قال مقاتل بن سليمان: ﴿مَثانِيَ﴾، يعني: يثنّي الأمر في القرآن مرتين أو ثلاثًا أو أكثر من نحو ذِكر الأمم الخالية، ومِن نحو ذِكر الأنبياء، ومِن نحو ذِكر آدم عليه السلام وإبليس، ومِن نحو ذِكر الجنة والنار، والبعث والحساب، ومِن نحو ذِكر النبْت والمطر، ومن نحو ذِكر العذاب، ومن نحو ذِكر موسى وفرعون
قال مقاتل بن سليمان: ثم قال: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنهُ﴾ يعني: مما في القرآن من الوعيد ﴿جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ﴾ عذاب ﴿رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ يعني: إلى الجنة وما فيها من الثواب، ثم قال: ﴿ذَلِكَ﴾ الذي ذُكِر من القرآن ﴿هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ﴾ يعني: بالقرآن ﴿مَن يَشاءُ﴾ لدينه، ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ عن دينه ﴿فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ إلى دينه، يقول: مَن أضلّه الله عن الهدى فلا أحد يهديه إليه
قال مقاتل بن سليمان: وقوله: ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ﴾ يعني: شدة العذاب يوم القيامة. يقول: ليس الضالُّ الذي يتقي النارَ بوجهه كالمهتدي الذي لا تصل النارُ إلى وجهه، ليسا بسواء. يقول: الكافر يتقي بوجهه شدةَ العذاب، وهو في النار مغلولة يده إلى عنقه، وفي عُنقه حجر ضخم مثل الجبل العظيم مِن كبريت تشتعل النار في الحجر، وهو معلَّق في عُنقه، وتشتعل على وجهه، فحرُّها ووهَجُها على وجهه لا يطيق دفعها عن وجهه من أجل الأغلال التي في يده وعنقه. وقالت الخزنة للظالمين: ﴿ذُوقُوا﴾ العذاب بـ﴿ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ مِن الكفر والتكذيب
قال مقاتل بن سليمان: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ يعني: قبل كفار مكة، كذّبوا رسلهم بالعذاب في الآخرة بأنه غير نازل بهم، ﴿فَأَتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ وهم غافلون عنه، ﴿فَأَذاقَهُمُ اللَّهُ الخِزْيَ﴾ يعني: العذاب ﴿في الحياة الدنيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ﴾ مما أصابهم في الدنيا ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ولكنهم لا يعلمون
قال مقاتل بن سليمان: قوله: ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا﴾ يعني: وضعنا ﴿للناس في هذا القرآن من كل مثل﴾ مِن كل شَبَه؛ ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ يعني: كي يؤمنوا به
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا﴾، وذلك أن كفار قريش دعَوا النبي ﷺ إلى مِلّة آبائه، وإلى عبادة اللّات والعُزى ومَناة، فضرب لهم مَثلًا، ولآلهتهم مَثلًا الذين يعبدون من دون الله عز وجل، فقال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكسونَ﴾ يعني: مختلفين، يملكونه جميعًا
قال مقاتل بن سليمان: فهل يستويان؟ يقول: هل يستوي مَن عبد آلهة شتى مختلفة -يعني: الكفار- والذي يعبد ربًّا واحدًا -يعني: المؤمنين-؟ فذلك قوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا﴾. فقالوا: لا، يعني: هل يستويان في الشبه؟ فخصمهم النبي ﷺ، فقال: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ حين خصمهم، ﴿بَلْ أكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ توحيد ربهم