سورة المجادلة — الآية ٥
قال مقاتل بن سليمان: ﴿كُبِتُوا كَما كُبِتَ﴾ يعني: أُخْزُوا كما أُخزي ﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ مِن الأمم الخالية، ﴿وقَدْ أنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ يعني: القرآن فيه البيان أمره ونهيه، ﴿ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ نَزَلَتْ في اليهود والمنافقين ﴿مُهِينٌ﴾ يعني: الهوان
قراءة الأثر في موضعه
سورة المجادلة — الآية ٦
قال مقاتل بن سليمان: قوله: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ الأوّلين والآخرين، نَزَلَتْ في المنافقين في أمر المناجاة، ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أحْصاهُ اللَّهُ ونَسُوهُ﴾ يقول: حفظ الله أعمالَهم الخبيثة، ونسوا هم أعمالهم، ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِن أعمالهم ﴿شَهِيدٌ﴾ يعني: شاهده
قراءة الأثر في موضعه
سورة المجادلة — الآية ٧
قال مقاتل بن سليمان: قوله: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وما فِي الأَرْضِ﴾، يقول: أحاط عِلْمُه بذلك كلّه، ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ﴾ يعني: نَفرٌ ثلاثة ﴿إلّا هُوَ رابِعُهُمْ﴾ يعني: عِلْمه معهم إذا تَناجَوْا، ﴿ولا خَمْسَةٍ إلّا هُوَ سادِسُهُمْ﴾ يعني: عِلْمه معهم، ﴿ولا أدْنى مِن ذلِكَ﴾ يعني: ولا أقل مِن ثلاث نَفرٍ، وهما اثنان، ﴿ولا أكْثَرَ﴾ من خمسة نَفرٍ ﴿إلّا هُوَ﴾ يعني: إلا وعِلْمه ﴿مَعَهُمْ أيْنَ ما كانُوا﴾ مِن الأرض، ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ يعني: بما يَتناجون فيه، ﴿إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ مِن أعمالهم ﴿عَلِيمٌ﴾
قراءة الأثر في موضعه
سورة المجادلة — الآية ٨
قال مقاتل بن سليمان: قوله تعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى﴾، يعني: اليهود؛ كان بينهم وبين محمد ﷺ مُوادعة، فإذا رَأوا رجلًا مِن المسلمين وحده يَتَناجَون بينهم، فيظنُّ المسلم أنهم يَتَناجَون بقتْله أو بما يكره، فيترك الطريق من المخافة، فبلغ ذلك النبيَّ ﷺ، فنهاهم عن النّجوى، فلم يَنتَهوا وعادوا إلى النّجوى، فقال الله تعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ﴾
قراءة الأثر في موضعه
سورة المجادلة — الآية ٨
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما﴾ للذي ﴿نُهُوا عَنْهُ ويَتَناجَوْنَ بِالإثْمِ﴾ يعني: بالمعصية، ﴿والعُدْوانِ﴾ يعني: الظلم، ﴿ومَعْصِيَةِ الرَّسُولِ﴾ يعني: حين نهاهم النبيُّ ﷺ عن النّجوى فعصوه
قراءة الأثر في موضعه
سورة المجادلة — الآية ٨
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وإذا جاؤُكَ﴾ يعني: كعب بن الأشرف، وحُييّ بن أخطب، وكعب بن أسيد، وأبو ياسر، وغيرهم ﴿حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ يعني: اليهود، قالوا: انطلِقوا بنا إلى محمد فنشتمه علانيةً كما نشتمه في السّر. فأَتَوه، فقالوا: السّام. يعنون بالسّام: السآمة والفترة، ويقولون: تَسأمون، يعني: تتزكون دينكم، فقالت عائشة رضي الله عنها: عليكم السّام، والذّام، والفان، يا إخوان القِردة والخنازير. فكَره النبيُّ ﷺ قول عائشة، وقال النبي ﷺ: «مهلًا، يا عائشة، عليكِ بالرّفق؛ فإنه ما وُضِع في شيء إلا زانه، ولا نُزع من شيء إلا شانه». فقال جبريل عليه السلام: إنّه لا يُسَلِّمون عليك، ولكنهم يشتمونك. فلمّا خَرجت اليهود مِن عند النبيِّ ﷺ، قال بعضهم لبعض: إن كان محمدٌ لا يعلم ما نقول له؛ فالله يَعلمه، ولو كان نبيًّا لأَعلَمه الله ما نقول، ولعاقَبَنا. فذلك قوله: ﴿ويَقُولُونَ فِي أنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنا اللَّهُ بِما نَقُولُ﴾
قراءة الأثر في موضعه
سورة المجادلة — الآية ٨
قال مقاتل بن سليمان: ثم أخبر عنهم، قال: ﴿وإذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ﴾ يعني: كعب بن الأشرف، وحُييّ بن أخطب، وكعب بن أسيد، وأبو ياسر، وغيرهم ﴿حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ ويَقُولُونَ فِي أنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنا اللَّهُ بِما نَقُولُ﴾ لنبيّه وأصحابه يقول الله: ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ﴾ شدّة عذابها ﴿يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ يعني: بئس المرجع إلى النار
قراءة الأثر في موضعه
سورة المجادلة — الآية ٩
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَناجَيْتُمْ﴾ يعني: الذين أقرّوا باللسان، وهم المنافقون، منهم عبد الله بن أُبيّ، وعبد الله بن سعد بن أبي سَرح، وغيرهم، كان نجواهم أنهم كانوا يُخبرون عن سَرايا النبي ﷺ ما يشقّ على مَن أقام مِن المؤمنين، وبلَغنا: أنّ ذلك كان في سَريّة جعفر بن أبي طالب، وزيد بن حارثة، وعبد الله بن رَواحة، قُتِلوا يوم مُؤتة، ولعلّ حَميم أحدهم في السّريّة، فإذا رَأوه تَناجَوا بينهم، فيظنّ المسلم أنّ حَميمه قد قُتِل، فيحزن لذلك، فنهاهم النبيُّ ﷺ عن النّجوى: ﴿فَلا تَتَناجَوْا بِالإثْمِ والعُدْوانِ﴾ يعني: المعصية والظلم ﴿ومَعْصِيَةِ الرَّسُولِ﴾ لأنّ النبيَّ ﷺ كان نهاهم عن ذلك، ثم قال: ﴿وتَناجَوْا بِالبِرِّ والتَّقْوى﴾ يعني: الطاعة، وتَرْك المعصية، ثم خوّفهم فقال: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ بعد الموت فيجزيكم بأعمالكم
قراءة الأثر في موضعه
سورة المجادلة — الآية ١٠
قال مقاتل بن سليمان: ثم قال: ﴿إنَّما النَّجْوى﴾ يعني: نجوى المنافقين ﴿مِنَ﴾ تزيين ﴿الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا ولَيْسَ بِضارِّهِمْ شيئًا إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ يعني: إلا أن يأذن الله في ضُرِّه، ﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ يعني: بالله فلْيَثِق المُصَدِّقون
قراءة الأثر في موضعه
سورة المجادلة — الآية ١١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي المَجالِسِ﴾ وذلك أنّ النبي ﷺ جلس في صفّة ضيّقة، ومعه أصحابه، فجاء نَفرٌ من أهل بدر، منهم: ثابت بن قيس بن شَمّاس الأنصاري، فسلّموا على النبيِّ ﷺ، فردّ عليهم، ثم سلّموا على القوم، فردُّوا عليهم، وجعلوا ينتظرون لِيُوسّع لهم، فلم يفعلوا، فشقّ قيامُهم على النبي ﷺ، وكان يُكرم أهل بدر، وذلك يوم الجمعة، فقال رسول الله ﷺ: «قم، يا فلان، وقم، يا فلان». لِمَن لم يكن مِن أهل بدر، بعدد القيام من أهل بدر، فعرف النبيُّ ﷺ الكراهية في وجه مَن أُقيم منهم، فقال رسول الله ﷺ: «رحم الله رجلًا تفسّح لأخيه». فجعلوا يقومون لهم بعد ذلك، فقال المنافقون للمسلمين: أتزعمون أنّ صاحبكم يعدل بين الناس، فواللهِ، ما عدل على هؤلاء، إنّ قومًا سَبقوا فأخذوا مجلسهم وأحبُّوا قُربه فأقامهم، وأجلس مَن أبطأ عن الخير، فواللهِ، إنّ أمر صاحبكم كلّه فيه اختلاف. فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي المَجالِسِ﴾ يعني: أوْسعوا في المجالس ﴿فافْسَحُوا﴾ يقول: أوْسِعوا ﴿يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾
قراءة الأثر في موضعه