محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ١ من سورة الممتحنة في ١١٨ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٢٠ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ١ من سورة الممتحنة

١١٨ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
بسم الله الرحمَن الرحيم :
القول في تأويل قوله تعالى :﴿يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتّخِذُواْ عَدُوّي وَعَدُوّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدّةِ وَقَدْ كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُمْ مّنَ الْحَقّ يُخْرِجُونَ الرّسُولَ وَإِيّاكُمْ أَن تُؤْمِنُواْ بِاللّهِ رَبّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَآءَ مَرْضَاتِي تُسِرّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدّةِ وَأَنَاْ أَعْلَمُ بِمَآ أَخْفَيْتُمْ وَمَآ أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلّ سَوَآءَ السّبِيلِ﴾.
قال أبو جعفر : يقول : تعالى ذكره للمؤمنين به من أصحاب رسول الله ﷺ : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَتّخِذُوا عَدُوّي من المشركين وَعَدُوّكُمْ أوْلياءَ يعني أنصارا.
وقوله :﴿تُلْقُونَ إلَيْهمْ بالمَوَدّة﴾يقول جلّ ثناؤه : تلقون إليهم مودّتكم إياه. ودخول الباء في قوله : بالمَوَدّةِ وسقوطها سواء، نظير قول القائل : أريد بأن تذهب، وأريد أن تذهب سواء، وكقوله :﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بإلْحادٍ بِظُلْمٍ﴾والمعنى : ومن يرد فيه إلحادا بظلم ومن ذلك قول الشاعر :
فَلَمّا رَجَتْ بالشّرْبِ هَزّ لَهَا الْعَصَاشَحِيحٌ لَهُ عِنْدَ الإزَاءِ نَهِيمُ
بمعنى : فلما رجت الشربَ.
﴿وقد كَفَرُوا بِمَا جاءَكُمْ مِنَ الحَقّ﴾يقول : وقد كفر هؤلاء المشركون الذين نهيتكم أن تتخذوهم أولياء بما جاءكم من عند الله من الحقّ، وذلك كفرهم بالله ورسوله وكتابه الذي أنزله على رسوله.
وقوله :﴿يَخْرِجُونَ الرّسُولَ وَإيّاكُمْ أنْ تؤمنوا باللّهِ رَبّكُمْ﴾يقول جلّ ثناؤه : يخرجون رسول الله ﷺ وإياكم، بمعنى : ويخرجونكم أيضا من دياركم وأرضكم، وذلك مشركي قريش رسول الله ﷺ وأصحابه من مكة.
وقوله :﴿أن تُوءْمِنُوا باللّهِ رَبّكُمْ﴾يقول جلّ ثناؤه : يخرجون الرسول وإياكم من دياركم، لأن آمنتم بالله.
وقوله :﴿إنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهادا فِي سَبِيلي وَابْتِغاءَ مَرْضَاتِي﴾ من المؤخر الذي معناه التقديم، ووجه الكلام : يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوّي وعدوّكم أولياء تلقون إليهم بالمودّة وقد كفروا بما جاءكم من الحقّ إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي، وابتغاء مرضاتي يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم. ويعني بقوله تعالى ذكره :﴿إنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهادا فِي سَبِيلي﴾ : إن كنتم خرجتم من دياركم، فهاجرتم منها إلى مهاجرَكم للجهاد في طريقي الذي شرعته لكم، وديني الذي أمرتكم به. والتماس مرضاتي.
وقوله :﴿تُسِرّونَ إلَيْهِمْ بالمَوَدّةَ﴾يقول تعالى ذكره للمؤمنين من أصحاب رسول الله ﷺ : تسرّون أيها المؤمنون بالمودّة إلى المشركين بالله، ﴿وأنا أعْلَمُ بِمَا أخْفَيْتُمْ﴾يقول : وأنا أعلم منكم بما أخفى بعضكم من بعض، فأسره منه﴿وَما أعْلَنْتُمْ﴾يقول : وأعلم أيضا منكم ما أعلنه بعضكم لبعض، ﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلّ سَوَاء السّبيلِ﴾يقول جلّ ثناؤه : ومن يسرّ منكم إلى المشركين بالمودّة أيها المؤمنون فقد ضلّ : يقول : فقد جار عن قصد السبيل التي جعلها الله طريقا إلى الجنة ومحجة إليها.
وذُكر أن هذه الآيات من أوّل هذه السورة نزلت في شأن حاطب بن أبي بَلتعة، وكان كتب إلى قُرَيش بمكة يطلعهم على أمر كان رسول الله ﷺ قد أخفاه عنهم، وبذلك جاءت الآثار والرواية عن جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ وغيرهم.
ذكر من قال ذلك :
حدثني عبيد بن إسماعيل الهباريّ، والفضل بن الصباح قالا : حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار عن حسن بن محمد بن عليّ، أخبرني عبيد الله بن أبي رافع، قال : سمعت عليا رضي الله عنه يقول : بعثني رسول الله ﷺ أنا والزّبير بن العوّام والمقداد قال الفضل قال سفيان : نفر من المهاجرين فقال :«انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب، فخذوه منها » فانطلقنا تتعادى بنا خيلنا حتى انتهينا إلى الروضة، فوجدنا امرأة، فقلنا : أخرجي الكتاب، قالت : ليس معي كتاب، قلنا : لتخرجنّ الكتاب، أو لنلقينّ الثياب، فأخرجته من عِقَاصها، وأخذنا الكتاب فانطلقنا به إلى رسول الله ﷺ، فإذا فيه : من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس بمكة، يخبرهم ببعض أمر رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ :«يا حاطِبُ ما هَذَا ؟ » قال : يا رسول الله لا تعجل عليّ كنت امرأ ملصقا في قريش، ولم يكن لي فيهم قرابة، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات، يحمون أهليهم بمكة، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب أن أتخذ فيها يدا يحمون بها قرابتي، وما فعلت ذلك كفرا ولا ارتدادا عن ديني، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول الله ﷺ :«قَدْ صَدَقَكُمْ » فقال عمر : يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال :«إنّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرا، وَما يُدْرِيكَ لَعَلّ اللّهَ قَدِ اطّلَعَ على أهْلِ بَدْرِ فَقال : اعْمَلُوا ما شِئتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ » زاد الفضل في حديثه، قال سفيان : ونزلت فيه ﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَتّخِذُوا عَدُوّي وَعَدُوّكُمْ أوْلِياءَ. . . إلى قوله حتّى تُوءْمِنُوا باللّهِ وَحْدَهُ﴾.
حدثنا ابن حُمَيد، قال : حدثنا مهران، عن أبي سنان سعيد بن سنان، عن عمرو بن مرّة الجملي، عن أبي البختري الطائي، عن الحارث، عن عليّ رضي الله عنه قال : لما أردا النبيّ ﷺ أن يأتي مكة، أسرّ إلى ناس من أصحابه أنه يريد مكة. فيهم حاطب بن أبي بلتعة، وأفشى في الناس أنه يريد خيبر، فكتب حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة أن النبيّ ﷺ يريدكم، قال : فبعثني النبيّ ﷺ وأبا مرثد وليس منا رجل إلا وعنده فرس، فقال : ائْتُوا رَوْضَةَ خاخ، فإنّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بِها امْرأةً وَمَعَها كِتاب، فَخذُوهُ مِنْها فانطلقنا حتى رأيناها بالمكان الذي ذكر النبيّ ﷺ، فقلنا : هاتي الكتاب، فقالت : ما معي كتاب، فوضعنا متاعها وفتشنا، فلم نجده في متاعها، فقال أبو مرثد : لعله أن لا يكون معها، فقلت : ما كذَب النبيّ ﷺ ولا كذبَ، فقلنا : أخرجي الكتاب، وإلا عريناك قال عمرو بن مرّة : فأخرجته من حُجْزَتها، وقال حبيب : أخرجته من قبلها فأتينا به النبيّ ﷺ فإذا الكتاب : من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة، فقام عمر فقال : خان الله ورسوله، ائذن لي أضرب عنقه، فقال النبيّ ﷺ :«ألْيسَ قَدْ شَهِدَ بَدْرا ؟ » قال : بلى، ولكنه قد نكث وظاهر أعداءك عليك، فقال النبيّ ﷺ :«فَلَعَلّ اللّهَ قَدِ اطّلَعَ عَلى أهْل بَدْرٍ، فَقالَ : اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ »، ففاضت عينا عمر وقال : الله ورسوله أعلم، فأرسل إلى حاطب، فقال :«ما حملك على ما صنعت ؟ » فقال : يا نبيّ الله إني كنت امرأ ملصقا في قريش، وكان لي بها أهل ومال، ولم يكن من أصحابك أحد إلا وله بمكة من يمنع أهله وماله، فكتبت إليهم بذلك، والله يا نبيّ الله إني لمؤمن بالله وبرسوله، فقال النبيّ ﷺ :«صَدَقَ حاطِبُ بْنُ أبي بَلْتَعَةَ، فَلا تَقُولُوا لِحاطِبَ إلاّ خَيْرا »، فقال حبيب بن أبي ثابت : فأنزل الله عزّ وجلّ : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَتّخِذُوا عَدُوّي وَعَدُوّكُمْ. . . الآية.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال حدثنا عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَتّخِذُوا عَدُوّي وَعَدُوّكُمْ أوْلِياء تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بالمَوَدّةِ. . . إلى آخر الآية، نزلت في رجل كان مع النبيّ ﷺ بالمدينة من قريش، كتب إلى أهله وعشيرته بمكة، يخبرهم وينذرهم أن رسول الله ﷺ سائر إليهم، فأخبر رسول الله ﷺ بصحيفته، فبعث إليها عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، فأتاه بها.
حدثنا ابن حُمَيد، قال : حدثنا سلمة، قال : ثني محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزّبير، عن عروة بن الزبير وغيره من علمائنا، قالوا : لما أجمع رسول الله ﷺ السير إلى مكة كتب حاطب بن أبي بلتعة كتابا إلى قريش يخبرهم بالذي أجمع عليه رسول الله ﷺ من الأمر في السير إليهم، ثم أعطاه امرأة يزعم محمد بن جعفر أنها من مزينة، وزعم غيره أنها سارة مولاة لبعض بني عبد المطلب وجعل لها جُعْلاً، على أن تبلغه قريشا، فجعلته في رأسها. ثم فتلت عليه قرونها، ثم خرجت. وأتى رسول الله ﷺ الخبر من السماء بما صنع حاطب، فبعث عليّ بن أبي طالب والزّبير بن العوّام رضي الله عنهما، فقال :«أدرِكا امْرأةً قَدْ كَتَبَ مَعَها حاطِبٌ بكِتاب إلى قُرَيْش يُحَذّرُهُمْ ما قَدِ اجْتَمَعْنا لَهُ فِي أمْرِهِمْ »، فخرجا حتى أدركا بالحليفة، حليفة ابن أبي أحمد فاستنزلاها فالتمسا في رحلها، فلم يجدا شيئا، فقال لها عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه : إني أحلف بالله ما كُذِبَ رسول الله ﷺ ولا كُذِبنا، ولتخرِجِنّ إليّ هذا الكتاب، أو لنكشفنك فلما رأت الجدّ منه، قالت : أعرض عني، فأعرض عنها، فحلّت قرون رأسها، فاستخرجت الكتاب فدفعته إليه فجاء به إلى رسول الله ﷺ، فدعا رسول الله ﷺ حاطبا، فقال :«يا حاطب ما حَمَلَكَ على هَذَا ؟ » فقال : يا رسول الله، أما والله إني لمؤمن بالله ورسوله، ما غيرت ولا بدّلت، ولكني كنت امرأ في القوم ليس لي أصل ولا عشيرة، وكان لي بين أظهرهم أهل وولد، فصانعتهم عليه، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : دعني يا رسول الله فلأضرب عنقه، فإن الرجل قد نافق، فقال رسول الله ﷺ :«وَما يُدْرِيكَ يا عُمَرُ لَعَلّ الله قَدِ اطّلَعَ على أصحَاب بَدْرٍ يَوْمَ بَدْرٍ فَقالَ : اعْمَلُوا ما شِئْتم فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ » فأنزل الله عزّ وجلّ في حاطب :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَتّخِذُوا عَدُوّي وَعَدُوّكُمْ أوْلِياءَ. . . إلى قوله وَإلَيْكَ أنَبْنا. . .﴾ إلى آخر القصة.
حدثنا ابن عبد الأعلى قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهري، عن عروة قال : لما نزلت : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَتّخِذُوا عَدُوّي وَعَدُوّكُمْ أوْلِياءَ في حاطب بن أبي بلتعة، كتب إلى كفار قريش كتابا ينصح لهم فيه، فأطلع الله نبيه عليه الصلاة والسلام على ذلك، فأرسل عليا والزّبير، فقال :«اذْهَبا فإنّكُما سَتَجدَنِ امْرأةً بِمَكانِ كَذَا وكَذَا، فأتَيَا بكِتاب مَعَها »، فانطلقا حتى أدركاها، فقالا : الكتاب الذي معك، قالت : ليس معي كتاب، فقالا : والله لا ندع معك شيئا
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
تفسير سورة الممتحنة بسم الله الرحمن الرحيم
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١)﴾
قال أبو جعفر: يقول: تعالى ذكره للمؤمنين به من أصحاب رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي) من المشركين (وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ) يعنى أنصارا.
وقوله: (تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ) يقول جلّ ثناؤه: تلقون إليهم مودتكم إياهم، ودخول الباء في قوله: (بِالْمَوَدَّةِ) وسقوطها سواء، نظير قول القائل: أريد بأن تذهب، وأريد أن تذهبَ سواء، وكقوله: (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ) والمعنى: ومن يرد فيه إلحادًا بظلم؛ ومن ذلك قول الشاعر:
فَلمَّا رَجَتْ بالشُّرْبِ هَزَّ لَهَا الْعَصَا شَحِيحٌ لَهُ عِنْدَ الإزَاءِ نَهِيمُ (١)
(١) البيت من شواهد الفراء في معاني القرآن (الورقة ٣٣٠) عند قوله تعالى "تلقون إليهم بالمودة". قال: دخول الباء في مودة وسقوطها سواء، هذا بمنزلة أظن أنك قائم، وبأنك قائم، وأريد أن تذهب، وأريد بأن تقوم. وقد قال الله: "ومن يرد فيه بإلحاد بظلم" فأدخل الباء. والمعنى: ومن يرد فيه إلحادًا، أنشدني أبو الجراح: "فلما رجت بالشرب... البيت" معناه: فلما رجت أن تشرب. اهـ. والإزاء: الحوض الذي تشرب منه الإبل. والنهيم صوت زجر وتوعد. وقد سبق استشهاد المؤلف بالبيت في سورة الحج عند قوله تعالى "ومن يرد فيه بإلحاد" الجزء (١٧: ١٣٩). ووقع في متن البيت هناك "الأداء" في موضع "الإزاء" هنا، خطأ مطبعيًا، فلتصلح الكلمة كما هنا "الإزاء" وهو الحوض.
معنى: فلما رجت الشرب.
(وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ) يقول: وقد كفر هؤلاء المشركون الذين نهيتكم أن تتخذوهم أولياء بما جاءكم من عند الله من الحقّ، وذلك كفرهم بالله ورسوله وكتابه الذي أنزله على رسوله.
وقوله: (يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ) يقول جلّ ثناؤه: يخرجون رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وإياكم، بمعنى: ويخرجونكم أيضًا من دياركم وأرضكم، وذلك إخراج مشركي قريش رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وأصحابه من مكة.
وقوله: (أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ) يقول جلّ ثناؤه: يخرجون الرسول وإياكم من دياركم، لأن آمنتم بالله.
وقوله: (إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي) من المؤخر الذي معناه التقديم، ووجه الكلام: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق إن كنتم خرجتم جهادًا في سبيلي، وابتغاء مرضاتي (يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ).
ويعني قوله تعالى ذكره: (إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي) : إن كنتم خرجتم من دياركم، فهاجرتم منها إلى مهاجرَكم للجهاد في طريقي الذي شرعته لكم، وديني الذي أمرتكم به. والتماس مرضاتي.
وقوله: (تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ) يقول تعالى ذكره للمؤمنين من أصحاب
رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: تسرّون أيها المؤمنون بالمودّة إلى المشركين بالله (وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ) يقول: وأنا أعلم منكم بما أخفى بعضكم من بعض، فأسره منه (وَمَا أَعْلَنْتُمْ) يقول: وأعلم أيضًا منكم ما أعلنه بعضكم لبعض (وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ) يقول جلّ ثناؤه: ومن يسرُّ منكم إلى المشركين بالمودّة أيها المؤمنون فقد ضلّ: يقول: فقد جار عن قصد السبيل التي جعلها الله طريقًا إلى الجنة ومحجة إليها.
وذُكر أن هذه الآيات من أوّل هذه السورة نزلت في شأن حاطب بن أبي بَلتعة، وكان كتب إلى قُريش بمكة يطلعهم على أمر كان رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قد أخفاه عنهم، وبذلك جاءت الآثار والرواية عن جماعة من أصحاب رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وغيرهم.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني عبيد بن إسماعيل الهباريّ، والفضل بن الصباح قالا ثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار عن حسن بن محمد بن عليّ، أخبرني عبيد الله بن أبي رافع، قال: سمعت عليًا رضي الله عنه يقول: بعثني رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أنا والزُّبير بن العوّام والمقداد، قال الفضل، قال سفيان: نفر من المهاجرين فقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن لها ظعينة معها كتاب، فخذوه منها؛ فانطلقنا تتعادى بنا خيلنا حتى انتهينا إلى الروضة، فوجدنا امرأة، فقلنا: أخرجي الكتاب، قالت: ليس معي كتاب، قلنا: لتخرجنّ الكتاب، أو لنلقينّ الثياب، فأخرجته من عقاصها، وأخذنا الكتاب؛ فانطلقنا به إلى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس بمكة، يخبرهم ببعض أمر رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فقال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: "يا حاطبُ ما هذا؟ " قال: يا رسول الله لا تعجل عليّ، كنت امرًأ ملصقًا في قريش، ولم يكن لي فيهم قرابة، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات، يحمون أهليهم بمكة، فأحببت إذ فاتني ذلك من
النسب أن أتخذ فيها يدًا يحمون بها قرابتي، وما فعلت ذلك كفرًا ولا ارتدادًا عن ديني، ولا رضًا بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: "قَدْ صَدَقَكُمْ" فقال عمر: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال: "إنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللهَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أهْلِ بَدْرٍ فقَال: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ" زاد الفضل في حديثه، قال سفيان: ونزلت فيه (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ)... إلى قوله: (حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ).
حدثنا ابن حُمَيْد، قال: ثنا مهران، عن أبي سنان سعيد بن سنان، عن عمرو بن مرّة الجملي، عن أَبي البختري الطائي، عن الحارث، عن عليّ رضي الله عنه قال: لما أراد النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أن يأتي مكة، أسرّ إلى ناس من أصحابه أنه يريد مكة، فيهم حاطب بن أبي بلتعة، وأفشى في الناس أنه يريد خيبر، فكتب حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة أن النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يريدكم، قال: فبعثني النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وأبا مرثد وليس منا رجل إلا وعنده فرس، فقال: " ائْتُوا رَوْضَةَ خَاخ، فإنَّكُمْ سَتَلْقَوّنَ بِهَا امْرَأَةً وَمَعَهَا ِكتَاب، فَخُذُوهُ منها "؛ فانطلقنا حتى رأيناها بالمكان الذي ذكر النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فقلنا: هاتي الكتاب، فقالت: ما معي كتاب، فوضعنا متاعها وفتشنا، فلم نجده في متاعها، فقال أبو مرثد: لعله أن لا يكون معها، فقلت: ما كذب النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ولا كَذِب، فقلنا: أخرجي الكتاب، وإلا عريناك، قال عمرو بن مرّة، فأخرجته من حجزتها، وقال حبيب: أخرجته من قبلها فأتينا به النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فإذا الكتاب: من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة، فقام عمر فقال: خان الله ورسوله، ائذن لي أضرب عنقه، فقال النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: "أَلَيْسَ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا؟ " قال: بلى، ولكنه قد نكث وظاهر أعداءك عليك. فقال النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: "فَلَعَلَّ اللهَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ، فَقاَلَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ"، ففَاضت عينا عمر وقال: الله ورسوله أعلم، فأرسل إلى حاطب، فقال: "ما حملك على ما
صنعت؟ " فقال: يا نبيّ الله إني كنت امرأ ملصقًا في قريش، وكان لي بها أهل ومال، ولم يكن من أصحابك أحد إلا وله بمكة من يمنع أهله ماله، فكتبت إليهم بذلك، والله يا نبيّ الله إني لمؤمن بالله وبرسوله، فقال النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: "صَدَقَ حَاطِبُ بن أبِي بَلْتَعَةَ، فَلا تَقُولُوا لِحَاطِبَ إلا خَيْرًا"، فقال حبيب بن ثابت: فأنزل الله عزّ وجل (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ)... الآية
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، ثنا عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ)... إلى آخر الآية، نزلت في رجل كان مع النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بالمدينة من قريش، كتب إلى أهله وعَشِيرَته بمكة، يخبرهم وينذرهم أن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم سائر إليهم، فأخبر رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بصحيفته، فبعث إليها عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، فأتاه بها.
حدثنا ابن حُمَيْدِ، قال: ثنا سلمة، قال: ثني محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزُّبير، عن عروة بن الزبير وغيره من علمائنا، قالوا: لما أجمع رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم السير إلى مكة كتب حاطب بن أبي بلتعة كتابًا إلى قريش يخبرهم بالذي أجمع عليه رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم من الأمر في السير إليهم، ثم أعطاه امرأة يزعم محمد بن جعفر أنها من مزينة، وزعم غيره أنها سارة مولاة لبعض بني عبد المطلب وجعل لها جُعْلا على أن تبلغه قريشًا، فجعلته في رأسها، ثم فتلت عليه قرونها، ثم خرجت، وأتى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم الخبر من السماء بما صنع حاطب، فبعث عليّ بن أبي طالب والزُّبير بن العوّام رضي الله عنهما، فقال: "أدركا امْرَأةً قَدْ كَتَبَ مَعَهَا حَاطِبٌ بِكِتَاب إلى قُرَيْش يُحَذرُهُمْ مَا قدِ اجْتَمَعْنَا لَهُ فِي أمْرِهِمْ"، فخرجا حتى أدركاها بالحليفة، حليفة ابن أَبي أحمد فاستنزلاها فالتمسا في رحلها، فلم يجدا شيئًا، فقال
لها عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: إني أحلف بالله ما كُذِبَ رَسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ولا كُذِبنا، ولتخرِجِنّ إليَّ هذا الكتاب، أو لنكشفنك؛ فلما رأت الجدّ منه، قالت: أعرض عني، فأعرض عنها، فحلَّت قرون رأسها، فاستخرجت الكتاب فدفعته إليه فجاء به إلى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فدعا رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم حاطبًا، فقال: "يا حاطب مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا؟ " فقال: يا رسول الله، أما والله إني لمؤمن بالله ورسوله، ما غيرت ولا بدّلت، ولكني كنت امرأ في القوم ليس لي أصل ولا عشيرة، وكان لي بين أظهرهم أهل وولد، فصانعتهم عليه، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: دعني يا رسول الله فلأضرب عنقه، فإن الرجل قد نافق، فقال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: "وَمَا يُدْرِيكَ يَا عُمَرُ لَعَلَّ اللهَ قَدِ اطَلَّعَ عَلَى أَصْحَابِ بَدْرٍ يَوْمَ بَدْرٍ فقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُم" فأنزل الله عزّ وجلّ في حاطب (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ)... إلى قوله:
(وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا)إلى آخر القصة.
حدثنا ابن عبد الأعلى قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهري، عن عروة قال: لما أنزلت: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ) في حاطب بن أبي بلتعة، كتب إلى كفار قريش كتابًا ينصح لهم فيه، فأطلع الله نبيه عليه الصلاة والسلام على ذلك، فأرسل عليًّا والزُّبير، فقال: "اذْهبا فإنَّكُما ستجدان امرأة بِمَكَان كَذَا وَكَذَا، فأتِيَا بِكِتَاب مَعَهَا"، فانطلقا حتى أدركاها، فقالا الكتاب الذي معك، قالت: ليس معي كتاب، فقالا والله لا ندع معك شيئًا إلا فتَّشناه، أو لتخرجينه، قالت: أولستم مسلمين؟ قالا بلى، ولكن النبيّ ﷺ قد أخبرنا أن معك كتابًا قد أيقنت أنفسنا أنه معك؟ فلما رأت جدّهما أخرجت كتابًا من بين قرونها، فذهبا به إلى النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى كفار قريش، فدعاه النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فقال: "أنْتَ كَتَبْتَ هَذَا الْكِتَاب؟ " قال: نعم، قال: "ما حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ؟ " قال: أما والله ما ارتبت في الله

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
فقوله تعالى :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ يعني : المشركين والكفار الذين هم محاربون لله ولرسوله وللمؤمنين، الذين شرع الله(١) عداوتهم ومصارمتهم، ونهى أن يتخذوا أولياء وأصدقاء وأخلاء، كما قال ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١].
وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد، وقال تعالى :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٥٧] وقال تعالى :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٤٤]. وقال تعالى :﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨] ؛ ولهذا قَبِل رسول الله ﷺ عُذْرَ حاطب لما ذكر أنه إنما فعل ذلك مصانعة لقريش، لأجل ما كان له عندهم من الأموال والأولاد.
ويذكر هاهنا الحديث الذي رواه الإمام أحمد : حدثنا مصعب بن سلام، حدثنا الأجلح، عن قيس بن أبي مسلم، عن ربعي بن حراش، سمعت حُذيفة يقول : ضَرَب لنا رسول الله ﷺ أمثالا واحدًا وثلاثة وخمسة وسبعة، وتسعة، وأحد عشر - قال : فضرب لنا منها مثلا وترك سائرها، قال :" إن قومًا كانوا أهل ضعف ومسكنة، قاتلهم أهل تجبر وعداء، فأظهر الله أهل الضعف عليهم، فَعَمَدوا إلى عَدُوهم فاستعملوهم وسلّطوهم، فأسخطوا الله عليهم إلى يوم يلقونه " (٢).
وقوله :﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾ هذا مع ما قبله من التهييج على عداوتهم وعدم موالاتهم ؛ لأنهم أخرجوا الرسول وأصحابه من بين أظهرهم، كراهة لما هم عليه من التوحيد وإخلاص العبادة لله وحده ؛ ولهذا قال :﴿أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ أي : لم يكن لكم عندهم ذنب إلا إيمانكم بالله رب العالمين، كقوله :﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ. الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨]، وكقوله ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [الحج: ٤٠].
١ - (٧) في م: "شرع لهم"..
٢ - (١) المسند (٥/٤٠٧) وقال الهيثمي في المجمع (٥/٢٣٢): "وفيه الأجلح الكندي وهو ثقة وقد ضعف، وبقية رجاله ثقات"..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
تَفْسِيرُ سُورَةِ الْمُمْتَحَنَةِ
وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١) إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (٢) لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣)﴾
كَانَ سَبَبُ نُزُولِ صَدْرِ هَذِهِ السُّورَةِ (١) الْكَرِيمَةِ قِصَّةَ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ، وَذَلِكَ أَنَّ حَاطِبًا هَذَا كَانَ رَجُلًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ أَيْضًا، وَكَانَ لَهُ بِمَكَّةَ أَوْلَادٌ وَمَالٌ (٢)، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ قُرَيْشٍ أَنْفُسِهِمْ، بَلْ كَانَ حَلِيفًا (٣) لِعُثْمَانَ. فَلَمَّا عَزْمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى فَتْحِ مَكَّةَ لَمَّا نَقَضَ أَهْلُهَا الْعَهْدَ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُسْلِمِينَ بِالتَّجْهِيزِ لِغَزْوِهِمْ، وَقَالَ: "اللَّهُمَّ، عَمِّ عَلَيْهِمْ خَبَرَنَا". فَعَمَدَ حَاطِبٌ هَذَا فَكَتَبَ كِتَابًا، وَبَعَثَهُ مَعَ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ، يُعْلِمُهُمْ بِمَا عَزَمَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [مِنْ غَزْوِهِمْ] (٤)، لِيَتَّخِذَ بِذَلِكَ عِنْدَهُمْ يَدًا، فَأَطْلَعَ اللَّهُ رَسُولَهُ عَلَى ذَلِكَ (٥) اسْتِجَابَةً لِدُعَائِهِ. فَبَعَثَ فِي أَثَرِ الْمَرْأَةِ فَأَخَذَ الْكِتَابَ مِنْهَا، وَهَذَا بَيِّنٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ. قال الإمام أحمد:
حدثنا سفيان، عن عَمْرو، أَخْبَرَنِي حَسَن بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنِي عُبَيد اللَّهِ (٦) بْنُ أَبِي رَافِعٍ -وَقَالَ مُرَّةُ: إِنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي رَافِعٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ عَلِيًّا، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا وَالزُّبَيْرَ وَالْمِقْدَادَ، فَقَالَ: "انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ، فَإِنَّ بِهَا ظَعِينة مَعَهَا كِتَابٌ، فَخُذُوهُ مِنْهَا". فَانْطَلَقْنَا تَعَادى بِنَا خَيْلُنَا حَتَّى أَتَيْنَا الرَّوْضَةَ، فَإِذَا نَحْنُ بِالظَّعِينَةِ، قُلْنَا: أَخْرِجِي الْكِتَابَ. قَالَتْ: مَا مَعِي كِتَابٌ. قُلْنَا: لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ أَوْ لنُلقين الثِّيَابَ. قَالَ: فَأَخْرَجَتِ الْكِتَابَ مِنْ عِقَاصها، فَأَخَذْنَا الْكِتَابَ فَأَتَيْنَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِذَا فِيهِ: من حاطب بن أبي بلتعة
(١) في هـ: "الآية"، والمثبت من م، أ.
(٢) في م: "وأموال".
(٣) في أ: "ضيفًا".
(٤) زيادة من م.
(٥) في م: "فأصلح الله على ذلك رسوله".
(٦) في م: "عبد الله"
إِلَى نَاسٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ، يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَا حَاطِبُ، مَا هَذَا؟ ". قَالَ: لَا تَعْجَلْ عَلَيَّ، إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مُلصَقًا فِي قُرَيْشٍ، وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَكَانَ مَنْ مَعَكَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ لَهُمْ قَرَابَاتٌ يَحْمُونَ أَهْلِيهِمْ بِمَكَّةَ، فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي ذَلِكَ مِنَ النَّسَبِ فِيهِمْ أَنْ أَتَّخِذَ فِيهِمْ يَدًا يَحْمُونَ بِهَا قَرَابَتِي، وَمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ كُفْرًا وَلَا ارْتِدَادًا عَنْ ديني ولا رضى بِالْكُفْرِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّهُ صَدَقكم". فَقَالَ عُمَرُ: دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ. فَقَالَ: "إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، مَا يُدْرِيكَ لَعَلّ اللَّهَ اطَّلَعَ إِلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ".
وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا ابْنَ مَاجَهْ، مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَينة، بِهِ (١). وَزَادَ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ "الْمَغَازِي": فَأَنْزَلَ اللَّهُ السُّورَةَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ (٢). وَقَالَ فِي كِتَابِ التَّفْسِيرِ: قَالَ عَمْرٌو: وَنَزَلَتْ فِيهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ قَالَ (٣) :" لَا أَدْرِي الْآيَةَ فِي الْحَدِيثِ أَوْ قَالَ عَمْرٌو". قَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ عَلِيٌّ -يَعْنِي: ابْنَ الْمَدِينِيِّ-: قِيلَ لِسُفْيَانَ فِي هَذَا: نَزَلَتْ ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ ؟ فَقَالَ سُفْيَانُ: هَذَا فِي حَدِيثِ النَّاسِ، حَفِظْتُهُ مِنْ عَمْرٍو، مَا تَرَكْتُ مِنْهُ حَرْفًا، وَمَا أَرَى (٤) أَحَدًا حَفِظَهُ غَيْرِي (٥).
وَقَدْ أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ حُصَين بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سَعْدِ (٦) بْنِ عُبَيدة، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا مَرْثَد، وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ، وَكُلُّنَا فَارِسٌ، وَقَالَ: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها امْرَأَةً مِنَ الْمُشْرِكِينَ مَعَهَا كِتَابٌ مِنْ حَاطِبٍ إِلَى الْمُشْرِكِينَ: فَأَدْرَكْنَاهَا تَسِيرُ عَلَى بَعِيرٍ لَهَا حَيْثُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْنَا: الكتابُ؟ فَقَالَتْ: مَا مَعِي كِتَابٌ. فَأَنَخْنَاهَا فَالْتَمَسْنَا فَلَمْ نَرَ كِتَابًا، فَقُلْنَا: مَا كَذَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ! لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ أَوْ لنُجردنك. فَلَمَّا رَأَتِ الْجِدَّ أَهْوَتْ إِلَى حُجْزتها وَهِيَ مُحتَجِزة بِكِسَاءٍ فَأَخْرَجَتْهُ. فَانْطَلَقْنَا بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، فَدعني فلأضْرِب عُنُقَهُ. فَقَالَ: "مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ ". قَالَ: وَاللَّهِ مَا بِي إِلَّا أَنْ أَكُونَ مُؤْمِنًا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، أَرَدْتُ أَنْ تَكُونَ لِي عِنْدَ الْقَوْمِ يَدٌ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهَا عَنْ أَهْلِي وَمَالِي، وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِكَ إِلَّا لَهُ هُنَالِكَ مِنْ عَشِيرَتِهِ مَنْ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهِ عَنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ. فَقَالَ: "صَدَقَ، لَا تَقُولُوا لَهُ إِلَّا خَيْرًا". فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّهُ قَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، فَدَعْنِي فَلْأَضْرِبْ عُنُقَهُ. فَقَالَ: "أَلَيْسَ مَنْ أَهْلِ بَدْرٍ؟ " فَقَالَ: "لَعَلَّ اللَّهَ قَدِ اطَّلَعَ إِلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ وَجَبَتْ لَكُمُ الجنة -أو:
(١) المسند (١/٧٩، ٨٠) وصحيح البخاري برقم (٣٠٠٧، ٤٨٩٠) وصحيح مسلم برقم (٢٤٩٤) وسنن أبي داود برقم (٢٦٥٠) وسنن الترمذي برقم (٣٣٠٥) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٥٨٥).
(٢) صحيح البخاري برقم (٤٢٧٤).
(٣) في م: "وقال".
(٤) في م: "ولا أرى".
(٥) صحيح البخاري برقم (٤٨٩٠).
(٦) في م: "عن سعيد".
قَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ". فدَمِعت عَيْنَا عُمر، وَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ (١).
هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ فِي "الْمَغَازِي" فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ:
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الهِسْنجَاني، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ يَعِيشَ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ الرَّازِيُّ، عَنْ أَبِي سِنان -هُوَ سَعِيدُ بْنُ سِنَانٍ-عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرة الجَمَلي، عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ الطَّائِيِّ (٢)، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: لَمَّا أَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْتِيَ مَكَّةَ، أَسَرَّ إِلَى أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ يُرِيدُ مَكَّةَ، فِيهِمْ حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ وَأَفْشَى فِي النَّاسِ أَنَّهُ يُرِيدُ خَيْبَرَ. قَالَ: فَكَتَبَ حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيدُكُمْ. فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: فَبَعَثَنِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا مَرْثد، وليس منا رجل إلا وعند (٣) فَرَسٌ، فَقَالَ: "ائِتوا رَوْضَةَ خَاخٍ، فَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بِهَا امْرَأَةً مَعَهَا كِتَابٌ، فَخُذُوهُ مِنْهَا". فَانْطَلَقْنَا حَتَّى رَأَيْنَاهَا بِالْمَكَانِ الَّذِي ذَكَر رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَقُلْنَا لَهَا: هَاتِ الْكِتَابَ. فَقَالَتْ: مَا مَعِي كِتَابٌ. فَوَضَعْنَا مَتَاعَهَا وَفَتَّشْنَاهَا (٤) فَلَمْ نَجِدْهُ فِي مَتَاعِهَا، فَقَالَ أَبُو مَرْثَدٍ: لَعَلَّهُ أَلَّا يَكُونَ مَعَهَا. فَقُلْتُ: مَا كَذَبَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا كَذَبْنَا (٥). فَقُلْنَا لَهَا: لتخرجِنَّه أَوْ لنُعرينَّك. فَقَالَتْ: أَمَا تَتَّقُونَ اللَّهَ؟! أَلَسْتُمْ مُسْلِمِينَ؟ فَقُلْنَا: لَتُخْرِجِنَّهُ أَوْ لنعرينَّك. قَالَ عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ: فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ حُجُزَتها. وَقَالَ حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ: أَخْرَجَتْهُ (٦) مِنْ قُبُلها. فَأَتَيْنَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِذَا الْكِتَابُ مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ. فَقَامَ عُمَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَائْذَنْ لِي فَلْأَضْرِبْ عُنُقَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: "أَلَيْسَ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا؟ ". قَالُوا: بَلَى. وَقَالَ عُمَرُ: بَلَى، وَلَكِنَّهُ قَدْ نَكَثَ وَظَاهَرَ أَعْدَاءَكَ عَلَيْكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "فلعل الله اطلع إلى عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ، إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ". فَفَاضَتْ عَيْنَا عُمَرَ وَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى حَاطِبٍ فَقَالَ: "يَا حَاطِبُ، مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ ". فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مُلصَقًا فِي قُرَيْشٍ، وَكَانَ لِي بِهَا مَالٌ وَأَهْلٌ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَصْحَابِكَ أَحَدٌ إِلَّا وَلَهُ بِمَكَّةَ مَنْ يَمْنَعُ أَهْلَهُ وَمَالَهُ، فَكَتَبْتُ إِلَيْهِمْ بِذَلِكَ وَوَاللَّهِ-يَا رَسُولَ اللَّهِ-إِنِّي لَمُؤْمِنٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "صَدَقَ حَاطِبٌ، فَلَا تَقُولُوا لِحَاطِبٍ إِلَّا خَيْرًا". قَالَ (٧) حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ الْآيَةَ.
وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ حُمَيْدٍ عَنْ مِهْران، عَنْ أَبِي سِنَانٍ -سَعِيدِ بْنِ سِنَانٍ-بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ (٨). وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ أَصْحَابُ الْمَغَازِي وَالسِّيَرِ، فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسحَاق بْنِ يَسَار فِي السِّيرَةِ.
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَة بْنِ الزُّبَيْرِ وَغَيْرِهِ مِنْ عُلَمَائِنَا قَالَ: لَمَّا أَجْمَعَ رَسُولُ
(١) صحيح البخاري برقم (٣٩٨٣) وصحيح مسلم برقم (٢٤٩٤).
(٢) في هـ" "عن أبي إسحاق البختري الطائي ولالمثبت من الطبري.
(٣) في م، أ: "وعنده".
(٤) في م: "وفتشناه".
(٥) في م: "ولا كاذب".
(٦) في م: "فأخرجته".
(٧) في م: "فقال".
(٨) تفسير الطبري (٢٣/٣٨).
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسِيرَ (١) إِلَى مَكَّةَ، كَتَبَ حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ كِتَابًا إِلَى قُرَيْشٍ يُخْبِرُهُمْ بِالَّذِي أَجْمَعَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْأَمْرِ فِي السَّيْرِ إِلَيْهِمْ، ثُمَّ أَعْطَاهُ امْرَأَةً -زَعَمَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ أَنَّهَا مِنْ مُزَيْنَةَ، وَزَعَمَ غَيْرُهُ أَنَّهَا: سَارَةُ، مَوْلَاةٌ لِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ-وَجَعَلَ لَهَا جُعلا عَلَى أَنْ تُبَلِّغَهُ قُريشًا فَجَعَلَتْهُ فِي رَأْسِهَا، ثُمَّ فَتَلَتْ عَلَيْهِ قُرُونَهَا، ثُمَّ خَرَجَتْ بِهِ. وَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الخبرُ مِنَ السَّمَاءِ بِمَا صَنَعَ حَاطِبٌ، فَبَعَثَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ فَقَالَ: "أَدْرِكَا امْرَأَةً قَدْ كَتَبَ مَعَهَا حَاطِبٌ بِكِتَابٍ إِلَى قُرَيْشٍ، يُحَذِّرُهُمْ مَا قَدْ أَجْمَعْنَا (٢) لَهُ مِنْ أَمْرِهِمْ".
فَخَرَجَا حَتَّى أَدْرَكَاهَا بالخُلَيفْة -خُلَيْفَةِ (٣) بَنِي أَبِي أَحْمَدَ-فَاسْتَنْزَلَاهَا بِالْخُلَيْفَةِ، فَالْتَمَسَا فِي رَحْلِهَا فَلَمْ يَجِدَا شَيْئًا، فَقَالَ لَهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: إِنِّي أَحْلِفُ بِاللَّهِ مَا كَذَبَ رَسُولُ اللَّهِ وَمَا كَذَبْنَا (٤) ولتُخرجِنَّ لَنَا هَذَا الْكِتَابَ أَوْ لنكشفنَّك. فَلَمَّا رَأَتِ الجِدّ مِنْهُ قَالَتْ: أَعْرِضْ. فَأَعْرَضَ، فَحَلَّتْ قُرون رَأْسِهَا، فَاسْتَخْرَجَتِ الْكِتَابَ مِنْهَا، فَدَفَعَتْهُ إِلَيْهِ. فَأَتَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ حَاطِبًا فَقَالَ: "يَا حَاطِبُ مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا؟ ". فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَمُؤْمِنٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ (٥) مَا غَيَّرت وَلَا بَدّلت، وَلَكِنِّي كُنْتُ امْرَأً لَيْسَ لِي فِي الْقَوْمِ مِنْ أَهْلٍ وَلَا عَشِيرَةٍ، وَكَانَ لِي بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ وَلَد وَأَهْلٌ فَصَانَعْتُهُمْ عَلَيْهِمْ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، دَعْنِي فَلأضربْ عُنُقَهُ، فَإِنَّ الرَّجُلَ قَدْ نَافَقَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "وَمَا يُدْرِيكَ يَا عُمَرُ! لَعَلَّ اللَّهَ قَدِ اطَّلَعَ إِلَى أَصْحَابِ بَدْرٍ يَوْمَ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ، فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ". فَأَنْزَلَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، فِي حَاطِبٍ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الْمُمْتَحَنَةِ: ٤] إِلَى آخِرِ الْقِصَّةِ (٦).
وَرَوَى مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَة نَحْوَ ذَلِكَ. وَهَكَذَا ذَكَرَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ نَزَلَتْ فِي حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ: أَنَّهُ بَعَثَ سَارَةَ مَوْلَاةَ بَنِي هَاشِمٍ، وَأَنَّهُ أَعْطَاهَا عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ فِي أَثَرِهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَأَدْرَكَاهَا بِالْجُحْفَةِ... وَذَكَرَ تَمَامَ الْقِصَّةِ كَنَحْوِ مَا تَقَدَّمَ. وَعَنِ السُّدِّيِّ قَرِيبًا مِنْهُ. وَهَكَذَا قَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ، وَغَيْرِ وَاحِدٍ: أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ نَزَلَتْ فِي حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ.
فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ يَعْنِي: الْمُشْرِكِينَ وَالْكُفَّارَ الَّذِينَ هُمْ مُحَارِبُونَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ، الَّذِينَ شَرَعَ اللَّهُ (٧) عَدَاوَتَهُمْ وَمُصَارَمَتَهُمْ، وَنَهَى أَنْ يُتَّخَذُوا أَوْلِيَاءَ وَأَصْدِقَاءَ وَأَخِلَّاءَ، كَمَا قَالَ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٥١].
(١) في م: "السير".
(٢) في م، أ: "اجتمعنا".
(٣) في أ: "بالحليفة حليفة".
(٤) في م: "ولا كذبنا".
(٥) في م: "وبرسوله".
(٦) ورواه الطبري في تفسيره (٢٣/٣٩) من طريق أبي إسحاق.
(٧) في م: "شرع لهم".
وَهَذَا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ وَوَعِيدٌ أَكِيدٌ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٥٧] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النِّسَاءِ: ١٤٤]. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٢٨] ؛ وَلِهَذَا قَبِل رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُذْرَ حَاطِبٍ لَمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ مُصَانَعَةً لِقُرَيْشٍ، لِأَجْلِ مَا كَانَ لَهُ عِنْدَهُمْ مِنَ الأموال والأولاد.
ويذكر هَاهُنَا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:
حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ سَلَّامٍ، حَدَّثَنَا الْأَجْلَحُ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي مُسْلِمٍ، عَنْ رِبْعَيِ بْنِ حِرَاشٍ، سَمِعْتُ حُذيفة يَقُولُ: ضَرَب لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْثَالًا وَاحِدًا وَثَلَاثَةً وَخَمْسَةً وَسَبْعَةً، وَتِسْعَةً، وَأَحَدَ عَشَرَ -قَالَ: فَضَرَبَ لَنَا مِنْهَا مَثَلًا وَتَرَكَ سَائِرَهَا، قَالَ: "إِنَّ قَوْمًا كَانُوا أَهْلَ ضَعْفٍ وَمَسْكَنَةٍ، قَاتَلَهُمْ أَهْلُ تَجَبُّرٍ وَعَدَاءٍ، فَأَظْهَرَ اللَّهُ أَهْلَ الضَّعْفِ عَلَيْهِمْ، فَعَمَدوا إِلَى عَدُوهم فَاسْتَعْمَلُوهُمْ وَسَلَّطُوهُمْ، فَأَسْخَطُوا اللَّهَ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ" (١).
وَقَوْلُهُ: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾ هَذَا مَعَ مَا قَبْلَهُ مِنَ التَّهْيِيجِ عَلَى عَدَاوَتِهِمْ وَعَدَمِ مُوَالَاتِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ أَخْرَجُوا الرَّسُولَ وَأَصْحَابَهُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ، كَرَاهَةً لِمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ وَإِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لِلَّهِ وَحْدَهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ أَيْ: لَمْ يَكُنْ لَكُمْ عِنْدَهُمْ ذَنْبٌ إِلَّا إِيمَانَكُمْ بِاللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ. الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [الْبُرُوجِ: ٨]، وَكَقَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [الْحَجِّ: ٤٠].
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي﴾ أَيْ: إِنْ كُنْتُمْ كَذَلِكَ فَلَا تَتَّخِذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ، إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ مُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِي بَاغِينَ لِمَرْضَاتِي عَنْكُمْ فَلَا تُوَالُوا أَعْدَائِي وَأَعْدَاءَكُمْ، وَقَدْ أَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ حَنَقًا عَلَيْكُمْ وَسُخْطًا لِدِينِكُمْ.
وَقَوْلُهُ: ﴿تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ﴾ أَيْ: تَفْعَلُونَ ذَلِكَ وَأَنَا الْعَالِمُ بِالسَّرَائِرِ وَالضَّمَائِرِ وَالظَّوَاهِرِ ﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ﴾ أَيْ: لَوْ قَدَرُوا عَلَيْكُمْ لَمَا اتَّقَوْا (٢) فِيكُمْ مِنْ أَذًى يَنَالُونَكُمْ بِهِ بِالْمَقَالِ وَالْفِعَالِ. ﴿وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ أَيْ: وَيَحْرِصُونَ عَلَى أَلَّا تَنَالُوا خَيْرًا، فَهُمْ عَدَاوَتُهُمْ لَكُمْ كَامِنَةٌ وَظَاهِرَةٌ، فَكَيْفَ تُوَالُونَ مِثْلَ هَؤُلَاءِ؟ وَهَذَا تَهْيِيجٌ عَلَى عَدَاوَتِهِمْ أَيْضًا.
وَقَوْلُهُ: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أَيْ: قَرَابَاتُكُمْ لَا تَنْفَعُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ (٣) إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِكُمْ سُوءًا، وَنَفْعُهُمْ لا يصل إليكم إذا أرضيتموهم بما
(١) المسند (٥/٤٠٧) وقال الهيثمي في المجمع (٥/٢٣٢) :"وفيه الأجلح الكندي وهو ثقة وقد ضعف، وبقية رجاله ثقات".
(٢) في أ: "لما أبقوا".
(٣) في م: "عند الله ولا أولادكم".

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
{ ١-٩ } { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ * إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ * لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ *لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ }.
ذكر كثير من المفسرين، [ رحمهم الله ]، أن سبب نزول هذه الآيات الكريمات في قصة حاطب بن أبي بلتعة، حين غزا النبي ﷺ غزوة الفتح، فكتب حاطب إلى قريش(١)  يخبرهم بمسير رسول الله ﷺ إليهم، ليتخذ بذلك يدا عندهم لا [ شكا و ] نفاقا، وأرسله مع امرأة، فأخبر النبي ﷺ بشأنه، فأرسل إلى المرأة قبل وصولها وأخذ منها الكتاب.
وعاتب حاطبا، فاعتذر رضي الله عنه بعذر قبله النبي ﷺ، وهذه الآيات فيها النهي الشديد عن موالاة الكفار من المشركين وغيرهم، وإلقاء المودة إليهم، وأن ذلك مناف للإيمان، ومخالف لملة إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام، ومناقض للعقل الذي يوجب الحذر كل الحذر من العدو، الذي لا يبقي من مجهوده في العداوة شيئا، وينتهز الفرصة في إيصال الضرر إلى عدوه، فقال تعالى :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ اعملوا بمقتضى إيمانكم، من ولاية من قام بالإيمان، ومعاداة من عاداه، فإنه عدو لله، وعدو للمؤمنين.
فلا تتخذوا عدو الله ﴿وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ أي : تسارعون في مودتهم وفي السعي بأسبابها، فإن المودة إذا حصلت، تبعتها النصرة والموالاة، فخرج العبد من الإيمان، وصار من جملة أهل الكفران، وانفصل عن أهل الإيمان.
وهذا المتخذ للكافر وليا، عادم المروءة أيضا، فإنه كيف يوالي أعدى أعدائه الذي لا يريد له إلا الشر، ويخالف ربه ووليه الذي يريد به الخير، ويأمره به، ويحثه عليه ؟ ! ومما يدعو المؤمن أيضا إلى معاداة الكفار، أنهم قد كفروا بما جاء المؤمنين من الحق، ولا أعظم من هذه المخالفة والمشاقة، فإنهم قد كفروا بأصل دينكم، وزعموا أنكم ضلال على غير هدى.
والحال أنهم كفروا بالحق الذي لا شك فيه ولا مرية، ومن رد الحق فمحال أن يوجد له دليل أو حجة تدل على صحة قوله، بل مجرد العلم بالحق(٢)  يدل على بطلان قول من رده وفساده.
ومن عداوتهم البليغة أنهم ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾ أيها المؤمنون من دياركم، ويشردونكم من أوطانكم، ولا ذنب لكم في ذلك عندهم، إلا أنكم تؤمنون بالله ربكم الذي يتعين على الخلق كلهم القيام بعبوديته، لأنه رباهم، وأنعم عليهم، بالنعم الظاهرة والباطنة، وهو الله تعالى.
فلما أعرضوا عن هذا الأمر، الذي هو أوجب الواجبات، وقمتم به، عادوكم، وأخرجوكم - من أجله - من دياركم، فأي دين، وأي مروءة وعقل، يبقى مع العبد إذا والى الكفار الذين هذا وصفهم في كل زمان أو مكان ؟ " ولا يمنعهم منه إلا خوف، أو مانع قوي.
﴿إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي﴾ أي : إن كان خروجكم مقصودكم به الجهاد في سبيل الله، لإعلاء كلمة الله، وابتغاء مرضاة الله(٣)  فاعملوا بمقتضى هذا، من موالاة أولياء الله ومعاداة أعدائه، فإن هذا هو الجهاد في سبيله(٤)  وهو من أعظم ما يتقرب به المتقربون إلى ربهم ويبتغون به رضاه.
﴿تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ﴾ أي : كيف تسرون المودة للكافرين وتخفونها، مع علمكم أن الله عالم بما تخفون وما تعلنون ؟ !، فهو وإن خفي على المؤمنين، فلا يخفى على الله تعالى، وسيجازي العباد بما يعلمه منهم من الخير والشر، ﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ﴾ أي : موالاة الكافرين بعد ما حذركم الله منها ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ لأنه سلك مسلكا مخالفا للشرع وللعقل والمروءة الإنسانية.
١ - في ب: إلى المشركين من أهل مكة..
٢ - كذا في ب، وفي أ: مجرد رد الحق..
٣ - في ب: وابتغاء رضاه..
٤ - في ب: هذا من أعظم الجهاد في سبيله..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
[وهي] مدنية {١-٩} {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ * إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ * لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأبِيهِ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}.
-[٨٥٥]-
ذكر كثير من المفسرين، [رحمهم الله]، أن سبب نزول هذه الآيات الكريمات في قصة حاطب بن أبي بلتعة، حين غزا النبي ﷺ غزوة الفتح، فكتب حاطب إلى قريش (١) يخبرهم بمسير رسول الله ﷺ إليهم، ليتخذ بذلك يدا عندهم لا [شكا و] نفاقا، وأرسله مع امرأة، فأخبر النبي ﷺ بشأنه، فأرسل إلى المرأة قبل وصولها وأخذ منها الكتاب.
وعاتب حاطبا، فاعتذر رضي الله عنه بعذر قبله النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه الآيات فيها النهي الشديد عن موالاة الكفار من المشركين وغيرهم، وإلقاء المودة إليهم، وأن ذلك مناف للإيمان، ومخالف لملة إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام، ومناقض للعقل الذي يوجب الحذر كل الحذر من العدو، الذي لا يبقي من مجهوده في العداوة شيئا، وينتهز الفرصة في إيصال الضرر إلى عدوه، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ اعملوا بمقتضى إيمانكم، من ولاية من قام بالإيمان، ومعاداة من عاداه، فإنه عدو لله، وعدو للمؤمنين.
فلا تتخذوا عدو الله ﴿وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ أي: تسارعون في مودتهم وفي السعي بأسبابها، فإن المودة إذا حصلت، تبعتها النصرة والموالاة، فخرج العبد من الإيمان، وصار من جملة أهل الكفران، وانفصل عن أهل الإيمان.
وهذا المتخذ للكافر وليا، عادم المروءة أيضا، فإنه كيف يوالي أعدى أعدائه الذي لا يريد له إلا الشر، ويخالف ربه ووليه الذي يريد به الخير، ويأمره به، ويحثه عليه؟! ومما يدعو المؤمن أيضا إلى معاداة الكفار، أنهم قد كفروا بما جاء المؤمنين من الحق، ولا أعظم من هذه المخالفة والمشاقة، فإنهم قد كفروا بأصل دينكم، وزعموا أنكم ضلال على غير هدى.
والحال أنهم كفروا بالحق الذي لا شك فيه ولا مرية، ومن رد الحق فمحال أن يوجد له دليل أو حجة تدل على صحة قوله، بل مجرد العلم بالحق (٢) يدل على بطلان قول من رده وفساده.
ومن عداوتهم البليغة أنهم ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾ أيها المؤمنون من دياركم، ويشردونكم من أوطانكم، ولا ذنب لكم في ذلك عندهم، إلا أنكم تؤمنون بالله ربكم الذي يتعين على الخلق كلهم القيام بعبوديته، لأنه رباهم، وأنعم عليهم، بالنعم الظاهرة والباطنة، وهو الله تعالى.
فلما أعرضوا عن هذا الأمر، الذي هو أوجب الواجبات، وقمتم به، عادوكم، وأخرجوكم - من أجله - من دياركم، فأي دين، وأي مروءة وعقل، يبقى مع العبد إذا والى الكفار الذين هذا وصفهم في كل زمان أو مكان؟ " ولا يمنعهم منه إلا خوف، أو مانع قوي.
﴿إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي﴾ أي: إن كان خروجكم مقصودكم به الجهاد في سبيل الله، لإعلاء كلمة الله، وابتغاء مرضاة الله (٣) فاعملوا بمقتضى هذا، من موالاة أولياء الله ومعاداة أعدائه، فإن هذا هو الجهاد في سبيله (٤) وهو من أعظم ما يتقرب به المتقربون إلى ربهم ويبتغون به رضاه.
﴿تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ﴾ أي: كيف تسرون المودة للكافرين وتخفونها، مع علمكم أن الله عالم بما تخفون وما تعلنون؟!، فهو وإن خفي على المؤمنين، فلا يخفى على الله تعالى، وسيجازي العباد بما يعلمه منهم من الخير والشر، ﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ﴾ أي: موالاة الكافرين بعد ما حذركم الله منها ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ لأنه سلك مسلكا مخالفا للشرع وللعقل والمروءة الإنسانية.
ثم بين تعالى شدة عداوتهم، تهييجا للمؤمنين على عداوتهم، ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ﴾ أي: يجدوكم، وتسنح لهم الفرصة في أذاكم، ﴿يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً﴾ -[٨٥٦]- ظاهرين ﴿وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ بالقتل والضرب، ونحو ذلك.
﴿وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ﴾ أي: بالقول الذي يسوء، من شتم وغيره، ﴿وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ فإن هذا غاية ما يريدون منكم.
فإن احتججتم وقلتم: نوالي الكفار لأجل القرابة والأموال، فلن تغني عنكم أموالكم ولا أولادكم من الله شيئا. ﴿والله بما تعملون بصير﴾ فلذلك حذركم من موالاة الكافرين الذين تضركم موالاتهم.
قد كان لكم يا معشر المؤمنين ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ أي: قدوة صالحة وائتمام ينفعكم، ﴿فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ من المؤمنين، لأنكم قد أمرتم أن تتبعوا ملة إبراهيم حنيفا، ﴿إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: إذ تبرأ إبراهيم عليه السلام ومن معه من المؤمنين، من قومهم المشركين ومما يعبدون من دون الله.
ثم صرحوا بعداوتهم غاية التصريح، فقالوا: ﴿كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا﴾ أي: ظهر وبان ﴿بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ﴾ أي: البغض بالقلوب، وزوال مودتها، والعداوة بالأبدان، وليس لتلك العداوة والبغضاء وقت ولا حد، بل ذلك ﴿أَبَدًا﴾ ما دمتم مستمرين على كفركم ﴿حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ أي: فإذا آمنتم بالله وحده، زالت العداوة والبغضاء، وانقلبت مودة وولاية، فلكم أيها المؤمنون أسوة [حسنة] في إبراهيم ومن معه في القيام بالإيمان والتوحيد، والقيام بلوازم ذلك ومقتضياته، وفي كل شيء تعبدوا به لله وحده، ﴿إِلا﴾ في خصلة واحدة وهي ﴿قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأبِيهِ﴾ آزر المشرك، الكافر، المعاند، حين دعاه إلى الإيمان والتوحيد، فامتنع، فقال إبراهيم: ﴿لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ و﴾ الحال أني لا ﴿أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ لكني أدعو ربي عسى أن لا أكون بدعاء ربي شقيا، فليس لكم أن تقتدوا بإبراهيم في هذه الحالة التي دعا بها للمشرك، فليس لكم أن تدعوا للمشركين، وتقولوا: إنا في ذلك متبعون لملة إبراهيم، فإن الله ذكر عذر إبراهيم في ذلك بقوله: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأبِيهِ إِلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إن إبراهيم لأواه حليم﴾
ولكم أسوة حسنة في إبراهيم ومن معه، حين دعوا الله وتوكلوا عليه وأنابوا إليه، واعترفوا بالعجز والتقصير، فقالوا: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا﴾ أي: اعتمدنا عليك في جلب ما ينفعنا ودفع ما يضرنا، ووثقنا بك يا ربنا في ذلك.
﴿وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا﴾ أي: رجعنا إلى طاعتك ومرضاتك وجميع ما يقرب إليك، فنحن في ذلك ساعون، وبفعل الخيرات مجتهدون، ونعلم أنا إليك نصير، فسنستعد للقدوم عليك، ونعمل ما يقربنا الزلفى إليك (٥).
﴿رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: لا تسلطهم علينا بذنوبنا، فيفتنونا، ويمنعونا مما يقدرون عليه من أمور الإيمان، ويفتنون أيضا بأنفسهم، فإنهم إذا رأوا لهم الغلبة، ظنوا أنهم على الحق وأنا على الباطل، فازدادوا كفرا وطغيانا، ﴿وَاغْفِرْ لَنَا﴾ ما اقترفنا من الذنوب والسيئات، وما قصرنا به من المأمورات، ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ﴾ القاهر لكل شيء، ﴿الْحَكِيمُ﴾ الذي يضع الأشياء مواضعها، فبعزتك (٦) وحكمتك انصرنا على أعدائنا، واغفر لنا ذنوبنا، وأصلح عيوبنا.
(١) في ب: إلى المشركين من أهل مكة.
(٢) كذا في ب، وفي أ: مجرد رد الحق.
(٣) في ب: وابتغاء رضاه.
(٤) في ب: هذا من أعظم الجهاد في سبيله.
(٥) في ب: ما يزلفنا إليك.
(٦) كذا في ب، وفي أ: فمن عزتك.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١١٨ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير الإمام مالك — مالك بن أنس تفسير الشافعي — الشافعي معاني القرآن — الفراء معاني القرآن للفراء — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة تفسير القرآن — الصنعاني غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري تفسير النسائي — النسائي معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي جهود ابن عبد البر في التفسير — ابن عبد البر تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني أحكام القرآن — إلكيا الهراسي معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية أحكام القرآن — ابن العربي أحكام القرآن — ابن الفرس تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام جهود القرافي في التفسير — القرافي أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تفسير ابن عرفة — ابن عرفة تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي غاية الأماني في تفسير الكلام الرباني — أحمد بن إسماعيل الكَوْرَاني جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن — زكريا الأنصاري فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — نووي الجاوي محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب أضواء البيان — محمد الأمين الشنقيطي تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المختصر في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كتاب نزهة القلوب — أبى بكر السجستاني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
أَوْلِيَاءَ
خُلَصَاءَ وَأَحِبَّاءَ.
تُلْقُونَ
تُفْضُونَ.
أَن تُؤْمِنُوا
لِأَجْلِ إِيمَانِكُمْ.
ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ
أَخْطَأَ طَرِيقَ الهُدَى.

إعراب الآية ١ من سورة الممتحنة

من كتاب: إعراب القرآن

٦٠ شرح إعراب سورة الممتحنة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

[سورة الممتحنة (٦٠) : آية ١]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١)
أي نداء مفرد والَّذِينَ من نعته في موضع رفع، وبعض النحويين يجيز النصب على الموضع وقال بعضهم: «أيّ» اسم ناقص وما بعده صلة له، وهذا خطأ على قول الخليل وسيبويه «١»، والقول عندهما أنه اسم تام إلا أنه لا بدّ له من النعت مثل «من» و «ما» إذا كانتا نكرتين، وأنشد سيبويه: [الكامل] ٤٨٢-
فكفى بنا فضلا على من غيرناحبّ النّبيّ محمّد إيّانا
«٢» قوله غيرنا نعت لمن لا يفارقه. لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ بمعنى أعدائي فعدوّ يقع للجميع والواحد والمؤنث على لفظ واحد، لأنه غير جار على الفعل، وإن شئت جمعته وأنثته. أَوْلِياءَ مفعول ثان ولم يصرف أولياء لأن في اخره ألفا زائدة وكلّ ما كان في اخره ألف زائدة فهو لا ينصرف في معرفة ولا نكرة نحو عرفاء وشهداء وأصدقاء وأصفياء ومرضى، وتعرف أن الألف زائدة أن نظر فعله فإن وجدت بعد اللام من فعله ألفا فهي زائدة. ألا ترى أن عرفاء فعلاء وأصفياء أفعلاء فبعد اللام ألف، وكذلك مرضى فعلى وما كان من الجمع سوى هذا من الجمع فهو ينصرف نحو غلمان ورجال وأعدال وفلوس وشباب إلّا أن أشياء وحدها لا ينصرف في معرفة ولا نكرة لثقل التأنيث فاستثقلوا أن يزيدوا التنوين مع زيادة حرف التأنيث لأنها أريد بها أفعلاء نحو أصدقاء كأنهم أرادوا أشياء، وهو الأصل فثقل لاجتماع الياء والهمزتين فحذفوا إحدى
(١) انظر الكتاب ٢/ ١٩٠.
(٢) مرّ الشاهد رقم (٣٠).
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

سبب نزول الآية ١ من سورة الممتحنة

من كتاب: أسباب نزول القرآن - الواحدي

قوله تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ....﴾ الآية [١].
قال جماعة المفسرين: نزلت في حاطب بن أبي بَلْتَعَةَ، وذلك: أن سَارَةَ مولاةَ أبي عمرو بن صيفي بن هاشم بن عبد مناف، أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتجهز لفتح مكة، فقال لها: أمسلمة جئت؟ قالت: لا، قال: فما جاء بك؟ قالت: أنتم [كنتم] الأهل والعشيرة والموالي، وقد احتجت حاجة شديدة فقدمت عليكم لتعطوني وتكسوني. قال لها: فأين أنتِ من شباب أهل مكة؟ - وكانت مغنية - قالت: ما طُلب مني شيء؟ بعد وقعة بدر. فحث رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بني عبد المطلب وبني المطلب على إعطائها، فكسوها وحملوها وأعطوها. فأتاها حاطب بن أبي بلتعة، وكتب معها إلى أهل مكة وأعطاها عشرة دنانير على أن توصل [الكتاب] إلى أهل مكة، وكتب في الكتاب: من حاطب إلى أهل مكة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدكم، فخذوا حِذْرَكم. فخرجت سارة، ونزل جبريل عليه السلام، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما فعل حاطب. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً وعماراً والزُّبَير وطلْحة والمِقْدَاد بن الأسْودَ وأبا مَرْثَد. وكانوا كلُّهم فرساناً، وقال لهم: انطلِقُوا حتى تأتوا رَوْضَة خَاخ، فإن بها ظعينةً معها كتابٌ من حاطبٍ إلى المشركين فخذوه، وخلَّوا سبيلَها، فإن لم تدفعه إليكم فاضربوا عنقها. فخرجوا حتى أدركوها في ذلك المكان، فقالوا لها: أين الكتابُ. فحلفتْ بالله ما معها [من] كتاب. ففتشوا متاعها، فلم يجدوا معها كتاباً. فهَمُّوا بالرجوع، فقال علي: والله ما كَذَبَنا، ولا كَذَّبْنا وسلَّ سيفَه وقال: أخرجي الكتابَ، وإلا والله لأُجَرِّدنَّك ولأضرِبَنَّ عنقك. فلما رأت الجِدَّ أخرجته من ذُؤابتها، وكانت قد خبأتْه في شعرها، فخلُّوا سبيلها، ورجعوا بالكتاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فأرسل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى حاطب، فأتاه فقال له: هل تعرفُ الكتابَ؟ قال: نعم فقال: فما حملك على ما صنعتَ؟ فقال: يا رسول الله، والله ما كفرتُ منذ أسلمتُ، ولا غششتُك منذ نصَحْتُك، ولا أحببتهم منذ فارقتهم؛ ولكن: لم يكن أحدٌ من المهاجرين إلا وله بمكةَ مَنْ يمنعُ عشيرتَه، وكنتُ غريباً فيهم، وكان أهلي بين ظَهْرَانِيهِمْ؛ فخشيتُ على أهلي، فاردت أن اتخذ عندهم يداً؛ وقد علمتُ أن الله يُنزلُ بهم بأسَه، و [أن] كتابي لا يغني عنهم شيئاً. فصدَّقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعذَره. فنزلت هذه السورة: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ﴾ فقام عمر بن الخطاب فقال: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما يدريك يا عمر، لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال لهم: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم.
أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن بن عمرو أخبرنا محمد بن يعقوب، أخبرنا الربيع حدَّثنا الشافعي، أخبرنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن الحسن بن محمد [بن علي] عن عُبَيْد الله بن أبي رافع، قال: سمعت علياً يقول:
بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا والزبير، والمقداد [بن الأسود] قال: انطلقوا حتى تأتوا رَوْضَة خَاخ فإن بها ظعينة معها كتاب. [فخرجنا تَعَادَى بنا خيلُنا، فإذا نحن بِظَعِينَةٍ، فقلنا: أخرجي الكتاب. فقالت: ما معي كتابٌ]. فقلنا لها: لتُخْرِجن الكتابَ، أو لنُلْقِيَنَّ الثيابَ. فأخرجته من عِقَاصِها، فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا فيه: مِنْ حاطب بن أبي بْلْتَعَةَ إلى أناس من المشركين ممن [كان] بمكة، يُخبِرُ ببعض أمرِ النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقال: ما هذا يا حاطبُ؟ فقال: لا تَعجَلْ عليَّ، إني كنت امرأً مُلْصَقاً في قريش، ولم أكن من أنفُسِها، وكان مَنْ معك من المهاجرين لهم قَرَاباتٌ يَحمُونَ بها قَرَاباتِهم، ولم يكن لي بمكة قرابةٌ، فأحببتُ إذ فاتني ذلك أن اتخذ عندهم يداً، والله ما فعلتهُ شاكاً في دِيني، ولا رضاً بالكفر بعد الإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه قد صدق. فقال عمر: دعني يا رسول الله أضربْ عنقَ هذا المنافقِ. فقال: إنه قد شهد بدراً، وما يُدْرِيكَ لعلَّ الله اطَّلع على أهل بدر فقال: اعَملُوا ما شئتمُ فقد غَفَرْتُ لكم. ونزلت: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ﴾ الآية.
رواه البخاري عن الحُمَيْدي.
ورواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شَيْبَة، وجماعةٍ؛ كلُّهم عن سفيان.

القراءات في الآية ١ من سورة الممتحنة

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

أَعْلَمُ بِمَآ

اخفاء الميم الأولى بعد اسكانها

السوسي عن أبي عمرو

اظهار الميم الأولى مضمومة

قالون عن نافع ورش عن نافع البزي عن ابن كثير قنبل عن ابن كثير الدوري عن أبي عمرو هشام عن ابن عامر ابن ذكوان عن ابن عامر شعبة عن عاصم حفص عن عاصم خلف عن حمزة خلاد عن حمزة أبو الحارث عن الكسائي الدوري عن الكسائي ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر رويس عن يعقوب روح عن يعقوب إسحاق عن خلف إدريس عن خلف

إِلَيْهِم

(إِلَيْهُمْ) بضم الهاء واسكان الميم

خلف عن حمزة خلاد عن حمزة رويس عن يعقوب روح عن يعقوب

(إِلَيْهِمْ) بكسر الهاء واسكان الميم

قالون عن نافع ورش عن نافع الدوري عن أبي عمرو السوسي عن أبي عمرو هشام عن ابن عامر ابن ذكوان عن ابن عامر شعبة عن عاصم حفص عن عاصم أبو الحارث عن الكسائي الدوري عن الكسائي إسحاق عن خلف إدريس عن خلف

(إِلَيْهِمُ) بكسر الهاء وصلة الميم

قالون عن نافع البزي عن ابن كثير قنبل عن ابن كثير ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر

جَآءَكُم

إمالة الألف ومدها 4 حركات واسكان الميم

ابن ذكوان عن ابن عامر إسحاق عن خلف إدريس عن خلف

إمالة الألف ومدها 6 حركات واسكان الميم

خلف عن حمزة خلاد عن حمزة

فتح الألف ومدها 3 حركات واسكان الميم

قالون عن نافع الدوري عن أبي عمرو السوسي عن أبي عمرو رويس عن يعقوب روح عن يعقوب

فتح الألف ومدها 3 حركات وصلة الميم

قالون عن نافع البزي عن ابن كثير قنبل عن ابن كثير ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر

فتح الألف ومدها 4 او 5 حركات واسكان الميم

شعبة عن عاصم حفص عن عاصم

فتح الألف ومدها 4 حركات واسكان الميم

هشام عن ابن عامر أبو الحارث عن الكسائي الدوري عن الكسائي

فتح الألف ومدها 6 حركات واسكان الميم

ورش عن نافع

فَقَدْ ضَلَّ

ادغام الدال في الضاد

ورش عن نافع الدوري عن أبي عمرو السوسي عن أبي عمرو هشام عن ابن عامر ابن ذكوان عن ابن عامر خلف عن حمزة خلاد عن حمزة أبو الحارث عن الكسائي الدوري عن الكسائي إسحاق عن خلف إدريس عن خلف

اظهار الدال مقلقلة

قالون عن نافع البزي عن ابن كثير قنبل عن ابن كثير شعبة عن عاصم حفص عن عاصم ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر رويس عن يعقوب روح عن يعقوب

مَرْضَاتِى

إمالة الألف

أبو الحارث عن الكسائي الدوري عن الكسائي

فتح الألف

قالون عن نافع ورش عن نافع البزي عن ابن كثير قنبل عن ابن كثير الدوري عن أبي عمرو السوسي عن أبي عمرو هشام عن ابن عامر ابن ذكوان عن ابن عامر شعبة عن عاصم حفص عن عاصم خلف عن حمزة خلاد عن حمزة ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر رويس عن يعقوب روح عن يعقوب إسحاق عن خلف إدريس عن خلف

وَأَنَاْ أَعْلَمُ

(وَأَنَ) بحذف الألف

البزي عن ابن كثير قنبل عن ابن كثير الدوري عن أبي عمرو السوسي عن أبي عمرو هشام عن ابن عامر ابن ذكوان عن ابن عامر شعبة عن عاصم حفص عن عاصم خلف عن حمزة خلاد عن حمزة أبو الحارث عن الكسائي الدوري عن الكسائي رويس عن يعقوب روح عن يعقوب إسحاق عن خلف إدريس عن خلف

(وَأَنَآ) بإثبات الألف ومدها 3 حركات

قالون عن نافع

(وَأَنَآ) بإثبات الألف ومدها 6 حركات

ورش عن نافع

(وَأَنَآ) بإثبات الألف ومدها حركتين

قالون عن نافع ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٢٠ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير الآية

قول واحد
١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ[[c=٦٥٦٠]] أوْلِياءَ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ[[c=٦٥٦١]]﴾ يعني: الصّحيفة، ﴿وقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الحَقِّ﴾ يعني: القرآن، ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ﴾ مِن مكة ﴿وإيّاكُمْ﴾ قد أُخرِجوا مِن دياركم، يعني: من مكة ﴿أنْ تُؤْمِنُوا﴾ يعني: بأنْ آمنتم ﴿بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهادًا فِي سَبِيلِي وابْتِغاءَ مَرْضاتِي[[c=٦٥٦٢]]﴾ فلا تُلقُوا إليهم بالمودّة، ﴿تُسِرُّونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ﴾ يعني: بالصّحيفة فيها النّصيحة، ﴿وأَنا أعْلَمُ[[c=٦٥٦٣]] بِما أخْفَيْتُمْ﴾ يعني: بما أسْررتم في أنفسكم مِن المودّة والولاية، ﴿وما أعْلَنْتُمْ﴾ لهم من الولاية، ﴿ومَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ﴾ يعني: ومَن يُسرّ بالمودّة إلى الكفار ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ يقول: فقد أخطا قَصْد طريق الهُدى[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٢٩٩.]]

آثار متعلقة بالآية

٤ أقوال
١
عن عمر بن الخطاب -من طريق ابن عباس- قال: كَتب حاطِب بن أبي بَلْتَعة إلى المشركين بكتاب، فجِيء به إلى النبيِّ ﷺ، فقال: «يا حاطِب، ما دعاك إلى ما صنعتَ؟». قال: يا رسول الله، كان أهلي فيهم، فخَشيتُ أن يَصرِموا عليهم. فقلتُ: أكتب كتابًا لا يضرّ الله ورسوله. فقلتُ: أضرب عُنُقه، يا رسول الله؟ فقد كفر. فقال: «وما يدريك -يا ابن الخطاب- أن يكون اللهُ اطّلع على أهل هذه العصابة مِن أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرتُ لكم»[[أخرجه البزار (١٩٧)، والحاكم ٤/٨٧ (٦٩٦٦)، من طريق عكرمة بن عمار، عن أبي زميل، عن ابن عباس، عن عمر بن الخطاب به. قال الحاكم: «هذا حديث صحيح، على شرط مسلم، ولم يخرجاه هكذا، إنما اتفقا على حديث عبد الله بن أبي رافع رضي الله عنه، عن علي: بعثني رسول الله ﷺ وأبا مَرثد والزبير إلى رَوضة خاخ. بغير هذا اللفظ». ووافقه الذهبي في التلخيص. وقال الهيثمي في المجمع ٩/٣٠٣-٣٠٤ (١٥٦٦٢): «رواه أبو يعلى في الكبير، والبزار، والطبراني في الأوسط باختصار، ورجالهم رجال الصحيح». وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة ٧/٢٦٧ (٦٨٢٣): «سند صحيح». وقال ابن حجر في المطالب العالية ١٥/٣٥١ (٣٧٥٦): «إسناده صحيح».]]
٢
عن جابر -من طريق أبي الزّبير-: أنّ حاطِب بن أبي بَلْتَعة كَتب إلى أهل مكة يَذكُر أنّ النبيَّ ﷺ أراد غَزوهم، فدُلَّ النبيُّ ﷺ على المرأة التي معها الكتاب، فأَرسل إليها، فأُخذ كتابها من رأسها، فقال: «يا حاطِب، أفعلتَ؟». قال: نعم، أما إني لم أفعل غِشًّا لرسول الله ﷺ ولا نِفاقًا، قد علمتُ أنّ الله مُظهِرٌ رسولَه ومُتِمٌّ له، غير أني كنتُ غريبًا بين ظَهرانيهم، وكانت والدتي معهم، فأردتُ أنْ أتّخذ بها عندهم. فقال له عمر: ألا أضربُ رأس هذا؟ قال: «أتقتل رجلًا مِن أهل بدر؟! وما يدريك لعلّ الله قد اطّلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم»[[أخرجه أحمد ٢٣/٩١ (١٤٧٧٤)، وابن حبان ١١/١٢١-١٢٢ (٤٧٩٧)، من طريق الليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله به. قال ابن كثير في البداية والنهاية ٦/٥٢٤: «تفرد بهذا الحديث من هذا الوجه الإمام أحمد، وإسناده على شرط مسلم». وقال الهيثمي في المجمع ٩/٣٠٣ (١٥٦٦٠): «رجال أحمد رجال الصحيح». وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة ٧/٢٦٧-٢٦٨ (٦٨٢٤): «سند صحيح».]]
٣
عن جابر: أنّ عبدًا لِحاطِب بن أبي بَلْتَعة جاء إلى رسول الله ﷺ ليشتكي حاطِبًا، فقال: يا رسول الله، ليَدخُلَنّ حاطِبٌ النارَ. فقال رسول الله ﷺ: «كذبتَ، لا يدخلها؛ فإنه قد شهد بدرًا والحُدَيبية»[[أخرجه مسلم ٤/١٩٤٢ (٢٤٩٥)، والثعلبي ٩/٢٩٢.]]
٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق أبي صالح- قال: أقبلتْ سارة مولاة أبي عمرو بن صيفيّ بن هاشم بن عبد منافٍ من مكة إلى المدينة المنورة، ورسول الله ﷺ يَتجهّز لفتْح مكة، فلمّا رآها رسول الله ﷺ قال: «ما لكِ، يا سارة؟ أُمسلمةٌ جئتِ؟» قالت: لا. قال: «أفمُهاجِرةٌ جئتِ؟» قالت: لا. قال: «فما حاجتكِ؟». قالت: كنتم الأصل والموالي والعشيرة، وقد ذهب موالِيَّ، وقد احتجتُ حاجة شديدةً، فَقدمتُ عليكم لتكسُوني، وتُنفقوا علَيّ، وتَحملوني. فقال النبي ﷺ: «فأين أنتِ من شباب أهل مكة» -وكانت امرأة مُغنّية نائحة-، فقالت: يا محمد، ما طلب أحدٌ منهم شيئًا منذ كانت وقعة بدر. قال: فحثّ عليها رسول الله ﷺ بني عبد المُطّلب وبني هاشم، فكَسَوها، وأَعطَوها نفقة، وحملوها، فلما أرادت الخروج إلى مكة أتاها حاطِب بن أبي بَلْتَعة -رجل من أهل اليمن، حَليف للزّبير بن العوام-، فجعل لها جُعلًا على أن تُبلغ كتابه. إلى آخر الحديث[[أخرجه الهذيل بن حبيب -كما في مقاتل بن سليمان ٤/٢٩٩-٣٠٠-، من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس به. إسناده ضعيف جدًّا. وينظر: مقدمة الموسوعة.]][[c=٦٥٦٤]]

نزول الآية

١٥ قولًا
١
عن علي بن أبي طالب، قال: بعثَني رسول الله ﷺ أنا والزّبير والمِقداد، فقال: «انطلِقوا حتى تَأتُوا رَوضة خاخٍ١؛ فإنّ بها ظَعِينة٢، معها كتاب، فخُذوه منها، فائتُوني به». فخَرجنا حتى أتينا الرّوضة فإذا نحن بالظَّعِينة، فقُلنا: أخرجِي الكتاب. قالت: ما معي كتاب. قُلنا: لتُخرجِنّ الكتاب، أو لنُلْقِينّ الثياب. فأَخرجتْه من عِقاصِها٣، فأَتينا به النبيَّ ﷺ، فإذا فيه من حاطِب بن أبي بَلْتَعة إلى أُناسٍ مِن المشركين بمكة يُخبرهم ببعض أمر النبيِّ ﷺ، فقال النبيُّ ﷺ: «ما هذا، يا حاطِب؟!». قال: لا تَعْجَل عليَّ، يا رسول الله، إني كنتُ امرًا مُلصقًا في قريش، ولم أكن مِن أنفُسها، وكان مَن معك مِن المهاجرين لهم قراباتٌ يَحمُون بها أهليهم وأموالهم بمكة، فأحببتُ -إذ فاتني ذلك مِن النّسب فيهم- أنْ أصطنِع إليهم يدًا يَحمُون بها قرابتي، وما فعلتُ ذلك كُفرًا ولا ارتدادًا عن ديني. فقال النبيُّ ﷺ: «صَدق». فقال عمر: دَعني -يا رسول الله ﷺ- أضرب عُنُقه. فقال: «إنّه شهد بدرًا، وما يُدريك لعلّ الله اطّلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم؟!». ونَزَلَتْ فيه: ﴿يأَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ أوْلِياءَ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ﴾٤
التخريج
  1. ١روضة خاخ -هي بخاءين معجمتين-: موضع بين مكة والمدينة. النهاية (خوخ).
  2. ٢الظعينة هنا: الجارية، وأصلها: الهودج، وسميت بها الجارية؛ لأنها تكون فيه. ينظر: صحيح مسلم بشرح النووي ١٦‏/‏٥٥.
  3. ٣العَقِيصة: الشعر المَعْقُوص، وهو نحو من المضْفُور. وأصل العَقْص: اللَّيُّ وإدخال أطراف الشعر في أصوله. النهاية (عقص).
  4. ٤أخرجه البخاري ٤‏/‏٥٩-٦٠ (٣٠٠٧)، ٤‏/‏٧٦ (٣٠٨١)، ٥‏/‏٧٧-٧٨ (٣٩٨٣)، ٥‏/‏١٤٥ (٤٢٧٤)، ٦‏/‏١٤٩ (٤٨٩٠)، ٨‏/‏٥٧-٥٨ (٦٢٥٩)، ٩‏/‏١٨-١٩ (٦٩٣٩)، ومسلم ٤‏/‏١٩٤١ (٢٤٩٤)، وابن جرير ٢٢‏/‏٥٥٩-٥٦٠، وابن أبي حاتم -كما في تفسير ابن كثير ٨‏/‏٨٤-.
٢
عن علي بن أبي طالب -من طريق الحارث- قال: لَمّا أراد رسولُ الله ﷺ أن يأتي مكة أسَرَّ إلى ناسٍ مِن أصحابه أنه يريد مكة -منهم حاطِب بن أبي بَلْتَعة-، وأفشى في الناس أنه يريد خَيبر، فكتب حاطِب إلى أهل مكة أنّ رسول الله ﷺ يريدكم، فأُخبر رسول الله ﷺ، فبَعثني أنا وأبا مَرْثَد، فقال: «ائتُوا رَوضة خاخ» فذكر نحو ما تقدم؛ فأنزل الله: ﴿يأَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه أبو يعلى ١‏/‏٣١٩-٣٢٠ (٣٩٧)، وابن جرير ٢٢‏/‏٥٦٠-٥٦١، وابن أبي حاتم -كما في تفسير ابن كثير ٨‏/‏٨٤-، من طريق الحارث، عن علي به. وسنده حسن.
٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق مجاهد- في قول الله: ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ أوْلِياءَ﴾ إلى قوله: ﴿بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: في مُكاتبة حاطِب بن أبي بَلْتَعة ومَن معه إلى كفار قريش يُحذِّرونهم١
التخريج
  1. ١أخرجه الحاكم ٢‏/‏٥٢٧ (٣٨٠٢) مطولًا، من طريق إبراهيم بن الحسين، عن آدم بن أبي إياس، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس به. قال الحاكم: «هذا حديث صحيح، على شرط الشيخين، ولم يخرجاه». ووافقه الذهبي في التلخيص.
٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية- في قوله: ﴿يأَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ﴾ إلى آخر الآية، قال: نَزَلَتْ في رجلٍ كان مع النبيِّ ﷺ بالمدينة مِن قريش، كتب إلى أهله وعشيرته بمكة، يُخبرهم ويُنذرهم أنّ رسول الله ﷺ سائر إليهم، فأُخبر رسول الله ﷺ بصحيفته، فبعث علي بن أبي طالب، فأتاه بها١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٢‏/‏٥٦١، من طريق العَوفيّين، عن ابن عباس به. إسناد ضعيف، لكنها صحيفة صالحة ما لم تأت بمنكر أو مخالفة. وينظر: مقدمة الموسوعة.
٥
عن أنس بن مالك -من طريق قتادة- ﴿يأَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ﴾، قال: لَمّا أراد النبيُّ ﷺ السَّيْرُورة مِن الحُدَيبية إلى مشركي قريش، كَتب إليهم حاطِب بن أبي بَلْتَعة يُحذِّرهم، فأَطلَع اللهُ على ذلك، فوُجد الكتاب مع امرأة من مشركي قريش في قَرْنٍ من رأسها، فقال له: «ما حمَلك على الذي صنعتَ؟». قال: أما واللهِ ما ارتبتُ في أمرِ الله ولا شككتُ فيه، ولكنه كان لي بها أهلٌ ومال، فأردتُ مصانعةَ قريش. وكان حليفًا لهم، ولم يكن منهم، فأنزل الله فيه القرآن: ﴿يأَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه الطبراني في مسند الشاميين ٤‏/‏٩ (٢٥٧٧)، وابن مردويه -كما في الفتح ٨‏/‏٦٣٦، ١٢‏/‏٣٠٦- مختصرًا من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة، عن أنس بن مالك به. وسنده ضعيف؛ سعيد بن بشير قال عنه ابن حجر في تقريب التهذيب (٢٢٧٦): «ضعيف».
٦
عن أنس بن مالك، قال: أمّن رسولُ الله ﷺ الناسَ يوم فتْح مكة إلا أربعة؛ عبد العُزّى بن خطل، ومِقْيَس بن ضُبابة، وعبد الله بن سعد بن أبي سَرح، وأُمّ سارة، فذكر الحديث، قال: وأمّا أُمُّ سارة فإنها كانت مولاةً لقريش، فأتَتْ رسولَ الله ﷺ، فشَكَتْ إليه الحاجة، فأعطاها شيئًا، ثم أتاها رجلٌ، فبعث معها بكتاب إلى أهل مكة يتقرّبُ بذلك إليها لِحِفْظ عياله، وكان له بها عيال، فأَخبر جبريلُ النبيَّ ﷺ بذلك، فبَعث في أثَرها عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب، فلحِقاها في الطريق، ففَتَّشاها، فلم يَقدِرا على شيءٍ معها، فأقبَلا راجِعَيْن، ثم قال أحدُهما لصاحبه: واللهِ، ما كَذَبنا، ولا كُذِبنا، ارجع بنا إليها. فَرجَعا إليها، فسَلّا سيفهما، فقالا: واللهِ، لَنُذيقنّكِ الموتَ أو لتَدفَعِنّ إلينا الكتاب. فأنكَرتْ، ثم قالتْ: أدفعه إليكما على أن لا تَرُدّاني إلى رسول الله ﷺ. فقَبلا ذلك منها، فحلّتْ عِقاص رأسها، فأَخرجَت الكتاب مِن قَرْنٍ من قرونها، فدفعتْه إليهما، فرجعا به إلى رسول الله ﷺ، فدفَعاه إليه، فدعا الرجلَ، فقال: «ما هذا الكتاب؟». فقال: أُخبِرك، يا رسول الله، إنه ليس مِن رجل مِمّن معك إلا وله بمكة مَن يَحفَظه في عياله، فكتبتُ بهذا الكتاب ليكونوا لي في عيالي. فأنزل الله: ﴿يأَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ أوْلِياءَ﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه الطبراني في الأوسط ٦‏/‏٣٤٢-٣٤٤ (٦٥٧٧)، وابن عساكر في تاريخه ٢٩‏/‏٢٩-٣١ (٥٩٤٠، ٥٩٤١)، من طريق الحكم بن عبد الملك، عن قتادة، عن أنس بن مالك به. قال الهيثمي في المجمع ٦‏/‏١٦٧-١٦٨ (١٠٢٣٥): «فيه الحكم بن عبد الملك، وهو ضعيف».
٧
عن عبد الرحمن بن حاطِب بن أبي بَلْتَعة -من طريق عُروة بن الزبير- وحاطِب رجلٌ مِن أهل اليمن كان حليفًا للزّبير بن العوام مِن أصحاب النبيِّ ﷺ، قد شهد بدرًا، وكان بنوه وإخوته بمكة، فكتب حاطِب -وهو مع رسول الله ﷺ بالمدينة- إلى كفار قريش بكتاب يَنتَصح لهم فيه، فدعا رسولُ الله ﷺ عليًّا والزّبير، فقال لهما: «انطلِقا حتى تُدركا امرأة معها كتاب، فخُذا الكتاب، فائتِياني به». فانطلَقا حتى أدركا المرأة بحُلَيْفة بني أحمد، وهي من المدينة على قريب من اثني عشر ميلًا، فقالا لها: أعطِنا الكتاب الذي معكِ. قالت: ليس معي كتاب. قالا: كَذبتِ، قد حدَّثنا رسول الله ﷺ: أنّ معكِ كتابًا، واللهِ، لَتُعْطِيَنّ الكتاب الذي معكِ، أو لا نَترك عليكِ ثوبًا إلا التمَسنا فيه. قالتْ: أوَلَستم بناس مسلمين؟ قالا: بلى، ولكن رسول الله ﷺ قد حدَّثنا أنّ معكِ كتابًا. حتى إذ ظنتْ أنهما مُلتَمسان كلّ ثوب معها، حلّتْ عِقاصها، فأَخرجتْ لهما الكتاب مِن بين قرون رأسها، كانت قد اعتَقَصتْ عليه، فأَتيا رسول الله ﷺ، فإذا هو كتاب من حاطِب بن أبي بَلْتَعة إلى أهل مكة، فدعا رسولُ الله ﷺ حاطبًا، قال: «أنتَ كتبتَ هذا الكتاب؟». قال: نعم. قال: «فما حمَلكَ على أن تَكتب به؟». قال حاطِب: أما واللهِ ما ارتبتُ منذ أسلمتُ في الله عز وجل، ولكني كنتُ امرءًا غريبًا فيكم أيها الحي مِن قريش، وكان لي بنون وإخوة بمكة، فكتبتُ إلى كفار قريش بهذا الكتاب لكي أدفع عنهم. فقال عمر: ائذن لي -يا رسول الله- أضرب عُنُقه. فقال رسول الله ﷺ: «دَعْه؛ فإنه قد شهد بدرًا، وإنك لا تدري لعلّ الله اطّلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فإني غافِر لكم ما عمِلتم». فأنزل الله في ذلك: ﴿يأَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ أوْلِياءَ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ﴾ حتى بلغ: ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ﴾١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
٨
عن سعيد بن جُبَير، قال: اسم الذي أُنَزِلَتْ فيه: ﴿يأَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ أوْلِياءَ﴾: حاطِب بن أبي بَلْتَعة١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
٩
عن عُروة بن الزّبير -من طريق محمد بن جعفر بن الزّبير- قالوا: لَمّا أجمع رسولُ الله ﷺ السَّير إلى مكة كتب حاطِب بن أبي بَلْتَعة كتابًا إلى قريش يُخبِرهم بالذي أجمع عليه رسول الله ﷺ مِن الأمر في السَّير إليهم، ثم أعطاه امرأة -يزعم محمد بن جعفر: أنها من مُزْينة، وزعم غيره: أنها سارة؛ مولاة لبعض بني عبد المُطّلب- وجعل لها جُعْلًا على أن تُبلّغه قريشًا، فجَعلتْه في رأسها، ثم فَتَلَتْ عليه قرونها، ثم خَرجتْ به. وأتى رسولَ الله ﷺ الخبرُ من السماء بما صنع حاطِب، فبعث عليَّ بن أبي طالب والزّبير بن العوام رضي الله عنهما، فقال: «أدرِكا امرأة قد كَتب معها حاطِب بكتاب إلى قريش يُحذِّرهم ما قد اجتَمعنا له في أمرهم». فخَرجا حتى أدركاها بالحُليفة؛ حُليفة ابن أبي أحمد، فاستنزَلاها، فالتمَسا في رحْلها، فلم يجدا شيئًا، فقال لها علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إني أحلف بالله ما كَذب رسول الله ﷺ ولا كذبنا، ولتُخرِجِنّ إلَيَّ هذا الكتاب، أو لنَكشِفنّكِ. فلما رأت الجِدّ منه قالت: أعرِض عنِّي. فأَعرَض عنها، فحلَّتْ قرون رأسها، فاستَخرجَت الكتاب، فدفَعتْه إليه، فجاء به إلى رسول الله ﷺ، فدعا رسول الله ﷺ حاطبًا، فقال: «يا حاطِب، ما حمَلكِ على هذا؟». فقال: يا رسول الله، أما واللهِ إنّي لَمُؤمنٌ بالله ورسوله، ما غيّرتُ ولا بدّلتُ، ولكني كنتُ امرأً ليس لي في القوم أصل ولا عشيرة، وكان لي بين أظهرهم أهلٌ وولد، فصانعتُهم عليهم. فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: دَعني، يا رسول الله، فلأضرب عُنُقه، فإنّ الرجل قد نافق. فقال رسول الله ﷺ: «وما يدريك، يا عمر، لعلّ الله قد اطّلع على أصحاب بدر يوم بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم». فأنزل الله عز وجل في حاطِب: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ أوْلِياءَ﴾ إلى قوله: ﴿وإلَيْكَ أنَبْنا﴾ إلى آخر القصة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٢‏/‏٥٦١. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
١٠
عن عُروة بن الزّبير -من طريق معمر، عن الزُّهريّ – نحوه. وفي آخره: قال الزهري: وفيه نَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ أوْلِياءَ﴾ حتى بلغ: ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ٢‏/‏٢٨٧، وابن جرير ٢٢‏/‏٥٦١.
١١
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قول الله: ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ أوْلِياءَ﴾ إلى قوله: ﴿بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ في مُكاتبة حاطِب بن أبي بَلْتَعة ومَن معه إلى كفار قريش يُحذِّرونهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٢‏/‏٥٦٣، وعبد بن حميد -كما في التغليق ٤‏/‏٣٣٨، والفتح ٨‏/‏٦٣٣-.
١٢
عن الحسن البصري، قال: كَتب حاطِب بن أبي بَلْتَعة إلى المشركين كتابًا يَذكُر فيه مَسيرَ النبيِّ ﷺ، فبَعث به مع امرأة، فبَعث رسول الله ﷺ في طَلبها، فأُخذ الكتاب منها، فجِيء به إلى النبيِّ ﷺ، فدعا حاطبًا، فقال: «أنتَ كتبتَ هذا الكتاب؟». قال: نعم يا رسول الله، أما والله إني لَمؤمنٌ بالله وبرسوله، وما كفرتُ منذ أسلمتُ، ولا شككتُ منذ استيقنتُ، ولكني كنتُ امرءًا لا نَسب لي في القوم، إنما كنتُ حَليفَهم، وفي أيديهم من أهلي ما قد علمتَ، فكتبتُ إليهم بشيء قد علمتُ أن لن يُغني عنهم من الله شيئًا أراده؛ أنْ أدرأ به عن أهلي ومالي، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، خَلِّ عني وعن عدوّ الله هذا المنافق، فأضرب عُنُقه. فنظر إليه رسول الله ﷺ نَظرًا عرف عمر أنه قد غَضِب، ثم قال: «ويحك، يا ابن الخطاب، وما يدريك لعلّ الله قد اطّلع على أهل موطن مِن مواطن الخير، فقال للملائكة: اشهدوا أنِّي قد غفرتُ لأَعبُدي هؤلاء، فليَعملوا ما شاؤوا». قال عمر: الله ورسوله أعلم. قال: «إنهم أهل بدر فاجتنِبْ أهل بدر، إنهم أهل بدر فاجتنِبْ أهل بدر، إنهم أهل بدر فاجتنِب أهل بدر»١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
١٣
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد - قوله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ أوْلِياءَ﴾ حتى بلغ: ﴿سَواءَ السَّبِيلِ﴾، ذُكر لنا: أنّ حاطبًا كَتب إلى أهل مكة يُخبِرهم سيرورة نبي الله ﷺ إليهم زمن الحُدَيبية، فأَطلع الله عز وجل نبيّه -عليه الصلاة والسلام- على ذلك. وذُكر لنا: أنهم وجدوا الكتاب مع امرأة في قَرْنٍ من رأسها، فدعاه نبيُّ الله ﷺ، فقال: «ما حمَلك على الذي صنعتَ؟». قال: واللهِ، ما شككتُ في أمر الله، ولا ارتددتُ فيه، ولكن لي هناك أهلًا ومالًا، فأردتُ مصانعة قريش على أهلي ومالي. وذُكر لنا: أنه كان حليفًا لقريش لم يكن مِن أنفُسهم، فأنزل الله عز وجل في ذلك القرآن، فقال: ﴿إنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أعْداءً ويَبْسُطُوا إلَيْكُمْ أيْدِيَهُمْ وأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ ووَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٢‏/‏٥٦٤. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وفيه: فأنزل الله القرآن، وقال: ﴿إنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أعْداءً ويَبْسُطُوا إلَيْكُمْ أيْدِيَهُمْ وأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ﴾ إلى قوله: ﴿قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ﴾، ﴿إلّا قَوْلَ إبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾.
١٤
قال يحيى بن سلّام: بلَغني: أنّه كَتب مع امرأة مولاة لبني هاشم، وجعل لها جُعْلًا، وجَعلت الكتاب في خمارها، فجاء جبريل إلى رسول الله، فأَخبَره، فبَعث رسول الله في طَلبها عليًّا ورجلًا آخر، ففتَّشاها، فلم يجدا معها شيئًا، فأراد صاحبه الرجوع، فأبى عليٌّ، وسلّ عليها السيف، وقال: واللهِ، ما كَذبتُ ولا كُذِبت. فأَخذتْ عليهما إنْ أعطتْه إياهما ألا يَرُدّاها، فأَخرجت الكتاب من خمارها. قال الكلبي: فأرسل رسول الله إليه: «هل تعرف هذا، يا حاطِب؟». قال: نعم. قال: «فما حمَلك عليه؟». قال: أما والذي أنزل عليك الكتاب، ما كفرتُ منذ آمنتُ، ولا أحببتُهم منذ فارقتُهم، ولم يكن مِن أصحابك أحدٌ إلا وله بمكة مَن يَمنع الذي له غيري، فأحببتُ أن أتخذ عندهم مَودّة، وقد علمتُ أنّ الله مُنزل عليهم بأسه ونِقمته، وإنّ كتابي لن يُغني عنهم شيئًا. فصدّقه رسول الله وعَذره؛ فأنزل الله هذا فيه١
التخريج
  1. ١ذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ٤‏/‏٣٧٦-.
١٥
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ أوْلِياءَ﴾ وذلك أنّ النبي ﷺ أمر الناسَ بالجهاد وعَسكَرَ، وكتب حاطِب بن أبي بَلْتَعة إلى أهل مكة: إنّ محمدًا قد عَسكَر، وما أراه إلا يريدكم؛ فخذوا حِذركم. وأَرسَل بالكتاب مع سارة مولاة أبي عمرو بن صيفيّ بن هاشم، وكانت قد جاءتْ من مكة إلى المدينة، فأعطاها حاطِب بن أبي بَلْتَعة عشرة دنانير على أن تُبلغ كتابه أهل مكة، وجاء جبريل، فأَخبَر النبيَّ ﷺ بأمْر الكتاب وأمْر حاطِب، فبَعث رسولُ الله ﷺ عليَّ بن أبي طالب عليه السلام، والزّبير بن العوام، وقال لهما: «إنْ أعطتْكما الكتابَ عفوًا خلِّيا سبيلها، وإنْ أبتْ فاضربا عُنُقها». فسارا حتى أدَركاها بالجُحْفةِ، وسألاها عن الكتاب، فحَلفَت: ما معها كتاب. وقالت: لَأنا إلى خيركم أفقر مِنِّي إلى غير ذلك. فابتَحَثاها، فلم يجدا معها شيئًا، فقال الزّبير لعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما: ارجع بنا، فإنّا لا نرى معها شيئًا. فقال علي: واللهِ، لأضربنّ عُنُقها، واللهِ، ما كَذَب رسول الله ﷺ ولا كذبنا. فقال الزّبير: صدقتَ، اضرب عُنُقها. فسلَّ علِيٌّ سيفه، فلما عرفت الجِدّ منهما أخذتْ عليهما المواثيق: لئن أعطيتُكما الكتاب لا تقتلاني، ولا تَسبِياني، ولا تَرُدّاني إلى محمد ﷺ، ولتُخلّيان سبيلي. فأَعطَياها المواثيق، فاستَخرجت الصّحيفة مِن ذؤابتها، ودَفعتْها، فخلَّيا سبيلها، وأقْبَلا بالصّحيفة فوضَعاها في يدي رسول الله ﷺ، فقرأها، فأرسَل إلى حاطِب بن أبي بَلْتَعة، فقال له: «أتعرف هذا الكتاب؟». قال: نعم. قال: «فما حمَلك على أن تُنذر بنا عدوَّنا؟». قال حاطِب: اعفُ عنِّي، عفا الله عنك، فوالذي أنزل عليك الكتاب، ما كفرتُ منذ أسلمتُ، ولا كذبتُك منذ صدّقتك، ولا أبغضتُك منذ أحببتُك، ولا واليتُهم منذ عاديتُهم، وقد علمتُ أنّ كتابي لا ينفعهم ولا يضرّك، فاعذرني، جعلني الله فداك؛ فإنه ليس من أصحابك أحدٌ إلا وله بمكة مَن يَمنع ماله وعشيرته غيري، وكنتُ حليفًا ولست من أنفُس القوم، وكان حُلفائي قد هاجروا كلّهم، وكنتُ كثير المال والضّيعة بمكة، فخِفتُ المشركين على مالي، فكتبتُ إليهم لأتوسّل إليهم بها، وأَتّخذها عندهم مَودّة لأدفع عن مالي، وقد علمتُ أنّ الله مُنزل بهم خِزيه ونِقمته، وليس كتابي يُغني عنهم شيئًا. فعرف رسول الله ﷺ أنه قد صَدق فيما قال، فأنزل الله تعالى عِظَةً للمؤمنين أن يعودوا لِمِثل صَنيع حاطِب بن أبي بَلْتَعة، فقال تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ أوْلِياءَ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ﴾... وفي حاطِب نَزَلَتْ هذه الآية: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ إلى آخر الآية [المجادلة:٢٢]١٢
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٤‏/‏٢٩٧-٢٩٩.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذَكَرَ ابنُ جرير (٢٢/٥٥٩)، وابنُ عطية (٨/٢٧٦)، وابنُ تيمية (٦/٢٨٣)، وابنُ كثير (١٣/٥٠٦) أنّ سبب نزول هذه الآية: قصة حاطِب بن أبي بَلْتَعة. وقال ابنُ تيمية (٦/٢٨٤): «هذه القصة مما اتفق أهل العلم على صحّتها، وهي متواترة عندهم، معروفة عند علماء التفسير، وعلماء الحديث، وعلماء المغازي والسِّير والتواريخ، وعلماء الفقه، وغير هؤلاء، وكان علي رضي الله عنهما يحدِّث بهذا الحديث في خلافته بعد الفتنة، وروى ذلك عنه كاتبُه عبد الله بن أبي رافع ليُبيّن [لهم] أنّ السابقين مغفور لهم، ولو جرى منهم ما جرى».
التفسير بالمأثور لسورة الممتحنة كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ١ من سورة الممتحنة

١٤ وقفةً في هذه الآية

  • ﴿يخرجون الرسول وإياكم﴾ يخرجونكم والرسول. خرج القرآن عن عادته في النظم، فعدل عن الإيجاز، وفصَل الضمير؛ رعاية لمقام النبي بتقديم ذكره

    — محمد الفراج

  • ﴿يخرجون الرسول وإيّاكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي﴾الممتحنة أن تؤمنوا: لأجل إيمانكم.

    — روائع القرآن

  • ﴿ وأنا " أعلم " بما أخفيتم وما أعلنتم ﴾ سبحان من هو أعلم بأسرارنا منا ..

    — حاتم بن صالح المالكي

  • (تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ) (الممتحنة: ١) عاتبهم الله على إسرار المودَّة لهم، فكيف بمن يرقص فرحًا بفرحهم؟!

    — عبدالله بلقاسم

  • تدبرات وتأملات ، سورة الممتحنة أية 1

    — عبدالله الغفيلي

  • طرقات علي باب التدبر سورة الممتحنة آية 1

    — محمد علي يوسف

  • علة النهي عن موالاة أعداء الله: علّة عقدية (وقد كفروا بما جاءكم من الحق) علّة حسّية (يخرجون الرسول وإياكم)

    — مجالس التدبر

  • {إنا برءاؤا منكم ومما تعبدون من دون الله} تأمل البراءة منهم ومن شركهم لا كما يقول البعض: البراءة فقط من دينهم

    — مجالس التدبر

  • ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء﴾ مودة أعداء الله وتمكينهم كبيرة من الكبائر وضلال عن سبيل المؤمنين

    — مجالس التدبر

  • الموالاة والمعاداة عقيدة ودين.. وليست عواطف وأهواء..

    — مجالس التدبر

  • مجرد إسرار موالاة الكفار ضلال فكيف بالعلن تسرون إليهم بالمودة" إلى قوله "ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل"

    — مجالس التدبر

  • قوله تعالى {تلقون إليهم بالمودة} وبعده {تسرون إليهم بالمودة} الأول حال من المخاطبين وقيل أتلقون إليهم والاستفهام مقدر وقيل خبر مبتدأ أي أنتم تلقون والثاني بدل من الأول على الوجوه المذكورة والباء زيادة عند الأخفش وقيل بسبب أن تودوا وقال الزجاج تلقون إليهم أخبار النبي صلى الله عليه وسلم وسره بالمودة

    — كتاب أسرار التكرار للكرماني

ووقفتانِ أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.

ترجمات معاني الآية ١ من سورة الممتحنة

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(1) O you who have believed, do not take My enemies and your enemies as allies,[1672] extending to them affection while they have disbelieved in what came to you of the truth, having driven out the Prophet and yourselves [only] because you believe in Allāh, your Lord. If you have come out for jihād [i.e., fighting or striving] in My cause and seeking means to My approval, [take them not as friends]. You confide to them affection [i.e., instruction], but I am most knowing of what you have concealed and what you have declared. And whoever does it among you has certainly strayed from the soundness of the way.
[1672]- i.e., close associates and friends.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال