جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
وكان قتادة يقول : معناه : إنكم عائدون في عذاب الله.
حدثنا بذلك ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر عنه. وأما الذين قالوا : عنى بقوله : يَوْمَ تَأْتِي السّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ الدخان نفسه، فإنهم قالوا في هذا الموضع : عنى بالعذاب الذي قال إنّا كاشِفُوا العَذَابِ : الدخان. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة إنّا كاشِفُوا العَذَابِ قَلِيلاً يعني الدخان.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : إنّا كاشِفُوا العَذَبِ قَلِيلاً قال : قد فعل، كشف الدخان حين كان.
قوله : إنّكُمْ عائِدونَ قال : كُشِف عنهم فعادوا.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة إنّكُمْ عائِدُونَ إلى عذاب الله.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
وبعد، فإنه غير منكر أن يكون أحلّ بالكفار الذين توعدهم بهذا الوعيد ما توعدهم، ويكون مُحِلا فيما يستأنف بعد بآخرين دخانا على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله ﷺ عندنا كذلك، لأن الأخبار عن رسول الله ﷺ قد تظاهرت بأن ذلك كائن، فإنه قد كان ما رَوَى عنه عبد الله بن مسعود، فكلا الخبرين اللذين رُويا عن رسول الله ﷺ صحيح.
وإن كان تأويل الآية في هذا الموضع ما قلنا، فإذ كان الذي قلنا في ذلك أولى التأويلين، فبين أن معناه: فانتظر يا محمد لمشركي قومك يوم تأتيهم السماء من البلاء الذي يحل بهم على كفرهم بمثل الدخان المبين لمن تأمله أنه دخان. (يغشَى الناس) : يقول: يغشى أبصارهم من الجهد الذي يصيبهم. (هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ) يعني أنهم يقولون مما نالهم من ذلك الكرب والجهد: هذا عذاب أليم. وهو الموجع، وترك من الكلام (يقولون) استغناء بمعرفة السامعين معناه من ذكرها.
وقوله (رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ) يعني أن الكافرين الذين يصيبهم ذلك الجهد يضرعون إلى ربهم بمسألتهم إياه كشف ذلك الجهد عنهم، ويقولون: إنك إن كشفته آمنا بك وعبدناك من دون كلّ معبود سواك، كما أخبر عنهم جل ثناؤه (رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ).
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (١٤) إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥)﴾
وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله (أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى) قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله (أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى) يقول: كيف لهم.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى) بعد وقوع هذا البلاء.
وبنحو الذي قلنا أيضا في قوله (ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ) قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ) قال: تولوا عن محمد عليه الصلاة والسلام، وقالوا: معلم مجنون.
وقوله (إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ) يقول تعالى ذكره لهؤلاء المشركين الذين أخبر عنهم أنهم يستغيثون به من الدخان النازل والعذاب الحالّ بهم من الجهد، وأخبر عنهم أنهم يعاهدونه أنه (إن كشف العذاب عنهم آمنوا) إنا كاشفوا العذاب: يعني الضرّ النازل بهم بالخصب الذي نحدثه لهم (قَلِيلا إِنَّكُمْ