قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمّا قالُوا﴾ كما آذت بنو إسرائيل موسى؛ فزعموا أنه آدَرُ، وذلك أن موسى عليه السلام كان فيه حياء شديد، وكان لا يغتسل في نهر ولا غيره إلا وعليه إزار، وكان بنو إسرائيل يغتسلون عُراة، فقالوا: ما يمنع موسى أن يتجرد كما نتجرد إلا أنه آدر. فانطلق موسى عليه السلام ذات يوم يغتسل في عين بأرض الشام، واستتر بصخرة، ووضع ثيابه عليها، ففرَّت الصخرة بثيابه، وأتبعها موسى عليه السلام متجرِّدًا، فلحقها، فضربها بعصاه، وكان موسى عليه السلام لا يضع العصا من يده حيث ما كان، وقال لها: ارجعي إلى مكانك. فقالت: إنما أنا عبد مأمور، لِمَ تضربني؟! فردها إلى مكانها. فنظرت إليه بنو إسرائيل فإذا هو مِن أحسن الناس خلقًا، وأعدلهم صورة، وكان سليمًا ليس كالذي قالوا، فذلك قوله عز وجل: ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمّا قالُوا﴾ إنه آدر
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إنّا عَرَضْنا الأَمانَةَ﴾ وهي الطاعة ﴿عَلى السَّماواتِ والأَرْضِ والجِبالِ﴾ على الثواب والعقاب، إن أحسنتْ جوزيتْ، وإن عصتْ عوقبتْ، ﴿فَأَبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها﴾ يعني: الطاعة على الثواب والعقاب، فلم يُطِقْنَها، ﴿وأَشْفَقْنَ مِنها﴾ مِن العذاب مخافةَ ترْك الطاعة، فقيل لآدم عليه السلام: أتحملها بما فيها؟ قال آدم: وما فيها، يا رب؟ قال: إن أطعتَ جوزيتَ، وإن عصيتَ عوقبتَ. قال آدم: قد حملتُها بما فيها. فلم يلبث في الجنة إلا قليلًا -يعني: ساعتين من يومه- حتى عصى ربه عز وجل، وخان الأمانة، فذلك قوله عز وجل: ﴿وحَمَلَها الإنْسانُ﴾ يعني: آدم عليه السلام
قال مقاتل بن سليمان: يقول: عرضنا الأمانة على الإنسان لكي يعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات بما خانوا الأمانة وكذّبوا الرسل، ونقضوا الميثاق الذي أقرُّوا به على أنفسهم، يوم أخرجهم من ظهر آدم عليه السلام، حين قال عز وجل: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى﴾ [الأعراف:١٧٢]، فنقضوا هذه المعرفة، وتركوا الطاعة، يعني: التوحيد، ﴿ويَتُوبَ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ ولكي يتوب الله على المؤمنين والمؤمنات بما وفوا بالأمانة، ولم ينقضوا الميثاق، ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ لذنوبهم، ﴿رَحِيمًا﴾ بهم