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ بِهِ. وَقَدْ كَانُوا يُعَامِلُونَهُمْ مُعَامَلَةَ الْأَبْنَاءِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فِي الْخَلْوَةِ بِالْمَحَارِمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلِهَذَا قَالَتْ سهلة بنت سهيل امرأة أبي حذيفة رضي الله عنهما: يا رسول الله إنا كُنَّا نَدْعُو سَالِمًا ابْنًا، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَنْزَلَ مَا أَنْزَلَ، وَإِنَّهُ كَانَ يَدْخُلُ عَلَيَّ وَإِنِّي أَجِدُ فِي نَفْسِ أَبِي حُذَيْفَةَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَرَضِعَيْهِ تَحْرُمِي عَلَيْهِ» «٢» الْحَدِيثَ.
وَلِهَذَا لَمَّا نُسِخَ هذا الحكم أباح تبارك وتعالى زَوْجَةَ الدَّعِيِّ، وَتَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم بزينب بنت جحش مطلقة زيد بن حارثة رضي الله عنه، وقال عز وجل لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً [الأحزاب: ٣٧] وقال تبارك وتعالى في آية التحريم وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ [النِّسَاءِ: ٢٣] احْتِرَازًا عَنْ زَوْجَةِ الدَّعِيِّ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنَ الصُّلْبِ، فَأَمَّا الِابْنُ مِنَ الرَّضَاعَةِ فمنزل منزلة ابن الصلب شرعا بقوله ﷺ فِي الصَّحِيحَيْنِ «حَرِّمُوا مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» «٣».
فَأَمَّا دَعْوَةُ الْغَيْرِ ابْنًا عَلَى سَبِيلِ التَّكْرِيمِ وَالتَّحْبِيبِ، فَلَيْسَ مِمَّا نُهِيَ عَنْهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِدَلِيلِ مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَهْلُ السُّنَنِ إِلَّا التِّرْمِذِيُّ، مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ الْحَسَنِ الْعُرَنِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُغَيْلِمَةَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَلَى حُمُرَاتٍ لَنَا مِنْ جَمْعٍ، فَجَعَلَ يُلَطِّخُ أَفْخَاذَنَا وَيَقُولُ «أُبَيْنِيَّ لَا تَرْمُوا الْجَمْرَةَ حَتَّى تطلع الشمس» «٤» قال أبو عبيدة وَغَيْرُهُ: أُبَيْنِيَّ تَصْغِيرُ بَنِيَّ وَهَذَا ظَاهِرُ الدَّلَالَةِ، فَإِنَّ هَذَا كَانَ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ سَنَةَ عَشْرٍ.
وَقَوْلُهُ ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ فِي شَأْنِ زَيْدِ بن حارثة رضي الله عنه، وقد قتل في يوم مؤتة سنة
(١) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٣٣، باب ٢، ومسلم في فضائل الصحابة حديث ٦٢، والترمذي في تفسير سورة ٣٣، باب ٩.
(٢) أخرجه مسلم في الرضاع حديث ٢٦، ٢٨، ٣٠، وأبو داود في النكاح باب ٩، والنسائي في النكاح باب ٩، والنسائي في النكاح باب ٥٣، وأحمد في المسند ٦/ ١٧٤، ٢٢٨، ٢٤٩، ٢٦٩.
(٣) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٣٣، باب ٩، ومسلم في الرضاع حديث ٥.
(٤) أخرجه أبو داود في المناسك باب ٦٥، والنسائي في المناسك باب ٢٢٢، وابن ماجة في المناسك باب ٦٢، وأحمد في المسند ١/ ٢٣٤، ٣٤٣. [.....]
ثَمَانٍ، وَأَيْضًا فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَوَانَةَ الْوَضَّاحِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْيَشْكُرِيِّ عَنِ الْجَعْدِ أَبِي عُثْمَانَ الْبَصْرِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «يا بني» ورواه أبو داود والترمذي.
وقوله عز وجل فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ أمر تَعَالَى بِرَدِّ أَنْسَابِ الْأَدْعِيَاءِ إِلَى آبَائِهِمْ إِنْ عرفوا، فإن لم يعرفوا فَهُمْ إِخْوَانُهُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيهِمْ، أَيْ عِوَضًا عَمَّا فَاتَهُمْ مِنَ النَّسَبِ، وَلِهَذَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ خَرَجَ من مكة عمرة القضاء وتبعتهم ابنة حمزة رضي الله عنها تُنَادِي، يَا عَمِّ يَا عَمِّ، فَأَخَذَهَا عَلِيٌّ رضي الله عنه وقال لفاطمة رضي الله عنها: دونك ابنة عمك، فاحتملتها فاختصم فيها علي وزيد وجعفر رضي الله عنهم فِي أَيِّهِمْ يَكْفُلُهَا، فَكُلٌّ أَدْلَى بِحُجَّةٍ، فَقَالَ علي رضي الله عنه: أَنَا أَحَقُّ بِهَا وَهِيَ ابْنَةُ عَمِّي: وَقَالَ زَيْدٌ: ابْنَةُ أَخِي، وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: ابْنَةُ عَمِّي وَخَالَتُهَا تَحْتِي، يَعْنِي أَسْمَاءَ بنت عميس، فَقَضَى بِهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لخالتها وقال «الخالة بمنزلة الأم» «١» وقال لعلي رضي الله عنه «أنت مني وأنا منك» «٢». وقال لجعفر رضي الله عنه «أشبهت خلقي وخلقي» «٣». وقال لزيد رضي الله عنه «أنت أخونا ومولانا» ففي الحديث أحكام كثيرة من أحسنها أنه ﷺ حَكَمَ بِالْحَقِّ، وَأَرْضَى كُلًّا مِنَ الْمُتَنَازِعِينَ. وَقَالَ لزيد رضي الله عنه «أَنْتَ أَخُونَا وَمَوْلَانَا» «٤». كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ «٥» : حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ عُيَيْنَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرَةَ رضي الله عنه: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ فَأَنَا مِمَّنْ لَا يعرف أبوه فأنا مِنْ إِخْوَانِكُمْ فِي الدِّينِ، قَالَ أُبَيٌّ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَظُنُّهُ لَوْ عَلِمَ أَنَّ أَبَاهُ كَانَ حِمَارًا لَانْتَمَى إِلَيْهِ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ «مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُهُ كَفَرَ» «٦» وَهَذَا تَشْدِيدٌ وَتَهْدِيدٌ وَوَعِيدٌ أَكِيدٌ فِي التبري من النسب المعلوم، ولهذا قال تعالى: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ.
ثم قال تعالى: وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ أَيْ إِذَا نَسَبْتُمْ بَعْضَهُمْ إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ فِي
(١) أخرجه البخاري في الصلح باب ٦، والمغازي باب ٤٣، وأبو داود في الطلاق باب ٣٥، والترمذي في البر باب ٦.
(٢) أخرجه البخاري في الصلح باب ٦.
(٣) أخرجه البخاري في الصلح باب ٦، وفضائل أصحاب النبي باب ١٠، والترمذي في المناقب باب ٢٩.
(٤) أخرجه البخاري في الصلح باب ٦.
(٥) تفسير الطبري ١٠/ ٢٥٧.
(٦) أخرجه البخاري في المناقب باب ٥.

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ توكل إليه الأمور، فيقوم بها، وبما هو أصلح للعبد، وذلك لعلمه بمصالح عبده، من حيث لا يعلم العبد، وقدرته على إيصالها إليه، من حيث لا يقدر عليها العبد، وأنه أرحم بعبده من نفسه، ومن والديه، وأرأف به من كل أحد، خصوصًا خواص عبيده، الذين لم يزل يربيهم ببره، ويُدِرُّ عليهم بركاته الظاهرة والباطنة، خصوصًا وقد أمره بإلقاء أموره إليه، ووعده، فهناك لا تسأل عن كل أمر يتيسر، وصعب يسهل، وخطوب تهون، وكروب تزول، وأحوال وحوائج تقضى، وبركات تنزل، ونقم تدفع، وشرور ترفع.
وهناك ترى العبد الضعيف، الذي فوض أمره لسيده، قد قام بأمور لا تقوم بها أمة من الناس، وقد سهل اللّه [ عليه ](١)  ما كان يصعب على فحول الرجال وباللّه المستعان.
١ - زيادة من: ب..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{١ - ٣} ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا * وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا﴾.
أي: يا أيها الذي منَّ الله عليه بالنبوة، واختصه بوحيه، وفضله على سائر الخلق، اشكر نعمة ربك عليك، باستعمال تقواه، التي أنت أولى بها من غيرك، والتي يجب عليك منها، أعظم من سواك، فامتثل أوامره ونواهيه، وبلغ رسالاته، وأدِّ إلى عباده وحيه، وابذل النصيحة للخلق.
ولا يصدنك عن هذا المقصود صاد، ولا يردك عنه راد، فلا تطع كل كافر، قد أظهر العداوة لله ورسوله، ولا منافق، قد استبطن التكذيب والكفر، وأظهر ضده.
فهؤلاء هم الأعداء على الحقيقة، فلا تطعهم في بعض الأمور، التي تنقض التقوى، وتناقضها، ولا تتبع أهواءهم، فيضلوك عن الصواب.
﴿وَ﴾ لكن ﴿اتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ فإنه هو الهدى والرحمة، وَارْجُ بذلك ثواب ربك، فإنه بما تعملون خبير، يجازيكم بحسب ما يعلمه منكم، من الخير والشر.
فإن وقع في قلبك، أنك إن لم تطعهم في أهوائهم المضلة، حصل عليك منهم ضرر، أو حصل نقص في هداية الخلق، فادفع ذلك عن نفسك، واستعمل ما يقاومه ويقاوم غيره، وهو التوكل على الله، بأن تعتمد على ربك، اعتماد من لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا، ولا موتًا ولا حياة، ولا نشورًا، في سلامتك من شرهم، وفي إقامة الدين، الذي أمرت به، وثق بالله في حصول ذلك الأمر على أي: حال كان.
﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا﴾ توكل إليه الأمور، فيقوم بها، وبما هو أصلح للعبد، وذلك لعلمه بمصالح عبده، من حيث لا يعلم العبد، وقدرته على إيصالها إليه، من حيث لا يقدر عليها العبد، وأنه أرحم بعبده من نفسه، ومن والديه، وأرأف به من كل أحد، -[٦٥٨]- خصوصًا خواص عبيده، الذين لم يزل يربيهم ببره، ويُدِرُّ عليهم بركاته الظاهرة والباطنة، خصوصًا وقد أمره بإلقاء أموره إليه، ووعده، فهناك لا تسأل عن كل أمر يتيسر، وصعب يسهل، وخطوب تهون، وكروب تزول، وأحوال وحوائج تقضى، وبركات تنزل، ونقم تدفع، وشرور ترفع.
وهناك ترى العبد الضعيف، الذي فوض أمره لسيده، قد قام بأمور لا تقوم بها أمة من الناس، وقد سهل الله [عليه] (١) ما كان يصعب على فحول الرجال وبالله المستعان.
(١) زيادة من: ب.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (٨١ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير يحيى بن سلام — يحيى بن سلام تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المراغي — المراغي تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور بيان المعاني — ملا حويش إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
وَكِيلًا
حَافِظًا.

إعراب الآية ٣ من سورة الأحزاب

من كتاب: إعراب القرآن

٣٣ شرح إعراب سورة الأحزاب

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

[سورة الأحزاب (٣٣) : آية ١]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (١)
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ ضممت أيا لأنه نداء مفرد والتنبيه لازم لها والنبي نعت لأيّ عند النحويين إلّا الأخفش فإنه يقول: إنه صلة لأي، وهو خطأ عند أكثر النحويين لأن الصلة لا تكون إلّا جملة والاحتيال له فيما قال: إنه لما كان نعتا لازما سماه صلة فهكذا الكوفيون يسمون نعت النكرة صلة لها، وأجاز بعض النحويين «١» النصب، اتَّقِ اللَّهَ حذفت الياء لأنه أمر. وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ أي لا تطعهم فيما نهيت عنه ولا تمل إليهم، ودلّ بقوله جلّ وعزّ: إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً على أنه إنما كان يميل إليهم استدعاء لهم إلى الإسلام أي لو علم الله جلّ وعزّ أن ميلك إليهم فيه منفعة لما نهاك عنه لأنه حكيم.

[سورة الأحزاب (٣٣) : آية ٢]

وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (٢)
وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ أي من اجتنابهم.

[سورة الأحزاب (٣٣) : آية ٣]

وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (٣)
وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ أي في الخوف من ضررهم. وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا أي كافيا لك مما تخافه منهم «وكيلا» نصب على البيان أو على الحال.

[سورة الأحزاب (٣٣) : آية ٤]

ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللاَّئِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤)
ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ «من» زائدة للتوكيد، وشبه هذا بالأول أنّه لم
(١) انظر أسرار العربية ص ٢٢٩.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

آيات مشابهة للآية ٣ من سورة الأحزاب

مواضع أخرى في القرآن تشبه ألفاظ هذه الآية

جميع المتشابهات لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ٣ من سورة الأحزاب

٤ موضوعات تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

قولانِ من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

قولانِ
١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ وثِق بالله فيما تسمع مِن الأذى، ﴿وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ ناصرًا ووَلِيًّا ومانِعًا، فلا أحد أمنع من الله، وإنما نزلت فيها ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ولا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ مِن أهل مكة ﴿والمنافقين﴾ مِن أهل المدينة، يعني: هؤلاء النفر الستة الـمُـســَـمَّين، ودع أذاهم إيّاك لقولهم للنبي ﷺ: قل: للآلهة شفاعة ومنفعة لمن عبدها. ﴿وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ يعني: مانِعًا، فلا أحد أمنع من الله عز وجل١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏٤٧١.
٢
قال يحيى بن سلّام: ﴿وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ مُتَوَكَّلًا عليه، وقال أيضًا: ﴿ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ ونعم المُتوَكَّل عليه١
التخريج
  1. ١تفسير يحيى بن سلام ٢‏/‏٦٩٧.
التفسير بالمأثور لسورة الأحزاب كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٣ من سورة الأحزاب

١١ وقفةً في هذه الآية

  • (وكفى بالله وكيلًا﴾ إيمانُك العميق بأنّ الله نِعم الوكيل، و تسليم زِمام أمورك له، يبثُّ في الصدر راحةً وطمأنينةً و سعة خاطر و انشراح.

    — تأملات قرآنية

  • ارض عن الله في جميع ما يفعله بك فإنه ما منعك إلا ليعطيك ولا ابتلاك إلا ليعافيك ولا أمرضك إلا ليشفيك ولا أماتك إلا ليحييك (وكفى بالله وكيلا)

    — من لطائف قرآنية

  • قال الله في خمس مواضع في القرآن : «وكفى بالله وكيلا» هل امتلأت قلوبنا فعلاً بحقيقة هذا المعنى ونحن نعارك تصاريف الحياة؟

    — من لطائف قرآنية

  • {وكفى بالله وكيلا}توكل إليه الأمور،فيقوم بها وبما هو أصلح للعبد...فهناك لا تسأل عن كل أمر يتيسر،وصعب يتسهل،وخطوب تهون وكروب تزول،وأحوال وحوائج تقضى،وبركات تتنزل،ونقم تدفع،وشرور ترفع،وهناك ترى العبد الضعيف الذي فوض أمره لسيده قد قام بأمور لاتقوم بها أمة من الناس،وقد سهل الله عليه ما كان يصعب على فحول الرجال وبالله المستعان

    — تفسير السعدي

  • لا تظن أنهم ينصرونك ويؤيدنك، فلا تركن لأقوالهم، بل اركن لله تعالى ،وتوكل عليه .(في المطبوع19/ 11910)

    — محمد متولي الشعراوي

  • ‏{ وَكفى بالله وَكيلًا } كافل أمرك يعلم حالك يطوي عنك بعد مسافات الفرج يطوّق قلبك بالطمأنينة حين يظلم ويهبك صلاح القلب ..!

    — تأملات قرآنية

  • " وتوكل على الله ، وكفى بالله وكيلاً " : - - فلا يهمنك أكانوا معك أم كانوا عليك ؛ ولا تحفل كيدهم ومكرهم ؛ وألق بأمرك كله إلى الله ، يصرفه بعلمه وحكمته وخبرته. - ورد الأمر لله هو القاعدة المطمئنة التي يفيء إليها القلب ؛ وينتهي إليها ؛ ويدع ما وراءها لصاحب الأمر والتدبير، في ثقة وطمأنينة ويقين .

    — فوائد القرآن

  • تستيقظ الهموم معك يقترح الخاطر.. أسماء ليساعدوك! امح كل تلك الأسماء الله وحده يكفيك (وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا)

    — عبدالله بلقاسم

  • لا تقلق كثيرًا فالذي كفاك همّ أمسِك ، سيكفيك همّ اليوم ، والذي رعاك صغيرًا ... لن تُعجِزه كبيرًا. ﴿ وَكَفى بِاللَّهِ وَكيلًا ﴾.

    — تدبر

  • التوكل على الله سورة الأحزاب أية 3

    — عبدالواحد المزروع

  • [ وتوكل على الله وكفى بالله وكيلاً ] اللهمَّ فوضنا أمورنا إليك وألجأنا ظهورنا إليك فأنت سندنا فلا تخذلنا واﻷمل معقود عليك.

    — مها العنزي

ترجمات معاني الآية ٣ من سورة الأحزاب

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(3) And rely upon Allāh; and sufficient is Allāh as Disposer of affairs.[1179]
[1179]- Refer to footnote in 3:173.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال