قال مقاتل بن سليمان: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وما فِي الأَرْضِ﴾ يقول: ذَكر اللهَ ﴿ما فِي السَّماواتِ﴾ من الملائكة، ﴿وما فِي الأَرْضِ﴾ مِن الخلْق، ﴿وهُوَ العَزِيزُ﴾ في مُلكه، ﴿الحَكِيمُ﴾ في أمْره
قال مقاتل بن سليمان: ﴿هُوَ الَّذِي أخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: يهود بني النَّضِير ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ بعد قتال أُحُد أخرجهم ﴿مِن دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الحَشْرِ﴾ يعني: القتال، والحَشْر الثاني القيامة، وهو الجلاء من المدينة إلى الشام وأَذْرِعات، ﴿ما ظَنَنْتُمْ﴾ يقول للمؤمنين: ما حَسِبتم ﴿أنْ يَخْرُجُوا وظَنُّوا﴾ يعني: وحَسِبوا ﴿أنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ يعني: مِن قِبل قتْل كعب بن الأشرف
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ بقتْل كعب بن الأشرف، أرعَبهم الله بقتْله؛ لأنه كان رأسهم وسيدهم، قتَله محمد بن مسلمة الأنصاري، وكان أخاه مِن الرضاعة، وغيره، وكان مع محمدٍ ليلة قتل كعب بن الأشرف أخو محمد بن سلمة، وأبو ليل، وعُتبة؛ كلّهم من الأنصار، ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وأَيْدِي المُؤْمِنِينَ﴾ وذلك أنّ المنافقين دَسُّوا وكتبوا إلى اليهود: ألّا يخرجوا مِن الحِصن، وأن يدبروا على الأَزِقّة وحصونها، فإن قاتَلتم محمدًا فنحن معكم لا نخذلكم ولَنَنصُرَنّكم، ولَئِن أُخرجتم لنَخرُجنّ معكم، فلمّا سار النبيُّ ﷺ إليهم وجدهم ينُوحون على كعب بن الأشرف. قالوا: يا محمد، واعية على أثر واعية، وباكية على أثر باكية، ونائحة على أثر نائحة. قال: نعم. قالوا: فذَرنا نبكي شُجونًا، ثم نأتَمر لأمرك. فقال النبيُّ ﷺ: «اخرجوا من المدينة». قالوا: الموتُ أقربُ إلينا مِن ذلك. فتَنادَوا الحربَ، واقتتلوا، وكان المؤمنون إذا ظهروا على دَرْبٍ مِن دُروبهم تأخّروا إلى الذي يليه، فنَقبوه مِن دُبره، ثم حصَّنوها، ويُخرب المسلمون ما ظهروا عليه مِن نَقض بيوتهم، فيَبنُون دروبًا على أفواه الأَزِقّة، فذلك قوله: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وأَيْدِي المُؤْمِنِينَ﴾
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ولَوْلا أنْ كَتَبَ اللَّهُ﴾ يعني: قضى الله. نظيرها في المجادلة [٢١]: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ﴾ يعني: قضى الله. ﴿عَلَيْهِمُ الجَلاءَ﴾ من المدينة؛ ﴿لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا﴾ بالقتل بأيديكم، ﴿ولَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذابُ النّارِ﴾
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ذلِكَ﴾ الذي نزل بهم من الجلاء ﴿بِأَنَّهُمْ شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ يعني: عادوا الله ورسوله، ﴿ومَن يُشاقِّ اللَّهَ﴾ ورسوله، يعني: ومن يعادي الله ورسوله ﴿فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ إذا عاقب. نظيرها في هود [٨٩]: ﴿لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي﴾ يعني: عداوتي
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ أوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإذْنِ اللَّهِ ولِيُخْزِيَ الفاسِقِينَ﴾ يعني: ولِيُهِنِ اليهودَ، وذلك أنّ النبي ﷺ أمَر بقطْع ضربٍ مِن النخيل مِن أجود التّمر، يقال له: اللّين، شديد الصُّفرة، ترى النّواة من اللِّحى، مِن أجود التمر، يَغيب فيه الضّرس، النخلة أحبّ إلى أحدهم مِن وصِيف، فجزع أعداء الله لَمّا رَأَوا ذلك الضّرب مِن النخيل يُقطع. فقالوا: يا محمد، أوَجدتَ فيما أنزل اللهُ عليك الفساد في الأرض، أو الإصلاح في الأرض؟! فأكثروا القول، ووجَد المسلمون ذِمامة مِن قطْعهم النخيل؛ خشية أن يكون فسادًا؛ فأنزل الله: ﴿ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ﴾
قال مقاتل بن سليمان:... ضربٌ مِن النخيل مِن أجود التمر يُقال له: اللّين، شديد الصُّفرة، تُرى النَّواة من اللِّحى، من أجود التمر، يَغيب فيه الضّرس، النّخلة أحبُّ إلى أحدهم مِن وصيف... ﴿ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ﴾... وكانوا قطعوا أربع نخلات كرام عن أمْر النبي ﷺ غير العجوة
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ﴾... وكانوا قطعوا أربعَ نخلات كِرام عن أمْر النبي ﷺ غير العجوة، ﴿أوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها﴾ هو كلّه؛ ﴿فَبِإذْنِ اللَّهِ﴾ يعني: بأمْر الله