تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي
عن الكتاب
كان سبب نزول صدر هذه السورة الكريمة قصة ( حاطب بن أبي بلتعة )، وذلك أن حاطباً هذا كان رجلاً من المهاجرين وكان من أهل بدر أيضاً، وكان له بمكة أولاد ومال، ولم يكن من قريش أنفسهم، فلما عزم رسول الله ﷺ على فتح مكّة لما نقض أهلها العهد، أمر النبي ﷺ المسلمين بالتجهيز لغزوهم. وقال :« اللهم عمِّ عليهم خبرنا »، فعمد حاطب هذا فكتب كتاباً، وبعثه مع امرأة من قريش إلى أهل مكة يعلمهم بما عزم رسول الله ﷺ من غزوهم ليتخذ بذلك عندهم يداً. روى الإمام أحمد، عن علي رضي الله عنه قال :« بعثني رسول الله ﷺ أنا والزبير والمقداد فقال :» انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب، فخذوه منها « فانطلقنا تعادى بناخيلنا حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة، قلنا : أخرجي الكتاب، قالت : ما معي كتاب، قلنا : لتخرجن الكتاب، أو لنلقينّ الثياب، قال : فأخرجت الكتاب من عقاصها، فأخذنا الكتاب، فأتينا به رسول الله ﷺ : فإذا فيه : من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين بمكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ :» يا حاطب ما هذا؟ « قال : لا تعجل عليّ، إني كنت امرأ ملصقاً في قرش، ولم أكن من أنفسهم، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون أهليهم بمكة، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم، أن أتخذ فيهم يداً يحمون بها قرابتي، وما فعلت ذلك كفراً ولا ارتداداً عن ديني، ولا رضاً بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول الله ﷺ :» إنه صدقكم «، فقال : عمر : دعني اضرب عنق هذا المنافق، فقال رسول الله ﷺ :» إنه قد شهد بدراً وما يدريك لعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال اعلما ما شئتم فقد غفرت لكم « ». ونزلت فيه :﴿ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ﴾. وهكذا قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وغير واحد أن هذه الآيات نزل في حاطب بن أبي بلتعة، فقوله تعالى :﴿ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بالمودة وَقَدْ كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُمْ مِّنَ الحق﴾ يعني المشركين والكفّار الذي هم محاربون لله ولرسوله٨، نهى الله أن يتخذوهم أولياء وأصدقاء وأخلاء، كما قال تعالى :﴿ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ اليهود والنصارى أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١] وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد، وقال تعالى :
﴿لاَ تَتَّخِذُواْ الذين اتخذوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً﴾ [المائدة: ٥٧] الآية. وقال تعالى :﴿لاَّ يَتَّخِذِ المؤمنون الكافرين أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ المؤمنين وَمَن يَفْعَلْ ذلك فَلَيْسَ مِنَ الله فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: ٢٨] ولهذا قبل رسول الله ﷺ عذر حاطب، لما ذكر أنه إنما فعل ذلك مصانعة لقريش، لأجل ما كان له عندهم من الأموال والأولاد.
وقوله تعالى :﴿يُخْرِجُونَ الرسول وَإِيَّاكُمْ﴾ هذا مع ما قبله من التهييج على عداوتهم وعدم موالاتهم لأنهم أخرجوا الرسول وأصحابه من بين أظهرهم، كراهة لما هم عليه من التوحيد وإخلاص العبادة لله وحده، ولهذا قال تعالى :﴿أَن تُؤْمِنُواْ بالله رَبِّكُمْ﴾ أي لم يكن لكم عندهم ذنب إلاّ إيمانكم بالله رب العالمين، كقوله تعالى :﴿وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بالله العزيز الحميد﴾ [البروج: ٨]، وكقوله تعالى :﴿الذين أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا الله﴾ [الحج: ٤٠]، وقوله تعالى :﴿إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وابتغآء مَرْضَاتِي﴾ أي إن كنتم كذلك فلا تتخذوهم أولياء، إن كنتم خرجتم مجاهدين في سبيلي فلا توالوا أعدائي، وقد أخرجوكم من دياركم وأموالكم، حنقاً عليكم وسخطاً لدينكم، وقوله تعالى :﴿تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بالمودة وَأَنَاْ أَعْلَمُ بِمَآ أَخْفَيْتُمْ وَمَآ أَعْلَنتُمْ﴾ أي تفعلون ذلك وأنا العالم بالسرائر والضمائر والظواهر، ﴿وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السبيل * إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُواْ لَكُمْ أَعْدَآءً ويبسطوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بالسواء﴾ أي لو قدروا عليكم لما اتقوا فيكم من أذى ينالونكم به بالمقال والفعال، ﴿وَوَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ أي ويحرصون على أن لا تنالوا خيراً، فعداوتهم لكم كامنة وظاهرة فكيف توالون مثل هؤلاء؟ وهذا تهييج على عداوتهم أيضاً، وقوله تعالى :﴿لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ يَوْمَ القيامة يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي قراباتكم لا تنفعكم عند الله، إذ أراد الله بكم سوءاً ونفعهم لا يصل إليكم إذا أرضيتموهم بما يسخط الله، ومن وافق أهله على الكفر ليرضيهم، فقد خاب وخسر وضل عمله، ولا ينفعه عند الله قرابته من أحد.
وقوله تعالى :﴿يُخْرِجُونَ الرسول وَإِيَّاكُمْ﴾ هذا مع ما قبله من التهييج على عداوتهم وعدم موالاتهم لأنهم أخرجوا الرسول وأصحابه من بين أظهرهم، كراهة لما هم عليه من التوحيد وإخلاص العبادة لله وحده، ولهذا قال تعالى :﴿أَن تُؤْمِنُواْ بالله رَبِّكُمْ﴾ أي لم يكن لكم عندهم ذنب إلاّ إيمانكم بالله رب العالمين، كقوله تعالى :﴿وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بالله العزيز الحميد﴾ [البروج: ٨]، وكقوله تعالى :﴿الذين أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا الله﴾ [الحج: ٤٠]، وقوله تعالى :﴿إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وابتغآء مَرْضَاتِي﴾ أي إن كنتم كذلك فلا تتخذوهم أولياء، إن كنتم خرجتم مجاهدين في سبيلي فلا توالوا أعدائي، وقد أخرجوكم من دياركم وأموالكم، حنقاً عليكم وسخطاً لدينكم، وقوله تعالى :﴿تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بالمودة وَأَنَاْ أَعْلَمُ بِمَآ أَخْفَيْتُمْ وَمَآ أَعْلَنتُمْ﴾ أي تفعلون ذلك وأنا العالم بالسرائر والضمائر والظواهر، ﴿وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السبيل * إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُواْ لَكُمْ أَعْدَآءً ويبسطوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بالسواء﴾ أي لو قدروا عليكم لما اتقوا فيكم من أذى ينالونكم به بالمقال والفعال، ﴿وَوَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ أي ويحرصون على أن لا تنالوا خيراً، فعداوتهم لكم كامنة وظاهرة فكيف توالون مثل هؤلاء؟ وهذا تهييج على عداوتهم أيضاً، وقوله تعالى :﴿لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ يَوْمَ القيامة يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي قراباتكم لا تنفعكم عند الله، إذ أراد الله بكم سوءاً ونفعهم لا يصل إليكم إذا أرضيتموهم بما يسخط الله، ومن وافق أهله على الكفر ليرضيهم، فقد خاب وخسر وضل عمله، ولا ينفعه عند الله قرابته من أحد.