الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ﴾ : هذان مفعولا الاتخاذ. والعدوُّ لَمَّا كان بزنةِ المصادِر وقعَ على الواحدِ فما فوقَه، وأضاف العدوَّ لنفسه تعالى تغليظاً في جُرْمِهم.
قوله :﴿تُلْقُونَ﴾ فيه أربعةُ أوجهٍ، أحدها : أنه تفسيرٌ لموالاتِهم إياهم. الثاني : أنه استئنافُ إخبارٍ بذلك فلا يكون للجلمة على هذين الوجهَين محلٌّ من الإِعراب. الثالث : أنها حالٌ مِنْ فاعل " تَتَّخِذوا " أي : لا تتخذوا مُلْقِين المودةَ. الرابع : أنها صفة ل " أولياءَ ". قال الزمخشري :" فإن قلتَ : إذا جَعَلْتَه صفةً لأولياء، وقد جَرَى على غير مَنْ هوله، فأين الضميرُ البارزُ، وهو قولُك : تُلْقُون إليهم أنتم بالمودة ؟ قلت : ذاك إنما اشترطوه في الأسماءِ دونَ الأفعالِ لو قيل : أولياءَ مُلْقِين إليهم بالمودَّة على الوصف لَما كان بُدٌّ مِن الضميرِ البارزِ " قلت : قد تقدَّمَتْ هذه المسألةُ مستوفاةً، وفيها كلامٌ لمكي وغيرِه. إلاَّ أن الشيخَ اعترضَ على كونِها صفةً أو حالاً بأنهم نُهُوا عن اتخاذِهم أولياءً مطلقاً في قولِه :﴿لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَآءَ﴾ [المائدة: ٥١] والتقييدُ بالحالِ والوصفِ يُوهم جوازَ اتِّخاذهم أولياءَ إذا انتفى الحالُ أو الوصفُ. ولا يَلْزَمُ ما قال لأنه معلومٌ من القواعدِ الشرعيةِ فلا مفهومَ لهما البتةَ. وقال الفراء :" تُلْقون من صلةِ أولياء " وهذا على أصولِهم مِنْ أنَّ النكرةَ تُوْصَلُ كغيرها من الموصولات.
قوله :﴿بِالْمَوَدَّةِ﴾ في الباء ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها : أن الباءَ مزيدةٌ في المفعولِ به كقولِه :﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٥]. والثاني : أنها غيرُ مزيدةٍ والمفعولُ محذوفٌ، ويكون معنى الباءِ السببَ. كأنه قيل : تُلْقُوْن إليهم أسرارَ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم وأخبارَه بسبب المودةِ التي بينكم. / والثالث : أنها متعلقةٌ بالمصدرِ الدالِّ عليه " تُلْقُون " أي : إلقاؤُهم بالمودَّةِ، نقله الحوفيُّ عن البصريين، وجَعَلَ القولَ بزيادةِ الباءِ قولَ الكوفيين. إلاَّ أن هذا الذي نَقَله عن البصريين لا يُوافقُ أصولَهم ؛ إذ يَلْزَمُ منه حَذْفُ المصدرِ وإبقاءُ معموله، وهو لا يجوزُ عندَهم. وأيضاً فإنَّ فيه حَذْفَ الجملةِ برأسِها، فإنَّ " إلقاءَهم " مبتدأ و " بالمودة " متعلقٌ به، والخبرُ أيضاً محذوفٌ. وهذا إجحافٌ.
قوله :﴿وَقَدْ كَفَرُواْ﴾ فيه أوجهٌ : الاستئناف، والحالُ مِنْ فاعِل " تتَّخذوا " والحالُ مِنْ فاعلِ " تُلْقُون " أي : لا تتولَّوْهم ولا توادُّوهم وهذه حالُهم. والعامَّةُ " بما " بالباء، والجحدري وعاصمٌ في روايةٍ " لِما " باللام أي : لأجلِ ما جاءكم، فعلى هذا الشيءِ المكفورِ غيرُ مذكور، تقديره : كفروا باللَّهِ ورسولِه.
قوله :﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ﴾ يجوزُ أَنْ يكونَ مستأنفاً، وأن يكونَ تفسيراً لكُفْرِهم، فلا مَحَلَّ له على هذَيْن، وأَنْ يكونَ حالاً مِنْ فاعل " كفروا ".
قوله :﴿وَإِيَّاكُمْ﴾ عطفٌ على الرسول. وقُدِّم عليهم تَشريفاً له.
وقد استَدَلَّ به مَن يُجَوِّزُ انفصالَ الضميرِ مع القدرةِ على اتصالِه، إذ كان يجوز أَنْ يُقال : يُخْرجونكم والرسولَ، فيجوز :" يُخْرجون إياكم والرَّسولَ " في غيرِ القرآنِ وهو ضعيفٌ ؛ لأنَّ حالةَ تقديمِ الرسولِ دلالةٌ على شَرَفِه. لا نُسَلِّمُ أنه يُقَدَرُ على اتِّصاله. وقد تقدَّم لك الكلامُ على هذه الآيةِ عند قولِه تعالى :﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ في سورةِ النساء فعليك باعتباره.
قوله :﴿أَن تُؤْمِنُواْ﴾ مفعولٌ له. وناصبُه :" يُخْرِجون " أي : يُخْرجونكم لإِيمانِكم أو كراهةَ إيمانِكم.
قوله :﴿إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ﴾ جوابُه محذوفٌ عند الجمهور لتقدُّمِ " لا تتَّخذوا "، ومقدم وهو " لا تتخذوا " عند الكوفيين ومَنْ تابعهم. وقد تقدَّم تحريرُه. وقال الزمخشري : و ﴿إِنْ كُنتُمْ خَرَجْتُمْ﴾ متعلِّقٌ ب " لا تَتَّخذوا ". يعين : لا تتولَّوْا أعدائي إنْ كنتم أوليائي. وقولُ النحويين في مثلِه : هو شرطٌ، جوابُه محذوفٌ لدلالةِ ما قبله عليه " انتهى. يريد أنَّه متعلِّقٌ به من حيث المعنى. وأمَّا من حيث الإِعراب فكما قال جمهورُ النَّحْويين.
قوله :" جِهَاداً وَابْتِغَآءَ " يجوزُ أَنْ يُنْصَبا على المفعول له أي : خَرَجْتُمْ لأجلِ هذَيْن، أو على المصدرِ بفعلٍ مقدرٍ أي : تُجاهِدون، وتبتَغُون، أو على أنهما في موضع الحال.
قوله :﴿تُسِرُّونَ﴾ يجوزُ أَنْ يكونَ مستأنفاً، ولم يذكُر الزمخشريُّ غيرَه، وأن يكونَ حالاً ثانية مِنْ ما انتصب عنه " تُلْقُون " حالاً، وأَنْ يكونَ بدلاً مِنْ " تُلْقُون "، قاله ابن عطية. ويُشْبه أَنْ يكونَ بدلَ اشتمالٍ لأنَّ إلقاءَ المودةِ يكون سرّاً وجَهْراً، فَأَبْدَل منه هذا للبيانِ بأيِّ نوعٍ وقع الإِلقاء، وأن يكونَ خبرَ مبتدأ مضمرٍ أي : أنتم تُسِرُّون، قاله ابن عطية، ولا يَخْرجُ عن معنى الاستئناف. وقال أبو البقاء :" هو توكيدٌ ل " تُلْقُون " بتكريرِ معناه " وفيه نظرٌ ؛ لأنَّ الإِلقاءَ أعمُّ مِنْ أَنْ يكونَ سِرَّاً أو جَهْراً.
وقوله :﴿بِالْمَوَدَّةِ﴾ الكلامُ في الباء هنا كالكلامِ عليها بعد " تُلْقُون ".
قوله :﴿وَأَنَاْ أَعْلَمُ﴾ هذه الجملةُ حالٌ مِنْ فاعل " تُسِرُّون " أي : وأيُّ طائلٍ لكم في إسْراركم وقد عَلِمتم أن الإِسرارَ والإِعلان سيَّانِ في علمي ؟ و " أعلمُ " يجوز أن يكونَ أفعلَ تفضيل وهو الظاهرُ، وأَنْ يكون فعلاً مضارعاً. قال ابن عطية :" وعُدِّي بالباء لأنك تقول : علمتُ بكذا ".
قوله :﴿وَمَن يَفْعَلْهُ﴾ في الضمير وجهان، أظهرهما : أنه يعود على الإِسرار ؛ لأنه أقربُ مذكورٍ. والثاني : أنه يعودُ على الاتخاذ، قاله ابنُ عطية.
قوله :﴿سَوَآءَ السَّبِيلِ﴾ يجوزُ أَنْ يكونَ منصوباً على الظَّرْفِ إنْ قلنا :" ضَلَّ " قاصرٌ، وأَنْ يكونَ مفعولاً به إنْ قلنا : هو متعدٍّ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى