الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي

عن الكتاب
قوله عز وجل :﴿يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ الآية : المراد بالعدو هاهنا : كُفَّارُ قريش، وسبب نزول هذه الآية حَاطِبُ بْنُ أبي بَلْتَعَةَ ؛ وذلك أَنَّ النبيَّ ﷺ أرادَ الخروجَ إلى مَكَّةَ عامَ الحديبية.
( ت ) : بل عام فتح مَكَّةَ، فكتب حاطبٌ إلى قوم من كُفَّارِ مَكَّةَ يخبرهم بقصد رسول اللَّه ﷺ ولم يكن ذلك منه ارتداداً، فنزل الوحي مخبراً بما صنع حاطبٌ، فبعث النبي ﷺ عَلِيًّا والزبيرَ وثالثاً قيل هو المقداد وقال :( انطلقوا حَتَّى تأتُوا روضة خاخ، فإنَّ بها ظغينةً معها كتابٌ من حاطبٍ إلى المشركين، فخذوه منها، وخَلُّوا سبيلها )، فانطلقوا حَتَّى وجدوا المرأة، فقالوا لها : أَخْرِجِي الكتابَ، فقالت : ما معي كتاب ! ففتشوا رحلها فما وجدوا شيئاً فقال عليٌّ : ما كَذَبَ رسولُ اللَّه ﷺ، ولا كُذِّب، واللَّهِ، لَتُخْرِجِنَّ الكِتَابَ أَوْ لَتُلْقِينَّ الثِّيَابَ، فقالَتْ : أَعْرِضُوا عَنِّي، فَحَلَّتْهُ مِنْ قُرُونِ رَأْسِهَا، فجاؤوا بِهِ النبيَّ ﷺ فَقَالَ لِحَاطِبٍ : مَنْ كَتَبَ هَذَا ؟ فَقَالَ : أنا يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ : مَا حَمَلَكَ على مَا صَنَعْتَ ؟ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، لاَ تَعْجَلْ عَليّ فَواللَّهِ، مَا كَفَرْتُ مُنْذُ أَسْلَمْتُ، وَمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ. ارتدادا عَن دِينِي وَلاَ رَغْبَةً عَنْهُ ؛ وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ إلاَّ وَلَهُ بِمَكَّةَ مَنْ يَمْنَعُ عَشِيرَتَهُ، وَكُنْتُ امرأ مُلْصَقاً فِيهِمْ، وَأَهْلِي بَيْنَ ظَهْرَانِيهِمْ، فَخَشِيتُ عَلَيْهِمْ فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَّخِذَ عَنْدَهُمْ يَداً، فَصَدَّقَهُ النَّبِيُّ ﷺ وقال :« لاَ تَقُولُوا لِحَاطِبٍ إلاَّ خَيْراً ».
" وروي أَنَّ حاطباً كَتَبَ : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ غَزْوَكُمْ في مِثْلِ اللَّيْلِ وَالسَّيْلِ، وَأُقْسِمُ بِاللَّهِ، لَوْ غَزَاكُمْ وَحْدَهُ، لَنُصِرَ عَلَيْكُمْ، فَكَيْفَ وَهُوَ في جَمْعٍ كَثِيرٍ. ( ص ) : و﴿تُلْقُونَ﴾ مفعوله محذوف، أي : تلقون إليهم أخبارَ الرسول وأسراره، و﴿بالمودة﴾ : الباء للسبب، انتهى.
وقوله تعالى :﴿أَن تُؤْمِنُواْ﴾ : مفعول من أجله، أي : أخرجوكم من أجل أنْ آمنتم بربكم.
وقوله تعالى :﴿إِن كُنتُمْ﴾ : شرط، جوابُهُ متقدم في معنى ما قبله، وجاز ذلك لما لم يظهر عمل الشرط، والتقدير : إنْ كنتم خرجتم جهاداً في سبيلي وابتغاءَ مرضاتي، فلا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياءَ، و﴿جِهَاداً﴾ منصوب على المصدر، وكذلك ﴿ابتغاء﴾ ويجوزُ أنْ يكونَ ذلك مفعولاً من أجله، والمرضاة : مصدر كالرضى و﴿تُسِرُّونَ﴾ حال من ﴿تُلْقُونَ﴾، ويجوز أنْ يكون في موضع خبر ابتداء، كأَنَّهُ قال : أنتم تُسِرُّونَ، ويَصِحُّ أنْ يكون فعلاً ابتدئ به القول.
وقوله تعالى :﴿أَعْلَمُ﴾ يحتمل أنْ يكون أفعل، ويحتمل أنْ يكون فعلاً ؛ لأَنَّكَ تقول : علمت بكذا فتدخل الباء.
( ص ) : والظاهر أَنَّه أفعل تفضيل ؛ ولذلك عُدِّيَ بالباء، انتهى. و﴿سَوَاءَ﴾ يجوز أنْ يكون مفعولاً ب ﴿ضَلَّ﴾ على تعدي ضل، ويجوز أنْ يكون ظرفاً على غير التعدي ؛ لأَنَّهُ يجيء بالوجهين، والأوَّلُ أحسن في المعنى، و( السواء ) : الوسط، و﴿السبيل﴾ : هنا شرع اللَّه وطريقُ دينه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى