اختُلِف في المشار إليهم بقوله تعالى: ﴿ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ في هذه الآية على قولين: الأول: أنهم المشركون. الثاني: أنهم الشياطين. ورجَّح ابنُ جرير (١٤/٦١٠-٦١١) مستندًا إلى دلالة السياق القول الأول، وهو قول قتادة، وابن زيد، ومقاتل، ويحيى بن سلام، وعلَّل ذلك بقوله: «وذلك أن الله -تعالى ذِكْره- أتْبع ذلك قوله: ﴿وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا﴾، فأن يكون ذلك خبرًا عنهم أوْلى -إذ كان بخبرهم متصلًا- من أن يكون خبرًا عمَّن لم يَجْرِ له ذكرٌ». ووجَّه ابنُ عطية (٥/٤٨٨) القول الثاني بقوله: «يريد: أن المعنى يدل عليهم، وإن لم يَجْرِ لهم ذِكْرٌ في اللفظ، وهذا نظير قول النبي ﷺ: «إذا نودي بالصلاة أدبر الشيطان له حصاصٌ»». وعلَّق عليه ابنُ كثير (٩/٢٣) بقوله: «وهذا غريب جدًّا في تفسيرها، وإلا فالشياطين إذا قرئ القرآن أو نودي بالأذان أو ذكر الله انصرفوا»
عَلَّقَ ابنُ كثير (٩/٥٠) على هذا الأثر بقوله: «والأظهر أن هذا ليس بصحيح؛ فإن النبي لم يغز تبوك عن قول اليهود، وإنما غزاها امتثالًا لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار﴾ [التوبة:١٢٣]، ولقوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ [التوبة:٢٩]، وغزاها ليقتص وينتقم ممن قتل أهل مؤتة من أصحابه. ولو صحَّ هذا لحمل عليه الحديث الذي رواه الوليد بن مسلم، عن عفير بن معدان، عن سليم بن عامر، عن أبي أمامة رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله ﷺ: «أنزل القرآن في ثلاثة أمكنة: مكة، والمدينة، والشام». قال الوليد: يعني: بيت المقدس. وتفسير الشام بتبوك أحسن مما قال الوليد: إنه بيت المقدس»
اختلف المفسرون في البطشة الكبرى بحسب اختلافهم السالف ذكره في وقت الدُّخان والمراد منه، فالقائلون بأنه مضى وأنه ما نزل بكفار قريش من القحط والجوع فسّروا البطشة الكبرى بيوم بدر، والقائلون بأنه دُخان يكون قبل قيام الساعة فسّروا البطشة الكبرى بأنها يوم القيامة. هذا حاصل ما قرره ابنُ جرير (٢١/٢٨). وبنحوه ابنُ كثير (١٢/٣٤٠) فقال: «وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ فسّر ذلك ابن مسعود بيوم بدر. وهذا قول جماعة ممن وافق ابن مسعود على تفسيره الدُّخان بما تقدم، ورُوي أيضًا عن ابن عباس [وجماعة] من رواية العوفي، عنه، وعن أُبي بن كعب وجماعة، وهو محتمل». ثم رجَّح أنّ البطشة الكبرى: يوم القيامة، وأنّ القول بأنها يوم بدر داخل تحت مدلول البطشة، فقال: «والظاهر أنّ ذلك يوم القيامة، وإن كان يوم بدر يوم بطشة أيضًا»
ذكر ابنُ كثير (١٤/٢٩٧-٢٩٨) قول ابن عباس، ووجّهه، فقال: «وهو محتمل أن يكون ابن عباس أسند هذا التفسير عن النبي ﷺ، كأنه قال: سمعتُ هذا من نبيّكم ﷺ، فيكون قوله:»نبيّكم«مرفوعًا على الفاعلية مِن»قال«وهو الأظهر، والله أعلم، كما قال أنس: لا يأتي عام إلا والذي بعده شر منه، سمعته من نبيّكم ﷺ... ويحتمل أنْ يكون المراد: ﴿لتركبن طبقا عن طبق﴾ حالًا بعد حال. قال: هذا، يعني المراد بهذا: نبيّكم ﷺ، فيكون مرفوعًا على أنّ»هذا«و»نبيّكم«يكونان مبتدأ وخبرًا، والله أعلم. ولعلّ هذا قد يكون هو المتبادر إلى كثير من الرواة، كما قال أبو داود الطيالسي وغندر: حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس: ﴿لتركبن طبقا عن طبق﴾، قال: محمد ﷺ. ويؤيد هذا المعنى قراءة عمر، وابن مسعود، وابن عباس، وعامة أهل مكة والكوفة: ‹لَتَرْكَبَنَّ› بفتح التاء والباء»
قال يحيى بن سلّام، في قوله: ﴿فعقروها فأصبحوا نادمين (١٥٧) فأخذهم العذاب﴾: كان أول سبب عقرهم إيّاها أنّها كانت تَضُرُّ بمواشيهم وأرضهم، كانت مواشيهم لا تقر مع الناقة، كانت المواشي إذا رأتها هربت منها، فإذا كان الصيف صافت الناقة بظهر الوادي في برده وخصبه وطيبه، وهبطت مواشيهم إلى بطن الوادي في جدبه وحَرِّه، وإذا كان الشتاء شَتَت الناقة في بطن الوادي في دِفئه وخِصبه، وصعدت مواشيهم إلى ظهر الوادي في جدبه وبرده، حتى إذ أضرَّ ذلك بمواشيهم؛ الأمر الذي أراد الله بهم، فبينما قوم منهم يومًا جلوس يشربون الخمر ففَنِي الماءُ الذي يمزجون به، فبعثوا رجلًا ليأتيهم بالماء، وكان يوم شرب الناقة، فرجع إليهم بغير ماء، وقال: حالَتِ الناقةُ بيني وبين الماء. ثم بعثوا آخر، فقال مثل ذلك، فقال بعضهم لبعض: ما تنظرون؟! قد منعتنا الماء، ومنعت مواشينا الرعي، وأضرَّت بأرضنا. فانبعث أشقاها، فعقرها، فقتلها، فتذامروا بينهم، في تفسير سعيد عن قتادة، وقالوا: عليكم الفصيل. وصعد الفصيل إلى القارة، والقارة: الجبل
تفسير محمد بن السائب الكلبي، قوله عز وجل: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾: أنّ رسول الله ﷺ خرج حتى قام على الصفا، وقريش في المسجد، ثم نادى: «يا صباحاه». ففزِع الناس، فخرجوا، فقالوا: ما لك يا ابن عبد المطلب؟ فقال: «يا آل غالب». قالوا: هذه غالب عندك. ثم نادى: «يا أهل لؤي». ثم نادى: «يا آل كعب». ثم نادى: «يا آل مرة». ثم نادى: «يا آل كلاب». ثم نادى: «يا آل قصي». فقالت قريش: أنذر الرجل عشيرته الأقربين، انظروا ماذا يريد. فقال له أبو لهب: هؤلاء عشيرتك قد حضروا، فما تريد؟ فقال رسول الله ﷺ: «أرأيتم لو أنذرتكم أنّ جيشًا يُصَبِّحونكم، أصدَّقتموني؟». قالوا: نعم. قال: «فإنِّي أنذركم النار، وإني لا أملك لكم مِن الدنيا منفعة، ولا من الآخرة نصيبًا؛ إلا أن تقولوا: لا إله إلا الله». فقال أبو لهب: تبًّا لك. فأنزل الله: ﴿تبت يدا أبي لهب﴾، فتفرَّقَتْ عنه قريشٌ، وقالوا: مجنون يَهْذي مِن أُمِّ رأسه
عن أرطاة بن المنذر، قال: جاء رجلٌ إلى ابنِ عباس وعنده حُذيفة بن اليمان، فقال: أخبِرني عن تفسير: ﴿حم * عسق﴾؟ فأعرَض عنه، ثم كرّر مقالته، فأعرض عنه، وكره مقالته، ثم كرّرها الثالثة، فلم يجبه. فقال له حُذيفة: أنا أنبِّئك بها لِمَ كرِهَها؛ نزلت في رجل مِن أهل بيته يُقال له: عبد إله، أو عبد الله، ينزل على نهرٍ مِن أنهار المشرق، يبني عليه مدينتين، يشقّ النهر بينهما شقًّا، يجتمع فيها كل جبّار عنيد، فإذا أذِن الله في زوال مُلكهم وانقطاع دولتهم ومُدّتهم بعث الله على إحداهما نارًا ليلًا، فتصبح سوداء مظلمة قد احترقت كأنها لم تكن مكانها، وتصبح صاحبتها متعجِّبة كيف أفلتت، فما هو إلا بياض يومها ذلك حتى يجتمع فيها كل جبّار عنيد منهم، ثم يخسف الله بها وبهم جميعًا، فذلك قوله: ﴿حم * عسق﴾، يعني: عزيمة من الله وفتنة وقضاء حُمّ. «عين» يعني: عدلًا منه. «سين» يعني: سيكون. «ق» يعني: واقع بهاتين المدينتين
ذكر ابنُ جرير (٥/٥٠، ٥٣) قراءة ﴿فأذنوا﴾ بقصر الألف وفتح الذال، وبيَّن أنها بمعنى: اعلموا ذلك واستيقنوه. وأدخل تحتها قول ابن عباس. وذكر ابن عطية (٢/١٠٤) قراءتي ﴿فأذنوا﴾، ﴿فآذِنوا﴾، ثم نقل أنّ سيبويه فرَّق بين أذِنت وآذَنتُ، فقال: «آذَنت: أعلمْت. وأَذِنت: ناديت وصوت بالإعلام. قال: وبعضٌ يُجري آذنت مجرى أذنت». ثم قال ابنُ عطية (٢/١٠٤): «قال أبو علي: من قال ﴿فأذنوا﴾ فقصر معناه: فاعلموا الحرب من الله. قال ابن عباس وغيره من المفسرين معناه: فاستيقنوا الحرب من الله تعالى». ثم وجَّه تفسير ابن عباس رضي الله عنهما بكونه راجعًا إلى معنى الإذن، فقال: «وهذا عندي من الإذن، وإذا أذِن المرء في شيء فقد قرَّره وبنى مع نفسه عليه، فكأنه قال لهم: فقرروا الحرب بينكم وبين الله ورسوله، ويلزمهم من لفظ الآية أنهم مُستدعُو الحرب والباغون لها؛ إذ هم الآذنون بها وفيها، ويندرج في هذا المعنى الذي ذكرته علمهم بأنهم حرب، وتيقُنهم لذلك»
اختُلِف في قائل قوله: ﴿شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين﴾؛ فقال السدي: هو خبرٌ من الله عن نفسه وملائكته بشهادتهم على إقرار المقرين بربوبية الله. وقال آخرون: ذلك خبر من الله عن قيل بعض بني آدم لبعض. وانتَقَد ابنُ جرير (١٠/٥٦٤-٥٦٥) القول الأول، وذكر أنّه يُؤَيِّده حديث عبد الله بن عمرو المرفوع -المتقدم في أول تفسير الآية-، وبيَّن أنه لولا ضعفه لحَكَم بصحة هذا القول. ورجَّح القول الثاني مستندًا إلى ظاهر الآية، فقال: «فالظاهر يدل على أنه خبر من الله عن قيل بني آدم بعضهم لبعض؛ لأنه -جل ثناؤه- قال: ﴿وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا﴾. فكأنه قيل: فقال الذين شهدوا على المقرين حين أقروا، فقالوا: بلى شهدنا عليكم بما أقررتم به على أنفسكم كيلا تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين». وعلَّق ابنُ عطية (٤/٨٦) أنّه على القول الأول يحسن الوقف على ﴿بلى﴾، وعلى الثاني لا يحسن الوقف عليها
اختُلِف في معنى ﴿فرطا﴾ على أربعة أقوال: الأول: ضياعًا. والثاني: هلاكًا. والثالث: ندمًا. والرابع: خلافًا للحق. ورجّح ابنُ جرير (١٥/٢٤٣) الجمع بين الأقوال مستندًا إلى اللغة، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: معناه: ضياعًا وهلاكًا، من قولهم: أفرط فلان في هذا الأمر إفراطًا؛ إذا أسرف فيه وتجاوز قدره، وكذلك قوله: ﴿وكانَ أمْرُهُ فُرُطًا﴾ معناه: وكان أمر هذا الذي أغفلنا قلبه عن ذكرنا في البسار والكبر واحتقار أهل الإيمان سرفًا قد تجاوز حدّه، فَضَيَّع بذلك الحقّ وهلك». وذكر ابنُ عطية (٥/٥٩٨) أن «الفرط» يحتمل أن يكون بمعنى: التفريط والتضييع، أي: أمره الذي يجب أن يلتزم، ويحتمل أن يكون بمعنى: الإفراط والإسراف، أي: أمره وهواه الذي هو بسبيله. ثم قال: «قد فسَّره المتأولون بالعبارتين: أعني: التضييع والإسراف، وعبر خباب عنه بالهلاك، وداود بالندامة، وابن زيد بالخلاف للحق، وهذا كله تفسير بالمعنى». ورأى ابنُ القيم (٢/٢٦٠) تقارب الأقوال، فقال بعد سردها: «وكلها أقوال متقاربة»