انتقد ابنُ تيمية (٧/٢١٦) -مستندًا إلى أقوال السلف، والدلالة العقلية- مَن جعل الخطاب في السورة لمُعَيَّنين، قائلًا: «وهذا غلط، فإنّ قوله: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ خطاب لكلّ كافر، وكان يقرأ بها في المدينة بعد موت أولئك المُعُيّنين، ويأمر بها ويقول: هي براءة من الشرك، فلو كانت خطابًا لأولئك المُعَيّنين، أو لمن علم منهم أنه يموت كافرًا، لم يخاطب بها مَن لم يعلم ذلك منه. وأيضًا فأولئك المُعَيَّنون إن صحّ أنه إنما خاطبهم فلم يكن إذ ذاك علم أنهم يموتون على الكفر. والقول بأنه إنما خاطب بها مُعَيّنين قول لم يقله مَن يعتمد عليه، ولكن قد قال مقاتل بن سليمان: إنها نزلت في أبي جهل والمستهزئين، ولم يؤمن من الذين نزلت فيهم أحد. ونَقْلُ مقاتل وحده مما لا يُعتَمد عليه باتفاق أهل الحديث، كنقل الكلبي، ولهذا كان المُصنِّفون في التفسير من أهل النقل لا يذكرون عن واحد منهما شيئًا كمحمد بن جرير، وعبد الرحمن بن أبي حاتم، وأبي بكر بن المنذر فضلًا عن مثل أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وقد ذكر غيره هذا عن قريش مطلقًا». ثم ذكر الأثر الثاني في سبب نزول السورة الوارد عن ابن عباس، والأثر الذي يليه عن وهب بن منبه، ثم ذكر الحديث الوارد في الآثار المتعلقة بالسورة مِن رواية نَوْفَل بن معاوية الأشجعيّ في أنّ سورة الكافرون براءة من الشرك، ثم علَّق عليه بقوله: «فقد أمر رسول الله واحدًا مِن المسلمين أن يقرأها، وأخبره أنها براءة من الشّرك، فلو كان الخطاب لِمَن يموت على الشّرك كانت براءة من دين أولئك فقط، لم تكن براءة من الشّرك الذي يسلم صاحبه فيما بعد، ومعلوم أنّ المقصود منها أن تكون براءة من كلّ شركٍ اعتقادي وعملي»
عن عطاء بن أبي رباح، قال: جاء نافعُ بن الأزرق إلى ابن عباس، فقال: والذي نفسي بيده، لتُفَسِّرَنَّ لي آيًا مِن كتاب الله عز وجل، أو لأَكفُرَنَّ به. فقال ابن عباس: ويحك! أنا لها اليوم، أيُّ آيٍ؟ قال: أخبِرني عن قول الله: ﴿يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا﴾، وقال في آيةٍ أُخرى: ﴿ونزعنا من كل أمة شهيدا فقلنا هاتوا برهانكم فعلموا أن الحق لله﴾ [القصص:٧٥]. فكيف عَلِموا وقد قالوا: ﴿لا علم لنا﴾؟ وأخبرني عن قول الله: ﴿ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون﴾ [الزمر:٣١]، وقال في آيةٍ أُخرى: ﴿لا تختصموا لدي﴾ [ق:٢٨]. فكيف يَختَصِمون وقد قال: ﴿لا تختصموا لدي﴾؟ وأخبِرني عن قول الله: ﴿اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم﴾ [يس:٦٥]، فكيف شَهِدوا وقد ختَم على الأفواه؟ فقال ابن عباس: ثَكِلتك أُمُّك، يا ابن الأزرق! إنّ للقيامةِ أحوالًا وأهوالًا وفظائعَ وزلازل، فإذا تشَقَّقَتِ السماواتُ، وتناثَرَتِ النجوم، وذَهَب ضَوء الشمس والقمر، وذهَلَت الأمهاتُ عن الأولاد، وقَذَفَت الحواملُ ما في البطون، وسُجِّرتِ البحار، ودُكدِكَتِ الجبال، ولم يَلتَفِت والدٌ إلى ولد، ولا ولدٌ إلى والد، وجِيءَ بالجنةِ تَلُوحُ فيها قِبابُ الدُّرِّ والياقوت، حتى تُنصَبَ على يمين العرش، ثم جِيءَ بجهنمَ تُقادُ بسبعينَ ألفَ زِمامٍ مِن حديد، مُمسِكٌ بكلِّ زِمامٍ سبعون ألفَ مَلَكٍ، لها عَينانِ زَرقاوانِ، تُجَرُّ الشَّفَةُ السفلى أربعين عامًا، تَخطِرُ كما يخطِرُ الفَحْل، لو تُرِكَت لَأَتَت على كلِّ مؤمنٍ وكافر، ثم يُؤتى بها حتى تُنصَبَ عن يسار العرش، فتَستَأذِنُ ربَّها في السجود، فيَأذَنُ لها، فتَحمَدُه بمحامدَ لم يَسمَعِ الخلائقُ بمثلِها؛ تقولُ: لك الحمدُ إلهي إذ جَعَلتني أنتقِمُ من أعدائك، ولم تَجعَل لي شيئًا مما خَلَقتَ تَنتَقِمُ به منِّي، إلَيَّ أهلي. فلَهِيَ أعرَفُ بأهلِها مِن الطيرِ بالحَبِّ على وجه الأرض، حتى إذا كانت مِن الموقفِ على مسيرةِ مائةِ عامٍ -وهو قولُ الله تعالى: ﴿إذا رأتهم من مكان بعيد﴾ [الفرقان:١٢] زَفَرت زفرةً، فلا يَبقى مَلَكٌ مقرَّبٌ، ولا نبي مرسَلٌ، ولا صِدِّيق منتخَبٌ، ولا شهيدٌ مما هُنالِك إلا خَرَّ جاثيًا على ركبتَيه، ثم تَزفِرُ الثانيةَ زفرةً، فلا يَبقى قطرةٌ من الدموعِ إلا بَدَرَت، فلو كان لكلِّ آدميٍّ يومئذٍ عملُ اثنين وسبعين نبيا لَظَنَّ أنه سيُواقِعُها، ثم تَزفِرُ الثالثةَ زفرةً، فتنقَلِعُ القلوبُ من أماكنِها، فتَصيرُ بينَ اللَّهَواتِ والحناجِر، ويَعلو سوادُ العيون بياضَها، يُنادي كلُّ آدميٍّ يومئذٍ: يا ربِّ، نفسي نفسي، لا أسألُك غيرها. حتى إنّ إبراهيمَ لَيَتعَلَّقُ بساق العرش يُنادي: يا ربِّ، نفسي نفسي، لا أسألُك غيرها. ونبيكم ﷺ يقول: «يا ربِّ، أُمَّتي أُمَّتي». لا هِمَّةَ له غيرُكم، فعندَ ذلك يُدعى بالأنبياء والرسل، فيُقالُ لهم: ماذا أُجِبتم؟ قالوا: لا علمَ لنا. طاشَتِ الأحلام، وذَهَلَتِ العقول، فإذا رَجَعتِ القلوب إلى أماكنها ﴿نزعنا من كل أمة شهيدا فقلنا هاتوا برهانكم فعلموا أن الحق لله﴾. وأما قوله تعالى: ﴿ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون﴾ فهذا وهُم بالموقفِ يَختصِمون، فيُؤخَذُ للمظلوم مِن الظالم، وللمملوك مِن المالك، وللضعيف مِن الشديد، وللجَمّاءِ مِن القَرناء، حتى يُؤدّى إلى كلِّ ذي حقٍّ حقُّه، فإذا أُدِّيَ إلى كلِّ ذي حقٍّ حقُّه أُمِر بأهلِ الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار، فلما أُمِرَ بأهل النار إلى النار اختَصَموا، فقالوا: ﴿ربنا هؤلاء أضلونا﴾ [الأعراف:٣٨]، و﴿ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا في النار﴾ [ص:٦١]. فيقول الله تعالى: ﴿لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد﴾ [ق:٢٨]، إنما الخصومةُ بالموقف، وقد قَضَيتُ بينَكم بالموقف، فلا تَختصِموا لديَّ. وأَمّا قوله: ﴿اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم﴾ فهذا يومَ القيامة، حيثُ يَرى الكفارُ ما يُعطِي اللهُ أهلَ التوحيد مِن الفضائل والخير، يقولون: تَعالَوا حتى نَحلِفَ بالله ما كُنّا مشركين. فتتكَلَّمُ الأيدي بخلافِ ما قالتِ الألسن، وتَشهدُ الأرجلُ تصديقًا للأيدي، ثم يَأذنُ الله للأفواهِ فتَنطِقُ، فقالوا لجُلُودِهم: لمَ شَهِدتُم علينا؟ قالوا: أنطَقَنا الله الذي أنطَق كلَّ شيءٍ
وجَّه ابنُ جرير (١/٧١٤-٧١٥ بتصرف) معنى السجود في أثر ابن عباس قائلًا: «وأصل السجود: الانحناء لمن سجد له معظمًا بذلك. فكل مُنْحَنٍ لشيء تعظيمًا له فهو ساجد... فذلك تأويل ابن عباس قوله: ﴿سجدا﴾: ركعًا؛ لأن الراكع منحنٍ، وإن كان الساجد أشد انحناء منه». ووجَّه ابنُ تيمية (١/٢١٤-٢١٦) تفسير السجود بالانحناء أو بالركوع بقوله: «السجود في اللغة: هو الخضوع. وقال غير واحد من المفسرين: أمروا أن يدخلوا رُكَّعًا منحنين، فإنّ الدخول مع وضع الجبهة على الأرض لا يمكن، وقد قال تعالى: ﴿ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس﴾... ، ومعلوم أنّ سجود كل شيء بحسبه، ليس سجود هذه المخلوقات وضع جباهها على الأرض، وقد قال النبي ﷺ... لما غربت الشمس: «إنها تذهب فتسجد تحت العرش»... فعُلِم أنّ السجود اسم جنس، وهو كمال الخضوع لله». وقال أيضًا: «من قال بهذا -كان سجود أحدهم على خده- أو قال بأنهم أمروا بالركوع، فهو يقول دخولهم وهم سجد بالأرض فيه صعوبة، وقد يؤذي أحدهم، ولكن هو ممكن، فإنّ الإنسان يمكنه حال السجود أن يزحف إذا كانت الأرض لا تؤذيه». وانتَقَدَ ابنُ تيمية (١/٢١٧) أيضًا هذا المعنى بقوله: «... وقال: قيل ادخلوا رُكَّعًا، فلو جزمنا أن هذا مأخوذ عن النبي ﷺ لجزمنا بأنّ الله أمرهم بالركوع، لكن ظاهر القرآن هو السجود، والسجود المطلق هو السجود المعروف، وكون الباب جعل صغيرًا إنما يكون لمن يُكره على الدخول منه ليحتاج أن ينحني، وهؤلاء قصدت طاعتهم، فأمروا بالخضوع لله والاستغفار، فدخولهم سُجَّدًا هو خضوع لله». ورجَّح ابنُ عطية (١/٢٢٢) عموم معنى السجود للقولين، فقال: «و﴿سجَّدًا﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما: معناه: ركوعًا. وقيل: متواضعين خضوعًا لا على هيئة معينة. والسجود يعم هذا كله؛ لأنه التواضع»
رجَّح ابن تيمية (٢/١٧٧) مستندًا إلى أحوال النزول، ولفظ الآية، قول ابن عباس من طريق العوفي، ومجاهد، وقتادة من طريق سعيد، وسالم الأفطس من طريق عتاب بن بشير مولى قريش، وابن إسحاق من طريق سلمة، بأن معنى: ﴿إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ﴾ أي: يخوفكم أولياءه، وبيَّن علَّة ذلك، فقال: «لأن الآية إنما نزلت بسبب تخويفهم من الكفار. قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إيمانًا وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣]، إلى أن قال: ﴿إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ﴾، ثم قال: ﴿فَلا تَخافُوهُمْ وخافُونِ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. فإنما نزلت فيمن خوَّف المؤمنين مِن الناس، وقد قال تعالى: ﴿يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ﴾، ثم قال: ﴿فَلا تَخافُوهُمْ وخافُونِ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. والضمير عائد إلى أوليائه الذين قيل فيهم: ﴿فاخشَوهُم﴾»، وبيَّن ابن تيمية أن قول من قال بأن المعنى: يخوف أولياءه المنافقين، وهو قول الحسن من طريق عباد بن منصور، والسدي من طريق أسباط، قول صحيح من حيث المعنى؛ لأن الشيطان سلطانه على أعدائه، فهو يدخل المخاوف عليهم دائمًا، أو أن قائليه أرادوا المفعول الأول؛ أي: يخوف المنافقين أولياءه، لكنه انتقد (٢/١٧٣، ١٧٤ بتصرف) تفسير الآية به مستندًا إلى لغة العرب، ودلالة ألفاظ الآية وسياقها، ذلك أنه لو أريد أنه يجعل أولياءه خائفين لم يكن للضمير ما يعود عليه؛ وهو قوله: ﴿فَلا تَخافُوهُمْ﴾، واستدل بسياق الآية ودلالة ألفاظها على أن الشيطان يجعل أولياءه مخوِّفين، ويجعل ناسًا خائفين منهم، وإذا جعلهم مخوِّفين فإنما يخافهم مَن خوّفه الشيطان منهم. وبأن الشيطان يَعِدُ أولياءَه ويمنِّيهم، كما قال تعالى: ﴿وإذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ وقالَ لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ النّاسِ﴾ [الأنفال:٤٨] الآية، وقال: ﴿يَعِدُهُمْ ويُمَنِّيهِمْ وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلا غُرُورًا﴾ [النساء:١٢٠]
اختَلَف السلفُ في المسجد الذي عناه الله بقوله: ﴿لمسجد أسس على التقوى من أول يوم﴾ على قولين: الأول: أنّه مسجد قباء. الثاني: أنّه مسجد النبي ﷺ. وقد رَجَّح ابنُ جرير (١١/٦٨٥) مستندًا إلى السُّنَّة القول الثاني، فقال: «وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قولُ مَن قال: هو مسجد الرسول ﷺ لِصِحَّة الخبر بذلك عن رسول الله». واستدلَّ على ذلك بالأخبار المروية عن النبي ﷺ، المتقدمة في تفسير الآية. وبنحوه قال ابنُ عطية (٤/٤٠٧)، فقد ذكر القولين، ثم قال: «ويليق القول الأول بالقصة، إلا أنّ القول الثاني روي عن رسول الله ﷺ، ولا نَظَرَ مع الحديث». ورجّح ابنُ تيمية (٣/٤٤٨-٤٤٩ بتصرف) مستندًا لدلالة العقل، وسبب النُّزول أنّ هذا الوصف مِن حيث النزول يُراد به مسجد قباء، غير أنّ مسجد النبي أحقُّ بهذا الوصف مِن جهة الحكم، فقال: «قوله: ﴿لمسجد أسس على التقوى من أول يوم﴾ نزلت بسبب مسجد قباء، لكن الحكم يتناوله ويتناول ما هو أحقُّ منه بذلك، وهو مسجد المدينة. وهذا يوجه ما ثَبَت في الصحيح عن النبي ﷺ أنّه سُئِل عن المسجد الذي أسس على التقوى. فقال: «هو مسجدي هذا». وكلاهما مُؤَسَّس على التقوى، لكن مسجد المدينة أكمل في هذا النعت، فهو أحقُّ بهذا الاسم، ومسجد قباء كان سبب نزول الآية؛ لأنّه مُجاوِرٌ لِمسجد الضِّرار الذي نُهِي عن القيام فيه». وبنحوه قال ابنُ كثير (٤/٢١٢-٢١٤بتصرف)، ثم ذكر أنّه لا منافاة بين القولين، فقال: «وقد صرَّح بأنّه مسجد قباء جماعة من السلف، وقد ورد في الحديث الصحيح: أنّ مسجد رسول الله ﷺ الذي هو في جوف المدينة هو المسجد الذي أسس على التقوى. وهذا صحيح، ولا منافاة بين الآية وبين هذا؛ لأنّه إذا كان مسجد قباء قد أُسِّس على التقوى من أول يوم فمسجد رسول الله ﷺ بطريق الأولى والأَحْرى»
نقل ابنُ جرير (١٧/٤٧٥) اختلافًا عن السلف في تفسير قوله: ﴿وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا﴾ على قولين: الأول: أنّه جعل بينهما يبسًا. الثاني: أنّه جعل بينهما حاجِزًا مِن قدرته سبحانه؛ فلا يُغَيِّر أحدُهما الآخر ولا يفسده. وقد رجّح ابنُ جرير مستندًا إلى ظاهر الآية القول الثاني، وعلَّل ذلك بقوله: «لأن الله -تعالى ذِكْرُه- أخبر في أول الآية أنّه مرج البحرين، والمرج: هو الخلط في كلام العرب. على ما بينتُ قبلُ، فلو كان البرزخ الذي بين العذب الفرات من البحرين والملح الأجاج أرضًا أو يبسًا لم يكن هناك مَرْجٌ للبحرين، وقد أخبر -جلَّ ثناؤه- أنّه مرجهما، وإنّما عرفنا قدرته بحجزه هذا الملح الأجاج عن إفساد هذا العذب الفرات مع اختلاط كل واحد منهما بصاحبه، فأمّا إذا كان كل واحد منهما في حيِّز عن حيِّز صاحبه فليس هناك مَرْجٌ، ولا هناك مِن الأعجوبة ما يُنَبَّه عليه أهلُ الجهل به من الناس ويذكرون به، وإن كان كل ما ابتدعه ربنا عجيبًا، وفيه أعظم العبر، والمواعظ، والحجج البوالغ». وذكر ابنُ عطية (٦/٤٤٦) في الآية أقوالًا، ثم علّق بقوله: «والذي أقول به في الآية: إنّ المقصد بها التنبيه على قدرة الله تعالى، وإتقان خلقه للأشياء في أن بثَّ في الأرض مياهًا عذبة كثيرة مِن أنهار وعيون وآبار، وجعلها خلال الأجاج، وجعل الأجاج خلالها، فتلقّى البحر قد اكْتَنَفَتْه المياهُ العذبة في ضفتيه، وتلقى الماء العذب في الجزائر ونحوها قد اكتنفه الماء الأجاج فبثها هكذا في الأرض هو خلطها، وهو قوله: ﴿مَرَجَ﴾، ومنه: مريج، أي: مختلط مشتبك، ومنه: ﴿في أمر مريج﴾ [ق:٥]. والبحران يريد بهما: جميع الماء العذب، وجميع الماء الأجاج، كأنه قال: مرج نوعي الماء. والبرزخ والحجر: هو ما بين البحرين من الأرض واليبس. قاله الحسن. ومنه القدرة التي تمسكها مع قرب ما بينهما في بعض المواضع»
في قوله: ﴿يوم هم على النار يفتنون﴾ قولان: الأول: أنهم يُحرقون ويُعذّبون بالنار. الثاني: أنهم يُكذّبون. وقد رجّح ابنُ جرير (٢١/٤٩٨) -مستندًا إلى اللغة- القول الأول، وعلَّل ذلك بقوله: «لأن الفتنة أصلها: الاختبار، وإنما يقال: فتنت الذهب بالنار: إذا طبختها بها لتعرف جودتها؛ فكذلك قوله: ﴿يوم هم على النار يفتنون﴾ يُحرقون بها كما يُحرق الذهب بها». وقال ابنُ عطية (٨/٦٥-٦٦): «و﴿يفتنون﴾ معناه: يُحرقون ويُعذّبون في النار. قاله ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والجميع». وعلّق ابنُ القيم (٣/٣٣-٣٤ بتصرف) على القول الأول، فقال: «والمشهور في تفسير هذا الحرف أنه بمعنى: يُحرقون، ولكن لفظة ﴿على﴾ تعطي معنًى زائدًا على ما ذكروه، ولو كان المراد نفس الحرق لقيل: يوم هم في النار يفتنون. ولهذا لَمّا علم هؤلاء ذلك قال كثير منهم ﴿على﴾ بمعنى: في، كما تكون»في«بمعنى: على. ومَن جعل الفتنة ههنا مِن الحريق أخذه من قوله تعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ [البروج:١٠]، واستشهد على ذلك أيضًا بهذه اللفظة التي في الذّاريات». ثم قال: «والظاهر أنّ فتنتهم على النار قبل فتنتهم فيها، لهم عند عرضهم عليها ووقوفهم عليها فتنة، وعند دخولهم والتعذيب بها فتنة أشد منها. وحقيقة الأمر أنّ الفتنة تُطلق على: العذاب وسببه، ولهذا سمى الله الكفر: فتنة، فهم لما أتَوا بالفتنة التي هي أسباب العذاب في الدنيا سمّى جزاءهم: فتنة، ولهذا قال: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ وكان وقوفهم على النار وعرضهم عليها مِن أعظم فتنتهم، وآخر هذه الفتنة دخول النار والتعذيب بها، ففُتنوا أولًا بأسباب الدنيا وزينتها، ثم فُتنوا بإرسال الرسل إليهم، ثم فُتنوا بمخالفتهم وتكذيبهم، ثم فُتنوا بعذاب الدنيا، ثم فُتنوا بعذاب الموت، ثم يُفتنون في موقف القيامة، ثم إذا حُشروا إلى النار وُقِفوا عليها وعُرضوا عليها وذلك من أعظم فتنتهم، ثم الفتنة الكبرى التي أنسَتهم جميع الفتن قبلها»
جاء في قول مقاتل والحسن في تفسير آية: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ ما يفيد أنّ الخطاب في الآية معنيّ به الكافرين. وقد ذكر ذلك ابنُ القيم (٣/٣٥٩-٣٦١بتصرف)، وانتقده مستندًا إلى السنة، وفهم السلف، والدلالة العقلية، فقال: «ليس في اللفظ ولا في السنة الصحيحة ولا في أدلة العقل ما يقتضى اختصاص الخطاب بالكفار، بل ظاهر اللفظ وصريح السنة والاعتبار يدل على عموم الخطاب لكلّ مَن اتصف بإلهاء التكاثر له، فلا وجه لتخصيص الخطاب ببعض المتصفين بذلك. ويدل على ذلك قول النبى عند قراءة هذه السورة: «يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلتَ فأفنيتَ، أو لبِستَ فأبليت؟». الحديث، وهو في صحيح مسلم. وقائل ذلك قد يكون مسلمًا، وقد يكون كافرًا، ويدل عليه أيضًا الأحاديث التى تقدّمتْ، وسؤال الصحابة النبي، وفهْمهم العموم، حتى قالوا له: وأي نعيم نُسأل عنه، وإنما هو الأسوَدان؟! فلو كان الخطاب مختصًّا بالكفار لبيَّن لهم ذلك، وقال: ما لكم ولها إنما هي للكفار، فالصحابة فهموا التعميم، والأحاديث صريحة في التعميم، والذى أُنزل عليه القرآن أقرّهم على فهم العموم... وأيضًا فالواقع يشهد بعدم اختصاصه، وأنّ الإلهاء بالتكاثر واقع من المسلمين كثيرًا، بل أكثرهم قد ألهاه التكاثر، وخطاب القرآن عام لمن بلغه، وإن كان أول مَن دخل فيه المعاصرين لرسول الله فهو متناول لمن بعدهم، وهذا معلوم بضرورة الدين وإن نازع فيه من لا يُعتدّ بقوله من المتأخرين». وذكر أنّ حديث أبي بكر -الوارد في المتن من رواية ابن مسعود في آخره: «المؤمن لا يثرب عليه...»- والمفيد تخصيص السؤال بالكافرين ضعيف لا يُحتجُّ به، ومع ضعفه عارضه حديث آخر لأبي بكر -وهو الوارد في المتن قبله من رواية أبي هريرة- والمفيد عموم السؤال عن النعيم لجميع الناس
عن مقاتل بن حيان -من طريق بكير بن معروف- قال: أخذت هذا التفسير عن مجاهد، والحسن، والضحاك في قول الله: ﴿اثنان ذوا عدل منكم﴾: أنّ رجلين نصرانيين من أهل دارين -أحدهما تميمي، والآخر يماني- صاحبهما مولًى لقريش في تجارة، فركبوا البحر، ومع القرشي مال معلوم قد علمه أولياؤه من بين آنية وبَزٍّ ورِقَّة، فمرض القرشي، فجعل وصيته إلى الدارِيَّيْنِ، فمات وقبض الدارِيّان المال والوصية، فدفعاه إلى أولياء الميت، وجاءا ببعض ماله، وأنكر القومُ قِلَّة المال، فقالوا للداريين: إنّ صاحبنا قد خرج معه بمال أكثر مما أتيتمونا به، فهل باع شيئًا أو اشترى شيئًا فوضع فيه؟ أو هل طال مرضه فأنفق على نفسه؟ قالا: لا. قالوا: فإنكما خنتمانا. فقبضوا المال، ورفعوا أمرهما إلى النبي - ﷺ -؛ فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم﴾ إلى آخر الآية. فلما نزل: أن يحبسا من بعد الصلاة، أمر النبي - ﷺ - فقاما بعد الصلاة، فحلفا بالله رب السموات ما ترك مولاكم من المال إلا ما أتيناكم به، وإنا لا نشتري بأيماننا ثمنًا قليلًا من الدنيا ولو كان ذا قربى، ولا نكتم شهادة الله، إنا إذن لمن الآثمين، فلما حلفا خُلِّي سبيلهما. ثم إنهم وجدوا بعد ذلك إناء من آنية الميت، فأخذ الدارِيّان، فقالا: اشتريناه منه في حياته. وكذبا، فكُلِّفا البينة، فلم يقدرا عليها، فرفعوا ذلك إلى النبي - ﷺ -؛ فأنزل الله تعالى: ﴿فإن عثر﴾. يقول: فإن اطَّلع ﴿على أنهما استحقا إثما﴾ يعني: الداريين، إن كتما حقًّا ﴿فآخران﴾ من أولياء الميت ن ﴿يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان، فيقسمانبالله﴾ فيحلفان بالله: إنّ مال صاحبنا كان كذا وكذا، وإن الذي يطلب قبل الداريين لحقٌّ، ﴿وما اعتدينا، إنا إذن لمن الظالمين﴾ هذا قول الشاهدين أولياء الميت، ﴿ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها﴾ يعني: الداريين والناس أن يعودوا لمثل ذلك
ذَهَبَ ابنُ جرير (٢/٥٨٧)، وابنُ عطية (١/٣٥٩)، وابنُ تيمية (١/٣٥٢) إلى أنّ الحنيف في الدين: هو الذي مال عن الأديان المكروهة إلى الحق، وأنّ الحنيفية: هي ملة إبراهيم، وأَنَّها عبادةُ الله وحدَه والبراءة من الشرك. وأنّ تنوّع عبارات المفسرين إنما هو من قبيل التفسير بجزء المعنى. قال ابنُ جرير مستدلًّا بالدلالات العقليّة: «الحنيف -عندي-: هو الاستقامة على دين إبراهيم، واتِّباعه على ملته، وذلك أنّ الحنيفية لو كانت حَج البيت لَوَجَب أن يكون الذين كانوا يحجونه في الجاهلية من أهل الشرك كانوا حنفاء، وقد نفى الله أن يكون ذلك تَحَنُّفًا بقوله: ﴿ولكن كان حنيفًا مسلمًا وما كان من المشركين﴾. فكذلك القول في الخِتان؛ لأنّ الحنيفية لو كانت هي الختان لَوَجَب أن يكون اليهود حُنفاء، وقد أخرجهم الله من ذلك بقوله: ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾. فقد صحّ إذًا أن الحنيفية ليست الختانَ وحدَه، ولا حجَّ البيت وحده، ولكنه هو ما وصفنا: من الاستقامة على ملة إبراهيم، واتباعه عليها، والائتمام به فيها». وقال ابنُ عطية (١/٣٥٩ بتصرف): «الحنيف في الدين: الذي مالَ عن الأديان المكروهة إلى الحق، ويجيء الحنيف في الدين: المستقيم على جميع طاعات الله عز وجل، وقد خَصَّص بعضُ المفسرين، فقال قوم: الحنيف: الحاجُّ. وقال آخرون: المُخْتَتِن. وهذه أجزاء الحنف». وقال ابنُ تيمية (١/٣٥٢ بتصرف): «القرآن كله يدلُّ على أنّ الحنيفية هي ملة إبراهيم، وأنها عبادة الله وحده، والبراءة من الشرك، وعبادته سبحانه إنّما تكون بما أمر به وشَرَعه، وذلك يدخل في الحنيفية، ولا يدخل فيها ما ابتُدِعَ من العبادات، كما ابتدع اليهود والنصارى عبادات لم يأمر بها الأنبياء، وقد أمر الله أهل الكتاب وغيرهم أن يعبدوه مخلصين له الدين حنفاء، فبَدَّلوا وتَصَرُّفوا من بعد ما جاءتهم البينة. وكلامُ السلفِ وأهل اللغة يدل على هذا؛ وإن تَنَوَّعَتْ عباراتهم»