سورة المؤمنون — الآية ١٠٦

عن محمد بن عبد الله: أنّ إياس بن معاوية قدم الشام، فأراد الحجَّ منها، فلَقِي في الطريق غيلان الدمشقي. فقال: أيْ إياسُ، هذا مِن القَدَر؟ فقال له إياس: إن شئتَ سألتني، وإن شئتَ سألتك. فقال له غيلان: تكلم. فقال: إن شئت أخبرتك بقول أهل الجنة، وأهل النار، والملائكة، والشيطان، وقول العرب في أشعارها، وقول العجم في أمثالها. قال له غيلان: أخبِرني بها. قال: قال أهل الجنة حين دخولها: ﴿الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله﴾ [الأعراف:٤٣]، وقال أهل النار حين دخولها: ﴿ربنا غلبت علينا شقوتنا﴾ [المؤمنون:١٠٦]، وقالت الملائكة: ﴿لا علم لنا إلا ما علمتنا﴾ [البقرة:٣٢]، وقال الشيطان: ﴿رب بما أغويتني... ﴾ [الحجر:٣٩]...

سورة الكهف — الآية ٧٣

قال مقاتل بن سليمان: ﴿قال﴾ موسى: ﴿لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني﴾ يعني: تُغَشِّيني ﴿من أمري عسرا﴾ يعني: مِن قولي عسرًا. ثم قعد موسى مهمومًا يقول في نفسه: لقد كنت غنيًّا عن اتِّباع هذا الرجل وأنا في بني إسرائيل أُقرِئُهم كتاب الله عز وجل غُدوةً وعَشِيًّا. فعلم الخضِر ما حدَّث به موسى نفسَه، وجاء طير يدور، يرون أنه خَطّاف، حتى وقع على ساحل البحر، فنكث بمنقاره في البحر، ثم وقع على صدر السفينة، ثم صَوَّت، فقال الخضِر لموسى: أتُدْرِك ما يقولُ هذا الطائر؟ قال موسى: لا أدري. قال الخضِر: يقول: ما عِلْمُ الخضِر وعِلْمُ موسى في عِلْمِ الله إلا كقدر ما رفعتُ بمنقاري مِن ماء البحر في قَدْر البحر. ثم خرجا من السفينة على بحر أيْلَة

سورة الحجر — الآية ٤٠

عن محمد بن عبد الله: أنّ إياس بن معاوية قدم الشام، فالتقى غيلان [الدمشقي] في طريقهما إلى الحج، فقال غيلان: أيْ إياس، هذا مِن القَدَر؟ قال: فقال له إياس: إن شئتَ سألتَني، وإن شئتَ سألتُك. فقال له غيلان: تكلَّم. فقال: إن شئتَ أخبرتُك بقول أهل الجنة، وأهل النار، والملائكة، والشيطان، وقول العرب في أشعارها، وقول العجم في أمثالها. قال له غيلان: أخبِرني بها. قال: قال أهل الجنة حين دخولها: ﴿الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله﴾ [الأعراف:٤٣]، وقال أهل النار حين دخولها: ﴿ربنا غلبت علينا شقوتنا﴾ [المؤمنون:١٠٦]، وقالت الملائكة: ﴿لا علم لنا إلا ما علمتنا﴾ [البقرة:٣٢]، وقال الشيطان: ﴿رب بما أغويتني﴾...

سورة المؤمنون — الآية ٦٣

قال يحيى بن سلّام: ﴿ولهم﴾ يعني: المشركين ﴿أعمال من دون ذلك﴾ دون أعمال المؤمنين هي شَرٌّ مِن أعمال المؤمنين، ﴿هم لها عاملون﴾ لتلك الأعمال... وبعضهم يقول: أعمال لم يعملوها، سيعملونها. عن عمر بن الخطاب، قال: يا رسول الله، أنعمل لِما قد فُرِغ منه أو لِما نَأْتَنِف؟ قال: «لا، بل اعمل لِما قد فُرِغ منه». قال: ففيمَ العمل إذًا؟ قال: «اعملوا، فكُلٌّ لا يُنال إلا بعمل». قال: هذا حين نجتهد. وعن عمر بن الخطاب، قال: يا رسول الله، ما العمل اليوم، أشيءٌ مُستأنف، أم شيء قد فُرِغ منه؟ قال: «قد فُرِغ منه». قال: ففِيمَ العمل اليوم؟ فقال: «كلُّ عبدٍ مُؤَتًّى لِما خُلِق له».= وعن مطرف بن عبد الله بن الشخير، قال: لم تُكَلوا إلى القدر، وإليه تصيرون

سورة القدر — الآية ١

عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- قال: دعا عمر أصحابَ النبيِّ ﷺ، فسألهم عن ليلة القدر، فأجمَعوا أنها في العشر الأواخر، فقلتُ لعمر: إني لأعلم وإني لأظنّ أي ليلة هي. قال: وأي ليلة هي؟ قلتُ: سابعة تمضى، أو سابعة تبقى من العشر الأواخر. قال عمر: ومن أين علِمتَ ذلك؟ قلتُ: خلق الله سبع سماوات، وسبع أرضين، وسبعة أيام، وإنّ الدهر يدور في سبع، وخُلِق الإنسان من سبع، ويأكل من سبع، ويسجد على سبعة أعضاء، والطواف بالبيت سبع، والجمار سبع -لأشياء ذكرها-. فقال عمر: لقد فطِنتَ لأمر ما فطِنّا له. وكان قتادة يزيد عن ابن عباس في قوله: ويأكل من سبع. قال: هو قول الله تعالى: ﴿فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا وعِنَبًا وقَضْبًا﴾ [عبس:٢٧-٢٨]

اختُلِف في تفسير هذه الآية؛ فقال بعضهم: هو دلالة على عدد الطلاق الذي يكون للرجل فيه الرجعة على زوجته، والعدد الذي تَبِينُ به زوجته منه. وقال آخرون: إنما أُنزِلت هذه الآية على النبي ﷺ تعريفًا من الله عبادَه سُنَّةَ طلاقهم نساءَهم، لا دلالة على العدد الذي تَبِينُ به المرأة من زوجها. ورَجَّح ابنُ جرير (٤‏/‏١٢٩) القولَ الأولَ الذي قال به عروة، وقتادة، وابن زيد، والسُّدِّيُّ، وعكرمة مُسْتَنِدًا إلى القرآن، فقال: «وذلك أنّ الله -تعالى ذكره- قال في الآية التي تتلوها: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره﴾، فعَرَّف عبادَه القَدْرَ الذي به تَحْرُمُ المرأةُ على زوجها إلا بعد زوج، ولم يُبَيِّن فيها الوقتَ الذي يجوز الطلاق فيه والوقت الذي لا يجوز ذلك فيه». وعَلَّق ابنُ عطية (١‏/‏٥٦١) بعد ذكره لكلا القولين، فقال: «والآيةُ تتضمنُ هذين المعنيين»

عَلَّق ابنُ عطية (٢‏/‏٣٥٤-٣٥٥) على قول ابن عباس مستدلاًّ بالسُّنَّة، وقولِ الجمهور، فقال: «وفي الحديث عن النبي: «إنّ بين المصراعين من أبواب الجنة مسيرة أربعين سنة، وسيأتي عليها يوم يزدحم الناس فيها كما تزدحم الإبل إذا وردت خمصًا ظِماء». وفي الحديث عنه ﷺ: «إنّ في الجنة شجرة يسير الراكب المُجِدُّ في ظِلِّها مائة عام لا يقطعها». فهذا كله يُقَوِّي قولَ ابن عباس، وهو قول الجمهور: أنّ الجنة أكبرُ من هذه المخلوقات المذكورة، وهي مُمْتَدَّةٌ عن السماء حيث شاء الله تعالى، وذلك لا يُنكَر؛ فإنّ في حديث النبي ﷺ: «ما السماوات السبع والأرضون السبع في الكرسي إلا كدراهم أُلْقِيَت في فلاةٍ من الأرض، وما الكرسيُّ في العرش إلا كحلقة في فلاةٍ من الأرض». فهذه مخلوقات أعظم بكثير جِدًّا من السماوات والأرض، وقدرة الله تعالى أعظم من ذلك كله»

ظاهر قول مقاتل وقول الضحاك السابق عليه تفسيرُ الإسراف في الآية بالخطايا الكبار، وقد نقل ابنُ تيمية (٢‏/‏١٥٦) أنّ بعض العلماء فرَّق بين الذنوب وبين الإسراف، فقال: «قيل: إنّ الذنوب هي الصغائر، والإسراف هو الكبائر». ثُمَّ علَّق بقوله: «والتحقيق: أنّ الذنوب اسمُ جنس، والإسراف: تعدي الحد، ومجاوزة القصد، كما في لفظ الإثم والعدوان، فالذنوب كالإثم، والإسراف كالعدوان، كما في قوله: ﴿غير باغ ولا عاد﴾ ومجاوزة قدر الحاجة، فالذنوب مثل اتباع الهوى بغير هدى من الله، فهذا كله ذنب، كالذي يرضى لنفسه، ويغضب لنفسه، فهو متبع لهواه، والإسراف كالذي يغضب لله، فيعاقب أكثر مما أمر الله، والآية في سياق قتال المشركين، وما أصابهم يوم أحد»

لم يذكر ابنُ جرير (٨‏/‏٣١٥) في صفة تِيهِهِم سوى أثر مجاهد، والربيع من طريق أبي جعفر. ونقل ابنُ عطية (٣‏/‏١٤٣) عن مجاهد وغيره قوله: «كانوا يسيرون النهار أحيانًا، والليل أحيانًا، فيمسون حيث أصبحوا، ويصبحون حيث أمسوا، وذلك في مقدار ستة فراسخ». ثم ذكر احتمالًا آخر: «أن يكون تيههم بافتراق الكلمة، وقلة اجتماع الرأي، وأنّ الله تعالى رماهم بالاختلاف، وعلموا أنها قد حرمت عليهم أربعين سنة، فتفرقت منازلهم في ذلك الفحص، وأقاموا ينتقلون من موضع إلى موضع على غير نظام واجتماع، حتى كملت هذه المدة، وأذن الله بخروجهم». ثم علَّق على هذا الاحتمال وعلى قول مجاهد بقوله: «وهذا تِيهٌ ممكن محتمل على عرف البشر، والآخر الذي ذكر مجاهد إنما هو خَرْقُ عادة وعجب من قدرة الله تعالى»

ذكر ابنُ عطية (٤‏/‏٥٣١-٥٣٢) أنّ الله أعْلَمَ في آخر هذه الآية أنّ النظر في الآيات والسماع مِن النذر -وهم الأنبياء- لا يُغْنِي إلا بمشيئة الله، وأنّ ذلك غير نافع لقوم قد قضى الله أنهم لا يؤمنون، ثم علَّق بقوله: «وهذا على أن تكون»ما«نافية». ثم بيَّن أنه يجوز أن يُعَدَّ استفهامًا على جهة التقرير الذي في ضمنه نفي وقوع الغناء، ويكون في الآية -على هذا- توبيخٌ لحاضري رسول الله ﷺ من المشركين. ثم قال: «ويحتمل أن تكون»ما«في قوله: ﴿وما تغني﴾ مفعولة بقوله: ﴿انظروا﴾، معطوفة على قوله: ﴿ماذا﴾، أي: تأملوا قدر غناء الآيات والنذر عن الكفار إذا قبِلوا ذلك كفعل قوم يونس فإنّه يرفع بالعذاب في الدنيا والآخرة، وينجي من الهلكات، فالآية على هذا تحريض على الإيمان». وبيَّن أنّ تجوز اللفظ -على هذا التأويل- إنّما هو في قوله: ﴿لا يؤمنون﴾