جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :﴿يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتّخِذُواْ عَدُوّي وَعَدُوّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدّةِ وَقَدْ كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُمْ مّنَ الْحَقّ يُخْرِجُونَ الرّسُولَ وَإِيّاكُمْ أَن تُؤْمِنُواْ بِاللّهِ رَبّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَآءَ مَرْضَاتِي تُسِرّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدّةِ وَأَنَاْ أَعْلَمُ بِمَآ أَخْفَيْتُمْ وَمَآ أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلّ سَوَآءَ السّبِيلِ﴾.
قال أبو جعفر : يقول : تعالى ذكره للمؤمنين به من أصحاب رسول الله ﷺ : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَتّخِذُوا عَدُوّي من المشركين وَعَدُوّكُمْ أوْلياءَ يعني أنصارا.
وقوله :﴿تُلْقُونَ إلَيْهمْ بالمَوَدّة﴾يقول جلّ ثناؤه : تلقون إليهم مودّتكم إياه. ودخول الباء في قوله : بالمَوَدّةِ وسقوطها سواء، نظير قول القائل : أريد بأن تذهب، وأريد أن تذهب سواء، وكقوله :﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بإلْحادٍ بِظُلْمٍ﴾والمعنى : ومن يرد فيه إلحادا بظلم ومن ذلك قول الشاعر :
| فَلَمّا رَجَتْ بالشّرْبِ هَزّ لَهَا الْعَصَا | شَحِيحٌ لَهُ عِنْدَ الإزَاءِ نَهِيمُ |
﴿وقد كَفَرُوا بِمَا جاءَكُمْ مِنَ الحَقّ﴾يقول : وقد كفر هؤلاء المشركون الذين نهيتكم أن تتخذوهم أولياء بما جاءكم من عند الله من الحقّ، وذلك كفرهم بالله ورسوله وكتابه الذي أنزله على رسوله.
وقوله :﴿يَخْرِجُونَ الرّسُولَ وَإيّاكُمْ أنْ تؤمنوا باللّهِ رَبّكُمْ﴾يقول جلّ ثناؤه : يخرجون رسول الله ﷺ وإياكم، بمعنى : ويخرجونكم أيضا من دياركم وأرضكم، وذلك مشركي قريش رسول الله ﷺ وأصحابه من مكة.
وقوله :﴿أن تُوءْمِنُوا باللّهِ رَبّكُمْ﴾يقول جلّ ثناؤه : يخرجون الرسول وإياكم من دياركم، لأن آمنتم بالله.
وقوله :﴿إنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهادا فِي سَبِيلي وَابْتِغاءَ مَرْضَاتِي﴾ من المؤخر الذي معناه التقديم، ووجه الكلام : يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوّي وعدوّكم أولياء تلقون إليهم بالمودّة وقد كفروا بما جاءكم من الحقّ إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي، وابتغاء مرضاتي يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم. ويعني بقوله تعالى ذكره :﴿إنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهادا فِي سَبِيلي﴾ : إن كنتم خرجتم من دياركم، فهاجرتم منها إلى مهاجرَكم للجهاد في طريقي الذي شرعته لكم، وديني الذي أمرتكم به. والتماس مرضاتي.
وقوله :﴿تُسِرّونَ إلَيْهِمْ بالمَوَدّةَ﴾يقول تعالى ذكره للمؤمنين من أصحاب رسول الله ﷺ : تسرّون أيها المؤمنون بالمودّة إلى المشركين بالله، ﴿وأنا أعْلَمُ بِمَا أخْفَيْتُمْ﴾يقول : وأنا أعلم منكم بما أخفى بعضكم من بعض، فأسره منه﴿وَما أعْلَنْتُمْ﴾يقول : وأعلم أيضا منكم ما أعلنه بعضكم لبعض، ﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلّ سَوَاء السّبيلِ﴾يقول جلّ ثناؤه : ومن يسرّ منكم إلى المشركين بالمودّة أيها المؤمنون فقد ضلّ : يقول : فقد جار عن قصد السبيل التي جعلها الله طريقا إلى الجنة ومحجة إليها.
وذُكر أن هذه الآيات من أوّل هذه السورة نزلت في شأن حاطب بن أبي بَلتعة، وكان كتب إلى قُرَيش بمكة يطلعهم على أمر كان رسول الله ﷺ قد أخفاه عنهم، وبذلك جاءت الآثار والرواية عن جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ وغيرهم.
ذكر من قال ذلك :
حدثني عبيد بن إسماعيل الهباريّ، والفضل بن الصباح قالا : حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار عن حسن بن محمد بن عليّ، أخبرني عبيد الله بن أبي رافع، قال : سمعت عليا رضي الله عنه يقول : بعثني رسول الله ﷺ أنا والزّبير بن العوّام والمقداد قال الفضل قال سفيان : نفر من المهاجرين فقال :«انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب، فخذوه منها » فانطلقنا تتعادى بنا خيلنا حتى انتهينا إلى الروضة، فوجدنا امرأة، فقلنا : أخرجي الكتاب، قالت : ليس معي كتاب، قلنا : لتخرجنّ الكتاب، أو لنلقينّ الثياب، فأخرجته من عِقَاصها، وأخذنا الكتاب فانطلقنا به إلى رسول الله ﷺ، فإذا فيه : من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس بمكة، يخبرهم ببعض أمر رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ :«يا حاطِبُ ما هَذَا ؟ » قال : يا رسول الله لا تعجل عليّ كنت امرأ ملصقا في قريش، ولم يكن لي فيهم قرابة، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات، يحمون أهليهم بمكة، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب أن أتخذ فيها يدا يحمون بها قرابتي، وما فعلت ذلك كفرا ولا ارتدادا عن ديني، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول الله ﷺ :«قَدْ صَدَقَكُمْ » فقال عمر : يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال :«إنّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرا، وَما يُدْرِيكَ لَعَلّ اللّهَ قَدِ اطّلَعَ على أهْلِ بَدْرِ فَقال : اعْمَلُوا ما شِئتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ » زاد الفضل في حديثه، قال سفيان : ونزلت فيه ﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَتّخِذُوا عَدُوّي وَعَدُوّكُمْ أوْلِياءَ. . . إلى قوله حتّى تُوءْمِنُوا باللّهِ وَحْدَهُ﴾.
حدثنا ابن حُمَيد، قال : حدثنا مهران، عن أبي سنان سعيد بن سنان، عن عمرو بن مرّة الجملي، عن أبي البختري الطائي، عن الحارث، عن عليّ رضي الله عنه قال : لما أردا النبيّ ﷺ أن يأتي مكة، أسرّ إلى ناس من أصحابه أنه يريد مكة. فيهم حاطب بن أبي بلتعة، وأفشى في الناس أنه يريد خيبر، فكتب حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة أن النبيّ ﷺ يريدكم، قال : فبعثني النبيّ ﷺ وأبا مرثد وليس منا رجل إلا وعنده فرس، فقال : ائْتُوا رَوْضَةَ خاخ، فإنّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بِها امْرأةً وَمَعَها كِتاب، فَخذُوهُ مِنْها فانطلقنا حتى رأيناها بالمكان الذي ذكر النبيّ ﷺ، فقلنا : هاتي الكتاب، فقالت : ما معي كتاب، فوضعنا متاعها وفتشنا، فلم نجده في متاعها، فقال أبو مرثد : لعله أن لا يكون معها، فقلت : ما كذَب النبيّ ﷺ ولا كذبَ، فقلنا : أخرجي الكتاب، وإلا عريناك قال عمرو بن مرّة : فأخرجته من حُجْزَتها، وقال حبيب : أخرجته من قبلها فأتينا به النبيّ ﷺ فإذا الكتاب : من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة، فقام عمر فقال : خان الله ورسوله، ائذن لي أضرب عنقه، فقال النبيّ ﷺ :«ألْيسَ قَدْ شَهِدَ بَدْرا ؟ » قال : بلى، ولكنه قد نكث وظاهر أعداءك عليك، فقال النبيّ ﷺ :«فَلَعَلّ اللّهَ قَدِ اطّلَعَ عَلى أهْل بَدْرٍ، فَقالَ : اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ »، ففاضت عينا عمر وقال : الله ورسوله أعلم، فأرسل إلى حاطب، فقال :«ما حملك على ما صنعت ؟ » فقال : يا نبيّ الله إني كنت امرأ ملصقا في قريش، وكان لي بها أهل ومال، ولم يكن من أصحابك أحد إلا وله بمكة من يمنع أهله وماله، فكتبت إليهم بذلك، والله يا نبيّ الله إني لمؤمن بالله وبرسوله، فقال النبيّ ﷺ :«صَدَقَ حاطِبُ بْنُ أبي بَلْتَعَةَ، فَلا تَقُولُوا لِحاطِبَ إلاّ خَيْرا »، فقال حبيب بن أبي ثابت : فأنزل الله عزّ وجلّ : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَتّخِذُوا عَدُوّي وَعَدُوّكُمْ. . . الآية.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال حدثنا عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَتّخِذُوا عَدُوّي وَعَدُوّكُمْ أوْلِياء تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بالمَوَدّةِ. . . إلى آخر الآية، نزلت في رجل كان مع النبيّ ﷺ بالمدينة من قريش، كتب إلى أهله وعشيرته بمكة، يخبرهم وينذرهم أن رسول الله ﷺ سائر إليهم، فأخبر رسول الله ﷺ بصحيفته، فبعث إليها عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، فأتاه بها.
حدثنا ابن حُمَيد، قال : حدثنا سلمة، قال : ثني محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزّبير، عن عروة بن الزبير وغيره من علمائنا، قالوا : لما أجمع رسول الله ﷺ السير إلى مكة كتب حاطب بن أبي بلتعة كتابا إلى قريش يخبرهم بالذي أجمع عليه رسول الله ﷺ من الأمر في السير إليهم، ثم أعطاه امرأة يزعم محمد بن جعفر أنها من مزينة، وزعم غيره أنها سارة مولاة لبعض بني عبد المطلب وجعل لها جُعْلاً، على أن تبلغه قريشا، فجعلته في رأسها. ثم فتلت عليه قرونها، ثم خرجت. وأتى رسول الله ﷺ الخبر من السماء بما صنع حاطب، فبعث عليّ بن أبي طالب والزّبير بن العوّام رضي الله عنهما، فقال :«أدرِكا امْرأةً قَدْ كَتَبَ مَعَها حاطِبٌ بكِتاب إلى قُرَيْش يُحَذّرُهُمْ ما قَدِ اجْتَمَعْنا لَهُ فِي أمْرِهِمْ »، فخرجا حتى أدركا بالحليفة، حليفة ابن أبي أحمد فاستنزلاها فالتمسا في رحلها، فلم يجدا شيئا، فقال لها عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه : إني أحلف بالله ما كُذِبَ رسول الله ﷺ ولا كُذِبنا، ولتخرِجِنّ إليّ هذا الكتاب، أو لنكشفنك فلما رأت الجدّ منه، قالت : أعرض عني، فأعرض عنها، فحلّت قرون رأسها، فاستخرجت الكتاب فدفعته إليه فجاء به إلى رسول الله ﷺ، فدعا رسول الله ﷺ حاطبا، فقال :«يا حاطب ما حَمَلَكَ على هَذَا ؟ » فقال : يا رسول الله، أما والله إني لمؤمن بالله ورسوله، ما غيرت ولا بدّلت، ولكني كنت امرأ في القوم ليس لي أصل ولا عشيرة، وكان لي بين أظهرهم أهل وولد، فصانعتهم عليه، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : دعني يا رسول الله فلأضرب عنقه، فإن الرجل قد نافق، فقال رسول الله ﷺ :«وَما يُدْرِيكَ يا عُمَرُ لَعَلّ الله قَدِ اطّلَعَ على أصحَاب بَدْرٍ يَوْمَ بَدْرٍ فَقالَ : اعْمَلُوا ما شِئْتم فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ » فأنزل الله عزّ وجلّ في حاطب :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَتّخِذُوا عَدُوّي وَعَدُوّكُمْ أوْلِياءَ. . . إلى قوله وَإلَيْكَ أنَبْنا. . .﴾ إلى آخر القصة.
حدثنا ابن عبد الأعلى قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهري، عن عروة قال : لما نزلت : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَتّخِذُوا عَدُوّي وَعَدُوّكُمْ أوْلِياءَ في حاطب بن أبي بلتعة، كتب إلى كفار قريش كتابا ينصح لهم فيه، فأطلع الله نبيه عليه الصلاة والسلام على ذلك، فأرسل عليا والزّبير، فقال :«اذْهَبا فإنّكُما سَتَجدَنِ امْرأةً بِمَكانِ كَذَا وكَذَا، فأتَيَا بكِتاب مَعَها »، فانطلقا حتى أدركاها، فقالا : الكتاب الذي معك، قالت : ليس معي كتاب، فقالا : والله لا ندع معك شيئا
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١)﴾
قال أبو جعفر: يقول: تعالى ذكره للمؤمنين به من أصحاب رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي) من المشركين (وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ) يعنى أنصارا.
وقوله: (تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ) يقول جلّ ثناؤه: تلقون إليهم مودتكم إياهم، ودخول الباء في قوله: (بِالْمَوَدَّةِ) وسقوطها سواء، نظير قول القائل: أريد بأن تذهب، وأريد أن تذهبَ سواء، وكقوله: (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ) والمعنى: ومن يرد فيه إلحادًا بظلم؛ ومن ذلك قول الشاعر:
فَلمَّا رَجَتْ بالشُّرْبِ هَزَّ لَهَا الْعَصَا شَحِيحٌ لَهُ عِنْدَ الإزَاءِ نَهِيمُ (١)
(وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ) يقول: وقد كفر هؤلاء المشركون الذين نهيتكم أن تتخذوهم أولياء بما جاءكم من عند الله من الحقّ، وذلك كفرهم بالله ورسوله وكتابه الذي أنزله على رسوله.
وقوله: (يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ) يقول جلّ ثناؤه: يخرجون رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وإياكم، بمعنى: ويخرجونكم أيضًا من دياركم وأرضكم، وذلك إخراج مشركي قريش رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وأصحابه من مكة.
وقوله: (أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ) يقول جلّ ثناؤه: يخرجون الرسول وإياكم من دياركم، لأن آمنتم بالله.
وقوله: (إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي) من المؤخر الذي معناه التقديم، ووجه الكلام: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق إن كنتم خرجتم جهادًا في سبيلي، وابتغاء مرضاتي (يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ).
ويعني قوله تعالى ذكره: (إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي) : إن كنتم خرجتم من دياركم، فهاجرتم منها إلى مهاجرَكم للجهاد في طريقي الذي شرعته لكم، وديني الذي أمرتكم به. والتماس مرضاتي.
وقوله: (تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ) يقول تعالى ذكره للمؤمنين من أصحاب
وذُكر أن هذه الآيات من أوّل هذه السورة نزلت في شأن حاطب بن أبي بَلتعة، وكان كتب إلى قُريش بمكة يطلعهم على أمر كان رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قد أخفاه عنهم، وبذلك جاءت الآثار والرواية عن جماعة من أصحاب رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وغيرهم.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني عبيد بن إسماعيل الهباريّ، والفضل بن الصباح قالا ثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار عن حسن بن محمد بن عليّ، أخبرني عبيد الله بن أبي رافع، قال: سمعت عليًا رضي الله عنه يقول: بعثني رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أنا والزُّبير بن العوّام والمقداد، قال الفضل، قال سفيان: نفر من المهاجرين فقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن لها ظعينة معها كتاب، فخذوه منها؛ فانطلقنا تتعادى بنا خيلنا حتى انتهينا إلى الروضة، فوجدنا امرأة، فقلنا: أخرجي الكتاب، قالت: ليس معي كتاب، قلنا: لتخرجنّ الكتاب، أو لنلقينّ الثياب، فأخرجته من عقاصها، وأخذنا الكتاب؛ فانطلقنا به إلى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس بمكة، يخبرهم ببعض أمر رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فقال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: "يا حاطبُ ما هذا؟ " قال: يا رسول الله لا تعجل عليّ، كنت امرًأ ملصقًا في قريش، ولم يكن لي فيهم قرابة، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات، يحمون أهليهم بمكة، فأحببت إذ فاتني ذلك من
حدثنا ابن حُمَيْد، قال: ثنا مهران، عن أبي سنان سعيد بن سنان، عن عمرو بن مرّة الجملي، عن أَبي البختري الطائي، عن الحارث، عن عليّ رضي الله عنه قال: لما أراد النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أن يأتي مكة، أسرّ إلى ناس من أصحابه أنه يريد مكة، فيهم حاطب بن أبي بلتعة، وأفشى في الناس أنه يريد خيبر، فكتب حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة أن النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يريدكم، قال: فبعثني النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وأبا مرثد وليس منا رجل إلا وعنده فرس، فقال: " ائْتُوا رَوْضَةَ خَاخ، فإنَّكُمْ سَتَلْقَوّنَ بِهَا امْرَأَةً وَمَعَهَا ِكتَاب، فَخُذُوهُ منها "؛ فانطلقنا حتى رأيناها بالمكان الذي ذكر النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فقلنا: هاتي الكتاب، فقالت: ما معي كتاب، فوضعنا متاعها وفتشنا، فلم نجده في متاعها، فقال أبو مرثد: لعله أن لا يكون معها، فقلت: ما كذب النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ولا كَذِب، فقلنا: أخرجي الكتاب، وإلا عريناك، قال عمرو بن مرّة، فأخرجته من حجزتها، وقال حبيب: أخرجته من قبلها فأتينا به النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فإذا الكتاب: من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة، فقام عمر فقال: خان الله ورسوله، ائذن لي أضرب عنقه، فقال النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: "أَلَيْسَ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا؟ " قال: بلى، ولكنه قد نكث وظاهر أعداءك عليك. فقال النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: "فَلَعَلَّ اللهَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ، فَقاَلَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ"، ففَاضت عينا عمر وقال: الله ورسوله أعلم، فأرسل إلى حاطب، فقال: "ما حملك على ما
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، ثنا عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ)... إلى آخر الآية، نزلت في رجل كان مع النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بالمدينة من قريش، كتب إلى أهله وعَشِيرَته بمكة، يخبرهم وينذرهم أن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم سائر إليهم، فأخبر رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بصحيفته، فبعث إليها عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، فأتاه بها.
حدثنا ابن حُمَيْدِ، قال: ثنا سلمة، قال: ثني محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزُّبير، عن عروة بن الزبير وغيره من علمائنا، قالوا: لما أجمع رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم السير إلى مكة كتب حاطب بن أبي بلتعة كتابًا إلى قريش يخبرهم بالذي أجمع عليه رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم من الأمر في السير إليهم، ثم أعطاه امرأة يزعم محمد بن جعفر أنها من مزينة، وزعم غيره أنها سارة مولاة لبعض بني عبد المطلب وجعل لها جُعْلا على أن تبلغه قريشًا، فجعلته في رأسها، ثم فتلت عليه قرونها، ثم خرجت، وأتى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم الخبر من السماء بما صنع حاطب، فبعث عليّ بن أبي طالب والزُّبير بن العوّام رضي الله عنهما، فقال: "أدركا امْرَأةً قَدْ كَتَبَ مَعَهَا حَاطِبٌ بِكِتَاب إلى قُرَيْش يُحَذرُهُمْ مَا قدِ اجْتَمَعْنَا لَهُ فِي أمْرِهِمْ"، فخرجا حتى أدركاها بالحليفة، حليفة ابن أَبي أحمد فاستنزلاها فالتمسا في رحلها، فلم يجدا شيئًا، فقال
| (وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا) | إلى آخر القصة. |