سورة الكهف — الآية ٢٩

قال يحيى بن سلام: ﴿نارا أحاط بهم سرادقها﴾ سورها، ولها عُمُد، فإذا مُدَّت تلك العُمُد أطبقت على أهلها، وذلك حين يقول: ﴿اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾ [المؤمنون:١٠٨]. فإذا قال ذلك أطبقت عليهم، وهو قوله: ﴿إنها عليهم مؤصدة (٨) في عمد ممددة (٩)﴾ [الهمزة:٨-٩]

سورة الجمعة — الآية ١١

عن مُرّة [الهمداني] -من طريق السُّدِّيّ- ﴿إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ﴾، قال: جاء دِحية الكلبي بتجارة والنبي ﷺ قائم في الصلاة يوم الجُمُعة، فتركوا النبي ﷺ، وخرجوا إليه؛ فنَزلت: ﴿وإذا رَأَوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها وتَرَكُوكَ قائِمًا﴾ حتى ختم السورة

سورة الإخلاص — الآية ١

عن علي بن أبي طالب -من طريق عبد خير- أنه سُئِل عن تفسير هذه السورة. قال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أحَدٌ﴾ بلا تأويل عدد، ﴿اللَّهُ الصَّمَد﴾ لا تبعيض بدد، ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ فيكون هالكًا، ﴿ولَمْ يُولَدْ﴾ فيكون إلهًا مشاركًا، ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ﴾ من خَلْقه ﴿كُفُوًا أحَدٌ﴾

رجّح ابن عطية (٤‏/‏١٧١) أنّ هذه الآية مدنية كسائر السورة بقوله: «وهذا هو الصواب». ولم يذكر مستندًا. ثم وجَّه ابنُ عطية (٤‏/‏١٧١) قولَ مجاهد، وعكرمة من طريق ابن جريج قائلًا: «ويحتمل عندي قول عكرمة ومجاهد: هذه مكية. أنْ أشارا إلى القصة لا إلى الآية»

انتقد ابنُ كثير (١٠‏/‏١١٦) هذا القول مستندًا إلى أحوال النزول، فقال: «جابر بن يزيد الجعفي ضعيف جدًّا، وفي خبره هذا نكارة شديدة، وذلك أن السورة مكية، وزيد بن ثابت إنما كتب الوحي بالمدينة، وكذلك إسلام معاذ بن جبل إنما كان بالمدينة أيضًا»

ذكر ابن عطية (١‏/‏٢٣٤-٢٣٥) أنه اختلف في المراد بـ﴿الذين آمنوا﴾ في هذه الآية على أقوال: الأول: أنهم المنافقون في أمة محمد ﷺ، ونسبه لسفيان الثوري، وعلَّق عليه، بقوله: «كأنه قال: إنّ الذين آمنوا في ظاهر أمرهم، وقرنهم باليهود والنصارى والصابئين، ثم بَيَّن حكم مَن آمن بالله واليوم الآخر من جميعهم، فمعنى قوله:﴿من آمن﴾ في المؤمنين المذكورين: من حقق وأخلص، وفي سائر الفرق المذكورة: من دخل في الإيمان». الثاني: أنّ الذين آمنوا هم المؤمنون حقًّا بمحمد، وعلَّق عليه، بقوله: «وقوله:﴿من آمن بالله﴾ يكون فيهم بمعنى: من ثبت ودام، وفي سائر الفرق بمعنى: من دخل فيه». الثالث: أنهم أهل الحنيفية ممن لم يلحق محمدًا، كزيد بن عمرو بن نفيل، وقس بن ساعدة، وورقة بن نوفل، والذين هادوا كذلك مِمَّن لم يلحق محمدًا، إلا من كفر بعيسى، والنصارى كذلك ممن لم يلحق محمدًا، والصابئين كذلك، قال: إنها نزلت في أصحاب سلمان الفارسي. وهو قول السدي

قال ابنُ عطية (٤‏/‏٥٦٨-٥٦٩بتصرف): «وقالت فرقة: معنى قوله: ﴿يُغْوِيَكُمْ﴾: يضلكم، مِن قولهم: غوى الرجل يغوى... وإذا كان هذا معنى اللفظة ففي الآية حُجَّة على المعتزلة القائلين: إنّ الضلال إنّما هو من العبد». ثم قال: «وقالت فرقة: معنى قوله: ﴿يُغْوِيَكُمْ﴾: يهلككم، والغوى: المرض والهلاك، وفي لغة طيّء: أصبح فلان غاويًا، أي: مريضًا، والغوى: بَشَمُ الفصيل. قاله يعقوب في الإصلاح. وقيل: فقْده اللبن حتى يموت جوعًا. قاله الفرّاء، وحكاه الطبري. يقال: غوى يغوى، وحكى الزَّهراوي: أنه الذي قُطِع عنه اللبن حتى كاد يهلك ولَمّا يهلك بعدُ. فإذا كان هذا معنى اللفظة زال موضع النظر بين أهل السنة والمعتزلة، وبقي الاحتجاج عليهم بما هو أبين من هذه الآية، كقوله تعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ [الأنعام:١٢٥] ونحوها. وأعتقد مكيٌّ أنّ للمعتزلة تَعَلُّقًا وحُجَّة بالغة بهذا التأويل، فردَّ عليه وأفرط حتى أنكر أن يكون الغوى بمعنى الهلاك موجودًا في لسان العرب»

أفاد أثرُ ابنِ عباس التفرقة بين النفس والروح، وقد انتقده ابنُ عطية (٧‏/‏٣٩٨) قائلًا: «وكثَّرت فرقة في هذه الآية وهذا المعنى، ففرَّقت بين النَّفْس والروح، وفرَّق قومٌ أيضًا بين نفس التمييز ونفس التَّخَيُّل، إلى غير ذلك من الأقوال التي هي غلبة ظن... فظاهرٌ أن التفصيل والخوض في هذا كله عناء، وإن كان قد تعرَّض للقول في هذا ونحوه الأئمة، ذكر الثعلبي وغيره، عن ابن عباس أنه قال:...» وذكر معنى قول ابن عباس. ثم رجَّح -مستندًا إلى القرآن، والسنة- عدم التفريق بينهما قائلًا: «وحقيقة الأمر في هذا هي مما استأثر الله -تبارك وتعالى- به، وغيَّبَه عن عباده في قوله سبحانه: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء:٨٥]، ويكفيك أن في هذه الآية: ﴿يَتَوَفّى الأَنْفُسَ﴾، وفي الحديث الصحيح: أن الله قَبَضَ أرواحنا حين شاء، وردَّها علينا حين شاء. في حديث بلال في الوادي، فقد نطقت الشريعة بقبض الرُّوح والنفس في النوم، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء:٨٥]»

نقل ابنُ عطية (٣‏/‏٦٢-٦٣) اختلاف المفسرين في عود الضمير مِن ﴿قَتَلُوهُ﴾، فقال: «اختلف المتأوِّلون في عود الضمير من ﴿قَتَلُوهُ﴾، فقالت فرقة: هو عائد على الظن، كما تقول: قتلت هذا الأمر علمًا، فالمعنى: وما صحَّ ظنُّهم عندهم ولا تحقَّقُوه يقينًا. هذا قول ابن عباس، والسدي، وجماعة. وقال قوم: الضمير عائد على عيسى عليه السلام، أخبر أنهم لم يقتلوه يقينًا فيصح لهم الإصفاق، ويثبت نقل كافتهم»

ذكر ابنُ عطية (٣‏/‏٣٣٢) أن قوله: ﴿سكن﴾ هو من السكنى ونحوه، أي: ما ثبت وتقرر، ثم قال: «وقالت فرقة: هو من السكون، وقال بعضهم: لأن الساكن من الأشياء أكثر من المتحرك إلى غير هذا من القول الذي هو تخليط، والمقصد في الآية عموم كل شيء، وذلك لا يترتب إلا أن يكون ﴿سكن﴾ بمعنى: استقرَّ وثبت، وإلا فالمتحرك من الأشياء المخلوقات أكثر من السواكن، ألا ترى إلى الفَلَك والشمس والقمر والنجوم السابحة والملائكة وأنواع الحيوان والليل والنهار حاصران للزمان»