اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم :
قوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ الآية.
وجه تعلق أول هذه السورة بآخر ما قبلها، هو أن آخر تلك السورة تشتمل على الصفات الجميلة [ اللائقة بحضرة الله - تعالى - من الوحدانية وغيرها ](١)، وأول هذه السورة يشتمل على حرمة الاختلاط مع من لم يعترف بتلك الصفات.
قوله :﴿عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ هذان مفعولا الاتخاذ، و «العَدو » لما كان بزنةِ المصادر وقع على الواحد فما فوق، وأضاف العدو لنفسه تغليظاً في جرمهم(٢).
روى مسلم عن علي - رضي الله عنه - قال :«بعثنا رسول الله ﷺ أنا والزبير والمقداد، فقال :" ائْتُوا روضة «خَاخٍ » فإنَّ بِهَا ظعينةً معها كتابٌ فخذُوهُ مِنْهَا " فانطلقنا تُعادي بنا خيلنَا، فإذا نحن بالمرأة، وهي امرأة عبد الرحمن بن عوف ولدت إبراهيم بن عبد الرحمن، فقلنا : أخرجي الكتاب، فقالت : ما معي كتاب، فقلنا : لتُخرجنَّ الكتاب أو لنلقينَّ الثياب فأخرجته من عقاصها، فأتينا به رسول الله ﷺ فإذا فيه : من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين من أهل " مكة " يخبرهم ببعض أمر رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : يا حاطب ما هذا ؟ فقال : لا تَعْجَلْ عليَّ يا رسول الله، إني كنت امرأ ملصقاً في قريش - قال سفيان : يقول : كنت حليفاً - ولم أكن من أنفسها، وكان ممن معك من المهاجرين من له قرابات يحمون أهليهم وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النَّسَب أن أتخذ عندهم يداً يحمون قرابتي، ولم أفعله كفراً ولا ارتداداً عن ديني، فقال رسول الله ﷺ :" أمَا إنَّهُ قَدْ صَدقَكُمْ "، فقال عمر : يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال : إنَّهُ شهد بَدْراً، ومَا يُدْريك لعلَّ اللَّه اطلع على مَنْ شَهِدَ بَدْراً، فقال : اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ، فأنزل الله تعالى :﴿يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ إلى قوله :﴿سَوَاءَ السبيل﴾(٣).
قيل(٤) : اسم المرأة سارة من موالي قريش، وكان في الكتاب :«أما بعد، فإن رسول الله ﷺ قد توجه إليكم بجيش كالليل يسير كالسيل، وأقسم بالله لو لم يسر إليكم إلا وحده لأظفره الله بكم، وأنجز له وعده فيكم، فإن الله وليه وناصره ».
وقيل :«إن سارة مولاة أبي عمرو بن صيفي بن هاشم بن عبد مناف أتت [ المدينة من مكة ورسول الله ](٥) يتجهز لفتح مكة. قيل : كان هذا زمن الحديبية، فقال لها رسول الله ﷺ أمهاجرةً جئت يا سارة ؟ قالت : لا، قال : أمسلمة جئت ؟ قالت : لا، قال : فما جاء بك ؟ قالت : كنتم الأهل والموالي والأصل والعشيرة، وقد ذهبت الموالي - تعني قُتِلُوا يوم بدر - وقد احتجت حاجة شديدة فقدمت عليكم لتعطوني وتكسوني، فقال عليه الصلاة والسلام : فأيْنَ أنت عَن شَبابِ أهْلِ مكَّة ؟ - وكانت مغنيةً نائحةً قالت : ما طلب مني شيء بعد وقعة بدرٍ، فحث رسول الله ﷺ بني عبد المطلب وبني المطلب على إعطائها، فكسوها وحملوها وأعطوها، فخرجت إلى مكة، وأتاها حاطب بن أبي بلتعة حليف بني أسد بن عبد العزى، وقال : أعطيك عشرة دنانير، وبُرداً على أن تبلغي هذا الكتاب إلى أهل " مكَّة "، وكتب في الكتاب : إن رسول الله ﷺ يريدكم، فخذوا حذركم، فخرجت سارة، ونزل جبريل عليه السلام فأخبر النبي ﷺ بذلك، فبعث عليّاً والزبير والمقداد وأبا مرثد الغنوي، وفي رواية : عليّاً وعمار بن ياسر، وفي رواية : عليّاً وعماراً وعمراً والزبير وطلحة والمقداد وأبا مرثد، وكانوا كلهم فرساناً، وقال لهم : انطلقوا حتى تأتوا روضة " خاخ "، فإن بها ظعينة، ومعها كتاب من حاطب إلى المشركين، فخذوه منها وخلُّوا سبيلها، فإن لم تدفعه إليكم فاضربوا عنقها، فأدركوها في ذلك المكان، فقالوا : أين الكتاب ؟ فحلفت باللَّه ما معها كتاب، ففتشوا أمتعتها فلم يجدوا معها كتاباً فهموا بالرجوع، فقال علي : والله ما كذبنا ولا كذَّبنا وسلَّ سيفه، وقال أخرجي الكتاب وإلا والله لأجرّدنّكِ ولأضربن عنقك، فلما رأت الجد أخرجته من ذؤابتها قد خبأته في شعرها - وفي رواية في حُجزتِهَا - فخلُّوا سبيلها، ورجعوا بالكتاب إلى رسول الله ﷺ فأرسل إلى حاطب، فقال : هل تعرف هذا الكتاب ؟ قال : نعم، وذكر الحديث ».

فصل في النهي عن موالاة الكفار(٦) :


هذه السورة أصل في النهي عن موالاة الكُفَّار، وقد تقدم نظيره، كقوله :﴿لاَّ يَتَّخِذِ المؤمنون الكافرين أَوْلِيَاءَ﴾ [آل عمران: ٢٨]. وقوله :﴿يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٨] ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ اليهود والنصارى أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: ٥١].
روي أن حاطباً لما سمع ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ﴾ غشي من الفرح بخطاب الإيمان.
قوله :«تُلقُون ». فيه أربعة أوجه(٧) :
أحدها : أنه تفسير لموالاتهم إياهم.
الثاني : أنه استئناف إخبار بذلك، فلا يكون للجملة على هذين الوجهين محلّ من الإعراب.
الثالث : أنها حال من فاعل «تتَّخذُوا » أي : لا تتخذوا ملقين المودّة.
الرابع : أنها صفة لأولياء.
قال الزمخشري(٨) :«فإن قلت : إذا جعلته صفة وقد جرى على غير من هو له، فأين الضمير البارز، وهو قولك : تلقون إليهم أنتم بالمودّة ؟. قلت : ذاك إنما اشترطوه في الأسماء دون الأفعال ولو قيل : أولياء ملقين إليهم بالمودة على الوصف لما كان بُدّ من الضمير البارز »، وقد تقدمت هذه المسألة مستوفاة، وفيها كلام مكي وغيره.
إلا أن أبا حيّان اعترض على كونها صفة أو حالاً، بأنهم نهوا عن اتخاذهم أولياء مطلقاً في قوله :﴿لاَ تَتَّخِذُواْ اليهود والنصارى أَوْلِيَاءَ﴾، والتقييد بالحال والوصف يوهم جواز اتخاذهم أولياء إذا انتفى الحال أو الوصف(٩).
قال شهاب الدين(١٠) :«ولا يلزم ما قال، لأنه معلوم من القواعد الشرعية، فلا مفهوم لها ألبتة ».
وقال الفرَّاء :«تلقون » من صلة «أولياء »، وهذا على أصولهم من أن النكرة توصل لغيرها من الموصولات.
قوله :«بِالمَودَّةِ ». في الباء ثلاثة أوجه(١١) :
أحدها : أن الباء مزيدة في المفعول به، كقوله :﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وقوله :﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ [الحج: ٢٥].
والثاني : أنها غير مزيدة، والمفعول محذوف، ويكون معنى الباء : السببية، كأنه قيل : تلقون إليهم أسرار رسول الله ﷺ وأخباره بسبب المودة التي بينكم وبينهم. قاله الزجاج(١٢).
الثالث : أنها متعلقةٌ بالمصدر الدال عليه «تلقون » أي : إلقاؤهم بالمودة. نقله الحوفي عن البصريين [ وجعل القول بزيادة الباء قول الكوفيين، إلا أنَّ هذا الذي نقله عن البصريين ](١٣) لا يوافق أصولهم، إذ يلزم منه حذف المصدر وإبقاء معموله، وهو لا يجوز عندهم، وأيضاً فإن فيه حذف الجملة برأسها، فإن «إلقاءهم » مبتدأ، و «بالمَودَّةِ » متعلق به، والخبر أيضاً محذوف، وهذا إجحاف(١٤).

فصل في الكلام على الآية :


قال ابن الخطيب(١٥) : في الآية مباحث.
الأول : اتخاذ العدو أولياء، كيف يمكن، والعداوة منافية للمحبة ؟.
والجواب : لا يبعد أن تكون العداوة بالنسبة إلى أمر آخر، ألا ترى إلى قوله تعالى :﴿أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٢٨].
وقال عليه الصلاة والسلام :«أوْلادُنَا أكْبَادُنَا »(١٦)
الثاني : لم قال :﴿عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ﴾ ولم يقل بالعكس ؟.
والجواب : أنَّ العداوة بين المؤمن والكافر بسبب محبّة الله ومحبَّة رسوله - عليه الصلاة والسلام - فتكون محبة العبد من أصل الإيمان بحضرة الله تعالى لعلةٍ، ومحبة حضرة الله - تعالى - للعبد لا لعلة، والذي لا لعلة مقدم على الذي لعلة ؛ ولأن الشيء إذا كانت له نسبة إلى الطرفين، فالطرف الأعلى مقدم على الأدنى.
الثالث : قال :«أولياء »، ولم يقل : ولي العدو أو العدو معرفاً ؟.
فالجواب : أن المعرف بحرف التعريف يتناول كل فرد، فكذلك المعرف بالإضافة.

فصل :


قال القرطبي(١٧) : قوله :﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بالمودة﴾ يعني بالظَّاهر، لأن قلب حاطب كان سليماً بدليل أن النبي ﷺ قال لهم :«أمَّا صَاحبُكمْ فقدْ صَدَقَ »، وهذا نصٌّ في سلامة فؤاده، وخلوص اعتقاده.

فصل فيمن تطلع على عورات المسلمين :


قال القرطبي(١٨) : من كثر تطلّعه على عورات المسلمين، وينبه عليهم، ويعرف عدوهم بأخبارهم لم يكن بذلك كافراً إذا كان فعله ذلك لغرض دنيوي، واعتقاده على ذلك سليم، كما فعل حاطب حين قصد بذلك اتخاذ اليد، ولم ينو الردة عن الدين.
وإذا قيل : بأنه لا يكون كافراً بذلك فهل يقتل حدًّا أم لا ؟ فقال مالك وابن القاسم وأشهب : يجتهد الحاكم الإمام في ذلك.
وقال عبد الملك : إذا كانت عادته تلك قُتِلَ لأنه جاسوس، وقد قال مالك : يقتل الجاسوس لإضراره بالمسلمين، وسعيه بالفساد في الأرض، ولعل ابن الماجشون إنما أخذ التكرار في هذا ؛ لأن حاطباً أخذ في أول فعله، فإن كان الجاسوس كافراً، فقال الأوزاعي : يكون نقضاً لعهده، وقال : الجاسوس الحربي يقتل، والجاسوس المسلم والذمي يعاقبان إلا أن يظاهرا على الإسلام فيقتلان.
وقد روي عن عليٍّ بن أبي طالبٍ - رضي الله عنه - أن النبي ﷺ أتي بعين للمشركين اسمه : فُرات بن حيَّان، فأمر به أن يقتل، فصاح : يا معشر الأنصار، أقتل وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله ؟ فأمر به النبي ﷺ فخلي سبيله، ثم قال :" إنَّ مِنكُمْ من أكِلُهُ إلى إيمانِهِ، مِنْهُمْ فُراتُ بنُ حيَّانَ " (١٩)
قوله :" وقَدْ كَفرُوا ". فيه أوجه(٢٠) :
أحدها : الاستئناف.
الثاني : حال من فاعل " تتخذوا ".
الثالث : حال من فاعل " تلقون "، أي : لا تتولَّوهم أو لا توادوهم وهذه حالهم.
وقرأ العامة :" بما " - بالباء -، والجحدري وعاصم(٢١) في رواية :" لما " - باللام - أي : لأجل ما جاءكم من الحق، فعلى هذا الشيء المكفور به غير مذكور، وتقديره : كفروا بالله ورسوله.
قوله :﴿يُخْرِجُونَ الرسول وَإِيَّاكُمْ﴾.
يجوز أن يكون مستأنفاً، وأن يكون تفسيراً لكفرهم، فلا محلَّ لها على هذين، وأن يكون حالاً من فاعل " كَفَرُوا ".
قوله :" وإيَّاكُمْ ". عطف على " الرَّسُول " وقدّم عليهم تشريفاً له، وقد استدل به من يجوز انفصال الضمير مع القدرة على اتصاله، إذ كان يجوز أن يقال : يخرجونكم والرسول، فيجوز : يخرجون إياكم والرسول في غير القرآن، وهو ضعيف، لأن حالة تقديم الرسول دلالة على شرفه، لا نسلم أنه يقدر على اتصاله(٢٢).
وقد تقدم الكلام على هذه الآية عند قوله تعالى :﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتقوا الله﴾ في سور
١ يوجد في أ مكان هذه العبارة: التي اختص الله بها وغيرها، وما أثبتناه موافق للموجود بـ"الفخر الرازي" ٢٩/٢٥٧..
٢ ينظر: الدر المصون ٦/٣٠١..
٣ أخرجه البخاري (٨/٥٠٢) كتاب التفسير، باب:"لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء" حديث (٤٨٩٠) ومسلم (٤/١٩٤١) كتاب فضائل الصحابة، باب: من فضائل أهل بدر وقصة حاطب بن أبي بلتعة رقم (١٦١/٢٣٩٤) والترمذي (٣٣٠٥) وأبو داود(٢٦٥٠) والنسائي في "الكبرى" (٦/٤٨٧) والحميدي في "مسنده" (١/٢٧) رقم (٤٩) والطبري في "تفسيره" (١٢/٥٦) والبيهقي في "الدلائل" (٥/١٦-١٧) عن علي بن أبي طالب.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٣٠١) وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وأبي عوانة وابن حبان وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبي نعيم في "الدلائل"..

٤ ينظر: القرطبي ١٨/٣٥..
٥ في أ: النبي صلى الله عليه وسلم..
٦ ينظر: القرطبي ١٨/٣٥..
٧ ينظر: الدر المصون ٦/٣٠١..
٨ ينظر: الكشاف ٤/٥١٢..
٩ ينظر: البحر المحيط ٤/٥١٢..
١٠ الدر المصون ٦/٣٠١..
١١ ينظر: السابق..
١٢ ينظر: معاني القرآن ٥/١٥٥..
١٣ سقط من أ..
١٤ ينظر: الدر المصون ٦/٣٠٢..
١٥ التفسير الكبير ٢٩/٢٥٨..
١٦ ذكره العجلوني في "كشف الخفا" (١/٣٠٧) رقم (٨١٦) وقال: قال ابن كمال باشا في أربعينه قال عليه الصلاة والسلام حين أخذ الحسن والحسين، وأيده محمد بن الحسن الشيباني بدخول أولاد البنات في الأمان إذا قالوا أمّنونا على أولادنا، قال ذكره شمس الأئمة السرخسي في شرح التفسير الكبير..
١٧ الجامع لأحكام القرآن ١٨/٣٦..
١٨ ينظر السابق..
١٩ أخرجه البيهقي في "سننه" (٩/١٤٧)..
٢٠ ينظر: الدر المصون ٦/٣٠٢..
٢١ ينظر: المحرر الوجيز ٥/٢٩٤، والكشاف ٤/٥١٢، والبحر المحيط ٨/٢٥١، والدر المصون ٦/٣٠٢..
٢٢ ينظر: الدر المصون ٦/٣٠٢..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى