ذكر ابنُ عطية (٣‏/‏٥٧٤-٥٧٥) في الآية احتمالين: الأول: أن يكون قولُهم هذا وهم يرون أهل الجنة بإدراك يجعله الله لهم على بعد السفل من العلو. الثاني: أن يكون ذلك وبينهم السور والحجاب المتقدم الذكر. ثم قال مُعَلِّقًا: «والأشنع على الكافرين في هذه المقالة أن يكون بعضُهم يرى بعضًا؛ فإنّه أخزى وأنكى للنفس»

قال ابنُ عطية (٦‏/‏٥٦٨): «هذه السورة مكية، إلا قوله عز وجل: ﴿إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد﴾ [٨٥]، نزلت هذه بالجحفة في وقت هجرة رسول الله ﷺ إلى المدينة. قاله ابن سلام وغيره. وقال مقاتل: فيها من المدني ﴿الذين آتيناهم الكتاب﴾ إلى قوله: ﴿لا نبتغي الجاهلين﴾ [٥٢-٥٥]»

اختُلف في المراد بالحق المعلوم على قولين: الأول: أنه الزَّكاة المفروضة. الثاني: أنه حقٌّ سوى الزَّكاة. ورجَّح ابنُ عطية (٨‏/‏٤٠٨) -مستندًا إلى أحوال النزول- القول الثاني الذي قاله ابن عمر، ومجاهد، والنَّخَعي، فقال: «هو الأصحُّ في هذه الآية؛ لأنّ السورة مكّيّة، وفرْض الزَّكاة وبيانها إنما كان بالمدينة»

سورة البقرة — الآية ١٤٤

عن ابن جُرَيْج، قال: قلت لعطاء [بن أبي رباح]: أرأيتَ الموقف بعرفة، أحَقٌّ على الناس أن يُوَجِّهُوا إلى البيت؟ قال: أمّا إذا وجَّهْتَ نحو الحرم فحسبُك، الحرمُ كلُّه قِبْلةٌ ومسجدٌ. ثم تلا عَلَيَّ: ﴿فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام﴾. قال: فالحرم كله مسجد. قال: فقال: أرأيتَ أهل الآفاق، أليس إنّما يستقبلون الحرم كله؟ وتلا: ﴿إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام﴾ [التوبة:٢٨]. قال: لم يَعْنِ المسجد قط، ولكن يعني: مكة، والحرم. فقلت له: أثَبت أنّه الحرم؟ قال: فأَمْسِك

سورة المائدة — الآية ١٠٥

عن جبير بن نُفَيرٍ، قال: كنتُ في حلقةٍ فيها أصحابُ النبي ﷺ، وإني لأصغرُ القوم، فتذاكَروا الأمرَ بالمعروف والنهيَ عن المنكر، فقلتُ: أليس اللهُ يقولُ: ﴿عليكم أنفسكم﴾؟ فأقبَلوا عليَّ بلسانٍ واحدٍ، فقالوا: تنزِعُ آيةً من القرآن لا تعرفُها ولا تدرِي ما تأويلُها! حتى تمنَّيتُ أني لم أكن تكلَّمتُ، ثم أقبَلوا يتحدَّثون، فلما حضَر قيامُهم قالوا: إنك غلام ٌحَدَثُ السِّنِّ، وإنك نزَعتَ آيةً لا تدرِي ما هي، وعسى أن تُدرك ذلك الزمان؛ إذا رأيتَ شُحًّا مُطاعًا، وهوًى مُتَّبعًا، وإعجابَ كلِّ ذي رأيٍ برأيِه؛ فعليك بنفسِك، لا يضرُّك من ضلَّ إذا اهتدَيت

سورة الواقعة — الآية ٢٨

عن أبي أُمامة، قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: إنّ الله ينفعنا بالأعراب ومسائلهم. أقبل أعرابيٌّ يومًا، فقال: يا رسول الله، لقد ذكر الله في القرآن شجرةً مُؤذية، وما كنتُ أرى أنّ في الجنة شجرة تؤذي صاحبها! فقال رسول الله ﷺ: «وما هي؟». قال: السِّدر؛ فإنّ لها شوكًا. فقال رسول الله ﷺ: «أليس يقول: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾؟! يُخَضِّد الله شوكه، فيجعل مكان كلّ شوكة ثمرة، فإنها تُنبتُ ثمرًا، تُفْتقُ الثمرة منها عن اثنين وسبعين لونًا من الطعام، ما منها لون يشبه الآخر»

انتقد ابنُ تيمية (٧‏/‏٢١٦) -مستندًا إلى أقوال السلف، والدلالة العقلية- مَن جعل الخطاب في السورة لمُعَيَّنين، قائلًا: «وهذا غلط، فإنّ قوله: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ خطاب لكلّ كافر، وكان يقرأ بها في المدينة بعد موت أولئك المُعُيّنين، ويأمر بها ويقول: هي براءة من الشرك، فلو كانت خطابًا لأولئك المُعَيّنين، أو لمن علم منهم أنه يموت كافرًا، لم يخاطب بها مَن لم يعلم ذلك منه. وأيضًا فأولئك المُعَيَّنون إن صحّ أنه إنما خاطبهم فلم يكن إذ ذاك علم أنهم يموتون على الكفر. والقول بأنه إنما خاطب بها مُعَيّنين قول لم يقله مَن يعتمد عليه، ولكن قد قال مقاتل بن سليمان: إنها نزلت في أبي جهل والمستهزئين، ولم يؤمن من الذين نزلت فيهم أحد. ونَقْلُ مقاتل وحده مما لا يُعتَمد عليه باتفاق أهل الحديث، كنقل الكلبي، ولهذا كان المُصنِّفون في التفسير من أهل النقل لا يذكرون عن واحد منهما شيئًا كمحمد بن جرير، وعبد الرحمن بن أبي حاتم، وأبي بكر بن المنذر فضلًا عن مثل أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وقد ذكر غيره هذا عن قريش مطلقًا». ثم ذكر الأثر الثاني في سبب نزول السورة الوارد عن ابن عباس، والأثر الذي يليه عن وهب بن منبه، ثم ذكر الحديث الوارد في الآثار المتعلقة بالسورة مِن رواية نَوْفَل بن معاوية الأشجعيّ في أنّ سورة الكافرون براءة من الشرك، ثم علَّق عليه بقوله: «فقد أمر رسول الله واحدًا مِن المسلمين أن يقرأها، وأخبره أنها براءة من الشّرك، فلو كان الخطاب لِمَن يموت على الشّرك كانت براءة من دين أولئك فقط، لم تكن براءة من الشّرك الذي يسلم صاحبه فيما بعد، ومعلوم أنّ المقصود منها أن تكون براءة من كلّ شركٍ اعتقادي وعملي»

رَجَّح ابنُ جرير (٥‏/‏٣٢٧) مستندًا إلى السياق قولَ محمد بن جعفر بن الزبير: بأنّ الله أمر النبي ﷺ أن يقول هذا القولَ لنصارى نَجْران، حيث إنّه لم يَجْرِ ذِكْرٌ لغيرهم في هذه السورة، فـ«ما قَبْلَ هذه الآية مِن مُبْتَدأ هذه السورة وما بعدها خبرٌ عنهم، واحتجاجٌ مِن الله لنبيِّه محمد ﷺ، ودليلٌ على بُطولِ قولهم في المسيح، فالواجبُ أن تكون هي أيضًا مصروفةَ المعنى إلى نحو ما قبلها، ومعنى ما بعدها». ثُمَّ انتَقَدَ (٥‏/‏٣٢٦) قولَ الحسن لعدم الخبر الدّالِّ على صِحَّته، فقال: «وأما ما روى الحسنُ في ذلك مِمّا قد ذكرناه؛ فلا خبر به عندنا يصحُّ، فيجوز أن يُقال: إنّ ذلك كذلك، وإن لم يكن في السورة دلالة على أنه كما قال». غير أنّه ذَكَرَ لقول الحسن وِجْهَةً يمكن أن يُحْمَل عليها، فقال: «إلا أن يكون الحسنُ أراد بالقوم الذين ذَكَر أنهم قالوا ذلك على عهد رسول الله ﷺ وفْدَ نَجْران مِن النصارى، فيكون ذلك مِن قوله نظيرَ إخبارنا». وزاد ابنُ عطية (٢‏/‏١٩٦) احتمالًا آخر، وهو: «أن تكون الآيةُ عامَّةً لأهل الكتاب اليهود والنصارى؛ لأنهم كانوا يدَّعون أنهم يحبُّون الله ويحبُّهم، ألا ترى أنّ جميعهم قالوا: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأَحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة:١٨]»

سورة الفرقان — الآية ٣٢

عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- قال: قال المشركون: إن كان محمدٌ كما يزعم نبيًّا فَلِمَ يُعَذِّبه ربُّه، ألا ينزل عليه القرآن جملةً واحدةً؟ ينزل عليه الآية والآيتين والسورة! فأنزل الله على نبيِّه جوابَ ما قالوا: ﴿وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة﴾ إلى: ﴿وأضل سبيلا﴾

سورة المنافقون — الآية ١٠

عن الضَّحّاك بن مُزاحِم -من طريق عبيد- في قوله: ﴿لا تُلْهِكُمْ أمْوالُكُمْ ولا أوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ إلى آخر السورة: هو الرجل المؤمن نَزل به الموت، وله مال كثير لم يزُكّه، ولم يحجّ منه، ولم يُعط منه حقّ الله؛ يسأل الرَّجعة عند الموت فيُزكي ماله، قال الله: ﴿ولَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إذا جاءَ أجَلُها﴾