محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ١٠ من سورة الدّخان في ١٠١ كتاب من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، و٢٩ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ١٠ من سورة الدّخان

١٠١ كتاب من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السّمَآءُ بِدُخَانٍ مّبِينٍ * يَغْشَى النّاسَ هََذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * رّبّنَا اكْشِفْ عَنّا الْعَذَابَ إِنّا مْؤْمِنُونَ﴾.
يعني تعالى ذكره بقوله : فارْتَقِبْ فانتظر يا محمد بهؤلاء المشركين من قومك الذين هم في شكّ يلعبون، وإنما هو افتعل، من رقبته : إذا انتظرته وحرسته. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة فارْتَقِبْ : أي فانتظر.
وقوله : يَوْمَ تَأْتِي السمّاءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ اختلف أهل التأويل في هذا الذي أمر الله عزّ وجلّ نبيه ﷺ أن يرتقبه، وأخبره أن السماء تأتي فيه بدخان مبين : أي يوم هو، ومتى هو ؟ وفي معنى الدخان الذي ذُكر في هذا الموضع، فقال بعضهم : ذلك حين دعا رسول الله ﷺ على قريش ربه تبارك وتعالى أن يأخذهم بسنين كسني يوسف، فأخذوا بالمجاعة، قالوا : وعنى بالدخان ما كان يصيبهم حينئذٍ في أبصارهم من شدة الجوع من الظلمة كهيئة الدخان. ذكر من قال ذلك :
حدثني عيسى بن عثمان بن عيسى الرملي، قال : حدثنا يحيى بن عيسى، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، قال : دخلنا المسجد، فإذا رجل يقص على أصحابه. ويقول : يَوْمَ تأْتِي السّماءُ بِدُخان مُبِينٍ تدرون ما ذلك الدخان ؟ ذلك دخان يأتي يوم القيامة، فيأخذ أسماع المنافقين وأبصارهم، ويأخذ المؤمنين منه شبه الزكام ؟ قال : فأتينا ابن مسعود، فذكرنا ذلك له وكان مضطجعا، ففزع، فقعد فقال : إن الله عزّ وجلّ قال لنبيه ﷺ قُلْ ما أسألُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أجْرٍ وَما أنا مِنَ المُتَكَلّفِينَ إن من العلم أن يقول الرجل لما لا يعلم : الله أعلم، سأحدثكم عن ذلك، إن قريشا لما أبطأت عن الإسلام، واستعصت على رسول الله ﷺ دعا عليهم بسنين كسني يَوسف، فأصابهم من الجهد والجوع حتى أكلوا العظام والميتة، وجعلوا يرفعون أبصارهم إلى السماء فلا يرون إلا الدخان، قال الله تبارك وتعالى : يَوْمَ تَأْتِي السّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ يَغْشَى الناسَ هَذَا عَذَابٌ ألِيمٌ فَقالُوا : رَبّنا اكْشِفْ عَنا العَذَابَ إنّا مُؤْمِنُونَ قال الله جلّ ثناؤه : إنّا كاشِفُوا العَذَابِ قَلِيلاً إنّكُمْ عائِدُونَ يَوْم نَبْطِش البَطْشَةَ الكُبْرَى إنّا مُنْتَقِمُونَ قال : فعادوا يوم بدر فانتقم الله منهم.
حدثني عبد الله بن محمد الزهريّ، قال : حدثنا مالك بن سُعَير، قال : حدثنا الأعمش، عن مسلم، عن مسروق قال : كان في المسجد رجل يذكر الناس، فذكر نحو حديث عيسى، عن يحيى بن عيسى، إلا أنه قال : فانتقم يوم بدر، فهي البطشة الكبرى.
حدثنا ابن حميد، وعمرو بن عبد الحميد، قالا : حدثنا جرير، عن منصور، عن أبي الضحى مسلم بن صبيح، عن مسروق، قال : كنا عند عبد الله بن مسعود جلوسا وهو مضطجع بيننا، فأتاه رجل فقال : يا أبا عبد الرحمن : إن قاصا عند أبواب كندة يقص ويزعم أن آية الدخان تجيء فتأخذ بأنفاس الكفار، ويأخذ المؤمنين منه كهيئة الزكام، فقام عبد الله وجلس وهو غضبان، فقال : يا أيها الناس اتقوا الله، فمن علم شيئا فليقل بما يعلم، ومن لا يعلم فليقل : الله أعلم. وقال عمرو : فإنه أعلم لأحدكم أن يقول لما لا يعلم الله أعلم، وما على أحدكم أن يقول لما لا يعلم : لا أعلم، فإن الله عزّ وجلّ يقول لنبيه محمد ﷺ : قُلْ ما أسألُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أجْر وَما أنا مِنَ المُتَكَلّفِينَ إن النبيّ ﷺ لما رأى من الناس إدبارا، قال :«اللهمّ سبعا كسبع يوسف »، فأخذتهم سنة حصّت كل شيء، حتى أكلوا الجلود والميتة والجيف، ينظر أحدهم إلى السماء فيرى دخانا من الجوع، فأتاه أبو سفيان بن حرب فقال : يا محمد إنك جئت تأمر بالطاعة وبصلة الرحم، وإن قومك قد هلكوا، فادع الله لهم، قال الله عزّ وجلّ : فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ. . . إلى قوله : إنّكُمْ عائِدُونَ قال : فكُشف عنهم يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرَى إنّا مُنْتَقِمُونَ فالبطشة يوم بدر، وقد مضت آية الروم وآية الدخان، والبطشة واللزام.
حدثني أبو السائب، قال : حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق قال : قال عبد الله : خمس قد مضين : الدخان، واللزام، والبطشة، والقمر، والروم.
حدثنا أبو كُرَيب، قال : حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم، قال : شهدت جنازة فيها زيد بن عليّ فأنشأ يحدّث يومئذٍ، فقال : إن الدخان يجيء قبل يوم القيامة، فيأخذ بأنف المؤمن الزكام، ويأخذ بمسامع الكافر، قال : قلت رحمك الله، إن صاحبنا عبد الله قد قال غير هذا، قال : إن الدخان قد مضى وقرأ هذه الآية فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السّماءُ بِدُخانٍ مُبِين يَغْشَى النّاسَ هَذَا عَذَابٌ ألِيمٌ قال : أصاب الناس جهد حتى جعل الرجل يرى ما بينه وبين السماء دخانا، فذلك قوله : فارْتَقِبْ وكذا قرأ عبد الله إلى قوله : مُؤْمِنُونَ قالَ : إنّا كاشِفُوا العَذابِ قَلِيلاً قلت لزيد فعادوا، فأعاد الله عليهم بدرا، فذلك قوله : وَإنْ عُدْتُمْ عُدْنا فذلك يوم بدر، قال : فقبل والله، قال عاصم : فقال رجل يردّ عليه، فقال زيد رحمة الله عليه : أما إن رسول الله ﷺ قد قال :«إنّكُمْ سَيَجِيئُكُمْ رُوَاةٌ، فَمَا وَافَقَ القُرآنَ فَخُذُوا بِهِ، وَما كانَ غيرَ ذلكَ فَدَعُوهُ ».
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا داود، عن عامر، عن ابن مسعود أنه قال : البطشة الكبرى يوم بدر، وقد مضى الدخان.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا ابن أبي عديّ، عن عوف، قال : سمعت أبا العالية يقول : إن الدخان قد مضى.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن عمرو، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال : مضى الدخان لسنين أصابتهم.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا ابن علية، قال : حدثنا أيوب، عن محمد، قال : نُبئت أن ابن مسعود كان يقول : قد مضى الدخان، كان سنين كسني يوسف.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد يَوْمَ تَأْتِي السّماءُ بِدُخانٍ مُبِين قال : الجدب وإمساك المطر عن كفار قريش، إلى قوله : إنّا مُؤْمِنُونَ.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة يَوْمَ تَأْتِي السّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ قال : كان ابن مسعود يقول : قد مضى الدخان، وكان سنين كسني يوسف يَغْشَى النّاسَ هَذَا عَذَابٌ أليمٌ.
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : يَوْمَ تَأْتِي السّماءُ بِدُخانٍ مُبِين : قد مضى شأن الدخان.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن عبد الله يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرَى قال : يوم بدر.
وقال آخرون : الدخان آية من آيات الله، مرسلة على عباده قبل مجيء الساعة، فيدخل في أسماع أهل الكفر به، ويعتري أهل الإيمان به كهيئة الزكام، قالوا : ولم يأت بعد، وهو آتٍ. ذكر من قال ذلك :
حدثني واصل بن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن فضيل، عن الوليد بن جميع، عن عبد الملك بن المُغيرة، عن عبد الرحمن بن البيلمان، عن ابن عمر، قال : يخرج الدخان، فيأخذ المؤمن كهيئة الزكمة، ويدخل في مسامع الكافر والمنافق، حتى يكون كالرأس الحنيذ.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا ابن علية، عن ابن جريج، عن عبد الله بن أبي مليكة، قال : غدوت على ابن عباس ذات يوم، فقال : ما نمت الليلة حتى أصبحت، قلت : لمَ ؟ قال : قالوا : طلع الكوكب ذو الذنب، فخشيت أن يكون الدخان قد طرق، فما نمت حتى أصبحت.
حدثنا محمد بن بزيع، قال : حدثنا بشر بن المفضل، عن عوف، قال : قال الحسن : إن الدخان قد بقي من الآيات، فإذا جاء الدخان نفخ الكافر حتى يخرج من كلّ سمع من مسامعه، ويأخذ المؤمن كزكمة.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عثمان، يعني ابن الهيثم، قال : حدثنا عوف، عن الحسن بنحوه.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي سعيد، قال : يهيج الدخان بالناس. فأما المؤمن فيأخذه منه كهيئة الزكمة. وأما الكافر فيهيجه حتى يخرج من كلّ مسمع منه قال : وكان بعض أهل العلم يقول : فما مَثل الأرض يومئذٍ إلا كمَثل بيت أوقد فيه ليس فيه خصاصة.
حدثني عصام بن روّاد بن الجراح، قال : ثني أبي، قال : حدثنا سفيان بن سعيد الثوري، قال : حدثنا منصور بن المعتمر، عن ربْعِيّ بن حِرَاش، قال : سمعت حُذيفة بن اليمان يقول : قال رسول الله ﷺ :«أوّلْ الاَياتِ الدّجالُ، وَنُزُولُ عِيسَى بْن مَرْيَمَ، وَنارٌ تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدْنِ أَبَيْنَ تَسُوقُ النّاسَ إلى المَحْشَرِ تَقِيلُ مَعَهُمْ إذَا قالُوا، والدّخان »، قال حُذيفة : يا رسول الله وما الدخان ؟ فتلا رسول الله ﷺ الاَية يَوْمَ تَأْتِي السّماءُ بِدُخانٍ مُبِين يَغْشَى النّاسَ هَذَا عَذَابٌ ألِيمٌ «يَمْلاَ ما بَينَ المَشْرقِ والمَغْرِبِ يَمْكُثُ أرْبَعِينَ يَوْما وَلَيْلَةً أمّا المُؤْمِنُ فَيُصِيبَهُ مِنْهُ كَهَيْئَةِ الزّكامِ. وأمّا الكافِرُ فَيَكُونُ بِمْنزِلَةِ السّكْرانِ يَخْرُجُ مِنْ مَنْخِرَيْهِ وأُذُنَيْهِ ودُبُرِهِ ».
حدثني محمد بن عوف، قال : حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش، قال : ثني أبي، قال : ثني ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي مالك الأشعريّ، قال : قال رسول الله ﷺ :«إنّ رَبّكُمْ أنْذَرَكُمْ ثَلاثا : الدّخان يَأْخُذ المُؤْمِنَ كالزّكْمَةِ، وَيأْخُذُ الكافِرَ فَيَنْتَفِخُ حتى يَخْرُجَ مِنْ كُلّ مَسْمَعٍ مِنْهُ، والثّانِيَة الدّابّةُ، والثّالِثَة الدّجّالُ ».
وأولى القولين بالصواب في ذلك ما رُوي عن ابن مسعود من أن الدخان الذي أمر الله نبيه ﷺ أن يرتقبه، هو ما أصاب قومه من الجهد بدعائه عليهم، على ما وصفه ابن مسعود من ذلك إن لم يكن خبر حُذيفة الذي ذكرناه عنه عن رسول الله ﷺ صحيحا، وإن كان صحيحا، فرسول الله ﷺ أعلم بما أنزل الله عليه، وليس لأحد مع قوله الذي يصح عنه قول، وإنما لم أشهد له بالصحة، لأن محمد بن خلف العسقلانيّ حدثني أنه سأل روّادا عن هذا الحديث، هل سمعه من سفيان ؟ فقال له : لا، فقلت له : فقرأته عليه، فقال : لا، فقلت له : فقرئ عليه وأنت حاضر فأقرّ به، فقال : لا، فقلت : فمن أين جئت به ؟ قال : جاءني به قوم فعرضوه عليّ وقالوا لي : اسمعه منا فقرأوه عليّ، ثم ذهبوا، فحدّثوا به عني، أو كما قال فلما ذكرت من ذلك لم أشهد له بالصحة،
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
في شكّ منه، فهم يلهون بشكهم في الذي يخبرون به من ذلك.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢)﴾
يعني تعالى ذكره بقوله (فَارْتَقِبْ) فانتظر يا محمد بهؤلاء المشركين من قومك الذين هم في شكّ يلعبون، وإنما هو افتعل، من رقبته: إذا انتظرته وحرسته.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال ثنا سعيد، عن قتادة (فَارْتَقِبْ) : أي فانتظر.
وقوله (يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ) اختلف أهل التأويل في هذا الذي أمر الله عزّ وجلّ نبيه ﷺ أن يرتقبه، وأخبره أن السماء تأتي فيه بدخان مبين: أي يوم هو، ومتى هو؟ وفي معنى الدخان الذي ذُكر في هذا الموضع، فقال بعضهم: ذلك حين دعا رسول الله ﷺ على قريش ربه تبارك وتعالى أن يأخذهم بسنين كسني يوسف، فأخذوا بالمجاعة، قالوا: وعنى بالدخان ما كان يصيبهم حينئذ في أبصارهم من شدّة الجوع من الظلمة كهيئة الدخان.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني عيسى بن عثمان بن عيسى الرملي، قال: ثنا يحيى بن عيسى، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، قال: دخلنا المسجد، فإذا رجل يقص على أصحابه. ويقول: (يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ) تدرون ما ذلك
الدخان؟ ذلك دخان يأتي يوم القيامة، فيأخذ أسماع المنافقين وأبصارهم، ويأخذ المؤمنين منه شبه الزكام؟ قال: فأتينا ابن مسعود، فذكرنا ذلك له وكان مضطجعا، ففزع، فقعد فقال: إن الله عزّ وجلّ قال لنبيه ﷺ (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ) إن من العلم أن يقول الرجل لما لا يعلم: الله أعلم، سأحدثكم عن ذلك، إن قريشا لما أبطأت عن الإسلام، واستعصت على رسول الله ﷺ دعا عليهم بسنين كسني يوسف، فأصابهم من الجهد والجوع حتى أكلوا العظام والميتة، وجعلوا يرفعون أبصارهم إلى السماء فلا يرون إلا الدخان.
قال الله تبارك وتعالى (يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ) فقالوا (رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ) قال الله جل ثناؤه (إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ) قال: فعادوا يوم بدر فانتقم الله منهم.
حدثني عبد الله بن محمد الزهريّ، قال: ثنا مالك بن سُعَير، قال: ثنا الأعمش، عن مسلم، عن مسروق قال: كان في المسجد رجل يذكر الناس، فذكر نحو حديث عيسى، عن يحيى بن عيسى، إلا أنه قال: فانتقم يوم بدر، فهي البطشة الكبرى.
حدثنا ابن حميد، وعمرو بن عبد الحميد، قالا ثنا جرير، عن منصور، عن أبي الضحى مسلم بن صبيح، عن مسروق، قال: كنا عند عبد الله بن مسعود جلوسا وهو مضطجع بيننا، فأتاه رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن: إن قاصا عند أبواب كندة يقص ويزعم أن آية الدخان تجيء فتأخذ بأنفاس الكفار، ويأخذ المؤمنين منه كهيئة الزكام، فقام عبد الله وجلس وهو غضبان، فقال: يا أيها الناس اتقوا الله، فمن علم شيئا فليقل بما يعلم، ومن لا يعلم فليقل: الله أعلم.
وقال عمرو: فإنه أعلم لأحدكم أن يقول لما لا يعلم الله أعلم، وما على أحدكم أن يقول لما لا يعلم: لا أعلم، فإن الله عزّ وجلّ يقول لنبيه محمد صلى الله
عليه وسلم (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ) إن النبيّ ﷺ لما رأى من الناس إدبارا، قال:"اللهمّ سبعا كسبع يوسف"، فأخذتهم سنة حصَّت كل شيء، حتى أكلوا الجلود والميتة والجيف، ينظر أحدهم إلى السماء فيرى دخانا من الجوع، فأتاه أبو سفيان بن حرب فقال: يا محمد إنك جئت تأمر بالطاعة وبصلة الرحم، وإن قومك قد هلكوا، فادع الله لهم، قال الله عزّ وجلّ (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ)... إلى قوله (إِنَّكُمْ عَائِدُونَ) قال: فكُشف عنهم (يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ) فالبطشة يوم بدر، وقد مضت آية الروم وآية الدخان، والبطشة واللزام.
حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق قال: قال عبد الله: خمس قد مضين: الدخان، واللزام، والبطشة، والقمر، والروم.
حدثنا أبو كُرَيب، قال:" ثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم، قال: شهدت جنازة فيها زيد بن عليّ فأنشأ يحدّث يومئذ، فقال: إن الدخان يجيء قبل يوم القيامة، فيأخذ بأنف المؤمن الزكام، ويأخذ بمسامع الكافر، قال: قلت رحمك الله، إن صاحبنا عبد الله قد قال غير هذا، قال: إن الدخان قد مضى وقرأ هذه الآية (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ) قال: أصاب الناس جهد حتى جعل الرجل يرى ما بينه وبين السماء دخانا، فذلك قوله (فَارْتَقِبْ) وكذا قرأ عبد الله إلى قوله (مُؤْمِنُونَ) قال (إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلا) قلت لزيد فعادوا، فأعاد الله عليهم بدرا، فذلك قوله (وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا) فذلك يوم بدر، قال: فقبل والله، قال عاصم، فقال رجل يردّ عليه، فقال زيد رحمة الله عليه: أما إن رسول الله ﷺ قد قال:"إنَّكُمْ سَيَجِيئُكُمْ رُوَاةٌ، فَمَا وَافَقَ القُرآن فَخُذُوا بِهِ، ومَا كانَ غيرَ ذلكَ فَدَعُوهُ".
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن عامر،
عن ابن مسعود أنه قال: البطشة الكبرى يوم بدر، وقد مضى الدخان.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن عوف، قال: سمعت أبا العالية يقول: إن الدخان قد مضى.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن عمرو، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: مضى الدخان لسنين أصابتهم.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا أيوب، عن محمد، قال: نُبئت أن ابن مسعود كان يقول: قد مضى الدخان، كان سنين كسني يوسف.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ) قال: الجدب وإمساك المطر عن كفار قريش، إلى قوله (إِنَّا مُؤْمِنُونَ.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ) قال: كان ابن مسعود يقول: قد مضى الدخان، وكان سنين كسني يوسف (يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ).
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله (يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ) قد مضى شأن الدخان.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن عبد الله (يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى) قال: يوم بدر.
وقال آخرون: الدخان آية من آيات الله، مرسلة على عباده قبل مجيء الساعة، فيدخل في أسماع أهل الكفر به، ويعتري أهل الإيمان به كهيئة الزكام، قالوا: ولم يأت بعد، وهو آت.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني واصل بن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن فضيل، عن الوليد بن جميع، عن عبد الملك بن المُغيرة، عن عبد الرحمن بن البيلمان، عن ابن عمر، قال: يخرج الدخان، فيأخذ المؤمن كهيئة الزكمة، ويدخل في مسامع الكافر والمنافق، حتى يكون كالرأس الحنيذ.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن ابن جريج، عن عبد الله بن أبي مليكة، قال: غدوت على ابن عباس ذات يوم، فقال: ما نمت الليلة حتى أصبحت، قلت: لمَ؟ قال: قالوا: طلع الكوكب ذو الذنب، فخشيت أن يكون الدخان قد طرق، فما نمت حتى أصبحت.
حدثنا محمد بن بزيع، قال: ثنا بشر بن المفضل، عن عوف، قال: قال الحسن: إن الدخان قد بقي من الآيات، فإذا جاء الدخان نفخ الكافر حتى يخرج من كلّ سمع من مسامعه، ويأخذ المؤمن كزكمة.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عثمان، يعني ابن الهيثم، قال: ثنا عوف، عن الحسن بنحوه.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي سعيد، قال: يهيج الدخان بالناس. فأما المؤمن فيأخذه منه كهيئة الزكمة. وأما الكافر فيهيجه حتى يخرج من كلّ مسمع منه قال: وكان بعض أهل العلم يقول: فما مَثل الأرض يومئذ إلا كمَثل بيت أوقد فيه ليس فيه خصاصة.
حدثني عصام بن روّاد بن الجراح، قال: ثني أبي، قال: ثنا سفيان بن سعيد الثوري، قال: ثنا منصور بن المعتمر، عن رِبْعِيِّ بن حَرَاش، قال: سمعت حُذيفة بن اليمان يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أوَّلُ الآيات الدَّجالُ، وَنزول عِيسى بن مَرْيَمَ، وَنَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدْنِ أَبْيَنَ تَسُوقُ النَّاسَ إلى المَحْشَر تَقِيلُ مَعَهُمْ إذَا قالوا، والدُّخان"، قال حُذيفة: يا رسول الله
وما الدخان؟ فتلا رسول الله ﷺ الآية (يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ) يَمْلأ ما بَينَ المَشْرقِ والمَغْرِب يَمْكُثُ أرْبَعِينَ يَوْما وَلَيْلَةً أمَّا المُؤْمِنُ فَيُصِيبُهُ مِنْهُ كَهَيْئَةِ الزُّكامِ. وأمَّا الكَافِرُ فَيَكُونُ بِمَنزلَةِ السَّكْرانِ يَخْرُجُ مِنْ مَنْخِريْهِ وأُذُنَيْهِ ودُبُرِهِ".
حدثني محمد بن عوف، قال: ثنا محمد بن إسماعيل بن عياش، قال: ثني أبي، قال: ثني ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي مالك الأشعريّ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إنَّ رَبَّكُمْ أنْذَرَكُمْ ثَلاثا: الدُّخانُ يَأْخُذ المُؤْمِنَ كالزَّكْمَةِ، ويَأْخُذُ الكَافِرَ فَيَنْتَفِخَ حتى يَخْرُجَ مِنْ كُلّ مَسْمَعٍ مِنْهُ، والثَّانِيَة الدَّابَّةُ، والثَّالِثَة الدَّجَّالُ".
وأولى القولين بالصواب في ذلك ما رُوي عن ابن مسعود من أن الدخان الذي أمر الله نبيه ﷺ أن يرتقبه، هو ما أصاب قومه من الجهد بدعائه عليهم، على ما وصفه ابن مسعود من ذلك إن لم يكن خبر حُذيفة الذي ذكرناه عنه عن رسول الله ﷺ صحيحا، وإن كان صحيحا، فرسول الله ﷺ أعلم بما أنزل الله عليه، وليس لأحد مع قوله الذي يصح عنه قول.
وإنما لم أشهد له بالصحة، لأن محمد بن خلف العسقلانيّ حدثني أنه سأل روّادا عن هذا الحديث، هل سمعه من سفيان؟ فقال له: لا فقلت له: فقرأته عليه، فقال: لا فقلت له: فقرئ عليه وأنت حاضر فأقرّ به، فقال: لا فقلت: فمن أين جئت به؟ قال: جاءني به قوم فعرضوه عليّ وقالوا لي: اسمعه منا فقرءوه عليّ، ثم ذهبوا، فحدّثوا به عني، أو كما قال; فلما ذكرت من ذلك لم أشهد له بالصحة، وإنما قلت: القول الذي قاله عبد الله بن مسعود هو أولى بتأويل الآية، لأن الله جلّ ثناؤه توعَّد بالدخان مشركي قريش وأن قوله لنبيه ﷺ (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ) في سياق خطاب الله كفار قريش وتقريعه إياهم بشركهم بقوله (لا إِلَهَ إِلا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأوَّلِينَ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ)

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
ثم قال متوعدا لهم ومتهددًا :﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾.
قال سليمان بن مِهْرَان الأعمش، عن أبي الضُّحَى مسلم بن صُبَيْح(١)، عن مسروق قال : دخلنا المسجد - يعني مسجد الكوفة - عند أبواب كندة، فإذا رجل يقص على أصحابه :﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ تدرون ما ذلك الدخان ؟ ذلك دخان يأتي يوم القيامة، فيأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم، ويأخذ المؤمنين منه شبه الزكام. قال : فأتينا ابن مسعود فذكرنا ذلك له، وكان مضطجعًا ففزع فقعد، وقال(٢) إن الله عز وجل قال لنبيكم ﷺ :﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦]، إن من العلم أن يقول الرجل لما لا يعلم :" الله أعلم " سأحدثكم عن ذلك، إن قريشا لما أبطأت عن الإسلام واستعصت(٣) على رسول الله ﷺ، دعا عليهم بسنين كسني يوسف، فأصابهم من الجهد والجوع حتى أكلوا العظام والميتة، وجعلوا يرفعون أبصارهم إلى السماء فلا يرون إلا الدخان - وفي رواية : فجعل الرجل ينظر إلى السماء، فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد - [ قال ] (٤) قال الله تعالى :﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، فأتى رسول الله ﷺ فقيل : يا رسول الله استسق الله لمضر، فإنها قد هلكت. فاستسقى لهم فَسُقُوا فأنزل الله :﴿إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ قال : ابن مسعود : فيكشف العذاب عنهم يوم القيامة، فلما أصابهم الرفاهية عادوا إلى حالهم، فأنزل الله :﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾، قال : يعني يوم بدر.
قال ابن مسعود : فقد مضى خمسة : الدخان، والروم، والقمر، والبطشة، واللِّزام. وهذا الحديث مخرج في الصحيحين. (٥) ورواه الإمام أحمد في مسنده، وهو عند الترمذي والنسائي في تفسيرهما (٦)، وعند ابن جرير وابن أبي حاتم من طرق متعددة، عن الأعمش، به(٧) وقد وافق ابن مسعود على تفسير الآية بهذا، وأن الدخان مضى، جماعة من السلف كمجاهد، وأبي العالية، وإبراهيم النخعي، والضحاك، وعطية العوفي، وهو اختيار ابن جرير.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي، حدثنا جعفر بن مسافر، حدثنا يحيى بن حسان، حدثنا ابن لَهِيعة، حدثنا (٨) عبد الرحمن الأعرج في قوله :﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ قال : كان يوم فتح مكة.
وهذا القول غريب جدًا بل منكر.
وقال آخرون : لم يمض الدخان بعد، بل هو من أمارات(٩) الساعة، كما تقدم من حديث أبي سَرِيحة(١٠) حذيفة بن أسيد الغفاري، رضي الله عنه، قال : أشرف علينا رسول الله ﷺ من غرفة ونحن نتذاكر الساعة، فقال :" لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات : طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدابة، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج عيسى ابن مريم، والدجال، وثلاثة خسوف : خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس- أو : تحشر الناس - : تبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا " تفرد بإخراجه مسلم في صحيحه(١١).
وفي الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال لابن الصياد :" إني خبأت لك خَبْأ " قال : هو الدُّخ. فقال له :" اخسأ فلن تعدو قدرك " قال : وخبأ له رسول الله ﷺ :﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ (١٢).
وهذا فيه إشعار بأنه من المنتظر المرتقب، وابن صياد كاشف على طريقة الكهان بلسان الجان، وهم يُقَرطمون العبارة ؛ ولهذا قال :" هو الدُّخ " يعني : الدخان. فعندها عرف رسول الله ﷺ مادته وأنها شيطانية، فقال له :" اخسأ فلن تعدو قدرك ".
ثم قال ابن جرير : وحدثني عصام بن رَوَّاد بن الجراح، حدثنا أبي، حدثنا سفيان بن سعيد الثوري، حدثنا منصور بن المعتمر، عن رِبْعِي بن حِرَاش قال : سمعت حذيفة بن اليمان يقول(١٣) : قال رسول الله ﷺ :" إن أول الآيات الدجال، ونزول عيسى ابن مريم، ونار تخرج من قعر عدن أبين، تسوق الناس إلى المحشر، تقيل معهم إذا قالوا، والدخان - قال حذيفة : يا رسول الله، وما الدخان ؟ فتلا رسول الله ﷺ هذه الآية :﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ - يملأ ما بين المشرق والمغرب، يمكث أربعين يومًا وليلة، أما المؤمن فيصيبه منه كهيئة الزكمة(١٤)، وأما الكافر فيكون بمنزلة السكران، يخرج من منخريه وأذنيه ودبره " (١٥).
قال ابن جرير : لو صح هذا الحديث لكان فاصلا وإنما لم أشهد له بالصحة ؛ لأن محمد بن خلف العسقلاني حدثني أنه سأل روادا عن هذا الحديث : هل سمعه من سفيان ؟ فقال له : لا قال : فقلت : أقرأته عليه ؟ قال : لا قال : فقلت له : فقرئ عليه وأنت حاضر فأقر به ؟ فقال : لا فقلت له : فمن أين جئت به ؟ فقال : جاءني به قوم فعرضوه علي، وقالوا لي : اسمعه منا. فقرءوه عليَّ ثم ذهبوا به، فحدثوا به عني، أو كما قال (١٦).
وقد أجاد ابن جرير في هذا الحديث هاهنا، فإنه موضوع بهذا السند، وقد أكثر ابن جرير من سياقه في أماكن من هذا التفسير، وفيه منكرات كثيرة جدًا، ولا سيما في أول سورة " بني إسرائيل " في ذكر المسجد الأقصى، والله أعلم.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان، حدثنا الوليد، حدثنا خليل، عن الحسن، عن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال :" يهيج الدخان بالناس، فأما المؤمن فيأخذه كالزكمة، وأما الكافر فينفخه حتى يخرج من كل مسمع منه ".
ورواه سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي سعيد الخدري موقوفًا. ورواه عوف، عن الحسن قوله.
وقال ابن جرير أيضًا : حدثني محمد بن عوف، حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش، حدثني أبي، حدثني ضَمْضَم بن زُرعَة، عن شُريح بن عبيد، عن أبي مالك الأشعري قال : قال رسول الله ﷺ :" إن ربكم أنذركم ثلاثا : الدخان يأخذ المؤمن كالزكمة، ويأخذ الكافر فينتفخ حتى يخرج من كل مسمع منه والثانية الدابة والثالثة الدجال ".
ورواه الطبراني عن هاشم بن يزيد، عن محمد بن إسماعيل بن عياش، به(١٧) وهذا
إسناد جيد.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن صالح بن مسلم، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي، رضي الله عنه، قال : لم تمض آية الدخان بعد، يأخذ المؤمن كهيئة الزكام، وتنفخ الكافر حتى ينفذ.
وروى ابن جرير من حديث الوليد بن جميع، عن عبد الملك بن المغيرة، عن عبد الرحمن بن البيلماني، عن ابن عمر قال : يخرج الدخان فيأخذ المؤمن كهيئة الزكام، ويدخل في مسامع الكافر والمنافق حتى يكون كالرأس الحنيذ، أي : المشوي على الرَّضف.
ثم قال ابن جرير : حدثني يعقوب، حدثنا ابن عُلَيَّة عن ابن جريج(١٨)، عن عبد الله بن أبي مليكة قال : غدوت على ابن عباس، رضي الله عنهما، ذات يوم فقال : ما نمت الليلة حتى أصبحت. قلت : لم ؟ قال : قالوا طلع الكوكب ذو الذنب، فخشيت أن يكون الدخان قد طرق، فما نمت حتى أصبحت (١٩) وهكذا رواه ابن أبي حاتم(٢٠)، عن أبيه، عن ابن عمر، عن سفيان، عن عبد الله بن أبي يزيد، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن ابن عباس فذكره. وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن. وهكذا قول من وافقه من الصحابة والتابعين أجمعين، مع الأحاديث المرفوعة من الصحاح والحسان وغيرهما، التي أوردناها مما فيه مقنع ودلالة ظاهرة على أن الدخان من الآيات المنتظرة، مع أنه ظاهر القرآن.
قال الله تعالى :﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ أي : بين واضح يراه كل أحد. وعلى ما فسر به ابن مسعود، رضي الله عنه : إنما هو خيال رأوه في أعينهم من شدة الجوع والجهد. وهكذا قوله :﴿يَغْشَى النَّاسَ﴾
١ - (٦) في ت: "روى البخاري ومسلم في صحيحيهما"..
٢ - (١) في ت، م: "فقال"..
٣ - (٢) في أ: "واستصعبت"..
٤ - (٣) زيادة من أ..
٥ - (٤) صحيح البخاري برقم (٤٨٢٠) وصحيح مسلم برقم (٢٧٩٨)..
٦ - (٥) في م: "تفسيريهما"..
٧ - (٦) المسند (١/٣٨٠، ٤٣١) وسنن الترمذي برقم (٣٢٥٤) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٤٨١) وتفسير الطبري (٢٥/٦٦).
٨ - (٧) في ت: "وروى ابن أبي حاتم بإسناده عن"..
٩ - (٨) في ت: "آيات"..
١٠ - (٩) في ت: "أبي سريحة في"..
١١ - (١) صحيح مسلم برقم (٢٩٠١)..
١٢ - (٢) صحيح البخاري برقم (٣٠٥٥) وصحيح مسلم برقم (٢٩٣٠) من حديث عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما..
١٣ - (٣) في ت: "وروى ابن أبي حاتم عن حذيفة قال"..
١٤ - (٤) في ت، م: "الزكام"..
١٥ - (٥) تفسير الطبري (٢٥/٦٨) ومن طريقه رواه الثعلبي في تفسيره كما في تخريج أحاديث الكشاف للزيلعي (١١٧٤) والبغوي في معالم التنزيل (٧/٢٣٠)..
١٦ - (٦) تفسير الطبري (٢٥/٦٨)..
١٧ - (١) تفسير الطبري (٢٥/٦٨) والمعجم الكبير (٣/٢٩٢) وقول الحافظ ابن كثير هنا: "هذا إسناد جيد" متعقب فإن لهذه النسخة ثلاث علل: الأولى: محمد بن إسماعيل بن عياش قال أبو حاتم: "لم يسمع من أبيه شيئا، حملوه على أن يحدث فحدث". الثانية: ضمضم بن زرعة، ضعفه أبو حاتم ووثقه ابن معين ومحمد بن إسماعيل بن عياش قال أبو داود: "لم يكن بذاك". الثالثة: شريح بن عبيد، قد كلم في سماعه من أبي مالك الأشعري قال أبو حاتم: "شريح بن عبيد، عن أبي مالك الأشعري مرسل"..
١٨ - (٢) في ت: "وروى ابن أبي حاتم بإسناده"..
١٩ - (٣) تفسير الطبري (٢٥/٦٨)..
٢٠ - (٤) في ت: "ورواه ابن جرير هكذا"، وفي أ: "وهكذا رواه ابن جرير"..

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
﴿فَارْتَقِبْ﴾ أي : انتظر فيهم العذاب فإنه قد قرب وآن أوانه، { يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{١-١٦} ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ * لا إِلَهَ إِلا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأوَّلِينَ * بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ * فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ * أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ * ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ * إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ * يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾.
هذا قسم بالقرآن على القرآن، فأقسم بالكتاب المبين لكل ما يحتاج إلى بيانه أنه أنزله ﴿فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ أي: كثيرة الخير والبركة وهي ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، فأنزل أفضل الكلام بأفضل الليالي والأيام على أفضل الأنام، بلغة العرب الكرام لينذر به قوما عمتهم الجهالة وغلبت عليهم الشقاوة فيستضيئوا بنوره ويقتبسوا من هداه ويسيروا وراءه فيحصل لهم الخير الدنيوي والخير الأخروي ولهذا قال: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ فِيهَا﴾ أي: في تلك الليل الفاضلة التي نزل فيها القرآن ﴿يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ أي: يفصل ويميز ويكتب كل أمر قدري وشرعي حكم الله به، وهذه الكتابة والفرقان، -[٧٧٢]- الذي يكون في ليلة القدر أحد (١) الكتابات التي تكتب وتميز فتطابق الكتاب الأول الذي كتب الله به مقادير الخلائق وآجالهم وأرزاقهم وأعمالهم وأحوالهم، ثم إن الله تعالى قد وكل ملائكة تكتب ما سيجري على العبد وهو في بطن أمه، ثم وكلهم بعد وجوده إلى الدنيا وكل به كراما كاتبين يكتبون ويحفظون عليه أعماله، ثم إنه تعالى يقدر في ليلة القدر ما يكون في السنة، وكل هذا من تمام علمه وكمال حكمته وإتقان حفظه واعتنائه تعالى بخلقه.
﴿أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا﴾ أي: هذا الأمر الحكيم أمر صادر من عندنا.
﴿إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ للرسل ومنزلين للكتب والرسل تبلغ أوامر المرسل وتخبر بأقداره، ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ أي: إن إرسال الرسل وإنزال الكتب التي أفضلها القرآن رحمة من رب العباد بالعباد، فما رحم الله عباده برحمة أجل من هدايتهم بالكتب والرسل، وكل خير ينالونه في الدنيا والآخرة فإنه من أجل ذلك وسببه، ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ أي: يسمع جميع الأصوات ويعلم جميع الأمور الظاهرة والباطنة وقد علم تعالى ضرورة العباد إلى رسله وكتبه فرحمهم بذلك ومن عليهم فله تعالى الحمد والمنة والإحسان.
﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ أي: خالق ذلك ومدبره والمتصرف فيه بما شاء. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ أي: عالمين بذلك علما مفيدا لليقين فاعلموا أن الرب للمخلوقات هو إلهها الحق ولهذا قال: ﴿لا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ أي: لا معبود إلا وجهه، ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أي: هو المتصرف وحده بالإحياء والإماتة وسيجمعكم بعد موتكم فيجزيكم بعملكم إن خيرا فخير وإن شرا فشر، ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ أي: رب الأولين والآخرين مربيهم بالنعم الدافع عنهم النقم.
فلما قرر تعالى ربوبيته وألوهيته بما يوجب العلم التام ويدفع الشك أخبر أن الكافرين مع هذا البيان ﴿فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ أي: منغمرون في الشكوك والشبهات غافلون عما خلقوا له قد اشتغلوا باللعب الباطل، الذي لا يجدي عليهم إلا الضرر.
﴿فَارْتَقِبْ﴾ أي: انتظر فيهم العذاب فإنه قد قرب وآن أوانه، ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ يَغْشَى النَّاسَ﴾ أي: يعمهم ذلك الدخان ويقال لهم: ﴿هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
واختلف المفسرون في المراد بهذا الدخان، فقيل: إنه الدخان الذي يغشى الناس ويعمهم حين تقرب النار من المجرمين في يوم القيامة وأن الله توعدهم بعذاب يوم القيامة وأمر نبيه أن ينتظر بهم ذلك اليوم.
ويؤيد هذا المعنى أن هذه الطريقة هي طريقة القرآن في توعد الكفار والتأني بهم وترهيبهم بذلك اليوم وعذابه وتسلية الرسول والمؤمنين بالانتظار بمن آذاهم.
ويؤيده أيضا أنه قال في هذه الآية: ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ وهذا يقال يوم القيامة للكفار حين يطلبون الرجوع إلى الدنيا فيقال: قد ذهب وقت الرجوع.
وقيل: إن المراد بذلك ما أصاب كفار قريش حين امتنعوا من الإيمان واستكبروا على الحق فدعا عليهم النبي ﷺ فقال: ﴿اللهم أعني عليهم بسنين كسني يوسف﴾ فأرسل الله عليهم الجوع العظيم حتى أكلوا الميتات والعظام وصاروا يرون الذي بين السماء والأرض كهيئة الدخان وليس به، وذلك من شدة الجوع.
فيكون -على هذا- قوله: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ﴾ أن ذلك بالنسبة إلى أبصارهم وما يشاهدون وليس بدخان حقيقة.
ولم يزالوا بهذه الحالة حتى استرحموا رسول الله ﷺ وسألوه أن يدعو الله لهم أن يكشفه الله عنهم فدعا ربه فكشفه الله عنهم، وعلى هذا فيكون قوله: ﴿إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ إخبار بأن الله سيصرفه عنكم وتوعد لهم أن يعودوا إلى الاستكبار والتكذيب وإخبار بوقوعه فوقع وأن الله سيعاقبهم بالبطشة الكبرى، قالوا: وهي وقعة بدر وفي هذا القول نظر ظاهر.
وقيل: إن المراد بذلك أن ذلك من أشراط الساعة وأنه يكون في آخر الزمان دخان يأخذ بأنفاس الناس ويصيب المؤمنين منهم كهيئة الدخان، والقول هو الأول، وفي الآية احتمال أن المراد بقوله: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ أن هذا كله يكون يوم القيامة. -[٧٧٣]-
وأن قوله تعالى ﴿إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ * يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ أن هذا ما وقع لقريش كما تقدم وإذا نزلت هذه الآيات على هذين المعنيين لم تجد في اللفظ ما يمنع من ذلك
بل تجدها مطابقة لهما أتم المطابقة وهذا الذي يظهر عندي ويترجح والله أعلم
{١٧-٣٣} ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ إلى آخر القصة.
(٢) لما ذكر تعالى تكذيب من كذب الرسول محمدا ﷺ ذكر أن لهم سلفا من المكذبين، فذكر قصتهم مع موسى وما أحل الله بهم ليرتدع هؤلاء المكذبون عن ما هم عليه فقال: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ أي: ابتليناهم واختبرناهم بإرسال رسولنا موسى بن عمران إليهم الرسول الكريم الذي فيه من الكرم ومكارم الأخلاق ما ليس في غيره.
﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ﴾ أي: قال لفرعون وملئه: أدوا إلي عباد الله، يعني بهم: بني إسرائيل أي: أرسلوهم وأطلقوهم من عذابكم وسومكم إياهم سوء العذاب فإنهم عشيرتي وأفضل العالمين في زمانهم.
وأنتم قد ظلمتموهم واستعبدتموهم بغير حق فأرسلوهم ليعبدوا ربهم، ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ أي: رسول من رب العالمين أمين على ما أرسلني به لا أكتمكم منه شيئا ولا أزيد فيه ولا أنقص وهذا يوجب تمام الانقياد له.
(١) في النسختين (أحد) ولعل الصواب (إحدى).
(٢) في نسخة (ب) ذكر الآيات كاملة.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٠١ كتاب)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مجاهد — مجاهد بن جبر غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان معاني القرآن — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى تفسير القرآن — الصنعاني غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري تفسير النسائي — النسائي تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كتاب نزهة القلوب — أبى بكر السجستاني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
فَارْتَقِبْ
انْتَظِرْ بِهَؤُلَاءِ المُشْرِكِينَ.

إعراب الآية ١٠ من سورة الدّخان

من كتاب: إعراب القرآن

[سورة الدخان (٤٤) : آية ٦]

رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦)
رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ في نصبه خمسة أقوال: قال الأخفش: هو نصب على الحال. وقدّره الفراء «١» مفعولا على أنه منصوب بمرسلين، وجعل الرحمة للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم. وقال أبو إسحاق:
يجوز أن يكون رحمة مفعولا من أجله. وهذا أحسن ما قيل في نصبها. وقيل: هي بدل من أمر، والقول الخامس: أنها منصوبة على المصدر. إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ يكون «هو» زائدا فاصلا، ويجوز أن يكون مبتدأ و «السميع» خبره والْعَلِيمُ من نعته.

[سورة الدخان (٤٤) : الآيات ٧ الى ٩]

رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٧) لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٨) بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (٩)
رَبِّ السَّماواتِ نعت للسميع، ويجوز أن يكون مرفوعا على إضمار مبتدأ. وهذه قراءة المدنيين والبصريين سوى الحسن فإنه والكوفيين قرءوا رب السماوات «٢» على البدل بمعنى رحمة من ربّك ربّ السّموات، وكذا ربكم ورب آبائكم الأولين بالرفع والخفض.

[سورة الدخان (٤٤) : آية ١٠]

فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ (١٠)
وسمع من العرب في جمع دخان دواخن. وزعم القتبيّ أنه لم يأت على هذا إلّا دخان وعثان. قال أبو جعفر: وهذا القول ليس بشيء عند النحويين الحذاق وإنما دواخن جمع داخنة وهذا قول الفراء نصا وكلّ من يوثق بعلمه، وحكى الفراء: دخنت النار فهي داخنة إذا أتت بالدخان.

[سورة الدخان (٤٤) : الآيات ١١ الى ١٢]

يَغْشَى النَّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ (١١) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢)
قال أبو إسحاق: أي يقول الناس الذين أصابهم الجدب «هذا عذاب أليم».

[سورة الدخان (٤٤) : الآيات ١٣ الى ١٤]

أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (١٤)
أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى في موضع رفع بالابتداء على قول سيبويه، وعلى قول غيره بإضمار فعل. قال أبو الحسن بن كيسان: «أنّى» تجتذب معنى «أين» «وكيف» أي من أي المذاهب وعلى أي حال، ومنه قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا [ال عمران: ٣٧] أي من أي المذاهب وعلى أي حال.

[سورة الدخان (٤٤) : آية ١٥]

إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عائِدُونَ (١٥)
إِنَّا أصله إنّنا فحذفت النون تخفيفا. كاشِفُوا الْعَذابِ الأصل كاشفون حذفت
(١) انظر معاني الفراء ٣/ ٣٩.
(٢) انظر تيسير الداني ١٦٠، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٥٩٢.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

سبب نزول الآية ١٠ من سورة الدّخان

من كتاب: المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة

سورة الدخان
١٥٥ - قال اللَّه تعالى: (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (١٤) إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (١٦)
* سَبَبُ النُّزُولِ:
أخرج البخاري ومسلم وأحمد والنَّسَائِي عن مسروق قال: جاء إلى عبد الله رجل فقال: تركت في المسجد رجلاً يفسر القرآن برأيه يفسر هذه الآية (يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ) قال: يأتي الناس يوم القيامة دخان فيأخذ بأنفاسهم حتى يأخذهم منه كهيئة الزكام، فقال عبد الله: من علم علماً فليقل به، ومن لم يعلم فليقل: اللَّه أعلم، فإن من فقه الرجل أن يقول لما لا علم له به: اللَّه أعلم، إنما كان هذا أن قريشاً لما استعصت على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دعا عليهم بسنين كسني يوسف. فأصابهم قحط وجهد. حتى جعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد. وحتى أكلوا العظام فأتى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رجل، فقال: يا رسول الله استغفر اللَّه لِمُضَرَ فإنهم قد هلكوا فقال: (لمضر إنك لجريء) قال: فدعا اللَّه لهم، فأنزل الله - عزَّ وجلَّ -: (إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ) قال: فمطروا، فلما أصابتهم الرفاهية، قال: عادوا إلى ما كانوا عليه. قال فأنزل الله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ) (يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ) قال: يعني يوم بدر.
وفي لفظ للبخاري: فذلك قوله تعالى: (يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ) - إلى قوله جل ذكره - (إِنَّا مُنْتَقِمُونَ).
وفي لفظ له أيضاً: (ثم قرأ: (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ) حتى بلغ (إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ). قال عبد الله: أفيكشف عنهم العذاب يوم القيامة).
* دِرَاسَةُ السَّبَبِ:
هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية الكريمة. وقد ذكر جمهور المفسرين
هذا الحديث وغيره من الأحاديث الواردة في شأن الدخان فمنهم من اختار حديث ابن مسعود هذا كالطبري وابن عطية وابن عاشور.
قال الطبري: (وأولى القولين بالصواب في ذلك ما رُوي عن ابن مسعود من أن الدخان الذي أمر الله نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يرتقبه هو ما أصاب قومه من الجهد بدعائه عليهم؛ لأن اللَّه جل ثناؤه توعد بالدخان مشركي قريش وأن قوله لنبيه محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ) في سياق خطاب اللَّه كفار قريش وتقريعه إياهم بشركهم بقوله: (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٨) بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ)، ثم اتبع ذلك قوله لنبيه - عليه الصلاة والسلام - (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ) أمرا منه له بالصبر إلى أن يأتيهم بأسه، وتهديدًا للمشركين فهو بأن يكون إذ كان وعيدًا لهم قد أحله بهم أشبه من أن يكون أخره عنهم لغيرهم.
وبعد فإنه غير منكر أن يكون أَحلَّ بالكفار الذين توعدهم بهذا الوعيد ما توعدهم ويكون مُحِلًّا فيما يستأنف بعد بآخرين دخانًا على ما جاءت به الأخبار عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عندنا كذلك لأن الأخبار عن رسول اللَّه - ﷺ - قد تظاهرت بأن ذلك كائن) اهـ بتصرف.
وقال ابن عطية: (وقالت فرقة منها عبد اللَّه بن مسعود وأبو العالية وإبراهيم النخعي هو الدخان الذي رأته قريش حين دعا عليهم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بسبع كسبع يوسف... حتى قال: وما يأتي من الآيات يقوي هذا التأويل) اهـ.
وقال ابن عاشور: (فالمراد بالناس من قوله: (يَغْشَى النَّاسَ) هم المشركون كما هو الغالب في إطلاق لفظ الناس في القرآن، وأنه يكشف زمنًا قليلاً عنهم عذارا لهم لعلهم يؤمنون وأنهم يعودون بعد كشفه إلى ما كانوا عليه، وأن الله يعيده عليهم كما يؤذن بذلك قوله: (إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا) وكل ذلك يؤذن بأن العذاب بالدخان يقع في الدنيا وأنه مستقبل قريب، وإذ قد كانت
الآية مكية تعين أن هذا الدخان الذي هو عذاب للمشركين لا يصيب المؤمنين لقوله تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)، فتعين أن المؤمنين يوم هذا الدخان غير قاطنين بدار الشرك، فهذا الدخان قد حصل بعد الهجرة لا محالة، وتعين أنه قد حصل قبل أن يسلم المشركون الذين بمكة وما حولها فيتعين أنه حصل قبل فتح مكة أو يوم فتح مكة على اختلاف الأقوال.
والأصح أن هذا الدخان عُني به ما أصاب المشركين من سني القحط بمكة بعد هجرة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى المدينة، والأصح في ذلك حديث عبد اللَّه بن مسعود في صحيح البخاري ثم ساق الحديث حتى قال: وعلى هذه الرواية يكون قوله تعالى: (يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ) تمثيلاً لهيئة ما يراه الجائعون من شبه الغشاوة على أبصارهم حين ينظرون في الجو بهيئة الدخان النازل من الأفق) اهـ بتصرف.
ومنهم من اختار أن الدخان لم يأتِ بعد وأنه من الآيات المنتظرة كابن كثير والسعدي.
قال ابن كثير: (قال ابن جرير: ثم ساق الإسناد إلى عبد الله بن أبي مليكة قال: غدوت على ابن عبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - ذات يوم فقال ما نمتُ الليلة حتى أصبحت قلت: لم؟ قال: قالوا: طلع الكوكب ذو الذنب فخشيت أن يكون الدخان قد طرق فما نمتُ حتى أصبحت) وهكذا رواه ابن أبي حاتم، وهذا إسناد صحيح إلى ابن عبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - حبر الأمة وترجمان القرآن، وهكذا قول من وافقه من الصحابة والتابعين - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أجمعين مع الأحاديث المرفوعة من الصحاح والحسان وغيرهما التي أوردوها مما فيه مقنع ودلالة ظاهرة على أن الدخان من الآيات المنتظرة مع أنه ظاهر القرآن. قال الله تبارك وتعالى: (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ) أي بيّن واضح يراه كل أحد، وعلى ما فسر به ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إنما هو خيال رأوه في أعينهم من شدة الجوع والجهد، وهكذا قوله تعالى: (يَغْشَى النَّاسَ) أي يتغشاهم ويعميهم، ولو كان
أمراً خيالياً يخص أهل مكة المشركين لما قيل فيه: (يَغْشَى النَّاسَ) وقوله تعالى: (هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ) أي يقال لهم ذلك تقريعاً وتوبيخاً كقوله - عَزَّ وَجَلَّ - (يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤)، أو يقول بعضهم لبعض ذلك. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ - (رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ) أي يقول الكافرون إذا عاينوا عذاب الله وعقابه سائلين رفعه وكشفه عنهم كقوله جلت عظمته (وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)، وكذا قوله جل وعلا: (وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (٤٤)، وهكذا قال جل وعلا هاهنا: (أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ) وهذا كقوله جلت عظمته: (يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى)، وكقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٥١) وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٥٢).
وقوله تعالى: (إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ) يحتمل معنيين أحدهما أنه يقول تعالى ولو كشفنا عنكم العذاب ورجعناكم إلى الدار الدنيا لعدتم إلى ما كنتم فيه من الكفر والتكذيب كقوله تعالى: (وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ)، وكقوله جلت عظمته: (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨).
والثاني: أن يكون المراد إنا مؤخروا العذاب عنكم قليلاً بعد انعقاد أسبابه ووصوله إليكم، ولا يلزم من الكشف عنهم أن يكون باشرهم كقوله تعالى: (إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ)، ولم يكن العذاب باشرهم واتصل بهم، بل كان قد انعقد سببه عليهم) اهـ بتصرف.
وقال السعدي: (واختلف المفسرون بهذا الدخان فقيل إنه الدخان، الذي يغشى الناس ويعمهم، حين تقرب النار من المجرمين في يوم القيامة، وأن الله توعدهم بعذاب يوم القيامة وأمر نبيه أن ينتظر بهم ذلك اليوم. ويؤيد هذا
المعنى أن هذه الطريقة هي طريقة القرآن في توعد الكفار والتأني بهم، وترهيبهم بذلك اليوم وعذابه، وتسلية الرسول والمؤمنين بالانتظار بمن آذاهم.
ويؤيده أيضاً أنه قال في هذه الآية: (أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ) وهذا يقال يوم القيامة للكفار حين يطلبون الرجوع إلى الدنيا فيقال قد ذهب وقت الرجوع. وهذا يتناول قوله: (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ) إلى قوله (ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ) فهذا كله يوم القيامة.
وأن قوله: (إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ) أن هذا ما وقع لقريش.
وإذا نزلت هذه الآيات على هذين المعنيين لم تجد في اللفظ ما يمنع من ذلك بل تجدها مطابقةً لهما أتم المطابقة، وهذا الذي يظهر عندي ويترجح والله أعلم) اهـ بتصرف.
وقال عن حديث ابن مسعود: (وفي هذا القول نظر ظاهر).
ولما ذكر القول بأن الدخان من أشراط الساعة وأنه يكون في آخر الزمان قال: (والقول هو الأول) اهـ.
ومن المفسرين من ذكر الأحاديث في هذا الشأن لكن لم يذكر قوله فيها أو اختياره كالبغوي والقرطبي.
وقال أبو العباس القرطبي متعقباً قول ابن مسعود: (لا شك في أن تسمية هذا دخاناً تجوز، وحقيقة الدخان، ما ذكر في حديث أبي سعيد، والذي حمل عبد اللَّه بن مسعود على هذا الإنكار قوله: (رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ) وقوله: (إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ) ولذلك قال أفيكشف عذاب الآخرة؟ وهذا لا دليل فيه على نفي ما قاله ذلك القائل، لأن حديث أبي سعيد إنما دلّ على أن ذلك الدخان يكون من أشراط الساعة قبل أن تقوم القيامة، فيجوز انكشافه كما تنكشف فتن الدجال ويأجوج ومأجوج، وأما الذي لا ينكشف فعذاب الكافر بعد الموت فلا معارضة بين الآية والحديث) اهـ بتصرف يسير.
أما الحافظ ابن حجر فإنه لما ذكر بعض الآثار عن الصحابة والتابعين في عدم حصول آية الدخان وفي أسانيد بعضها ضعف قال: (لكن تضافر هذه الأحاديث يدل على أن لذلك أصلاً) اهـ.
وإذا أردنا أن نختصر حجج الفريقين فإننا نقول إن الذين احتجوا بحديث ابن مسعود استدلوا بدليلين: الأول: أن الله قال في سياق الآيات: (إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ) وعذاب الآخرة لا يكشف.
الثاني: أن سياق الآيات في مخاطبة المشركين لقوله تعالى: (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ)،
وأما الذين ذهبوا إلى أن الدخان من الآيات المنتظرة فاستدلوا بما يلي:
أولاً: أن هذا اختيار أكثر الصحابة والتابعين.
ثانياً: أن الأحاديث المرفوعة من الصحاح والحسان تدل على أن الدخان منتظر.
ثالثاً: أن هذا هو ظاهر القرآن لقوله (بِدُخَانٍ مُبِينٍ).
وسأناقش الأقوال مستعيناً باللَّه تعالى فأقول:
أولاً: أن هذا العذاب لو كان في الآخرة فإنه لا يكشف فدل على أنه في الدنيا، وهذا صحيح أن عذاب الآخرة لا يكشف لكن من قال إن الدخان في الآخرة؟ النصوص تدل على خلاف هذا وستأتي إن شاء اللَّه.
وبناء على ما تقدم فالخطأ في النتيجة مبني على الخطأ في المقدمة.
ثانياً: أن سياق الآيات في مخاطبة المشركين وهذا حق لا إشكال فيه ولا يلزم من كون الآيات في سياق مخاطبتهم أن يفسر الدخان بما ذكره ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بل غاية ما في الأمر أن الآيات تخاطبهم وتهددهم بعذاب الله سواءً أكان في الدنيا أو في الآخرة أو فيما بين ذلك، أما تحديد زمنه فلا يستفاد من مجرد السياق بل تحدده دلائل وقرائن أخر.
أما من ذهب إلى أن الدخان منتظر فاستدلوا بما يلي:
أولاً: أن هذا اختيار أكثر الصحابة والتابعين وهذا صحيح فقد ذهب إلى هذا علي بن أبي طالب، وابن عبَّاسٍ، وابن عمر، وأبو سعيد الخدري وأبو هريرة، وحذيفة بن اليمان، وأبو مالك الأشعري، وحذيفة بن أسيد الغفاري، وزيد بن علي، والحسن، وابن أبي مُليكة وغيرهم، والكثرة قرينة على الصواب، كيف لا وبينهم عدد من كبار الصحابة.
ثانياً: أن الأحاديث المرفوعة من الصحاح والحسان تدل على أن الدخان منتظر وهذا أيضاً حق فمن ذلك:
أولاً: عن حذيفة بن أَسيد الغفاري قال: اطلع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - علينا ونحن نتذاكر. فقال: (ما تذاكرون)؟ قالوا: نذكر الساعة قال: (إنها لن تقوم حتى ترونَ قبلها عشر آيات) فذكر الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ويأجوج ومأجوج وثلاثة خسوف خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم.
ثانياً: عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (بادروا بالأعمال ستاً: الدجال، والدخان، ودابة الأرض، وطلوع الشمس من مغربها، وأمر العامة، وخويصةَ أحدكم).
ثالثاً: عن أبي مالك الأشعري - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (إن ربكم أنذركم ثلاثاً الدخان يأخذ المؤمن كالزكمة، ويأخذ الكافر فينتفخ حتى يخرج من كل مسمع منه، والثانية الدابة، والثالثة الدجال).
رابعاً: عن عبد اللَّه بن أبي مليكة قال: غدوت على ابن عبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - ذات يوم فقال: ما نمتُ الليلة حتى أصبحت. قلت: لم؟ قال: قالوا طلع الكوكب ذو الذنب فخشيت أن يكون الدخان قد طرق فما نمتُ حتى أصبحت.
ثالثاً: أن هذا هو ظاهر القرآن لأن اللَّه وصف الدخان بأنه مبين، وعلى قول ابن مسعود إنما هو خيال رأوه في أعينهم من شدة الجوع والجهد، وفرق بين البيِّن الواضح، والخيال.
فإن قيل: ما الجواب عن قوله: (إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ)؟
فالجواب: أن ابن كثير أجاب بجوابين:
الأول: (أننا لو كشفنا العذاب لعدتم لما كنتم فيه من الكفر) وهذا مدفوع بأن اللَّه أخبر أنه سيكشف العذاب ثم يعودون، ومقتضى قوله: أن الله لن يكشفه عنهم لأنه لو كشفه عادوا.
الثاني: (أننا مؤخرو العذاب قليلاً بعد انعقاد أسبابه) وهذا مدفوع بأن اللَّه أخبر عن مجيء العذاب وأنه يغشى الناس حتى يقال هذا عذاب أليم، ومقتضى قول ابن كثير أن العذاب يرجأُ وإن انعقدت أسبابه.
أما جواب السعدي عن هذه الآية فهي أنها في قريش خاصة بينما المراد بقوله: (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ) إنما هو يوم القيامة فهذا قول بعيد لا يسعفه سياق القرآن؛ لأن المراد بقوله: (إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا) هو الدخان المبين؛ لأن اللَّه وصفه بقوله: (هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ) فإذا كان المراد بالعذاب في الآيتين هو الدخان فكيف تكون الأولى يوم القيامة، والثانية في قريش؟
فإن قال قائل: ما الصواب إذن في معنى الآية؟
فالجواب: أن جملة الآيات يدور حديثها على علامة من علامات الساعة الكبرى التي تسبقها وهو الدخان الذي دلت على مجيئه أحاديث صحيحة لا مطعن فيها. ففي حديث حذيفة الغفاري عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قوله: (إنها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر آيات فذكر منها الدخان) وهذا نص في أن الدخان يسبق يوم القيامة.
أما قوله: (إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ) فقد قال أبو العباس القرطبي - رحمه الله -: (فيجوز انكشاف الدخان كما تنكشف فتن الدجال، ويأجوج وما جوج). اهـ.
وأما قوله: (يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ) فيوم البطشة هو
يوم القيامة الذي يتبع الدخان وسائر الآيات الكبرى، وهذا هو قول ابن عبَّاسٍ والحسن البصري وعكرمة.
فعن عكرمة قال: قال ابن عبَّاسٍ: قال ابن مسعود: البطشة الكبرى يوم بدر وأنا أقول هي يوم القيامة.
وإذا فسرت الآيات على هذا النحو خلت من التعارض والاضطراب وسلمت من التكلف وحصل من ذلك تفسير القرآن بالسنة والنظر الصحيح.
وبما تقدم يتبين أن التصريح بنزول الآية لا يتفق مع التفسير الذي اخترناه لأن المختار أن الجميع يتحدث عن آية الدخان التي تسبق الساعة، والنزول على تفسير ابن مسعود إنما يتناول القحط الذي أصاب قريشاً مع غزوة بدر.
وإذا كان الراجح في تفسير الآية يمنع القول بسبب النزول، فكذلك دراسة الإسناد قد تبين من خلالها أن التصريح بالنزول شاذ غير محفوظ، وتفصيله بيِّن في موضعه.
* النتيجة:
أن الحديث المذكور ليس سبباً لنزول الآيات الكريمة لأن التصريح بنزول الآية غير محفوظ، بل هو شاذ كما أن سياق الآيات يدل على تأخر الدخان، وعلى هذا أكثر المفسرين والله أعلم.
* * * * *
سورة الأحقاف

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٢٩ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

٢٦ قولًا
١
عن ابن أبي مُلَيْكَة، قال: دخلتُ على ابن عباس، فقال: لم أنَم هذه الليلة. فقلتُ: لِمَ؟ قال: طلع الكوكب ذو الذّنب؛ فخشيتُ أن يطرُق الدّخانُ١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ٢‏/‏٢٠٦، وابن جرير ٢١‏/‏١٨-١٩، وإسحاق البستي ص٣٢٤، وابن أبي حاتم -كما في تفسير ابن كثير ٧‏/‏٢٣٥-، والحاكم ٤‏/‏٤٥٩ وعنده: «الدّجّال» بدلًا من «الدخان».
٢
عن عبد الله بن عمر -من طريق عبد الرحمن بن البيلماني- قال: يخرج الدُّخان، فيأخذ المؤمن كهيئة الزّكْمة، ويدخل في مسامع الكافر والمنافق، حتى يكون كالرأس الحنيذ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢١‏/‏١٨.
٣
عن أبي سعيد الخدري -من طريق الحسن- قال: يهيج الدُّخان بالناس، فأمّا المؤمن فيأخذه كهيئة الزّكْمة، وأما الكافر فيَنفُخه حتى يخرج من كل مِسمع منه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢١‏/‏١٨. وعزاه السيوطي إلى عَبد بن حُمَيد.
٤
عن أبي العالية الرِّياحي -من طريق عوف- قال: مضى الدُّخان، والبطْشة الكُبرى يوم بدر١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢١‏/‏١٧، ٢٦، وإسحاق البستي ص٣٢٧ من طريق ابن عون. وعزاه السيوطي إلى عَبد بن حُمَيد.
٥
عن إبراهيم النَّخعي -من طريق مغيرة- قال: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ مضى الدُّخان لسنين أصابتهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢١‏/‏١٧.
٦
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾، قال: الجدْب، وإمساك المطر عن كفار قريش١
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد ص٥٩٧، وأخرجه ابن جرير ٢١‏/‏١٧. وذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ٤‏/‏٢٠٠-. وعزاه السيوطي إلى عَبد بن حُمَيد، وابن المنذر.
٧
عن الضَّحّاك بن مُزاحِم -من طريق عبيد- ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾: قد مضى شأن الدُّخان١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢١‏/‏١٨.
٨
عن الحسن البصري -من طريق عوف- قال: الدُّخان قد بقي، وهو من الآيات، فإذا جاء الدخان نفخ الكافرَ، حتى يخرج مِن كلِّ سمع من مسامعه، ويأخذ المؤمن كزَكْمة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢١‏/‏١٩. وعزاه السيوطي إلى عَبد بن حُمَيد مختصرًا.
٩
عن الأعرج -من طريق ابن لهيعة- ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾، قال: كان يوم فتح مكة١٢
التخريج
  1. ١أخرجه إسحاق البستي ص٣٢٥، وابن أبي حاتم -كما في تفسير ابن كثير ٧‏/‏٢٣٣-.
تعليقات المحققين
  1. ٢انتقد ابنُ كثير (١٢/٣٣٦) قول الأعرج بقوله: «وهذا قول غريب جدًّا، بل منكر».
١٠
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فارْتَقِبْ﴾... وذلك أنّ النبي ﷺ دعا اللهَ على كفار قريش، فقال: «اللهم، أعِنِّي عليهم بسبْع سنين كسني يوسف». فأصابتهم شِدّة، حتى أكلوا العظام والكلاب والجِيَف مِن شِدّة الجوع، فكان الرجل يرى بينه وبين السماء الدُّخان من الجوع، فذلك قوله: ﴿فارْتَقِبْ﴾ يقول: فانتَظِر، يا محمد ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ عذاب أليم، ﴿يَغْشى النّاسَ﴾ يعني: أهل مكة، ﴿هَذا﴾ الجوع ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾ يعني: وجيع١٢
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏٨١٨.
تعليقات المحققين
  1. ٢اختلف المفسّرون في وقت الدخان على ثلاثة أقوال: الأول: أنه الدُّخان الذي رأته قريش حين دعا عليهم رسول الله ﷺ بسبع كسبع يوسف عليه السلام، فأصابهم جوع، فكانوا يرون بينهم وبين السماء كهيئة الدُّخان من الجوع. وهو قول ابن مسعود، وأبي العالية، وإبراهيم النخعي، ومجاهد، والضّحّاك، ومقاتل. الثاني: دُخان يجيء قبل القيامة فيأخذ بأنفاس الكفار، ويأخذ المؤمنين منه كهيئة الزكام. وهو قول علي بن أبي طالب، وأبي سعيد الخدري، وابن عمر، وابن عباس، والحسن. الثالث: أنه كان يوم فتح مكة. وهو قول أبي هريرة، والأعرج. وقد رجَّح ابنُ جرير (٢١/٢٠) -مستندًا إلى السياق- القول الأول، وعلَّل ذلك بقوله: «لأنّ الله -جل ثناؤه- توعّد بالدخان مشركي قريش، وأنّ قوله لنبيه ﷺ: ﴿فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين﴾ في سياق خطاب الله كفار قريش، وتقريعه إياهم بشركهم بقوله: ﴿لا إله إلا هو يحيي ويميت ربكم ورب آبائكم الأولين بل هم في شك يلعبون﴾، ثم أتبع ذلك قوله لنبيه -عليه الصلاة والسلام-: ﴿فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين﴾ أمرًا منه له بالصبر إلى أن يأتيهم بأسه وتهديدًا للمشركين، فهو بأن يكون إذ كان وعيدًا لهم قد أحلَّه بهم أشبه مِن أن يكون أخَّرَهُ عنهم لغيرهم». وعلَّق ابنُ عطية (٧/٥٧١) على القول الأول بقوله: «وما يأتي من الآيات يقوي هذا التأويل». ورجَّح ابنُ كثير (١٢/٣٣٩) -مستندًا إلى ظاهر القرآن، والسنة، والدلالة العقلية- القول الثاني، وانتقد الأول، فقال بعد أن أورد عدة أحاديث وآثار فيه، ومنها قول ابن عباس من طريق ابن أبي مليكة: «وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس، وهكذا قول مَن وافقه مِن الصحابة والتابعين أجمعين، مع الأحاديث المرفوعة مِن الصّحاح والحسان وغيرهما، التي أوردناها مما فيه مقنع ودلالة ظاهرة على أن الدُّخان من الآيات المنتظرة، مع أنه ظاهر القرآن، قال الله تعالى: ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ أي: بيّن واضح يراه كل أحد. وعلى ما فسّر به ابن مسعود رضي الله عنه: إنما هو خيال رأوه في أعينهم من شدة الجوع والجَهد. وهكذا قوله: ﴿يَغْشى النّاسَ﴾ أي: يتغشاهم ويَعُمهم، ولو كان أمرًا خياليًّا يخصّ أهل مكة المشركين لما قيل فيه: ﴿يَغْشى النّاسَ﴾». وجعل ابنُ جرير (٢١/٢٠-٢١) الحكم بصحة القول الثاني متوقفة على صحة حديث حذيفة المُثبت لكون النبي ﷺ فسّر الدُّخان في الآية بدخان يوم القيامة، ثم انتقد صحة الحديث بقوله: «وإنما لم أشهد له بالصحة لأن محمد بن خلف العسقلاني حدثني أنه سأل روّادًا عن هذا الحديث: هل سمعه من سفيان؟ فقال له: لا. فقلت له: فقرأته عليه؟ فقال: لا. فقلت له: فقرئ عليه وأنت حاضر فأقرَّ به؟ فقال: لا. فقلت: فمِن أين جئتَ به؟ قال: جاءني به قومٌ، فعرضوه عليَّ، وقالوا لي: اسمعه منّا. فقرءوه عليَّ، ثم ذهبوا، فحدّثوا به عنِّي، أو كما قال». وعلَّق ابنُ كثير (١٢/٣٣٧) على انتقاده للحديث بقوله: «وقد أجاد ابنُ جرير في هذا الحديث هاهنا، فإنه موضوع بهذا السند، وقد أكثر ابنُ جرير من سياقه في أماكن مِن هذا التفسير، وفيه منكرات كثيرة جدًّا، ولا سيما في أول سورة بني إسرائيل في ذكر المسجد الأقصى». ثم بيَّن ابنُ جرير أنّ انتقاده لا يُراد به إنكار وقوع الدُّخان في المستقبل -لثبوت ذلك في السنة-، وإنما كان انتقاده متجهًا إلى تفسير الآية به، فقال: «وبعد، فإنه غير منكر أن يكون أحلَّ بالكفار الذين توعّدهم بهذا الوعيد ما توعدهم، ويكون مُحِلًّا فيما يُستأنَفُ بعد بآخرين دُخانًا على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله ﷺ عندنا كذلك؛ لأن الأخبار عن رسول الله ﷺ قد تظاهرت بأن ذلك كائن، فإنه قد كان ما روى عنه عبد الله بن مسعود، فكلا الخبرين اللذين رُويا عن رسول الله ﷺ صحيح، وإن كان تأويل الآية في هذا الموضع ما قلنا». وقال ابنُ عطية (٧/٥٧٢): «ويحتمل إن صحَّ حديثُ حُذيفة أن يكون قد مرَّ دُخان، ويأتي دُخان آخر».
١١
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- ﴿فارْتَقِبْ﴾: أي: فانتَظِر١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢١‏/‏١٣، وأخرجه عبد بن حميد -كما في تغليق التعليق ٤‏/‏٣١٠- من طريق شيبان.
١٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فارْتَقِبْ﴾ فانتَظِر، يا محمد١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏٨١٨.
١٣
عن حُذيفة بن اليمان مرفوعًا: «أولُ الآيات: الدَّجّال، ونزول عيسى ابن مريم، ونار تَخرج مِن قعْر عدَن أبْيَن تسوق الناس إلى المحشر، تَقِيل معهم إذا قالوا، والدّخان». قال حذيفة: يا رسول الله، وما الدّخان؟ فتلا رسولُ الله ﷺ: «﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ يملأ ما بين المشرق والمغرب، يمكث أربعين يومًا وليلة، أمّا المؤمن فيصيبه منه كهيئة الزُّكْمة، وأمّا الكافر بمنزلة السّكران يخرج مِن مَنخريه وأُذُنيه ودُبره»١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢١‏/‏١٩-٢٠. قال ابنُ جرير عقب هذا الحديث: «لم أشهد له بالصحة». وقال ابن كثير في تفسيره ٧‏/‏٢٤٨ معقّبًا على كلام ابن جرير: «وقد أجاد ابنُ جرير في هذا الحديث هاهنا، فإنه موضوع بهذا السند، وقد أكثر ابن جرير من سياقه في أماكن من هذا التفسير، وفيه منكرات كثيرة جدًّا». وقال ابن حجر في الفتح ٨‏/‏٥٧٣: «إسناده ضعيف». وقال الألباني في الضعيفة ١٤‏/‏١٢٢ (٦٥٥٠): «موضوع بهذا التمام».
١٤
عن عبد الله بن مسعود -من طريق أبي عبيدة- قال: آية الدُّخان قد مضت١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
١٥
عن عبد الله بن مسعود -من طريق أبي الأحوص، وأبي عبيدة-: الدُّخانُ جوعٌ أصاب قريشًا، حتى كان أحدُهم لا يبصر السماءَ مِن الجوع١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
١٦
عن عبد الله بن مسعود -من طريق عتبة- قال: الدّخان قد مضى، كان أناسٌ أصابهم مَخْمصة وجوع شديد، حتى كانوا يرون الدُّخان فيما بينهم وبين السماء١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
١٧
عن عبد الله بن مسعود -من طريق مسروق- قال: خمسٌ قد مضين: الدخان، والقمر، والروم، والبطشة، واللِّزام١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري (٢٨٢٤، ٤٧٦٧، ٤٨٢٥)، ومسلم (٢٧٩٨)، والنسائي في الكبرى (١١٣٧٤)، وابن جرير ١٧‏/‏٥٣٨، والطبراني (٩٠٤٩). وعزاه السيوطي إلى الفريابي، وسعيد بن منصور، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل. وأخرجه إسحاق البستي ص٣٢٧، والبغوي ٧‏/‏٢٢٩ بلفظ: خمس قد مَضَيْن: انشقّ القمر، ويوم تأتي السماء بدُخان مبين، ويوم نبطش البطشة الكبرى، والم غُلبت الروم، وسوف يكون لزامًا.
١٨
قال عبد الله بن مسعود -من طريق محمد بن سيرين-: كلّ ما وعدنا الله ورسوله فقد رأيناه، غير أربع: طلوع الشمس من مغربها، والدَّجّال، ودابّة الأرض، ويأجوج ومأجوج؛ فأما الدُّخان فقد مضى وكان سنين كسني آل يوسف، وأما القمر فقد انشقّ على عهد رسول الله ﷺ، وأما البطْشة الكُبرى فيوم بدر١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عَبد بن حُمَيد.
١٩
عن عبد الله بن مسعود -من طريق أبي وائل- ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾، قال: جوع أصاب الناس بمكة١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
٢٠
عن قتادة: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾، قال: كان ابن مسعود يقول: قد مضى الدُّخان، وكان سنين كسني يوسف ﴿يَغْشى النّاسَ هَذا عَذابٌ ألِيمٌ﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢١‏/‏٢٤.
٢١
عن ابن مسعود، قال: لما رأى رسول الله ﷺ مِن الناس إدبارًا قال: «اللهم، سبْعٌ كسبْع يوسف». فأخذتْهم سَنة حتى أكلوا الميتة والجلود والعظام، فجاءه أبو سفيان وناسٌ من أهل مكة، فقالوا: يا محمد، إنّك تزعمُ أنّك قد بُعِثتَ رحمةً، وإنّ قومك قد هلكوا؛ فادعُ الله لهم. فدعا رسولُ الله ﷺ، فسُقوا الغيث، فأطبقتْ عليهم سبْعًا، فشكا الناسُ كثرة المطر، فقال: «اللهم، حَواليْنا ولا علينا». فانحدرت السحابة على رأسه، فسُقي الناس حولهم، قال: لقد مضتْ آية الدُّخان، وهو الجوع الذي أصابهم، وهو قوله: ﴿إنّا كاشِفُو العَذابِ قَلِيلًا إنَّكُمْ عائِدُونَ﴾ [الدخان:١٥]، وآية اللّزام، والبطْشة الكُبرى، وانشقاق القمر، وذلك كلّه يوم بدر١
التخريج
  1. ١أخرجه الترمذي بنحوه ٥‏/‏٢٣٢، والبيهقي في السنن الكبرى ٣‏/‏٣٥٢، من طرق، عن منصور، عن أبى الضحى، عن مسروق، عن ابن مسعود به. قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح». وفي إسناد البيهقي، وهو الذي رواه بهذا السياق: أسباط بن نصر، قال عنه ابن حجر في التقريب (٣٢١): «صدوق، كثير الخطأ». وأصل الحديث أخرجه البخاري ٢‏/‏٢٦ (١٠٠٧)، ٦‏/‏١٣٢ (٤٨٢٤)، ومسلم ٤‏/‏٢١٥٥ (٢٧٩٨).
٢٢
عن عبد الله بن مسعود -من طريق مسروق- أن رجلًا جاءه، فقال: إني تركتُ رجلًا في المسجد يقول في هذه الآية: ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ يَغْشى النّاسَ هَذا عَذابٌ ألِيمٌ﴾: يغشى الناسَ يوم القيامة دُخان، فيأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم، ويأخذ المؤمن منه كهيئة الزّكام. فغضب، وكان مُتَّكئًا فجلس، ثم قال: مَن علِم منكم علمًا فليقُل به، ومَن لم يكن يعلم فليقُل: الله أعلم. فإنّ مِن العلم أن يقول لما لا يعلم: الله أعلم. وسأحدّثكم عن الدُّخان: إنّ قريشًا لما استصعبت على رسول الله ﷺ وأبطؤوا عن الإسلام قال: «اللهم، أعِنِّي عليهم بسبْعٍ كسبْع يوسف». فأصابهم قَحْط وجَهد، حتى أكلوا العظام، فجعل الرجلُ ينظر إلى السماء فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدُّخان من الجوع؛ فأنزل الله: ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ يَغْشى النّاسَ هَذا عَذابٌ ألِيمٌ﴾. فأُتِي النبيُّ ﷺ، فقيل: يا رسول الله، استَسقِ الله لِمُضَر. فاستسقى لهم، فسُقوا؛ فأنزل الله: ﴿إنّا كاشِفُو العَذابِ قَلِيلًا إنَّكُمْ عائِدُونَ﴾ [الدخان:١٥] أفيُكشف عنهم العذاب يوم القيامة؟ فلما أصابتهم الرّفاهية عادوا إلى حالهم؛ فأنزل الله: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان:١٦]، فانتقم الله منهم يوم بدر؛ فقد مضى البطْشة، والدُّخان، واللزام١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٢‏/‏٣٠ (١٠٢٠)، ٦‏/‏٧٧ (٤٦٩٣)، ٦‏/‏١١٤ (٤٧٧٤)، ٦‏/‏١٢٤ (٤٨٠٩)، ٦‏/‏١٣١-١٣٢ (٤٨٢١-٤٨٢٤)، ومسلم ٤‏/‏٢١٥٥ (٢٧٩٨)، وأحمد ٦‏/‏١٠٦، ١٠٧، ٧‏/‏١٧٩، ١٨٠، ٢٥٧، ٢٥٨ (٣٦١٣، ٤١٠٤، ٤٢٠٦)، والترمذي (٣٢٥٤)، والنسائي في الكبرى (١١٢٠٢، ١١٤٨١، ١١٤٨٣)، ويحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ٤‏/‏٢٠٠-٢٠٢-، وابن جرير ٢١‏/‏١٥، والطبراني (٩٠٤٦-٩٠٤٨)، وأبو نعيم (٣٦٩)، والبيهقي ٢‏/‏٣٢٤-٣٢٥.
٢٣
عن عاصم، قال: شهدتُ جنازة فيها زيد بن علي، فأنشأ يحدّث يومئذ، فقال: إنّ الدُّخان يجيء قبل يوم القيامة، فيأخذ بأنفِ المؤمن الزّكام، ويأخذ بمسامع الكافر. قال: قلتُ: رحمك الله، إنّ صاحبنا عبد الله قد قال غيرَ هذا، قال: إنّ الدُّخان قد مضى. وقرأ هذه الآية: ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ يَغْشى النّاسَ هَذا عَذابٌ ألِيمٌ﴾. قال: أصاب الناس جَهد حتى جعل الرجل يرى ما بينه وبين السماء دُخانًا، فذلك قوله: ﴿فارْتَقِبْ﴾، وكذا قرأ عبد الله إلى قوله: ﴿إنّا مُؤْمِنُونَ﴾، قال: ﴿إنّا كاشِفُو العَذابِ قَلِيلًا﴾ [الدخان:١٥]. قلت لزيد: فعادوا، فأعاد الله عليهم بدرًا، فذلك قوله: ﴿وإنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾ [الإسراء:٨]، فذلك يوم بدر. قال: فقَبل، واللهِ. قال عاصم: فقام رجلٌ يَردّ عليه، فقال زيد: أما إنّ رسول الله ﷺ قد قال: «إنكم سيجيئكم رواة، فما وافق القرآن فخذوا به، وما كان غير ذلك فدعوه»١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢١‏/‏١٦، وآخره المرفوع أخرجه الدارقطني في السنن ٤‏/‏٢٠٨-٢٠٩ من طريق أبي بكر بن عياش، وقال: «الصواب عن عاصم، عن زيد، عن على بن الحسين مرسلًا، عن النبي ﷺ».
٢٤
عن علي بن أبي طالب -من طريق الحارث- قال: إنّ الدُّخان لم يمضِ بعدُ، يأخذ المؤمن كهيئة الزّكام، وينفخ الكافر حتى ينفُذ١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ٢‏/‏٦٠٢. وعزاه السيوطي إلى عَبد بن حُمَيد، وابن أبي حاتم.
٢٥
عن أبي هُريرة -من طريق الأعرج- قال: كان يومُ فتح مكة دُخان، وهو قول الله: ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن سعد ٢‏/‏١٤٢.
٢٦
قال عبد الله بن عباس: ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ هو دُخان يجيء قبل قيام الساعة، ولم يأتِ بعدُ، فيدخل في أسماع الكُفّار والمنافقين حتى يكون كالرأس الحَنِيذ١، ويعتري المؤمنُ منه كهيئة الزّكام، وتكون الأرض كلّها كبيت أُوقِد فيه النار٢
التخريج
  1. ١أي: المشويّ. النهاية (حنذ).
  2. ٢تفسير البغوي ٧‏/‏٢٢٩.

آثار متعلقة بالآية

٣ أقوال
١
عن أبي مالك الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ ربكم أنذركم ثلاثًا: الدُّخان، يأخذ المؤمن منه كالزَّكْمة، ويأخذ الكافر فيَنتَفِخ حتى يخرج من كلّ مِسْمع منه، والثانية الدابّة، والثالثة الدَّجّال»١
التخريج
  1. ١أخرجه الطبراني في الكبير ٣‏/‏٢٩٢ (٣٤٤٠)، وابن جرير ٢١‏/‏٢٠. قال ابن كثير ٧‏/‏٢٤٩: «وهذا إسناد جيد». وقال ابن حجر في الفتح ٨‏/‏٥٧٣: «إسناده ضعيف». وقال السيوطي: «بسند جيد». وقال الألباني في الضعيفة ٤‏/‏٢٠ عن رواية الطبراني: «وهذه زيادة منكرة، تفرد بها هاشم هذا، وليس بشيء كما نقله الذهبي عن ابن حبان».
٢
عن أبي سعيد الخُدري، أنّ رسول الله ﷺ قال: «يَهيج الدُّخان بالناس، فأما المؤمن فيأخذه كالزَّكْمة، وأما الكافر فيَنفُخه حتى يخرج من كلّ مِسْمع منه»١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم -كما في تفسير ابن كثير ٧‏/‏٢٤٨-. قال ابن حجر في الفتح ٨‏/‏٥٧٣: «إسناده ضعيف».
٣
عن الحسن، قال: بلغني: أنّ رسول الله ﷺ قال: «إنّ الدُّخان إذا جاء نفخ الكافرَ حتى يخرج مِن كل مِسمع من مسامعه، ويأخذ المؤمن منه كالزَّكْمة»١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢١‏/‏١٨. وعزاه السيوطي إلى عَبد بن حُمَيد.
التفسير بالمأثور لسورة الدّخان كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ١٠ من سورة الدّخان

وقفة واحدة في هذه الآية

  • (فارتقب)(وانتظر) انتظار النصر عبادة وحدها.

    — وليد العاصمي

ترجمات معاني الآية ١٠ من سورة الدّخان

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(10) Then watch for the Day when the sky will bring a visible smoke
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال