وجَّه ابنُ عطية (٥‏/‏٣٦٤) قول ابن عباس من طريق العوفي بقوله: «وعلى هذا فأول ذرور الشمس [طلوعها] فالظل عن يمين مستقبل الجنوب، ثم يبدأُ الانحراف فهو عن الشمائل؛ لأنها حركات كثيرة وظلال مقطعة، فهي شمائل كثيرة، وكان الظل عن اليمين متصلًا واحدًا عامًّا لكلِّ شيءٍ، وفي هذا القول تجوُّز في ﴿يَتَفَيَّأُ﴾». ووجَّه قول قتادة، وابن جريج بقوله: «ومن ذهب إلى أن اليمين: من غدوة النهار إلى الزوال، ثم يكون من الزوال إلى المغيب عن الشمال -وهو قول قتادة، وابن جريج-، فإنما يترتب له ذلك فيما قدره مستقبل الجنوب، والاعتبار في هذه الآية عندي إنما هو مستقبل الجنوب». ثم ذكر قولًا عن بعض الناس، وانتقده، فقال: «وما قاله بعض الناس من: أن اليمين أول دفعة للظل بعد الزوال، ثم الآخر إلى الغروب هي عن الشمائل، ولذلك جمع الشَّمائل وأفرد اليمين. فتخليط من القول يبطل من جهات». ولم يذكرها

اختُلِف في الخير الذي أمر الله تعالى عباده بكتابة عبيدهم إذا علموه فيهم؛ فقال قوم: فهو القدرة على الاحتراف والكسب. وقال آخرون: الوفاء والصدق. وقال غيرهم: المال. ورجَّح ابنُ جرير (١٧‏/‏٢٨٢) مستندًا إلى الدلالة العقلية واللغة القولين الأولين، وانتقد الأخير، فقال:«وأولى هذه الأقوال في معنى ذلك عندي قولُ مَن قال: معناه: فكاتِبوهم إن علمتم فيهم قوة على الاحتراف والاكتساب، ووفاء بما أوجب على نفسه وألزمها، وصدق لهجة. وذلك أنّ هذه المعاني هي الأسباب التي بمولى العبد الحاجة إليها إذا كاتب عبده، مما يكون في العبد؛ فأما المال وإن كان من الخير فإنه لا يكون في العبد، وإنما يكون عنده أو له، لا فيه، واللهُ إنما أوجب علينا مكاتبة العبد إذا علمنا فيه خيرًا، لا إذا علمنا عنده أو له، فلذلك لم نقل: إنّ الخير في هذا الموضع معني به: المال»

قال ابن عطية (٧‏/‏٤٧٥): ""أما المعنى فيحتمل وجهين:أحدهما: أن يريد: وما كنتم تتصاونون وتحجزون أنفسكم عن المعاصي والكفر خوف أن يشهد، أو لأجل أن يشهد، ولكن ظننتم أن الله لا يعلم، فانهمكتم وجاهرتم. وهذا هو منحى مجاهد. والستر ينصرف على هذا المعنى ونحوه، ومنه قول الشاعر:والستر دون الفاحشات وما يلقاك دون الخير من ستروالمعنى الثاني أن يريد: وما كنتم تمتنعون ولا يمكنكم ولا يسعكم الاختفاء عن أعضائكم والاستتار عنها بكفركم ومعاصيكم، ولا تظنون أنها تصل بكم إلى هذا الحد. وهذا هو منحى السُّدّيّ، كأن المعنى: وما كنتم تدفعون بالاختفاء والستر أن تشهد؛ لأنّ الجوارح لزيمة لكم، وفي إلزامه إياهم الظنَّ بأن الله تعالى لا يعلم إلزامهم الكفر والجهل بالله، وهذا المعتقد يؤدي بصاحبه إلى تكذيب أمر الرسل واحتقار قدرة الله تعالى، لا ربّ غيره""

اختُلف في معنى: «الحاسد» على قولين: الأول: أنه كلّ حاسد أُمِرَ النبي أن يستعيذ من شرّ عينه ونفسه. الثاني: أنهم اليهود الذين حسدوا النبي، فأُمِر أن يستعيذ من شرّهم. ووجَّه ابنُ عطية (٨‏/‏٧١٦) القول الأول -وهو قول قتادة وما في معناه- بقوله: «يريد: السعي الخبيث والإذاية كيف قدر؛ لأنه عدوٌّ مجدٌّ ممتحن». ورجَّح ابنُ جرير (٢٤‏/‏٧٥٢) العموم، فقال: «وأولى القولين بالصواب في ذلك قول مَن قال: أُمِر النبي أن يستعيذ من شرِّ كلِّ حاسدٍ إذا حسد، فعابه أو سحره، أو بغاه سوءًا». ثم علَّل ذلك بقوله: «لأنّ الله عز وجل لم يَخْصُص من قوله: ﴿ومِن شَرِّ حاسِدٍ إذا حَسَدَ﴾ حاسدًا دون حاسد، بل عمَّ أمْرَه إيّاه بالاستعاذة من شرِّ كلِّ حاسد، فدل ذلك على عمومه»

رجَّحَ ابنُ جرير (٣‏/‏٢١٣-٢١٤) قولَ عطاء، والحسن، ومجاهد، ومَن قال بقولهم، مستندًا إلى القرآن، والسنة، والقياس، قال: «الأَوْلى عندنا بالصواب قولُ من قال: إنّ إباحة الإفطار في السفر رخصةٌ من الله -تعالى ذِكْرُه-، رَخَّصها لعباده، والفرض الصوم. فمن صام ففرضَه أدّى، ومن أفطر فبرخصة الله له أفطر. قالوا: وإن صام في سفر فلا قضاء عليه إذا أقام». واستدلّ بثلاثة أدلة: ١- الإجماع على أن المريض لو صام أجزأه صومه ولا قضاء عليه، وحكم المسافر حكمه. ٢- قوله تعالى: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾، ولا عسر أعظم من أن يُلْزَم مَن صامه في سفره عِدَّةً من أيام أُخَر. ٣- تظاهر الأخبار عن رسول الله ﷺ بقوله إذ سئل عن الصوم في السفر: «إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر». ووجَّه (٣‏/‏٢١٦) الأخبار في وجوب الإفطار في السفر، ثم انتَقَدَها، فقال: «وأما الأخبار التي رويت عنه ﷺ من قوله: «الصائم في السفر كالمفطر في الحضر». فقد يحتمل أن يكون قيل لِمَن بلغ منه الصوم ما بلغ مِن هذا الذي ظُلِّلَ عليه، إن كان قبِل ذلك. وغير جائز عليه أن يضاف إلى النبي ﷺ قيلُ ذلك؛ لأن الأخبار التي جاءت بذلك عن رسول الله ﷺ واهية الأسانيد، لا يجوز الاحتجاج بها في الدين». ورجَّحَ ابنُ كثير (١‏/‏٥٠٣) ما ذهبَ إليه ابنُ جرير مستندًا إلى السنة، فقال: «ذهب آخرون من الصحابة والتابعين إلى وجوب الإفطار في السفر؛ لقوله: ﴿فعدة من أيام أخر﴾، والصّحيح قول الجمهور أنّ الأمر في ذلك على التخيير، وليس بحتم؛ لأنهم كانوا يخرجون مع رسول الله ﷺ في شهر رمضان، قال:»فمِنّا الصائم ومِنّا المفطر، فلم يَعِب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم«. فلو كان الإفطار هو الواجب لأنكر عليهم الصيام، بل الذي ثبت من فعل رسول الله ﷺ أنه كان في مثل هذه الحالة صائمًا لِما ثبت في الصحيحين عن أبي الدرداء، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في شهر رمضان في حرٍّ شديد، حتى إن كان أحدنا لَيَضَعُ يده على رأسه من شدّة الحرّ، وما فينا صائم إلا رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحة». وقال: «أمّا إن رغب عن السنة، ورأى أن الفطر مكروه إليه، فهذا يتعيّن عليه الإفطار، ويحرم عليه الصّيام والحالة هذه؛ لِما جاء في مسند الإمام أحمد وغيره عن ابن عمر وجابر وغيرهما: مَن لم يقبل رخصة الله كان عليه من الإثم مثل جبال عرفة»

ظاهر صنيع ابن جرير (٣‏/‏٥٤٠-٥٤١) جمعه بين الأقوال الواردة في ذكر الله كذكر الآباء؛ فقد رَجَّح أنّ الذكر بإطلاقٍ هو العبادة لله والخضوع لأمره، لكنه في هذا الموطن مراد به التكبير؛ لدلالة العقل والسياق، فقال: «وذلك الذِّكْرُ جائزٌ أن يكون هو التكبير الذي أمر به -جل ثناؤه- بقوله: ﴿واذكروا الله في أيام معدودات﴾ [البقرة:٢٠٣]، الذي أوْجَبَه على من قضى نُسُكه بعد قضائِه نُسُكَه، فألزمه حينئذ من ذِكْرِه ما لم يكن له لازمًا قبل ذلك، وحثَّ على المحافظة عليه محافظة الأبناء على ذكر الآباء في الإكثار منه؛ بالاستكانة له، والتضرع إليه بالرغبة منهم إليه في حوائجهم كتضرع الولد لوالديه، والصبي لأمه وأبيه، أو أشد من ذلك؛ إذ كان ما كان بهم وبآبائهم من نعمة فمِنه، وهو وليُّه. وإنما قلنا: الذِّكْرُ هنا هو التكبير مِن أجل أنّه لا ذكر لله أمَرَ العبادَ به بعد قضاء مناسكهم لم يكن عليهم مِن فرضه قبل قضائهم مناسكهم، سوى التكبير الذي خصَّ الله به أيام منى. فإذ كان ذلك كذلك، وكان معلومًا أنه -جل ثناؤه- قد أوْجَب على خلقه بعد قضائهم مناسكهم من ذكره ما لم يكن واجبًا عليهم قبل ذلك، وكان لا شيء من ذكره خصَّ به ذلك الوقت سوى التكبير الذي ذكرناه؛ كانت بينة صحة ما قلنا من تأويل ذلك على ما وصفنا»

لم يذكر ابنُ جرير (١٠‏/‏٣١٩) في تفسير قوله تعالى: ﴿وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا﴾ غير قول السدي. وذكر ابنُ عطية (٣‏/‏٦١٥ بتصرف) عدة احتمالات في الاستثناء الوارد في الآية: أولها: أن يريد: إلا أن يسبق علينا من الله في ذلك سابقٌ وسوء وينفذ منه قضاء لا يرد. وهو موافق لقول السدي، وقد وجَّهه بقوله: «والمؤمنون هم المُجَوِّزون لذلك، وشعيب قد عَصَمَتْه النبوة». ورجّحه مستندًا إلى ظاهر الآية بقوله: «وهذا أظهر ما يحتمل القول... وقوله: ﴿عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا﴾ استسلام لله، وتمسك بلفظه، وذلك يؤيد التأويل الأول في قوله: ﴿إلا أن يشاء الله﴾». ثانيها: ويحتمل أن يريد استثناء ما يمكن أن يَتعبد اللهُ به المؤمنين مما يفعله الكفار من القربات. ثالثها: ويحتمل أن يريد بذلك معنى الاستبعاد، كما تقول: لا أفعل كذا حتى يشيب الغراب. وهذا تأويل إنما هو للمعتزلة الذين من مذهبهم أنّ الكفر والإيمان ليسا بمشيئة من الله تعالى، فلا يترتب هذا التأويل إلا عندهم، وهذا تأويل حكاه المفسرون ولم يشعروا بما فيه. رابعها: إنّ هذا الاستثناء إنما هو تستر وتأدب. ويقلق هذا التأويل من جهة استقبال الاستثناء، ولو كان في الكلام «إن شاء الله» قوي هذا التأويل

نقل ابنُ جرير (١٧‏/‏٤٧٥) اختلافًا عن السلف في تفسير قوله: ﴿وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا﴾ على قولين: الأول: أنّه جعل بينهما يبسًا. الثاني: أنّه جعل بينهما حاجِزًا مِن قدرته سبحانه؛ فلا يُغَيِّر أحدُهما الآخر ولا يفسده. وقد رجّح ابنُ جرير مستندًا إلى ظاهر الآية القول الثاني، وعلَّل ذلك بقوله: «لأن الله -تعالى ذِكْرُه- أخبر في أول الآية أنّه مرج البحرين، والمرج: هو الخلط في كلام العرب. على ما بينتُ قبلُ، فلو كان البرزخ الذي بين العذب الفرات من البحرين والملح الأجاج أرضًا أو يبسًا لم يكن هناك مَرْجٌ للبحرين، وقد أخبر -جلَّ ثناؤه- أنّه مرجهما، وإنّما عرفنا قدرته بحجزه هذا الملح الأجاج عن إفساد هذا العذب الفرات مع اختلاط كل واحد منهما بصاحبه، فأمّا إذا كان كل واحد منهما في حيِّز عن حيِّز صاحبه فليس هناك مَرْجٌ، ولا هناك مِن الأعجوبة ما يُنَبَّه عليه أهلُ الجهل به من الناس ويذكرون به، وإن كان كل ما ابتدعه ربنا عجيبًا، وفيه أعظم العبر، والمواعظ، والحجج البوالغ». وذكر ابنُ عطية (٦‏/‏٤٤٦) في الآية أقوالًا، ثم علّق بقوله: «والذي أقول به في الآية: إنّ المقصد بها التنبيه على قدرة الله تعالى، وإتقان خلقه للأشياء في أن بثَّ في الأرض مياهًا عذبة كثيرة مِن أنهار وعيون وآبار، وجعلها خلال الأجاج، وجعل الأجاج خلالها، فتلقّى البحر قد اكْتَنَفَتْه المياهُ العذبة في ضفتيه، وتلقى الماء العذب في الجزائر ونحوها قد اكتنفه الماء الأجاج فبثها هكذا في الأرض هو خلطها، وهو قوله: ﴿مَرَجَ﴾، ومنه: مريج، أي: مختلط مشتبك، ومنه: ﴿في أمر مريج﴾ [ق:٥]. والبحران يريد بهما: جميع الماء العذب، وجميع الماء الأجاج، كأنه قال: مرج نوعي الماء. والبرزخ والحجر: هو ما بين البحرين من الأرض واليبس. قاله الحسن. ومنه القدرة التي تمسكها مع قرب ما بينهما في بعض المواضع»

سورة البقرة — الآية ٢٦٧

عن البراء بن عازب -من طريق أبي مالك عند بعضهم، أو عدي بن ثابت عند البعض الآخر- في قوله: ﴿ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون﴾، قال: نزلت فينا معشر الأنصار، كنا أصحاب نخل، فكان الرجل يأتي من نخله على قدر كثرته وقلِّته، وكان الرجل يأتي بالقِنْوِ والقِنْوين فيعلِّقه في المسجد، وكان أهل الصُّفَّة ليس لهم طعام، فكان أحدهم إذا جاع أتى القِنْوَ فضربه بعصاه، فيسقط البُسْرُ والتمر فيأكل، وكان ناس مِمَّن لا يرغب في الخير يأتي الرجل بالقِنْو فيه الشِّيصُ والحَشَفُ، وبالقِنو قد انكسر فيعلقه؛ فأنزل الله: ﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه﴾. قال: لو أنّ أحدكم أُهْدِي إليه مثل ما أعطى لم يأخذه إلا عن إغْماض وحياء. قال: فكنا بعد ذلك يأتي أحدنا بصالح ما عنده

سورة المائدة — الآية ٢٢

عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- في قوله: ﴿ادخلوا الأرض المقدسة﴾، قال: هي مدينة الجبارين، لَمّا نزل بها موسى وقومُه بعث منهم اثني عشر رجلًا، وهم النقباء الذين ذكرهم الله تعالى؛ ليأتوهم بخبرهم، فساروا، فلقيهم رجل من الجبارين، فجعلهم في كسائه، فحملهم حتى أتى بهم المدينة، ونادى في قومه، فاجتمعوا إليه، فقالوا: مَن أنتم؟ قالوا: نحن قوم موسى، بعثنا لنأتيه بخبركم. فأعطوهم حبة من عِنَب تكفي الرجل، وقالوا لهم: اذهبوا إلى موسى وقومه، فقولوا لهم: اقدروا قدر فاكهتهم. فلمّا أتوهم قالوا: يا موسى، اذهب أنت وربك فقاتِلا إنا ها هنا قاعدون. (قال رجلان من الذين يُخافون أنْعَمَ الله عليهما)، وكانا من أهل المدينة، أسلما، واتَّبعا موسى، فقالا لموسى: ﴿ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون﴾