سورة الرعد — الآية ٢١

عن قتادة بن دعامة، في قوله: ﴿والَّذين يصلُون ما أمر الله به أن يُوصَلَ﴾، قال: ذُكِر لنا: أنّ نبيَّ الله ﷺ كان يقول: «اتَّقُوا اللهَ، وصِلُوا الأرحام؛ فإنّه أبْقى لكم في الدنيا، وخيرٌ لكم في الآخرة». وذُكِر لنا: أنّ رجلًا مِن خَثْعَم أتى النبيَّ ﷺ وهو بمكة، فقال: أنت الذي تزعُمُ أنّك رسولُ الله؟ قال: «نعم». قال: فأيُّ الأعمالِ أحبُّ إلى الله؟ قال: «الإيمانُ بالله». قال: ثُمَّ مهْ؟ قال: «ثُمَّ صِلَة الرَّحِم». وكان عبد الله بن عمرو يقول: إنّ الحليم ليس مَن ظُلِم ثُمَّ حَلُم، حتى إذا هيَّجه قومٌ اهْتاج، ولكن الحليمَ مَن قَدَر ثُمَّ عَفا، وإنّ الوَصُولَ ليس مَن وُصِل ثُمَّ وصَل، فتلك مُجازاةٌ، ولكنَّ الوَصُول مَن قُطِع ثم وصَل، وعَطَف على مَن لم يَصِلْه

سورة العنكبوت — الآية ٦٩

عن عمر بن الخطاب، قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ ذات يوم؛ إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه مِنّا أحد، حتى جلس إلى النبي ﷺ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام. فقال رسول الله ﷺ: «الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله ﷺ، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا». قال: صدقت. قال: فعجبنا له يسأله، ويصدقه! قال: فأخبرني عن الإيمان. قال: «أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره». قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان. قال: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»

سورة غافر — الآية ١٦

عن شَهْر بن حَوْشَب -من طريق ابن أبي حسين- أنه حدَّثه قال: كان يُقال: إذا كان يوم القيامة مُدَّت الأرضُ مَدَّ الأديم، ثم حشر اللهُ مَن فيها مِن الجن والإنس، ثم أخذوا مصافَّهم من الأرض، ثم نزل أهل السماء بمثل مَن في الأرض، ومثلهم معهم مِن الجن والإنس، ثم أخذوا مصافَّهم من الأرض، حتى إذا كانوا على رؤوس الخلائق أضاءت الأرضُ لوجوههم، فيخرّ أهل الأرض ساجدين، ثم أخذوا مصافّهم، ثم ينزل أهل السموات السبع على قدر ذلك من التضعيف. قال: ﴿ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية﴾ [الحاقة:١٧]، تحمله الملائكة على كواهلها بأيْدٍ وعزّة وحُسن وجمال، حتى إذا استوى على كرسيه نادى: ﴿لمن الملك اليوم﴾؟! فلم يجبه أحد، فيعطفها على نفسه، فقال: ﴿لله الواحد القهار اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب﴾

سورة المدثر — الآية ١٨

قال مجاهد: إنّ الوليد بن المُغيرة كان يَغشى النبيَّ ﷺ وأبا بكر رضي الله عنه، حتى حَسبتْ قريش أنه يُسلم، فقال له أبو جهل: إنّ قريشًا تزعم أنك إنما تأتي محمدًا وابن أبي قُحافة تُصيب من طعامهما. فقال الوليد لقريش: إنكم ذوو أحساب وذوو أحلام، وإنكم تزعمون أنّ محمدًا مجنون، وهل رأيتموه يُجَنُّ قطّ؟ قالوا: اللهم، لا. قال: تزعمون أنه كاهن، وهل رأيتموه يتكهّن قطّ؟ قالوا: اللهم، لا. قال: تزعمون أنه شاعر، هل رأيتموه يَنطق بشعرٍ قطّ؟ قالوا: لا. قال: فتزعمون أنه كذّاب، فهل جربتم عليه شيئًا من الكذب؟ قالوا: لا. قالتْ قريش للوليد: فما هو؟ فتفَكّر في نفسه، ثم نَظر، وعبس، فقال: ما هو إلا ساحر، وما يقوله سحرٌ. فذلك قوله: ﴿إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾

سورة عبس — الآية ٣٣

عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- قال: دعا عمرُ بن الخطاب أصحابَ محمد ﷺ، فسألهم عن ليلة القدر، فأجمعوا أنها في العشر الأواخر. قال عبد الله بن عباس: فقلت لعمر: إني لَأعلم، وإني لَأظن أي ليلة هي. فقال عمر: وأي ليلة هي؟ فقلت: سابعة تمضي، أو سابعة تبقى من العشر الأواخر. فقال عمر: ومِن أين علمتَ ذلك؟ فقال ابن عباس: قلتُ: خلق الله سبع سماوات، وسبع أرضين، وسبعة أيام، وإنّ الشهر يدور في سبع، وخَلق الإنسان من سبع، ويأكل من سبع، ويسجد على سبع، والطواف بالبيت سبع، ورمي الجمار سبع، لأشياء ذكرها. فقال عمر: لقد فطنتَ لأمر ما فطنّا له. وكان قتادة يزيد عن ابن عباس في قوله: ويأكل من سبع. قال: هو قول الله عز وجل: ﴿فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا وعِنَبًا وقَضْبًا﴾

انتَقَدَ ابنُ جرير (٣‏/‏٦٩٣ بتصرف) هذا القولَ الذي قال به ابن عباس من طريق علي، وطاووس من طريق ابن جريج، مستندًا إلى السنة والنظائر، فقال: «لا وجْهَ لقولِ من يقول:... ؛ لأن النبيَّ ﷺ لَمّا قال له أبو لُبابة: إنّ مِن توبتي أن أنْخَلِع إلى الله ورسوله من مالي صدقةً. قال النبي ﷺ: «يكفيك من ذلك الثلثُ». وكذلك رُوِي عن كعب بن مالك: أنّ النبي ﷺ قال له نحوًا من ذلك. والثلثُ لا شك أنه بَيِّنٌ فقدُه من مال ذي المال. ولكنه عندي كما قال -جل ثناؤه-: ﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما﴾ [الفرقان:٦٧]، وكما قال -جلَّ ثناؤه- لمحمد ﷺ: ﴿ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا﴾ [الإسراء:٢٩]، وذلك هو ما حدَّه ﷺ فيما دون ذلك على قَدْرِ المالِ واحتمالِه»

ذكر ابنُ القيم (٣‏/‏٦٩) أنّ معنى: ﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى﴾ أي: «بأنه قدر قوسين أو أدنى من ذلك، وليس هذا على وجه الشكّ، بل تحقيقٌ لقدر المسافة، وأنها لا تزيد عن قوسين ألبتة، كما قال تعالى: ﴿وأَرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات:١٤٧]، تحقيق لهذا العدد، وأنهم لا ينقصون عن مائة ألف رجل واحدًا، ونظيره قوله: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كالحِجارَةِ أوْ أشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة:٧٤]، أي: لا تنقص قسوتها عن قسوة الحجارة، بل إن لم تزد على قسوة الحجارة لم تكن دونها». ثم ذهب إليه بقوله: «وهذا المعنى أحسن وألطف وأدقّ من قول مَن جعل ﴿أو﴾ في هذه المواضع بمعنى: بل، ومن قول مَن جعلها للشكّ بالنسبة إلى الرأي، وقول مَن جعلها بمعنى: الواو. فتأمله»

اختُلف في قوله: ﴿من كل أمر﴾ على قولين: الأول: أنهم ينزلون فيها بكلّ أمرٍ قدّره الله وقضاه في هذا العام. الثاني: أنّ المعنى: أنهم لا يلقون مؤمنًا ولا مؤمنة إلا سلّموا عليه. كما أفادته قراءة ابن عباس. وقد رجّح ابنُ جرير (٢٤‏/‏٥٤٨) القول الأول، ولم يذكر مستندًا، وعلّق على قراءة ابن عباس بقوله: «وهذه القراءة من قرأ بها وجَّه معنى (مِن كُلِّ امْرِئٍ): من كلّ ملَك؛ كان معناه عنده: تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كلّ مَلك يُسلّم على المؤمنين والمؤمنات». ثم انتقدها مستندًا لإجماع الحجة من القراء، ومصاحف المسلمين، فقال: «ولا أرى القراءة بها جائزة؛ لإجماع الحجّة من القراء على خلافها، وأنها خلاف لما في مصاحف المسلمين، وذلك أنه ليس في مصحف من مصاحف المسلمين في قوله: ﴿أمْرٍ﴾ ياء، وإذا قُرئتْ: (مِن كُلِّ امْرِئٍ) لحقتها همزة تصير في الخط ياء»

اختلف في المأمور بأخذ الأسلحة؛ فقال قوم: هم الطائفة المصلية. وقال آخرون: الحارسة. ورجَّح ابنُ عطية (٣‏/‏١٠) العموم، فقال: «ولفظ الآية يتناول الكل». واختُلف في المشار إليه بقوله: ﴿فليكونوا﴾؛ فقيل: هم الطائفة التي لم تصل. وقيل: إنهم المصلون معه أُمروا إذا سجدوا أن ينصرفوا إلى الحراسة. واختلف العلماء كيف ينصرفون بعد السجود؛ فقال قوم: إذا أتموا مع الإمام ركعةً أتموا لأنفسهم ركعةً، ثم سلموا، وانصرفوا، وقد تمت صلاتهم. وقال آخرون: ينصرفون عن ركعةٍ. واختلف هؤلاء؛ فقال بعضهم: إذا صلوا مع الإمام ركعة وسلموا، فهي تجزئهم. وقال آخرون: بل ينصرفون عن تلك الركعة إلى الحراسة وهم على صلاتهم، فيكونون في وجه العدو مكان الطائفة الأخرى التي لم تصل، وتأتي تلك الطائفة. واختلفوا في الطائفة الأخرى؛ فقال قوم: إذا صلى بهم الإمام أطال التشهد حتى يقضوا الركعة الفائِتة، ثم يسلّم بهم. وقال آخرون: بل يسلم هو عند فراغه من الصلاة بهم، فإذا سلم قضوا ما فاتهم. وقال آخرون: بل يصلي بالطائفة الثانية ركعة، ويسلم هو، ولا تسلم هي، بل ترجع إلى وجه العدو، ثم تجيء الأولى، فتقضي ما بقي من صلاتها وتسلم، وتمضي وتجيء الأخرى، فتتم صلاتها. ورجَّح ابنُ جرير (٧‏/‏٤٤٢) أن تقوم مع الإمام طائفة تصلى ركعتها، ثم تُتِمُّ لنفسها وتنصرف، ثم تأتي الطائفة الأخرى لتصلي مع الإمام الركعة التي بقيت. مستندًا في ذلك إلى السنة، وقال: «وذلك نظير الخبر الذي روي عن رسول الله ﷺ: أنّه فعله يوم ذات الرقاع. والخبر الذي روى سهل بن أبي حثْمة». وانتَقَدَ (٧‏/‏٤٤٢-٤٤٤) القول بأن الطائفة الأولى إذا سجدت مع الإمام فقد انقضت صلاتها استنادًا لِما رجَّحه قبل من أن القصر في قوله: ﴿إن خفتم... ﴾ قصر كيفية لا كمية. وانتقد من قال بالتقدم والتأخر مستندًا لمخالفته ظاهر الآية، ودلالة العقل، فقال: «وذلك أنّ الله -جل ثناؤه- يقول: ﴿ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك﴾. وكلتا الطائفتين قد كانت صلَّت مع النبي ﷺ ركعته الأولى في صلاته بعسفان، ومحالٌ أن تكون التي صلَّت مع النبي ﷺ هي التي لم تصلِّ معه، وإذْ كان ذلك كذلك ولم يكن في الآية أمر من الله -تعالى ذكرهُ- للطائفة الأولى بتأخير قضاء ما بقي عليها من صلاتها إلى فراغ الإمام من بقية صلاته، ولا على المسلمين الذين بإزاء العدوّ في اشتغالها بقضاء ذلك ضرر؛ لم يكن لأمرها بتأخير ذلك وانصرافها قبل قضاء باقي صلاتها عن موضعها معنى». ثم قال: «غير أن الأمر وإن كان كذلك فإنّا نرى أنّ مَن صلاها من الأئمة، فوافقت صلاتُه بعض الوجوه التي ذكرناها عن رسول الله ﷺ أنّه صلاها؛ فصلاته مجزئة عنه تامة لصحّة الأخبار بكل ذلك عن رسول الله ﷺ»

سورة ص — الآية ٢٢

عن الحسن البصري -من طريق مطر-: أنّ داود جزَّأ الدهر أربعة أجزاء؛ يومًا لنسائه، ويومًا للعبادة، ويومًا للقضاء بين بني إسرائيل، ويومًا لبني إسرائيل يُذاكِرهم ويذاكرونه، ويبكيهم ويُبكونه. فلما كان يوم بني إسرائيل ذكروا، فقالوا: هل يأتي على الإنسان يوم لا يصيب فيه ذنبًا؟ فأضمر داود في نفسه أنّه سيطيق ذلك، فلما كان في يوم عبادته غلَّق أبوابه، وأمر أن لا يدخل عليه أحد، وأكبَّ على التوراة، فبينما هو يقرؤها إذ حمامة مِن ذهب فيها مِن كل لون حسن قد وقعت بين يديه، فأهوى إليها ليأخذها، فطارت، فوقعت غير بعيد مِن غير أن تؤيِّسه مِن نفسها، فما زال يتبعها حتى أشرف على امرأة تغتسل، فأعجبه حُسنها وخَلْقها، فلما رأت ظِلَّه في الأرض جلَّلت نفسها بشعرها، فزاده ذلك أيضًا بها إعجابًا، وكان قد بعث زوجها على بعض جيوشه، فكتب إليه أن يسير إلى مكان كذا وكذا؛ مكان إذا سار إليه قُتل ولم يرجع، ففعل، فأصيب، فخطبها داود فتزوَّجها، فبينما هو في المحراب إذ تسوَّر الملَكان عليه، وكان الخصمان إنما يأتونه من باب المحراب، ففزع منهم حين تسوَّروا المحراب، فقالوا: ﴿لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فاحْكُمْ بَيْنَنا بِالحَقِّ ولا تُشْطِطْ﴾ الآيات