فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي

عن الكتاب
سورة الممتحنة
مدنية، وآيها: ثلاث عشرة آية، وحروفها: ألف وخمس مئة وعشرة أحرف، وكلمها: ثلاث مئة وثمان وأربعون كلمة.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١)﴾.
[١] لما أراد رسول الله الخروج إلى مكة عام الحديبية، فورَّى عن ذلك بخيبر، فشاع في الناس أنهم خارجون إلى خيبر، وأخبر هو جماعة من كبار الصحابة بقصده إلى مكة، منهم حاطبُ بن أبي بلتعة، فكتب حاطب إلى قوم من كفار مكة يخبرهم بقصد رسول الله، وحذَّرهم، وأرسل مع سارة مولاة بني المطلب، فجاء جبريل إلى رسول الله - ﷺ -، فأخبره بذلك، فبعث عليًّا والزبير وعمارًا وطلحة والمقداد وأبا مرثد، وقال: "انطلقوا حتى تأتوا روضةَ خاخ؛ فإنَّ بها ظَعينةً معها كتابُ حاطبٍ إلى أهلِ مكة، فخُذوا منها، وخَلُّوها، فإن أبت، فاضربوا عنقَها"، فأدركوها ثَمَّ، فجحدت، ففتشوا
جميع رحلها فما وجدوا شيئًا، فقال بعضهم: ما معها كتاب، فقال علي: ما كذب رسولُ الله - ﷺ -، واللهِ لتخرجِنَّ الكتاب، وإلا لأجردَنَّك ولأضربَنَّ عنقَك، فأخرجته من ذؤابتها، قد خبأته في شعرها، فخلوها، ورجعوا بالكتاب إلى رسول الله - ﷺ -، فاستحضر حاطبًا، وقال: "ما حَمَلَكَ عليه؟ فقالَ: ما كفرتُ منذ أسلمتُ، ولا غششتك منذ نصحتُك، ولكني كنتُ امرأً ملصَقًا في قريش، وليس فيهم من يحمي أهلي، فأردت أن آخذ عندهم يدًا يرعوني بها في قرابتي، وقد علمت أن كتابي لا يغني عنهم شيئًا، فقال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: دعني يا رسول الله أضربْ عنقَ هذا المنافق، فقال رسول الله: - ﷺ - صدقَ حاطبٌ إنه من أهل بدر، وما يدريك يا عمرُ لعلَّ الله قد اطَّلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرتُ لكم، لا تقولوا لحاطب إلا خيرًا" (١).
وروي أن حاطبًا كتب أن رسول الله - ﷺ - يريد غزوكم مثل (٢) الليل والسيل، وأقسم بالله، لو غزاكم هو وحده، لنصر عليكم، فكيف وهو في جمع كثير؟! فنزل في شأن حاطب:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا﴾ (٣) مفعولُه الأول ﴿عَدُوِّي﴾ ويعطف عليه ﴿وَعَدُوَّكُمْ﴾ والثاني ﴿أَوْلِيَاءَ﴾ والعدو: اسم يقع للجمع والمفرد، والمراد هنا: كفار قريش.
(١) رواه البخاري (٤٦٠٨)، كتاب: التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾، ومسلم (٢٤٩٤)، كتاب: الفضائل، باب: من فضائل أهل بَدر رضي الله عنهم من حديث عليٍّ -رضي الله عنه-.
(٢) في "ت": "في حكم".
(٣) انظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية (٥/ ٢٩٣)، و" "تفسير الثعالبي" (٤/ ٢٩٠).

تفسير هذه الآية من كتب أخرى