قال مقاتل بن سليمان: ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأَنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ وذلك أنّ النَّضر بن الحارث -من بني عبد الدار بن قُصي- قال: إنّ الملائكة بنات الله. فأنزل الله عز وجل الآية
قال مقاتل بن سليمان، في قوله تعالى: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ [الأنفال:٣١]: قال ذلك النضر بن الحارث بن علقمة من بني عبد الدار بن قصي. ثم قال: ﴿إنْ هَذا﴾ الذي يقول محمد من القرآن: ﴿إلّا أساطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ يعني: أحاديث الأولين، يعني: محمدًا ﷺ يحدّث عن الأمم الخالية، وأنا أُحدِّثكم عن رستم وأسفنديار كما يُحدِّث محمد. فقال عثمان بن مظعون الجُمحي: اتق الله، يا نضر، فإن محمدًا يقول الحق. قال: وأنا أقول الحق. قال عثمان: فإن محمدًا يقول: لا إله إلا الله. قال: وأنا أقول: لا إله إلا الله، ولكن الملائكة بنات الرحمن. فأنزل الله عز وجل في «حم الزخرف» فقال: ﴿قُلْ﴾ يا محمد: ﴿إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأَنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ أول الموحدين مِن أهل مكة. فقال عند ذلك: ألا ترون قد صدقني: إن كان للرحمن ولد. قال الوليد بن المغيرة: لا، واللهِ، ما صدقك، ولكنه قال: ما كان للرحمن ولد. ففطن لها النضر
قال مقاتل بن سليمان: ﴿قُلْ﴾ يا محمد: ﴿إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ﴾ يقول: ما كان للرحمن ﴿ولد فَأَنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ يعني: الموحّدين مِن أهل مكة بأن لا ولد
قال مقاتل بن سليمان: نزّه الرّبُّ نفسَه عمّا كذبوا؛ فقال: ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأَرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ يعني: عما يقولون مِن الكفر بربهم، يعني: كفار مكة حين كذّبوا بالعذاب في الآخرة، وذلك أنّ الله تعالى وعدهم في الدنيا على ألسنة الرسل أنّ العذاب كائن نازل بهم
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فَذَرْهُمْ﴾ يقول: خلِّ عنهم ﴿يَخُوضُوا﴾ في باطلهم ﴿ويَلْعَبُوا﴾ يعني: يلهوا في دنياهم ﴿حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ﴾ في الآخرة ﴿الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ العذاب فيه
قال مقاتل بن سليمان: ثم قال: ﴿وهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إلهٌ وفِي الأَرْضِ إلهٌ﴾ فعظّم نفسه عمّا قالوا، فقال: وهو الذي يُوَحَّد في السماء، ويُوَحَّد في الأرض، ﴿وهُوَ الحَكِيمُ﴾ في مُلكه، الخبير بخلْقه، ﴿العَلِيمُ﴾ بهم
قال مقاتل بن سليمان: ثم عظّم نفسه عن شِركهم، فقال: ﴿وتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأَرْضِ وما بَيْنَهُما وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ يعني: القيامة، ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ يعني: تُردّون في الآخرة، فيجازيكم بأعمالكم
قال مقاتل بن سليمان: إنّ النّضر بن الحارث ونفرًا معه قالوا: إن كان ما يقولُ محمدٌ حقًّا فنحن نتولّى الملائكة، وهم أحقّ بالشفاعة مِن محمد ﷺ. فأنزل الله هذه الآية: ﴿ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفاعَةَ﴾
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ولا يَمْلِكُ﴾ يقول: ولا يقدر ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ وهم الملائكة ﴿الشَّفاعَةَ﴾ يقول: لا تقدر الملائكة الذين تعبدونهم من دون الله على الشفاعة لأحد، ثم استثنى، فقال: ﴿إلّا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ﴾ يعني: بالتوحيد من بني آدم، فذلك قوله: ﴿وهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أنّ الله واحد لا شريك له، فشفاعتهم لهؤلاء
قال مقاتل بن سليمان: قوله: ﴿ولَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَن خَلَقَهُمْ﴾ يعني: أهل مكة، كفّارهم ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ وذلك أنّه لما نزلت في أول هذه السورة: ﴿خلق السموات والأرض﴾ نزلت في آخرها: ﴿ولَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَن خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾. فقال لهم النبي ﷺ: «مَن خلقكم، ورزقكم، وخلق السموات والأرض؟». فقالوا: الله خالق الأشياء كلّها، وهو خلَقَنا. فقال الله تعالى لنبيّه ﷺ: قل لهم: ﴿فَأَنّى يُؤْفَكُونَ﴾، يقول: من أين يكذبون بأنه واحد لا شريك له، وأنتم مُقرّون أنّ الله خالق الأشياء وخلَقَكم، ولم يشاركه أحد في مُلكه فيما خلَق؟! فكيف تعبدون غيره؟!