قال مقاتل بن سليمان: ﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا﴾ بالعذاب ﴿ما حَوْلَكُمْ مِنَ القُرى﴾، يعني: القرون قوم نوح، وقوم صالح، وقوم لوط، فأمّا قوم لوط فهم بين المدينة والشام، وأما عاد فكانوا باليمن، ﴿وصَرَّفْنا الآياتِ﴾ في أمور شتى، يقول: نبعث مع كل نبيٍّ إلى أمته آية ليست لغيرهم، ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ يقول: لكي ﴿يَرْجِعُونَ﴾ من الكفر إلى الإيمان، فلم يتوبوا فأهلكهم الله بالعذاب
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ﴾ يعني: وجّهنا إليك -يا محمد- نَفرًا مِن الجنّ ﴿يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ﴾ نَفرًا من الجنّ، تسعة نَفر مِن أشراف الجنّ وساداتهم مِن أهل اليمن مِن قرية يُقال لها: نَصيبِين، ورسول الله ﷺ ببطن نخْلة يقرأ القرآن في صلاة الفجر
قال مقاتل بن سليمان: ﴿قالُوا يا قَوْمَنا إنّا سَمِعْنا﴾ محمدًا ﷺ يتلوه كتابًا، يعني: يقرأ محمد ﷺ ﴿كِتابًا﴾ يعني: شيئًا عجَبًا، يعني: قرآنًا ﴿أُنْزِلَ﴾ على محمد ﷺ ﴿مِن بَعْدِ مُوسى﴾ عليه السلام، وكانوا مؤمنين بموسى ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ يقول: يُصدِّق كتابُ محمد ﷺ الكتبَ التي كانت أُنزلتْ على الأنبياء، ﴿يَهْدِي﴾ يعني: يدعو كتاب محمد ﷺ ﴿إلى الحَقِّ﴾ يعني: إلى الهُدى، ﴿وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ يعني: يدعو إلى الدين المستقيم، وهو الإسلام
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ومَن لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ﴾ يعني: محمدًا ﷺ إلى الإيمان ﴿فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ﴾ يقول: فليس بسابق الله فيفوته هربًا في الأرض، حتى يجزيه بعمله الخبيث، ﴿ولَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أوْلِياءُ﴾ يعني: ليس له أقرباء يمنعونه مِن الله عز وجل ﴿أُولَئِكَ﴾ الذين لا يجيبون إلى الإيمان ﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ يعني: بيّن، هذا قول الجنّ التسعة...
قال مقاتل بن سليمان:.... وقال النبي ﷺ -تلك الليلة قبل أن يلقاهم- لأصحابه: «ليقُم معي منكم رجلٌ ليس في قلبه مثقال حبّة خرْدل مِن شكٍّ». فقام عبد الله بن مسعود ومعه إداوة فيها نبيذ، فقال النبي ﷺ لابن مسعود: «قم مكانك». وخَطّ النبيُّ ﷺ خَطًّا، وقال: «لا تبرح حتى أرجع إليك إنْ شاء الله». ثم قال: «إنْ سمعتَ صوتًا أو جَلَبة أو شيئًا يُفزعك فلا تخرج مِن مكانك». فوقف عبد الله حتى أصبح، ودخل النبيُّ ﷺ الشِّعْبَ، وقال له: «لا تخرج مِن الخطّ؛ فإن أنتَ خرجتَ اختُطفتَ الليلةَ». وانطلق النبيُّ ﷺ يقرأ عليهم القرآن، ويعلّمهم، ويؤدّبهم، واختصم رجلان منهم في دمٍ إلى رسول الله ﷺ، فرفعوا أصواتهم، فسمع ابنُ مسعود الصوت، فقال: واللهِ، لآتينه، فلعلّ كفار قريش أن يكونوا مكروا به. فلما أراد الخروج مِن الخطّ ذكر وصية رسول الله ﷺ، فلم يخرج، ووقف عبدُ الله حتى أصبح، والنبيُّ ﷺ في الشِّعب يعلّمهم ويؤدّبهم حتى أصبح، فانصرف الجن، وأتى النبي ﷺ ابنَ مسعود، فقال عبد الله: يا نبي الله، ما زلتُ قائمًا حتى رجعتَ إلَيَّ، وقد سمعتُ أصواتًا مرتفعة حتى هممتُ بالخروج، فذكرتُ قولك فأقمتُ. فقال النبي ﷺ: «اختصموا في قتلى لهم كانوا أصابوها في الجاهلية، فقضيتُ بينهم». ثم قال: «أمَعَكَ طهور؟». قال:نعم، نبيذ في إداوة. فقال: «ثمرة طيبة، وماء طهور عذْب، صُبّ علَيَّ». فصبَّ عليه ابنُ مسعود، فتوضأ منه النبي ﷺ، فلما أراد أن يُصلِّيا أقبل الرجلان اللّذان اختصما في الدّم حتى وقفا عليه، فلما رآهما النبي ﷺ ظنّ أنهما رجعا يختصمان في الدّم، فقال: «ما لكما؟ ألم أقضِ بينكما؟». قالا: يا رسول الله، إنّا جئنا نصلّي معك، ونقتدي بك. فقام النبي ﷺ إلى الصلاة، وقام ابن مسعود والرجلان مِن الجنّ وراء النبي ﷺ، فصلّوا معه، فذلك قوله: ﴿وأَنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن:١٩] مِن حُبّهم إيّاه، ثم انصرفوا مِن عنده مؤمنين، فلم يبعث الله عز وجل نبيًّا إلى الإنس والجنّ قبل محمد ﷺ. فقالوا: يا رسول الله، مُرْ لنا برِزْق حتى نتزوّد في سفرنا؟ فقال لهم النبي ﷺ: «فإنّ لكم أن يعود العظْم لحمًا، والبعْر حَبًّا، هذا لكم إلى يوم القيامة». فلا يحلّ للمسلم أن يستنجي بالعظْم ولا بالبعْر ولا بالرجيع، يعني: رجيع الدوابّ، ولم يبعث الله نبيًّا إلى الجنّ والإنس قبل محمد ﷺ
قال مقاتل بن سليمان: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ نزلت في أُبَيّ بن خَلف الجُمحي، عمد فأخذ عظْمًا حائلًا نخِرًا، فأتى به النبيَّ ﷺ، فقال: يا محمد، أتعِدنا إذا بَلِيَتْ عظامنا، وكُنّا رُفاتًا أنّ الله يبعثنا خلْقًا جديدًا. وجعل يفتُّ العظْم ويذريه في الرّيح، ويقول: يا محمد، مَن يحيي هذا؟! قال النبي ﷺ: «يحيي الله هذا، ثم يميتك، ثم يبعثك في الآخرة، ويُدخلك النار». فأنزل الله تعالى يعظه ليعتبر في خلْق الله فيوحده: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأَرْضَ﴾
قال مقاتل بن سليمان: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ يقول: أولم يعلموا ﴿أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأَرْضَ﴾ لأنهم مُقِرُّون أنّ الله الذي خلقهما وحده ﴿ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ في الآخرة، وهما أشد خلْقًا من خلْق الإنسان بعد أن يموت ﴿ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ﴾ إذ خلَقهنّ، يعني: كيف يعيى عن بعْث الموتى، نظيرها في يس، ثم قال لنبيّه ﷺ: ﴿بَلى﴾ يبعْثهم، ﴿إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ من البعْث وغيره