عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: «إيّاكم والمعاصيَ، فإنّ العبد لَيُذنب الذّنب فيَنسى به الباب مِن العلم، وإنّ العبد ليُذنب الذّنب فيُحرم به قيام الليل، وإنّ العبد ليُذنب الذّنب فيَنسى فيُحرم به رزقًا قد كان هُيِّئ له». ثم تلا رسول الله ﷺ: «﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ وهُمْ نائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كالصَّرِيمِ﴾، قد حُرموا خير جنتهم بذنبهم»
قال عبد الله بن مسعود: بلَغني: أنّ القوم أخلصوا، وعرف الله منهم الصدق، فأَبدلهم بها جَنّة يُقال لها: الحيوان، فيها عنبٌ يَحمل البْغل منه عنقودًا واحدًا
عن عبد الله بن مسعود -من طريق أبي صادق- في قوله: (يَوْمَ يَكْشِفُ عَن ساقٍ) قال: عن ساقيه -تبارك وتعالى-. قال ابن مَندَه: هكذا في قراءة ابن مسعود: (يَكْشِفُ) بفتح الياء وكسر الشين
عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ، قال: «يَجمع الله الناس يوم القيامة، ويَنزل الله في ظُلل من الغمام، فيُنادي منادٍ: يا أيها الناس، ألم تَرضَوا من ربكم الذي خَلَقكم وصوَّركم ورزقكم أن يُولِيّ كلّ إنسان منكم ما كان يعبد في الدنيا ويَتولّى، أليس ذلك مِن ربكم عَدلًا؟ قالوا: بلى. قال: فليَنطلِق كلُّ إنسان منكم إلى ما كان يَتولّى في الدنيا. ويَتمثّل لهم ما كانوا يعبدون في الدنيا، ويُمثَّل لِمَن كان يعبد عيسى شيطان عيسى، ويُمثَّل لِمَن كان يعبد عُزَيرًا شيطان عُزَير، حتى يُمثَّل لهم الشجرة والعُود والحَجر، ويَبقى أهل الإسلام جُثومًا، فيَتمثَّل لهم الرّبّ عز وجل، فيقول لهم: ما لكم لم تَنطلِقوا كما انطَلق الناس؟ فيقولون: إنّ لنا ربًّا ما رأيناه بعد. فيقول: فبِم تَعرفون ربَّكم إن رأيتموه؟ قالوا: بيننا وبينه علامة؛ إن رأيناه عَرفناه. قال: وما هي؟ قالوا: يَكشف عن ساق. فيَكشف عند ذلك عن ساقٍ، فيَخرّ كلُّ مَن كان يَسجد طائعًا ساجدًا، ويَبقى قومٌ ظهورُهم كصَياصِيّ البقر، يريدون السجود فلا يستطيعون، ثم يؤمرون، فيَرفعون رؤوسهم، فيُعطَون نورهم على قدْر أعمالهم، فمنهم مَن يُعطى نوره مثل الجبل بين يديه، ومنهم مَن يُعطى نوره فوق ذلك، ومنهم مَن يُعطى نوره مثل النّخلة بيمينه، ومنهم مَن يُعطى نوره دون ذلك بيمينه، حتى يكون آخر ذلك مَن يُعطى نوره على إبهام قَدميه، يضيء مرة ويُطفِئ مرة، فإذا أضاء قَدّم قدمه، وإذا طُفئ قام فيَمُرّ، ويَمُرُّون على الصراط، والصراط كحدّ السيف دَحْض مَزَلَّة، فيقال لهم: انجُوا على قدْر نوركم. فمنهم مَن يَمُرّ كانقضاض الكوكب، ومنهم مَن يَمُرّ كالطّرف، ومنهم مَن يَمُرّ كالريح، ومنهم مَن يَمُرّ كشدّ الرَّحل ويَرمُل رَمَلًا، يَمُرّون على قدْر أعمالهم، حتى يَمُرّ الذي نوره على إبهام قدمه؛ يَجُرّ يدًا ويُعلّق يدًا، ويَجُرّ رِجلًا ويُعلّق رِجلًا، وتُصيب جوانبه النار، فيَخلُصُون، فإذا خَلَصُوا قالوا: الحمد لله الذي نجّانا منك بعد الذي أراناك، لقد أعطانا الله ما لم يُعط أحدًا. فيَنطلِقون إلى ضَحْضاح عند باب الجنة، فيَغتسِلون، فيعود إليهم ريحُ أهل الجنة وألوانهم، ويَرون من خَلَلِ باب الجنة وهو مُصْفَقٌ منزلًا في أدنى الجنة، فيقولون: ربّنا، أعطِنا ذلك المنزل. فيقول لهم: أتسألون الجنة وقد نَجّيتكم من النار؟! فيقولون: ربّنا، أعطِنا، اجعل بيننا وبين النار هذا الباب، لا نَسمع حَسيسها. فيقول لهم: لعلّكم إنْ أُعطيتموه أن تسألوا غيره؟ فيقولون: لا، وعزّتك، لا نسألك غيره، وأي منزل يكون أحسن منه؟! قال: فيَدخلون الجنة، ويُرفع لهم منزلٌ أمام ذلك كأن الذي رَأوا قبل ذلك حُلْمٌ عنده، فيقولون: ربّنا، أعطِنا ذلك المنزل. فيقول: لعلّكم إنْ أعطيتكموه أن تسألوني غيره؟ فيقولون: لا، وعزّتك، لا نسأل غيره، وأي منزل أحسن منه؟! فيُعطَونه، ثم يُرفع لهم أمام ذلك منزل آخر كأن الذي أُعطوه قبل ذلك حُلْمٌ عند الذي رَأوا، فيقولون: ربّنا، أعطِنا ذلك المنزل. فيقول: لعلّكم إنْ أُعطيتموه أن تسألوني غيره؟ فيقولون: لا، وعزّتك، لا نسألك غيره، وأي منزل أحسن منه؟! ثم يَسكتون، فيقال لهم: ما لكم لا تَسألون؟ فيقولون: ربّنا، قد سألناك حتى استحيينا. فيقال لهم: ألم تَرضَوا أنْ أُعطيكم مثل الدنيا منذ يوم خَلَقتُها إلى يوم أفنيتُها وعشرة أضعافها؟ فيقولون: أتستهزئ بنا وأنت ربّ العالمين؟!». قال مسروق: فلمّا بلغ عبد الله هذا المكان من الحديث ضحك، وقال: سمعتُ رسول الله ﷺ يُحدّثه مرارًا، فما بلغ هذا المكان من الحديث إلا ضحك حتى تَبدوَ لهَواتُه، ويَبدوَ آخر ضِرس مِن أضراسه لقول الإنسان، قال: «فيقول: لا، ولكني على ذلك قادر فسلوني. قالوا: ربّنا، ألحِقنا بالناس. فيقال لهم: الحقُوا الناس. فينطَلِقون يَرْمُلون في الجنة، حتى يَبدوُ للرجل منهم في الجنة قصر؛ دُرّة مُجَوّفة، فيَخِرّ ساجدًا، فيقال له: ارفع رأسك. فيَرفع رأسه، فيقول: رأيتُ ربي! فيقال له: إنما ذلك منزل من منازلك. فيَنطلِق، فيستقبله رجل، فيَتهيّأ للسجود، فيُقال له: ما لك؟ فيقول: رأيتُ مَلكًا! فيقال له: إنما ذلك قَهْرمان من قهارمتكَ، عبد من عبيدك. فيأتيه، فيقول: إنما أنا قَهْرمان من قهارمتكَ على هذا القصر، تحت يدي ألف قَهْرمان، كلّهم على ما أنا عليه. فيَنطلِق به عند ذلك حتى يفتح له القصر، وهي درة مجوفة، سقائفها وأغلاقها وأبوابها ومفاتيحها منها. قال: فيفتح له القصر، فتستقبله جوهرة خضراء مُبطّنة بحمراء سبعون ذراعًا فيها ستون بابًا، كلّ باب يُفضي إلى جوهرة على غير لون صاحبتها، في كلّ جوهرة سُررٌ وأزواج ونصائف، أو قال: ووصائف. فيَدخل فيه، فإذا هو بحَوْراء عَيناء عليها سبعون حُلّة، يُرى مخ ساقها من وراء حُلَلها، كبدها مرآته، وكبده مرآتها، إذا أعرض عنها إعراضة ازدادت في عينه سبعين ضعفًا عما كانت قبل ذلك، وإذا أعرضتْ عنه إعراضة ازداد في عينها سبعين ضعفًا عما كان قبل ذلك، فتقول: لقد ازددتَ في عيني سبعين ضعفًا. ويقول لها مثل ذلك. قال: فيُشرف على مُلكه مَدّ بصره، مسيرة مائة عام». قال: فقال عمر بن الخطاب عند ذلك: ألا تسمع -يا كعب- ما يُحدّثنا به ابن أُمّ عبد عن أدنى أهل الجنة ماله، فكيف بأعلاهم؟! فقال: يا أمير المؤمنين، ما لا عينٌ رأتْ ولا أذنٌ سمعتْ، إنّ الله كان فوق العرش والماء، فخَلَق لنفسه دارًا بيده، فزيَّنها بما شاء، وجَعل فيها ما شاء من الثمرات والشراب، ثم أطبقَها، فلم يَرها أحد من خَلْقه منذ خَلَقها، لا جبريل ولا غيره من الملائكة. ثم قرأ كعب: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ الآية [السجدة:١٧]. وخَلَق دون ذلك جَنّتين، فزيّنهما بما شاء، وجعل فيهما ما ذَكر من الحرير والسُّندس والإسْتَبرق، وأراهما مَن شاء من خَلْقه من الملائكة، فمَن كان كتابه في عِلّيّين نَزل تلك الدار، فإذا ركب الرجل من أهل عِلّيّين في مُلكه لم يَبق خَيمة من خِيام الجنة إلا دخلها من ضوء وجهه، حتى إنهم ليَستنشِقون ريحه، ويقولون: واهًا لهذه الريح الطّيّبة. ويقولون: لقد أشرف علينا اليوم رجل من أهل عِلّيّين. فقال عمر: ويحك -يا كعب- إنّ هذه القلوب قد استَرسلتْ، فاقْبضها. فقال كعب: يا أمير المؤمنين، إنّ لِجهنم زَفرةً ما من مَلك ولا نبي إلا يَخرّ لرُكْبته، حتى يقول إبراهيم خليل الله: ربّ، نفسي نفسي. وحتى لو كان لك عمل سبعين نبيًّا إلى عملك لَظننتَ أن لن تَنجو منها
عن عبد الله بن مسعود -من طريق أبي الزّعراء- أنه ذُكر عنده الدَّجّال، فقال: يفترق الناس ثلاث فِرق؛ فرقة تَتْبعه، وفرقة تَلحق بأرض آبائها؛ مَنابتَ الشّيح، وفرقة تأخذ شَطّ الفُرات، فيُقاتلهم ويقاتلونه، حتى يجتمع المؤمنون بقُرى الشام، فيَبعثون إليه طليعة فيهم فارس على فَرسٍ أشقر أو أبْلق، فيُقتلون لا يرجع إليهم شيء، ثم إنّ المسيح ينزل فيَقتله، ثم يَخرج يأجوج ومأجوج، فيمُوجون في الأرض، فيُفسدون فيها. ثم قرأ عبد الله: ﴿وهُمْ مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء:٩٦]. ثم يَبعث الله عليهم دابة مثل هذه النَّغَفَة، فتَدخل في أسماعهم ومناخرهم، فيَموتون منها، فتُنتِن الأرض منهم، فيَجْأر أهلُ الأرض إلى الله، فيُرسل الله ماءً، فيُطهّر الأرض منهم، ثم يَبعث ريحًا فيها زمهرير باردة، فلا تَدعُ على وجه الأرض مؤمنًا إلا كُفِئتْ بتلك الريح، ثم تقوم الساعة على شرار الناس، ثم يقوم مَلك الصور بين السماء والأرض فيَنفخ فيه، فلا يَبقى خَلْقٌ لله في السماوات والأرض إلا مات إلا مَن شاء ربّك، ثم يكون بين النفختين ما شاء الله أن يكون، فليس من ابن آدم خَلْقٌ إلا وفي الأرض منه شيء، ثم يُرسل الله ماءً مِن تحت العرش، مَنيًّا كمنيّ الرجال، فتَنبُتُ جسمانهم ولحمانهم مِن ذلك الماء كما تَنبُتُ الأرض من الثَّرى. ثم قرأ عبد الله: ﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَسُقْناهُ إلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ [فاطر:٩]. ثم يقوم مَلَك بالصور بين السماء والأرض، فيَنفخ فيه، فتَنطلِق كلُّ نفسٍ إلى جسدها حتى تَدخل فيه، فيَقومون، فيَجيئون مجيئة رجل واحد قيامًا لربّ العالمين، ثم يَتمَثَّل اللهُ للخَلْق، فيَلقاهم، فليس أحدٌ مِن الخَلْق يعبد من دون الله شيئًا إلا هو مُرتفع له يَتَّبعه، فيَلقى اليهود، فيقول: ما تعبدون؟ فيقولون: نعبد عُزَيْرًا. فيقول: هل يَسُرّكم الماء؟ قالوا: نعم، فيُريهم جهنم كهيئة السّراب. ثم قرأ عبد الله: ﴿وعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضًا﴾ [الكهف:١٠٠]. ثم يَلقى النصارى، فيقول: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: المسيح. فيقول: هل يَسُرُّكم الماء؟ قالوا: نعم. فيُريهم جهنم كهيئة السّراب، وكذلك لِمَن كان يعبد من دون الله شيئًا. ثم قرأ عبد الله: ﴿وقِفُوهُمْ إنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات:٢٤]. حتى يَمُرّ المسلمون، فيَلقاهم، فيقول: مَن تعبدون؟ فيقولون: نعبد الله ولا نُشرك به شيئًا. فيَنتهِرهم مرة أو مرتين: مَن تعبدون؟ فيقولون: نعبد الله ولا نُشرك به شيئًا. فيقول: هل تَعرفون ربكم؟ فيقولون: سبحان الله، إذا اعترف لنا عَرفناه. فعند ذلك ﴿يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾، فلا يَبقى مؤمن إلا خَرّ لله ساجدًا، ويَبقى المنافقون ظهورهم طَبقٌ واحد كأنما فيها السَّفافِيدُ، فيقولون: ربّنا. فيقول: قد كنتم تُدعَون إلى السجود وأنتم سالمون. ثم يُؤمر بالصراط، فيُضرب على جهنم، فتَمُرّ الناس بأعمالهم زُمَرًا؛ أوائلهم كلمْح البصر، أو كلمْح البَرْق، ثم كمَرّ الريح، ثم كمَرّ الطير، ثم كأسرع البهائم، ثم كذلك، حتى يجيء الرجل سَعيًا، حتى يجيء الرجل مشيًا، حتى يجيء آخرهم رجل يَتكفّأ على بطنه، فيقول: يا ربّ، أبطأتَ بي. فيقول: إنما أبطأ بك عملُك. ثم يأذن الله في الشفاعة، فيكون أول شافع جبريل، ثم إبراهيم خليل الله، ثم موسى -أو قال: عيسى- ثم يقوم نبيّكم ﷺ رابعًا لا يَشفع أحد بعده فيما يَشفع فيه، وهو المقام المحمود الذي وعده الله: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩]. فليس من نفسٍ إلا تَنظر إلى بيت في الجنة، وبيت في النار، وهو يوم الحسْرة، فيَرى أهلُ النار البيت الذي في الجنة، فيقال: لو عَمِلتم. ويَرى أهل الجنة البيت الذي في النار، فيقال: لولا أن منّ الله عليكم. ثم يَشفع الملائكة والنّبيّون والشهداء والصالحون والمؤمنون، فيُشَفّعهم الله، ثم يقول: أنا أرحم الراحمين. فيُخرج من النار أكثر مما أخرَج من جميع الخَلْق برحمته، حتى ما يَترك فيها أحدًا فيه خير. ثم قرأ عبد الله: قل يا أيها الكفار: ﴿ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ إلى قوله: ﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر:٤٢-٤٦]. قال: تَرون في هؤلاء أحدًا فيه خير؟ لا، وما يَترك فيها أحدًا فيه خير، فإذا أراد الله أن لا يُخرج منها أحدًا غَيّر وجوههم وألوانهم، فيجيء الرجل مِن المؤمنين، فيَشفع، فيقال له: مَن عرف أحدًا فليُخرجه. فيجيء الرجل، فينظر، فلا يَعرف أحدًا، فيقول الرجل للرجل: يا فلان، أنا فلان. فيقول: ما أعرفك. فيقولون: ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها فَإنْ عُدْنا فَإنّا ظالِمُونَ﴾. فيقول: ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٧، ١٠٨]. فإذا قال ذلك أُطبقتْ عليهم، فلم يَخرج منهم بشر
عن عبد الله بن مسعود -من طريق أبي وائل- قال: يُعرض الناس يوم القيامة ثلاث عَرَضاتٍ؛ فأمّا عَرْضتان فجِدالٌ ومَعاذير، وأما العَرْضة الثالثة فتَطايُر الكتب في الأيمان والشمائل