قال مقاتل بن سليمان: ﴿فارْتَقِبْ﴾... وذلك أنّ النبي ﷺ دعا اللهَ على كفار قريش، فقال: «اللهم، أعِنِّي عليهم بسبْع سنين كسني يوسف». فأصابتهم شِدّة، حتى أكلوا العظام والكلاب والجِيَف مِن شِدّة الجوع، فكان الرجل يرى بينه وبين السماء الدُّخان من الجوع، فذلك قوله: ﴿فارْتَقِبْ﴾ يقول: فانتَظِر، يا محمد ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ عذاب أليم، ﴿يَغْشى النّاسَ﴾ يعني: أهل مكة، ﴿هَذا﴾ الجوع ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾ يعني: وجيع
قال مقاتل بن سليمان: ثم إنّ أبا سفيان بن حرب، وعُتبة بن ربيعة، والعاص بن وائل، والمُطْعِمُ بن عدي، وسُهيل بن عمرو، وشيبة بن ربيعة، كلّهم من قريش، أتَوا النبيَّ ﷺ، فقالوا: يا محمد، استَسقِ لنا، فقالوا: ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ﴾ يعني: الجوع ﴿إنّا مُؤْمِنُونَ﴾ يعني: إنّا مصدِّقون بتوحيد الرّبّ وبالقرآن
قال مقاتل بن سليمان: ﴿أنّى لَهُمُ الذِّكْرى﴾ يقول: مِن أين لهم التذكرة؟! يعني: الجوع الذي أصابهم بمكة ﴿وقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ﴾ يعني: محمدًا ﷺ ﴿مُبِينٌ﴾ يعني: هو بيّن أمره، جاءهم بالهدى
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ يقول: ثم أعرضوا عن محمد ﷺ إلى الضّلالة، ﴿وقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ قال ذلك عُقبة بن أبي مُعيط: إنّ محمدًا مجنون. وقالوا: إنّما يعلمه جَبْرٌ غُلامُ عامر بن الحضرمي. وقالوا: لئن لم ينته جبرٌ غلامُ عامر بن الحضرمي -فأوعدوه- لنَشترينّه مِن سيّده، ثم لنُصلِينّه، حتى ينظر هل ينفعه محمد أو يغني عنه شيئًا!
قال مقاتل بن سليمان: فدعا النبي ﷺ، فقال: «اللهم، اسقنا غيثًا مغيثًا عامًّا، طَبَقًا مُطْبِقًا، غدقًا مُمْرِعًا، مَرْيًا عاجلًا غير رَيْثٍ، نافعًا غير ضار». فكشف الله تعالى عنهم العذاب، فذلك قوله: ﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ﴾ يعني: الجوع ﴿قَلِيلًا﴾ إلى يوم بدر ﴿إنَّكُمْ عائِدُونَ﴾ إلى الكفر. فعادوا، فانتقم الله منهم ببدرٍ، فقتَلهم، فذلك قوله: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى﴾
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى﴾ يعني: العُظمى، فكانت البطْشة في المدينة يوم بدر أكثر مما أصابهم مِن الجوع بمكة، ﴿إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ بالقتْل، وضرْب الملائكة وجوههم وأدبارهم، وعجّل الله أرواحهم إلى النار
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ولَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ بموسى -صلّى الله عليه- حتى ازدَروه كما ازدرى أهلُ مكة النبيَّ ﷺ؛ لأنه وُلِد فيهم فازدَروه، فكان النبي ﷺ فتنةً لهم، كما كان موسى صلى الله عليه فتنة لفرعون وقومه، فقالت قريش: أنت أضعفُنا، وأقلّنا حيلةً. فهذا حين ازدَروه كما ازدَروا موسى عليه السلام حين قالوا: ﴿ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا﴾ [الشعراء:١٨]، فكانت فتنة لهم، مِن أجل ذلك ذُكِر فرعون دون الأمم، نظيرها في [المزمل:١٥]: ﴿إنّا أرْسَلْنا إلَيْكُمْ رَسُولًا﴾. قوله: ﴿ولَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ كما فتنّا قريشًا بمحمد ﷺ؛ لأنهما وُلِدا في قومهما ﴿وجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ يعني: الخُلق، كان يتجاوز ويصفح، يعني: موسى حين سأل ربّه أن يكشف عن أهل مصر الجراد والقُمّل
قال مقاتل بن سليمان: فقال موسى لفرعون: ﴿أنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ﴾ يعني: أرسِلوا معي بني إسرائيل، يقول: وخلِّ سبيلهم فإنهم أحرار، ولا تستعبدْهم، ﴿إنِّي لَكُمْ رَسُولٌ﴾ مِن الله ﴿أمِينٌ﴾ فيما بيني وبين ربكم
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وأَنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ﴾ يعني: لا تَعَظَّموا على الله أن توحِّدوه، ﴿إنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ يعني: حجّة بيّنة. كقوله: (أنْ لا تَعْلُوا عَلى (اللَّهِ)). يقول: ألا تعظموا على الله. ﴿إنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ يعني: حجّة بيّنة، وهي اليد والعصا فكذّبوه، فقال فرعون في «حم المؤمن»: ﴿ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى﴾ [غافر:٢٦]