علَّقَ ابن كثير (٧/٤٢) على قول عبد الرحمن بن جبير بقوله: «وهذا غريب، وإسناده جيد إلى عبد الرحمن بن جبير بن نفير، ولعله اشتبه عليه، أو أنه أراد أن الآية تعمّ هذا كله، وإلا فسياق الآية في سورة الأنفال في قصة بدر لا محالة، وهذا مما لا يخفى على أئمة العلم». واسْتَدْرَكَ ابن عطية (٤/١٥٨بتصرف) على هذا القول بقوله: «هذا فاسدٌ... ، والصحيح في قتل ابن أبي الحقيق غير هذا»
أفادت الآثار أنّ الآيات الخمس الأولى من سورة العلق هي أول آيات القرآن نزولًا. وقد ذكر ذلك ابنُ عطية (٨/٦٥١)، وذكر قولين آخريين، فقال: «ورُوي من طريق جابر بن عبد الله أنّ أول ما نزل: ﴿يا أيها المدثر﴾. وقال أبو مَيْسرة عمرو بن شرحبيل: أول ما نزل فاتحة الكتاب». ثم رجّح -مستندًا إلى السنة- القول الأول، فقال: «والقول الأول أصح، والترتيب في إخبار النبي ﷺ يقتضي ذلك»
اختُلف في المراد بالشاهد، وبحسب هذا اختُلف في مكية السورة ومدنيتها على أقوال: الأول: أنّ الآية مدنية، والشاهد عبد الله بن سلام. وقوله: ﴿عَلى مِثْلِهِ﴾ الضمير فيه عائد على قول محمد ﷺ في القرآن: إنه من عند الله. الثاني: أنه رجل من بني إسرائيل غير عبد الله بن سلام كان بمكة، والآية مكية. الثالث: الآية مكية، والشاهد عبد الله بن سلام. الرابع: أن الشاهد موسى بن عمران، والآية مكية. وعلَّق ابنُ عطية (٧/٧١٥) على القول الأخير الذي قاله مسروق، والشعبي، بقوله: «قوله تعالى: ﴿على مثله﴾ يريد بالمثل: التوراة، والضمير عائد -على هذا التأويل- على القرآن، أي: جاء شاهدٌ مِن بني إسرائيل بمثله، وشهد أنّه مِن عند الله تعالى». ورجَّح ابنُ جرير (٢١/١٣١) أنّ الشاهدَ عبد الله بن سلام مستندًا إلى أقوال السلف، وأحوال النُّزول، كما قوّى القول الأخير من جهة السياق، فقال: «لأن قوله: ﴿قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله﴾ في سياق توبيخ الله -تعالى ذكره- مشركي قريش، واحتجاجًا عليهم لنبيّه ﷺ، وهذه الآية نظيرة سائر الآيات قبلها، ولم يجرِ لأهل الكتاب ولا لليهود قبل ذلك ذِكر فتُوجّه هذه الآية إلى أنها فيهم نزلت، ولا دلّ على انصراف الكلام عن قصص الذين تقدم الخبر عنهم معنى». ثم قال: «غير أنّ الأخبار قد وردت عن جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ بأنّ ذلك عني به عبد الله بن سلام وعليه أكثر أهل التأويل، وهم كانوا أعلم بمعاني القرآن، والسبب الذي فيه نزل، وما أُريدَ به». ورجَّح ابنُ كثير (١٣/١١) -مستندًا إلى أحوال النزول والنظائر- أنّ الشاهد اسم جنس يعمّ عبد الله بن سلام وغيره، ثم قال: «فإنّ هذه الآية مكية نزلت قبل إسلام عبد الله بن سلام، وهذه كقوله: ﴿وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين﴾ [القصص:٥٣]، وقال: ﴿إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا﴾ [الإسراء:١٠٧- ١٠٨]». وساق ابنُ عطية (٥/٩٥ ط: دار الكتب العلمية) الأقوال، ثم علَّق بقوله: «قوله: ﴿فآمن﴾ -على هذا التأويل [يعني: قول مسروق]- يعني به: تصديق موسى بأمر محمد، وتبشيره به. فذلك إيمان به، وأما مَن قال: الشاهد عبد الله بن سلام، فإيمان بيّن، وكذلك إيمان الإسرائيلي الذي كان بمكة في قول من قاله». ثم ذكر (٧/٦١٥) قولًا بأن الفاعل بـ«آمن» هو محمد ﷺ، وعلَّق عليه بقوله: «وهذا من القائلين بأن الشاهد هو موسى بن عمران عليه السلام»
عن سعد بن أبي وقّاص -من طريق مُصعب بن سعد- قال:... نزل القرآنُ على رسول الله ﷺ، قال: فتلا عليهم زمانًا، فقالوا: يا رسول الله، لو قصصتَ علينا. فأنزل الله عز وجل: ﴿الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ. إنّا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ. نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ﴾ [يوسف:١-٣]. فقالوا: يا رسول الله، لو حدَّثتنا. فأنزل الله عز وجل: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا﴾ [الزمر:٢٣]، كلّ ذلك يُؤمرون بالقرآن أو يُؤدّبون بالقرآن. قال خلاد: وزادني فيه: قالوا: يا رسول الله، لو ذكّرتنا. فأنزل الله عز وجل: ﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾
ذكر ابنُ عطية (٥/٧٨) أنّ مكيًّا والمهدوي ذكرا أنّه قيل: إنّ في الآية تقديمًا وتأخيرًا في القصص، وذلك أنّ قصة النسوة كانت قبل فضيحتها في القميص للسيِّد، وباشتهار الأمر للسيد انقطع ما بينها وبين يوسف. وعلَّق عليه بقوله: «وهذا مُحْتَمَل، إلا أنّه لا يلزم مِن ألفاظ الآية، بل يحتمل أن كانت قصة النساء بعد قصة القميص، وذلك أنّ العزيز كان قليل الغيرة، بل قومه أجمعون، ألا ترى أنّ الإنكار في وقت القميص إنما كان بأن قيل: ﴿إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم﴾. وهذا يَدُلُّ على قلة الغيرة، ثم سكن الأمر بأن قال: ﴿يوسف أعرض عن هذا﴾، وأنت ﴿واستغفري﴾، وهي لم تبق حينئذ إلا على إنكارها، وإظهار الصِّحَّة، فلذلك تُغُوفِل عنها بعد ذلك؛ لأنّ دليل القميص لم يكن قاطعًا، وإنّما كان أمارةً ما، هذا إن لم يكن المتكلم طفلًا»
عن بُرَيْدة بن الحُصَيب: أنّ معاذ بن جبل صلّى بأصحابه صلاة العشاء، فقرأ فيها: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾، فقام رجلٌ مِن قبل أن يفرغ، فصلّى وذهب، فقال له معاذ قولًا شديدًا، فأتى الرجلُ النبيَّ ﷺ، فاعتذر إليه، فقال: إني كنتُ أعمل في نخلٍ، وخِفتُ على الماء. فقال رسول الله ﷺ: «صلِّ بـ«الشمس وضحاها»، ونحوها من السور»
عن جابر بن عبد الله -من طريق سالم بن أبي الجَعد- قال: بينما النبيُّ ﷺ يَخطب يوم الجُمُعة قائمًا إذ قَدِمت عِير المدينة، فابتَدرها أصحاب رسول الله ﷺ حتى لم يَبق منهم إلا اثنا عشر رجلًا؛ أنا فيهم، وأبو بكر، وعمر؛ فأنزل الله: ﴿وإذا رَأَوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها﴾ إلى آخر السورة
عن عبد الله بن عمرو بن العاص -من طريق أبي عبد الرحمن الحبلي- قال: أُنزلتْ: ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزالَها﴾ وأبو بكر الصِّدِّيق قاعد، فبكى، فقال له رسول الله ﷺ: «ما يبكيك، يا أبا بكر؟». قال: يبكيني هذه السورة. فقال: «لولا أنكم تُخطِئون وتُذنِبون فيُغفر لكم لخَلق الله أُمَّة يُخطِئون ويُذنِبون فيغفر لهم»
عن عُقبة بن عامر، أنّ النبيَّ ﷺ قال: «يا عُقبة بن عامر، ألا أعلّمك خير ثلاث سور أُنزِلَتْ في التوراة والإنجيل والزّبور والفرقان العظيم؟». قلتُ: بلى، جعلني الله فداك. قال: فأقرأني: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أحَدٌ﴾، و﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾، و﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾. ثم قال: «يا عُقبة، لا تنساهنّ، ولا تَبِتْ ليلة حتى تقرأهنّ»
ذكر ابنُ عطية (٨/٥٣٨) اختلافًا في عود الضمير في قوله: ﴿إنها تذكرة﴾ الأول: إنّ هذه السورة. الثاني: إنّ هذه المعتبة تذكرة لك، يا محمد. الثالث: آيات القرآن. كما في قول مقاتل. ثم علّق على القول الثاني: «ففي هذا التأويل إجلال لمحمد ﷺ، وتأنيس له». وذكر أنّ تعلق قوله تعالى: ﴿في صحف﴾ بقوله: ﴿تذكرة﴾ يؤيد أنّ التذكرة يراد بها جميع القرآن