تفسير الشافعي — الشافعي

عن الكتاب
٤٠٨- قال الشافعي : أخبرنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن الحسن بن محمد، عن عبيد الله بن أبي رافع قال : سمعت عليا يقول : بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والمقداد والزبير فقال : انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ(١) فإن بها ظعينة(٢) معها كتاب. فخرجنا تعادي بنا خيلنا، فإذا نحن بالظعينة فقلنا لها : أخرجي الكتاب فقالت : ما معي كتاب، فقلنا : لتخرجنَّ الكتاب أو لتلقين الثياب، فأخرجته من عقاصها(٣)، فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا فيه : من حاطب بن أبي بلتعة(٤) إلى ناس من المشركين ممن بمكة. يخبر ببعض أمر النبي صلى الله عليه وسلم قال :« ما هذا يا حاطب ؟ » قال : لا تعجل علي يا رسول الله إني كنت امرءا مُلْصَقًا(٥) في قريش، ولم أكن من أنفسها. وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها قراباتهم، ولم يكن لي بمكة قرابة، فأحببت إذ فاتني ذلك أن أتخذ عندهم يدا(٦)، والله ما فعلته شكا في ديني، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« إنه قد صدق » فقال عمر : يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم :« إنه قد شهد بدرا وما يدريك لعل الله عز وجل قد اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم » قال : فنزلت :﴿يا أيها اَلذِينَ ءَامَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمُ أَوْلِيَاء﴾(٧).
قال الشافعي رحمه الله تعالى : في هذا الحديث مع ما وصفنا لك طرح الحكم باستعمال الظنون، لأنه لما كان الكتاب يحتمل أن يكون ما قال حاطب كما قال : من أنه لم يفعله شكا في الإسلام وأنه فعله ليمنع أهله، ويحتمل أن يكون زلة لا رغبة عن الإسلام، واحتمل المعنى الأقبح كان القول قوله في ما احتمل فعله.
وحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه بأن لم يقتله، ولم يستعمل عليه الأغلب، ولا أحد أتى في مثل هذا أعظم في الظاهر من هذا، لأن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مباين في عظمته لجميع الآدميين بعده.
فإذا كان من خابر المشركين بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غرتهم فصدقه ما عاب عليه الأغلب مما يقع في النفوس، فيكون لذلك مقبولا، كان من بعده في أقل من حاله وأولى أن يقبل منه مثل ما قبل منه.
قيل للشافعي : أفرأيت إن قال قائل : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :« قد صدق » إنما تركه لمعرفته بصدقه لا بأن فعله كان يحتمل الصدق وغيره.
فيقال له : قد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المنافقين كاذبون، وحقن دماءهم بالظاهر، فلو كان حكم النبي صلى الله عليه وسلم في حاطب بالعلم بصدقه كان حكمه على المنافقين القتل بالعلم بكذبهم، ولكنه إنما حكم في كل بالظاهر، وتولى الله عز وجل منهم السرائر، ولئلا يكون لحاكم بعده أن يدع حكما له مثل ما وصفت من علل أهل الجاهلية. وكل ما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو عام حتى يأتي عنه دلالة على أنه أراد به خاصا، أو عن جماعة المسلمين الذين لا يمكن فيهم أن يجهلوا له سنة، أو يكون ذلك موجودا في كتاب الله عز وجل. ( الأم : ٤/٢٤٩-٢٥٠. ون أحكام الشافعي : ٢/٤٦-٤٩. )
١ - روضة خاخٍ: موضع بين مكة والمدينة. معجم البلدان..
٢ - ظعينة: وقيل اسمها سارة، (وقيل كنود) مولاة عمران بن أبي صيفي القرشي..
٣ - عقاصها: جمع عقيصة وهي الشعر الذي يلوى ويدخل أطرافه في أصوله، أي الشعر المضْفور. اللسان: عقص..
٤ - حاطب بن أبي بلتعة بن عمرو بن عمير بن سلمة بن صعب اللخمي، حليف بني أسد بن عبد العزى، قديم الإسلام. روى عنه: علي بن أبي طالب رضي الله عنه كلامه في اعتذاره عن مكاتبة قريش. وروى عنه ابنه عبد الرحمن عدة أحاديث، وأنس عند الحاكم. مات سنة: ٣٠هـ وله سبعون سنة. التهذيب: ٢/١٤٠. ون الإصابة: ٢/٤..
٥ - ملصقا: مقيما فيهم، ولست منهم بنسيب..
٦ - يداً: نِعْمَةً ومِنَّةً عليهم..
٧ - رواه البخاري في المغازي (٦٧) باب: فضل من شهد بدرا (٨)(ر٣٧٦٢). وفي التفسير (٦٨) باب: ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمُو أَوْلِيَاء﴾(٣٦٨)(ر٤٦٠٨). وفي الجهاد (٦٠) باب: الجاسوس (١٣٩)(ر٢٨٤٥).
ورواه مسلم في فضائل الصحابة (٤٤) باب: من فضائل أهل بدر (٣٦)(ر٢٤٩٤).
ورواه أبو داود، والترمذي، والدارمي، وأحمد..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى