التفسير البسيط — الواحدي

عن الكتاب
سورة الامتحان (١)
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
١ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ قال جماعة أهل التفسير: نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى مشركي قريش يخبرهم بمسير النبي -صلى الله عليه وسلم- إليهم لما قصد فتح مكة، فأنزل الله ينهاه عن موالاة الكفار (٢).
قوله تعالى: ﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ قال صاحب النظم: هو وصف للنكرة التي هي أولياء (٣) -وهو قول الفراء. قال: وهو كقولك: لا تتخذنه رجلاً تلقي إليه كل ما عندك- (٤) قال: ويجوز أن تجعله ابتدأ كلام فلا يكون صلة لأولياء (٥).
(١) وبهذه التسمية قال مقاتل، وتسمى سورة المودة أيضًا، والمشهور في تسميتها "سورة الممتحنة" بفتح الحاء، وقد تكسر فعلى الأول هي صفة المرأة، وعلى الثاني صفة السورة. انظر: "تفسير مقاتل" ١٥٠ ب، و"فتح الباري" ٨/ ٦٣٣، و"روح المعاني" ٢٨/ ٦٥.
(٢) أخرجه عامة المفسرين وأصحاب كتب السنة. انظر: "تفسير مقاتل" ١٥٠ ب، و"تفسير عبد الرزاق" ٢/ ٢٨٦، و"جامع البيان" ٢٨/ ٣٨، و"أسباب النزول" للواحدي ص ٤٨٥، و"فتح الباري" ٨/ ٦٣٣ - ٦٣٤، "صحيح مسلم"، فضائل الصحابة، "سنن الترمذي"، كتاب التفسير، و"الدر" ٦/ ٣٠٢
(٣) انظر: "مشكل إعراب القرآن" ٢/ ٧٢٨، و"التفسير الكبير" ٢٩/ ٢٩٧.
(٤) انظر: "معاني القرآن" للفراء ٣/ ١٤٩.
(٥) انظر: "الكشاف" ٤/ ٨٦، و"التفسير الكبير" ٢٩/ ٢٩٧.
قال الفراء، وأبو عبيدة، والكسائي: الباء في ﴿بِالْمَوَدَّةِ﴾ زيادة كهي في قوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ (١) وأنشد أبو عبيدة قوله:
هُنَّ الحرائرُ لا رَبَّاتُ أَخْمِرَةٍسُودُ المحاجِر لا يقرَأْنَ بالسَّوَرِ (٢)
قال: الباء فصل، والمعنى: لا يقرأن السور.
وقال الكسائي: يقال: رميت إليه بما في قلبي، وما في نفسي وألقيت إليك ما في نفسي وبما في نفسي كلام عربي (٣).
وقال أبو إسحاق: المعنى يلقون إليهم أخبار النبي -صلى الله عليه وسلم- وسره بالمودة التي بينكم وبينهم، ودليل هذا القول قوله: ﴿تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ (٤).
قوله تعالى: ﴿وَقَدْ كَفَرُوا﴾ الواو (٥) للحال، لأن المعنى: وحالهم أنهم كفروا (٦).
﴿بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ قال مقاتل: يعني القرآن (٧).
(١) من الآية (٢٥) من سورة الحج. وانظر: "معاني القرآن" للفراء ٣/ ١٤٧، و"تهذيب اللغة" ٤/ ٤٢٢ (لحد) ونسبه لبعض أهل اللغة.
(٢) والحرائر: جمع حرة، والربات: رَبّة بمعنى الصاحبة. والأحمرة: جمع حمار، وروى: أخمرة. وسود المحاجر: الإماء السود، والمحاجر: جمع محجر وهو من الوجه حيث يقع عليه النقاب. ولم أجد البيت عند أبي عبيدة. وفي اللسان (لحد) نسبه لحميد الأرقط. وهو في "ديوان الراعي" ص ١١٠ وانظر: "مجالس ثعلب" ص ٣٦٥، و"جمهرة اللغة" ٣/ ٤١٤، ونسبه للقتال الكلابي، وهو في "ديوانه" ص ٥٣، وفي "معجم البلدان" ٤/ ٢٣٧، ونسبه للقتال.
(٣) انظر: "إيضاح الشعر" للفارسي ص ٤٨١، و"اللسان" ٣/ ٤٢ (قرأ).
(٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج ٥/ ١٥٥.
(٥) في (ك): (والواو).
(٦) انظر: "الكشاف" ٤/ ٨٦.
(٧) انظر: "تفسير مقاتل" ١٥١ أ.
﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾ يعني من مكة ﴿أَنْ تُؤْمِنُوا﴾ أي لأن تؤمنوا (١) كأنه قال: يفعلون ذلك لإيمانكم بالله ربكم.
قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ﴾ قال الزجاج: هو شرط جوابه متقدم، وهو قوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾. (٢)
قوله: ﴿جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي﴾ منصوبان لأنهما مفعولان لهما (٣).
وقوله: ﴿تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ قال مقاتل: بالنصيحة (٤). والكلام في الباء هاهنا كما ذكرنا (٥).
ثم ذكر أنه لا يخفى عليه من أحوالهم شيء، فقال: ﴿وَأَنَا أَعْلَمُ﴾ أي: من كل أحد ﴿بِمَا أَخْفَيْتُمْ﴾ من المودة للكفار ﴿وَمَا أَعْلَنْتُمْ﴾ أي أظهرتم بألسنتكم منها، ويجوز أن يكون عاماً في كل ما يخفى ويعلن.
﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ﴾ يجوز رجوع الكناية إلى الإسرار وإلى الإلقاء، وإلى اتخاذ الكفار أولياء، لأن هذه الأفعال قد ذكرت وهي تدل على المصادر (٦).
وقوله تعالى: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ قال ابن عباس: قصد
(١) انظر: "معاني القرآن" للفراء ٣/ ١٤٩، و"إعراب القرآن" للنحاس ٣/ ٤١٢.
(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج ٥/ ١٥٦.
(٣) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس ٣/ ٤١٢، و"مشكل إعراب القرآن" ٢/ ٧٢٨.
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" ١٥١ أ، و"التفسير الكبير" ٢٩/ ٢٩٨.
(٥) انظر: "تفسير غريب القرآن" ص ٤٦١.
(٦) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس ٣/ ٤١٢، و"الكشاف" ٤/ ٨٦، و"زاد المسير" ٨/ ٢٣٣، و"التفسير الكبير" ٢٩/ ٢٩٨.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى