على هذا القول فالضمير في قوله: ﴿حبه﴾ عائد على الطعام، وهو ما ذكره ابنُ عطية (٨‏/‏٤٩٠)، ثم ذكر احتمالًا آخر بعوْده على الله تعالى، أي: لوجهه وابتغاء مرضاته، ونسبه لأبي سليمان الدّاراني. ثم علَّق بقوله: «والأول أمدح لهم؛ لأنّ فيه الإيثار على النفس، وعلى الاحتمال الثاني فقد يفعله الأغنياء أكثر». وذكر ابنُ كثير (١٤‏/‏٢٠٩ بتصرف) أنّ من قال بعوْد الضمير على الله تعالى فذلك لدلالة السياق عليه. ثم رجَّح -مستندًا إلى النظائر- عوْده على الطعام، فقال: «والأظهر أنّ الضمير عائد على الطعام، كقوله تعالى: ﴿وآتى المال على حبه﴾ [البقرة:١٧٧]، وكقوله تعالى: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ [آل عمران:٩٢]». وذكر ابنُ عطية أنّ الحسين بن الفضل قال بعوْد الضمير على الإطعام، وعلَّق عليه (٥‏/‏٤١٠ ط: دار الكتب العلمية) بقوله: «أي: مُحبّين في فعلهم ذلك، لا رياء فيه ولا تكلف»

سورة الممتحنة — الآية ١

قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ أوْلِياءَ﴾ وذلك أنّ النبي ﷺ أمر الناسَ بالجهاد وعَسكَرَ، وكتب حاطِب بن أبي بَلْتَعة إلى أهل مكة: إنّ محمدًا قد عَسكَر، وما أراه إلا يريدكم؛ فخذوا حِذركم. وأَرسَل بالكتاب مع سارة مولاة أبي عمرو بن صيفيّ بن هاشم، وكانت قد جاءتْ من مكة إلى المدينة، فأعطاها حاطِب بن أبي بَلْتَعة عشرة دنانير على أن تُبلغ كتابه أهل مكة، وجاء جبريل، فأَخبَر النبيَّ ﷺ بأمْر الكتاب وأمْر حاطِب، فبَعث رسولُ الله ﷺ عليَّ بن أبي طالب عليه السلام، والزّبير بن العوام، وقال لهما: «إنْ أعطتْكما الكتابَ عفوًا خلِّيا سبيلها، وإنْ أبتْ فاضربا عُنُقها». فسارا حتى أدَركاها بالجُحْفةِ، وسألاها عن الكتاب، فحَلفَت: ما معها كتاب. وقالت: لَأنا إلى خيركم أفقر مِنِّي إلى غير ذلك. فابتَحَثاها، فلم يجدا معها شيئًا، فقال الزّبير لعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما: ارجع بنا، فإنّا لا نرى معها شيئًا. فقال علي: واللهِ، لأضربنّ عُنُقها، واللهِ، ما كَذَب رسول الله ﷺ ولا كذبنا. فقال الزّبير: صدقتَ، اضرب عُنُقها. فسلَّ علِيٌّ سيفه، فلما عرفت الجِدّ منهما أخذتْ عليهما المواثيق: لئن أعطيتُكما الكتاب لا تقتلاني، ولا تَسبِياني، ولا تَرُدّاني إلى محمد ﷺ، ولتُخلّيان سبيلي. فأَعطَياها المواثيق، فاستَخرجت الصّحيفة مِن ذؤابتها، ودَفعتْها، فخلَّيا سبيلها، وأقْبَلا بالصّحيفة فوضَعاها في يدي رسول الله ﷺ، فقرأها، فأرسَل إلى حاطِب بن أبي بَلْتَعة، فقال له: «أتعرف هذا الكتاب؟». قال: نعم. قال: «فما حمَلك على أن تُنذر بنا عدوَّنا؟». قال حاطِب: اعفُ عنِّي، عفا الله عنك، فوالذي أنزل عليك الكتاب، ما كفرتُ منذ أسلمتُ، ولا كذبتُك منذ صدّقتك، ولا أبغضتُك منذ أحببتُك، ولا واليتُهم منذ عاديتُهم، وقد علمتُ أنّ كتابي لا ينفعهم ولا يضرّك، فاعذرني، جعلني الله فداك؛ فإنه ليس من أصحابك أحدٌ إلا وله بمكة مَن يَمنع ماله وعشيرته غيري، وكنتُ حليفًا ولست من أنفُس القوم، وكان حُلفائي قد هاجروا كلّهم، وكنتُ كثير المال والضّيعة بمكة، فخِفتُ المشركين على مالي، فكتبتُ إليهم لأتوسّل إليهم بها، وأَتّخذها عندهم مَودّة لأدفع عن مالي، وقد علمتُ أنّ الله مُنزل بهم خِزيه ونِقمته، وليس كتابي يُغني عنهم شيئًا. فعرف رسول الله ﷺ أنه قد صَدق فيما قال، فأنزل الله تعالى عِظَةً للمؤمنين أن يعودوا لِمِثل صَنيع حاطِب بن أبي بَلْتَعة، فقال تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ أوْلِياءَ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ﴾... وفي حاطِب نَزَلَتْ هذه الآية: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ إلى آخر الآية [المجادلة:٢٢]

أفادت الآثار الاختلاف في المراد بالسفهاء في هذا الموضع على أقوال: أولها: أنّهم النساء والصبيان. وثانيها: أنهم النساء خاصَّةً. وثالثها: أنهم الصبيان خاصَّةً. ورابعها: أنهم السفهاء مِن ولَدِ الرجل. وخامسها: أنهم كلُّ سفيه استحقَّ في المال حَجْرًا. ورَجَّحَ ابنُ جرير (٦‏/‏٣٩٤-٣٩٥) أنّ الآية تصلح لجميع ما ذُكِر؛ استنادًا إلى دلالة العموم، والسياق، فقال: «والصوابُ مِن القول في تأويل ذلك عندنا: أنّ الله -عزَّ ذِكْرُه- عمَّ بقوله: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾، فلم يَخْصُصْ سفيهًا دون سفيه؛ فغيرُ جائز لأحدٍ أن يُؤْتِي سفيهًا مالَه، صبيًا صغيرًا كان أو رجلًا كبيرًا، ذكرًا كان أو أنثى. والسفيهُ الذي لا يجوز لوليه أن يؤتِيَه مالَه هو المستحِقُّ الحجرَ بتضييعه مالَه وفسادِه وإفسادِه وسوءِ تدبيره ذلك. وإنّما قلنا ما قلنا مِن أنّ المعنيَّ بقوله: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾ هو مَن وصفنا دون غيره؛ لأنّ الله -عزَّ ذِكْرُه- قال في الآية التي تتلوها: ﴿وابْتَلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدًا فادفعوا إليهم أموالهم﴾، فأمر أولياءَ اليتامى بدفع أموالهم إليهم إذا بلغوا النكاحَ وأُونِس منهم الرشد، وقد يدخل في»اليتامى«الذكورُ والإناث، فلم يخصص بالأمر بدفع ما لَهُم من الأموال الذكورَ دون الإناث، ولا الإناث دون الذكور. وإذْ كان ذلك كذلك فمعلومٌ أنّ الذين أُمِر أولياؤهم بدفعهم أموالهم إليهم، وأُجِيز للمسلمين مبايعتهم ومعاملتهم، غيرُ الذين أُمِر أولياؤهم بمنعهم أموالهم، وحُظِر على المسلمين مداينتهم ومعاملتهم. فإذْ كان ذلك كذلك فبيِّنٌ أنّ السفهاء الذين نهى الله المؤمنين أن يؤتوهم أموالهم هم المستحقون الحجرَ والمستوجبون أن يُولى عليهم أموالهم، وهم مَن وصفنا صفتهم قبل، وأنّ مَن عدا ذلك فغيرُ سفيه؛ لأنّ الحجر لا يستحقه مَن قد بلغ وأُونِس رشده». وظاهر كلام ابن القيم (١‏/‏٢٦٦) أنه يذهب إلى القول الأول؛ وهو قول ابن عباس من طريق عليّ، وقتادة، والحكم، والسديّ، وغيرهم، حيث قال: «السفهاء هم النساء والصبيان، وقد جعل الله سبحانه الأزواج قوّامين عليهم، كما جعل ولي الطفل قوّامًا عليه، والقوّام على غيره أمير عليه». وانتَقَدَ ابنُ جرير (٦‏/‏٣٩٥) قولَ مَن خصَّها بالنساء استنادًا إلى اللغة، وهو قول سليمان بن جعفر، ومجاهد من طريق حميد بن قيس، وابن أبي نجيح، ومرويّ عن ابن عمر رضي الله عنهما، فقال: «أما قول مَن قال: عنى بالسفهاءِ النساءَ خاصَّة. فإنّه جعل اللغة على غير وجهها؛ وذلك أنّ العرب لا تكاد تجمع»فعيلًا«على»فُعَلاء«إلا في جمع الذكور، أو الذكور والإناث، وأمّا إذا أرادوا جمعَ الإناث خاصة لا ذكران معهم جمعوه على:»فعائل«و»فعِيلات«، مثل: غريبة تجمع على غرائب وغريبات، فأما الغُرَباء فجمع غريب». وبنحوه قال ابنُ عطية (٢‏/‏٤٧٠)

أفادت الآثارُ الاختلافَ في الكبائر على تسعة أقوال: أولها: أنّها ثلاث: اليأس من روح الله، والقنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله. والثاني: أنها أربع: الإشراك بالله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من رَوْح الله، والأمن من مكر الله. والثالث: أنّ الكبائر سبع: الإشراك بالله، وقتل النفس التي حرم الله، وقذف المحصنة، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والفرار من الزحف، والتعرّب بعد الهجرة. والرابع: أنها تسع: الإشراك بالله، وقذف المحصنة، وقتل النفس المؤمنة، والفرار من الزحف، والسحر، وأكل مال اليتيم، وعقوق الوالدين المسلمين، وأكل الربا، وإلحاد بالبيت الحرام. والخامس: أنها كل ما نهى الله عنه من أول سورة النساء إلى رأس الثلاثين منها. والسادس: أنها كل ما نهى الله عنه. والسابع: أنها كل ما لا تصحُّ معه الأعمال. والثامن: أنها كل معصية موجِبةٌ للحدِّ. والتاسع: أنها كل ما أوعد الله عليه النار. ومالَ ابنُ كثير (٣‏/‏٤٨٠) إلى القول الثامن، والتاسع. وذَهَبَ ابنُ جرير (٦‏/‏٦٥٧-٦٥٨) إلى أنّ الكبائر هي كلّ ما صحّ به الخبرُ عن رسول الله ﷺ، مستندًا إلى الأخبار المرفوعة في ذلك، فقال: «أوْلى ما قيل في تأويل الكبائر بالصِّحَّة: ما صحَّ به الخبرُ عن رسول الله ﷺ دون ما قاله غيره، وإن كان كل قائل فيها قولًا من الذين ذكرنا أقوالَهم قد اجتهد، وبالغ في نفسه، ولقوله في الصحة مذهبٌ. فالكبائر إذن: الشرك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس المحرّم قتلها، وقول الزور، وقد يدخل في قولِ الزور شهادةُ الزور، وقذف المحصنة، واليمين الغموسُ، والسحر، ويدخل في قتلِ النفس المحرَّم قتلها قتلُ الرجل ولده من أجل أن يطعم معه، والفرارُ من الزحف، والزنا بحليلة الجار. وإذْ كان ذلك كذلك صحَّ كلُّ خبر رُوي عن رسول الله ﷺ في معنى الكبائر، وكان بعضه مصدِّقًا بعضًا، وذلك أنّ الذي روي عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «هي سبع» يكون معنى قوله حينئذ: «هي سبع» على التفصيل. ويكون معنى قوله في الخبر الذي روي عنه أنّه قال: «هي الإشراك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين، وقول الزور» على الإجمال؛ إذ كان قوله: «وقول الزور» يحتمل معاني شتى، وأن يجمعَ جميعَ ذلك قول الزور»

سورة البقرة — الآية ٦٧

عن إسماعيل السُّدِّي -من طريق أسْباط- ﴿وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾، قال: كان رجل من بني إسرائيل مُكْثِرًا من المال، وكانت له ابنة، وكان له ابن أخ محتاج، فخطب إليه ابن أخيه ابنته، فأبى أن يزوجه إياها، فغضب الفتى، وقال: والله، لأقْتُلَنَّ عمي، ولآخُذَنَّ ماله، ولأَنكِحَنَّ ابنته، ولآكُلَنَّ دِيَتَه. فأتاه الفتى وقد قَدِم تجار في بعض أسباط بني إسرائيل، فقال: يا عم، انطلق معي، فخذ لي من تجارة هؤلاء القوم لعلي أصيب منها، فإنهم إذا رأوك معي أعطوني. فخرج العم مع الفتى ليلًا، فلما بلغ الشيخ ذلك السِّبط قتله الفتى، ثم رجع إلى أهله، فلما أصبح جاء كأنه يطلب عمه، كأنه لا يدري أين هو، فلم يجده، فانطلق نحوه، فإذا هو بذلك السِّبط مجتمعين عليه، فأخذهم وقال: قتلتم عمي، فأَدُّوا إلَيَّ دِيَتَه. وجعل يبكي، ويحثو التراب على رأسه، وينادي: واعَمّاه. فرفعهم إلى موسى، فقضى عليهم بالدِّيَة، فقالوا له: يا رسول الله، ادع لنا حتى يتبين له مَن صاحبُه، فيؤخذ صاحب الجريمة، فواللهِ، إنّ دِيَتَه علينا لَهَيِّنَة، ولكنا نستحي أن نُعَيَّر به. فذلك حين يقول الله -جل ثناؤه-: ﴿وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون﴾. فقال لهم موسى: ﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾

قال ابنُ جرير (٤/ ٦٥٨-٦٥٩): «يعني -تعالى ذكره- بذلك: يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله ﴿لا تبطلوا صدقاتكم﴾ يقول: لا تبطلوا أجور صدقاتكم ﴿بالمن والأذى﴾ كما أبطل كفر الذي ينفق ماله ﴿رئاء الناس﴾ وهو مراءاته إياهم بعمله، وذلك أن ينفق ماله فيما يرى الناس في الظاهر أنه يريد الله -تعالى ذكره-، فيحمدونه عليه، وهو مريد به غير الله، ولا طالب منه الثواب، وإنما ينفقه كذلك ظاهرًا ليحمده الناس عليه، فيقولوا: هو سخِيٌّ كريم، وهو رجل صالح. فيحسنوا عليه به الثناء، وهم لا يعلمون ما هو مُسْتَبْطِن من النية في إنفاقه ما أنفق، فلا يدرون ما هو عليه من التكذيب بالله -تعالى ذكره- واليوم الآخر. وأما قوله: ﴿ولا يؤمن بالله واليوم الآخر﴾ فإنّ معناه: ولا يُصَدِّق بوحدانية الله وربوبيته، ولا بأنه مبعوث بعد مماته فمُجازًى على عمله، فيجعل عمله لوجه الله وطلب ثوابه وما عنده في معاده، وهذه صفة المنافق، وإنما قلنا: إنّه منافق؛ لأنّ المظهر كفرَه والمعلن شركه معلومٌ أنّه لا يكون بشيء من أعماله مرائيًا؛ لأن المرائي هو الذي يرائي الناس بالعمل الذي هو في الظاهر لله وفي الباطن عامله مراده به حمد الناس عليه، والكافر لا يخيل على أحد أمره أن أفعاله كلها إنما هي للشيطان إذا كان معلنًا كفره لا لله، ومن كان كذلك فغير كائن مرائيًا بأعماله». واستدلَّ له بقولِ أهل التأويل، ولم يورد إلا أثر عمرو بن حُرَيْث هذا

اختُلِف في تفسير قوله: ﴿وأحضرت الأنفس الشح﴾ على قولين: الأول: وأحضرت أنفُسُ النساء الشح على أنصبائهن من أنفُس أزواجهن، وأموالهم. والثاني: وأحضرت نفسُ كل واحدٍ من الرجل والمرأة الشحَّ بحقه قِبَل صاحبه. ورجَّح ابنُ جرير (٧‏/‏٥٦٤-٥٦٦ بتصرف) القول الأول، وانتَقَد الثاني مستندًا إلى أقوال السلف، والدلالات العقلية، فقال: «لأن مصالحة الرجل امرأته بإعطائه إياها من ماله جُعْلًا على أن تصفح له عن القَسْم لها غير جائزة؛ وذلك أنه غير معتاض عوضًا من جُعْله الذي بذله لها، والجُعْل لا يصح إلا على عِوض: إما عين، وإما منفعة. والرجل متى جعل للمرأة جُعْلًا على أن تصفح له عن يومها وليلتها فلم يملك عليها عينًا ولا منفعة. وإذْ كان ذلك كذلك كان ذلك من معاني أكل المال بالباطل، وإذْ كان ذلك كذلك، فمعلوم أنه لا وجه لقول مَن قال: عنى بذلك الرجل والمرأة. فإن ظن ظانٌّ أن ذلك إذْ كان حقًّا للمرأة، ولها المطالبة به، فللرجل افتداؤه منها بجُعل، فإنّ شُفْعَة المستشفِع في حِصَّة من دارٍ اشتراها رجل من شريكٍ له فيها حقُّ المطالبة بها، فقد يجب أن يكون للمطلوب افتداءُ ذلك منه بجُعل. وفي إجماع الجميع على أن الصلح في ذلك على عِوض غيرُ جائز؛ إذ كان غير مُعتاض منه المطلوب في الشُّفْعة عينًا ولا نفعًا ما يدل على بُطول صلح الرجل امرأته على عوض، على أن تصفح عن مطالبتها إياه بالقسمة لها». ورجَّح ابنُ عطية (٣‏/‏٣٧) قول ابن زيد مستندًا لدلالة العقل بقوله: «وهذا أحسن، فإنّ الغالب على المرأة الشح بنصيبها من زوجها، والغالب على الرجل الشح بنصيبه من الشابة»

اختلف السلف في معنى الآية على أقوال: الأول: أنه الرجل يهدي هدية ليكافأ عليها أفضل منها. الثاني: أنه في رجل صحبه في الطريق فخدمه، فجعل له المخدوم بعض الربح من ماله جزاء لخدمته، لا لوجه الله. الثالث: أنه في رجل يهب لذي قرابة له مالًا ليصير به غنيًّا ذا مال، ولا يفعله طلبًا لثواب الله. الرابع: أن ذلك للنبي ﷺ خاصة، وأما لغيره فحلال. وقد رجّح ابنُ جرير (١٨‏/‏٥٠٦) مستندًا إلى الأظهر من معاني اللفظ القول الأول، وعلَّل ذلك بقوله: «وإنما اخترنا القول الذي اخترناه في ذلك لأنه أظهر معانيه». وعلّق ابنُ عطية (٧‏/‏٢٨) على القول الأول، فقال: «قال ابن عباس، وابن جبير، ومجاهد، وطاووس: هذه آية نزلت في هبات الثواب، وما جرى مجراها مما يصنعه الإنسان ليجازى عليه؛ كالسلام وغيره، فهو وإن كان لا إثم فيه فلا أجر فيه ولا زيادة عند الله تعالى». وذكر القولين الآخرين، وبيّن قربهما من القول الأول بقوله: «وهذا كله قريب وجزء من التأويل». ثم ذكر في الآية احتمالًا غير ما ذُكرَ، فقال: «ويحتمل أن يكون معنى هذه الآية النهي عن الربا في التجارات، لَمّا حض عز وجل على نفع ذوي القربى والمساكين وابن السبيل؛ أعْلَمَ أن ما فعل المرءُ مِن رِبًا ليزداد به مالًا -وفعله ذلك إنما هو في أموال الناس- فإنّ ذلك لا يربو عند الله ولا يزكو، بل يتعلق فيه الإثم ومحق البركة»

سورة الأنعام — الآية ٨٢

عن جرير بن عبد الله، قال: خرَجْنا مع رسول ﷺ، فلما برَزْنا من المدينة إذا راكبٌ يُوضِعُ نحونا، فانتهى إلينا، فسلَّم، فقال له النبي ﷺ: «مِن أينَ أقبَلْتَ؟». فقال: مِن أهلي وولدي وعشيرتي، أُريدُ رسول الله ﷺ. قال: «قد أصَبْتَه». قال: علِّمني ما الإيمان. قال: «تشهدُ أن لا إله إلا الله، وأنّ محمدًا رسول الله، وتقيمُ الصلاة، وتُؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحُجُّ البيت». قال: قد أقرَرْتُ. ثم إنّ بعيرَه دخَلَتْ يدُه في شبكة جُرذان، فهوى، ووقَع الرجلُ على هامَتِه، فمات. فقال رسول الله ﷺ: «هذا من الذين عمِلوا قليلًا وأُجِروا كثيرًا، هذا مِن الذين قال الله: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون﴾. إنِّي رأيتُ الحور العين يُدخِلنَ في فِيهِ مِن ثمار الجنة، فعلِمْتُ أنّ الرجلَ مات جائعًا»

سورة العنكبوت — الآية ٦٩

عن عمر بن الخطاب، قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ ذات يوم؛ إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه مِنّا أحد، حتى جلس إلى النبي ﷺ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام. فقال رسول الله ﷺ: «الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله ﷺ، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا». قال: صدقت. قال: فعجبنا له يسأله، ويصدقه! قال: فأخبرني عن الإيمان. قال: «أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره». قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان. قال: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»