قال مقاتل بن سليمان: ثم نادى الذين آمنوا وكانوا يتَّقُون المعاصي: ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ يا أهل التوحيد، ﴿أنْتُمْ وأَزْواجُكُمْ﴾ يعني: وحلائلكم ﴿تُحْبَرُونَ﴾ يعني: تُكرمون وتَنعمون
قال مقاتل بن سليمان: ثم قال: ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ﴾ يعني: المشركين المسرفين ﴿فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ يعني: لا يموتون، ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾ العذابُ طَرْفةَ عين، ﴿وهُمْ فِيهِ﴾ يعني: في العذاب ﴿مُبْلِسُونَ﴾ يعني: آيِسون مِن كل خير، مستيقنين بكل عذاب، مُبشَّرين بكل سوء، زُرق الأعين، سُود الوجوه. ثم قال: ﴿وما ظَلَمْناهُمْ﴾ فنعذِّب على غير ذنب
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ونادَوْا﴾ في النار: ﴿يا مالِكُ﴾ وهو خازن جهنم، فقال: ماذا تريدون؟ قالوا: ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾. فيسكت عنهم مالك، فلا يجيبهم مقدار أربعين سنة، ثم يوحي اللهُ تعالى إلى مالك بعد أربعين سنة أن يجيبهم، فردّ عليهم مالك: ﴿قالَ إنَّكُمْ ماكِثُونَ﴾ في العذاب. يقول: مقيمون فيه
قال مقاتل بن سليمان: ﴿أمْ أبْرَمُوا أمْرًا فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾، يقول: أم أجمعوا أمرًا. وذلك أن نفرًا من قريش منهم: أبو جهل بن هشام، وعُتبة وشيبة ابنا ربيعة، وهشام بن عمرو، وأبو البَختري بن هشام، وأُمية بن أبي مُعيط، وعُيينة بن حصن الفزاري، والوليد بن المُغيرة، والنَّضر بن الحارث، وأُبَيّ بن خلف، -بعد موت أبي طالب- اجتمعوا في دار النَّدوة بمكة ليمكروا بالنبي ﷺ سرًّا عند انقضاء المدة، فأتاهم إبليس في صورة شيخ كبير، فجلس إليهم، فقالوا له: ما أدخلكَ في جماعتنا بغير إذننا؟ قال عدوّ الله: أنا رجل من أهل نَجد، وقدمتُ مكة، فرأيتكم حسنةً وجوهُكم، طيّبةً ريحُكم، فأردتُ أن أسمع حديثكم، وأشير عليكم، فإنْ كرهتم مجلسي خرجتُ من بينكم. فقال بعضهم لبعض: هذا رجل مِن أهل نَجد، ليس من أهل مكة، فلا بأس عليكم منه. فتكلّموا بالمكر بالنبي ﷺ، فقال أبو البختري بن هشام -من بني أسد بن عبد العُزّى-: أمّا أنا فأرى أن تأخذوا محمدًا ﷺ، فتجعلوه في بيت، وتسدّوا عليه بابه، وتجعلوا له كوّة لطعامه وشرابه حتى يموت. فقال إبليس: بئس الرأي رأيتم، تعمدون إلى رجل له فيكم صغو، قد سمع به مَن حولكم، تحبسونه في بيت، وتُطعمونه وتسقونه، فيوشك الصغو الذي له فيكم أنْ يقاتلكم عنه، ويفسد جماعتكم ويسفك دماءكم. قالوا: صدق -واللهِ- الشيخ. فقال هشام بن عمرو -من بني عامر بن لؤي-: أما أنا فأرى أن تحملوه على بعير، فتُخرجوه من أرضكم، فيذهب حيث شاء، ويليه غيركم. فقال إبليس: بئس الرأي رأيتم، تعمدون إلى رجل قد أفسد عليكم جماعتكم، وتبعه طائفة منكم، فتُخرجونه إلى غيركم، فيُفسدهم كما أفسدكم، فيوشك -باللهِ- أنْ يميل بهم عليكم. فقال أبو جهل: صدق -واللهِ- الشيخ. فقال أبو جهل بن هشام: أمّا أنا فأرى أن تعمدوا إلى كلِّ بطنٍ من قريش، فتأخذوا من كل بطن منهم رجلًا، فتُعطون كلَّ رجل منهم سيفًا، فيضربونه جميعًا، فلا يدري قومُه مَن يأخذون به، وتؤدِّي قريش دِيَته. فقال إبليس: صدق -والله- الشاب. فتفرّقوا عن قول أبي جهل، فنزل جبريل عليه السلام، فأخبر النبي ﷺ بما ائتمروا به، وأمره بالخروج، فخرج النبي ﷺ من ليلته إلى الغار. وأنزل الله تعالى في شرّهم الذي أجمعوا عليه: ﴿أمْ أبْرَمُوا أمْرًا فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾
قال مقاتل بن سليمان: ﴿أمْ أبْرَمُوا أمْرًا فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾، يقول: أم أجمعوا أمرهم على محمد ﷺ بالشرّ، فإنّا مُجمعون أمرنا على ما يكرهون. فعندها قُتل هؤلاء النّفر ببدر
قال مقاتل بن سليمان: يقول: ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ﴾ الذي بينهم، ﴿ونَجْواهُمْ﴾ الذي أجمعوا عليه ليُثْبتوك في بيت، أو يُخرجوك من مكة، أو يقتلوك، ﴿بَلى﴾ نسمع ذلك منهم، ﴿ورُسُلُنا﴾ الملائكة الحَفظة ﴿لَدَيْهِمْ﴾ يعني: عندهم ﴿يَكْتُبُونَ﴾