اختُلف في التَّنادِ المشار إليه على أقوال: الأول: أنه نداء أهل الجنة أهل النار: ﴿فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا﴾ [الأعراف:٤٤]، ونداء أهل النار لهم: ﴿أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ﴾ [الأعراف:٥٠]. الثاني: أنه التنادي الذي يكون عند نفخة الفزع ينادي الناسُ بعضهم بعضًا. الثالث: أنه إذا سمع الناسُ زفيرَ جهنم وشهيقها نَدُّوا فِرارًا منها في الأرض، فلا يتوجَّهونُ قُطرًا من أقطار الأرض إلا رأوْا ملائكة، فيرجعون من حيث جاءوا. الرابع: أنه النداء الذي يتضمنه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ﴾ [الإسراء:٧١]. ذكره ابنُ عطية (٧‏/‏٤٤٠)، وابنُ كثير (١٢‏/‏١٩٠). وذكر ابنُ كثير أنّ البغوي اختار أن يوم التناد سُمّي بذلك لمجموع ما في هذه الأقوال، وعلَّق عليه بقوله: «وهو قول حسن جيد». وساق ابنُ عطية الأقوال، ثم ذكر احتمالًا آخر، فقال: «ويحتمل أن يكون المراد: التذكير بكل نداء في القيامة فيه مشقة على الكفار والعصاة ولها أجوبة بنداء، وهي كثيرة، منها ما ذكرناه، ومنها: يا أهل النار خلود لا موت، يا أهل الجنة خلود لا موت، ومنها: نداء أهل الغدرات، والنداء ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ﴾ [غافر:١٠]، والنداء ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ [غافر:١٦]، إلى غير ذلك»

اختُلِف في المراد بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾ على قولين: الأول: أنه الرب عز وجل. الثاني: أنه جبريل عليه السلام. ورجَّح ابنُ عطية (٥‏/‏١٩٧ دار الكتب العلمية) القول الثاني مستندًا إلى السياق، والسنة، فقال: «والصحيح عندي: أن جميع ما في هذه الآيات -أي: من قوله تعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾- هو مع جبريل عليه السلام، بدليل قوله تعالى: ﴿ولَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى﴾، فإن ذلك يقضي بنزلة متقدمة، وما رُوي قطّ أنّ محمدًا ﷺ رأى ربَّه عز وجل قبل ليلة الإسراء، أما إن رؤية القلب لا تُمنَع بحال». ورجَّح ابنُ تيمية (٦‏/‏١٣٠) -مستندًا إلى أقوال السلف، والسياق- أن الدُّنوّ والتَّدلي هو دنوّ جبريل عليه السلام وتدلّيه، فقال: «الدنوّ والتدلّي في سورة النجم هو دنوّ جبريل وتدلّيه -كما قالت عائشة، وابن مسعود- والسياق يدُلُّ عليه، فإنه قال: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ وهو جبريل، ﴿ذُو مِرَّةٍ فاسْتَوى وهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلى ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾ فالضمائر كلها راجعة إلى هذا المُعلّم الشديد القوي، وهو ذو المِرّة، أي: القوة، وهو الذي استوى بالأُفق الأعلى، وهو الذي دنا فتدلّى، فكان مِن محمد ﷺ قدر قوسين أو أدنى، وهو الذي رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى، رآه على صورته مرتين؛ مرة في الأرض، ومرة عند سدرة المنتهى»

سورة الرعد — الآية ٣١

عن الزبير بن العوام، قال: لَمّا نزلت: ﴿وأنذرْ عشيرتَكَ الأقربينَ﴾ [الشعراء:٢١٤] صاح رسولُ الله ﷺ على أبي قُبَيْسٍ: «يا آل عبد منافٍ، إنِّي نذيرٌ». فجاءته قريشٌ، فحذَّرهم وأنذرهم، فقالوا: تزعُمُ أنّك نبِيٌّ يُوحى إليك، وأنّ سليمان سُخِّرت له الريحُ والجبالُ، وأنّ موسى سُخّر له البحرُ، وأنّ عيسى كان يُحْيِي الموتى، فادعُ الله أن يُسَيِّر عنّا هذه الجبال، ويُفَجِّر لنا الأرضَ أنهارًا، فنتّخذها محارث، فنزرع ونأكل، وإلّا فادعُ اللهَ أن يُحْيِيَ لنا موتانا، فنُكَلِّمهم ويُكَلِّمونا، وإلّا فادعُ الله أن يجعل هذه الصخرةَ التي تحتك ذهبًا، فنَنْحَت منها، وتُغْنِينا عن رحلة الشتاء والصيف، فإنّك تزعُمُ أنّك كهيئتهم. فبينا نحن حوله إذ نزل عليه الوحي، فلمّا سُرِّي عنه قال: «والَّذي نفسي بيده، لقد أعطاني ما سألتم، ولو شئتُ لكان، ولكنَّه خيَّرني بين أن تدخلوا بابَ الرحمة فيُؤمنَ مؤمنكم، وبين أن يكِلكم إلى ما اخترتم لأنفسكم فتضِلُّوا عن باب الرحمة ولا يؤمنَ مؤمنكم، فاخترت باب الرحمة ويؤمنُ مؤمنكم، وأخبَرني إن أعطاكم ذلك ثم كفرتم أنّه معذِّبُكم عذابًا لا يعذِّبه أحدًا من العالمين». فنزلت: ﴿وما منعنا أن نُرسل بالآيات إلا إن كذَّب بها الأوَّلونَ﴾ [الإسراء:٥٩]. حتى قرأ ثلاث آياتٍ، ونزلت: ﴿ولو أنّ قرآنًا سيرتْ به الجبالُ﴾ الآية

ذكر ابنُ عطية (٤‏/‏٢٤١) أنه على هذه الرواية فالتخيير من عند الله، وهو إعلام بغيب، ثم استدرك قائلًا: «وإذا خُيِّرُوا فكيف يقع التوبيخ بعدُ بقوله تعالى: ﴿لَمَسَّكُمْ فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾». ثم رَجَّح (٤‏/‏٢٤١-٢٤٢بتصرف) أنّ العَتَبَ لم يكن للنبيِّ، وإنما كان لأصحابه على استبقاء الرجال وقت الهزيمة رغبةً في أخذ المال منهم، وأنّ التخيير وقع لَمّا سِيق الأسرى إلى المدينة، وأنفذ رسول الله ﷺ القتلَ في النّضر وعقبة، والمنَّ في أبي عزّة وغيره، وجعل يرتئي في سائرهم، فاستشار ﷺ حينئذ، فاستمر عمر رضي الله عنه على أولِ رأيه في القتل، ورأى أبو بكر رضي الله عنه المصلحة في قوة المسلمين بمال الفداء، ومالَ رسول الله ﷺ إلى رأي أبي بكر، وأن كلا الرأيين كان اجتهادًا بعد تخيير، فلم ينزل على شيء من هذا عتب. وانتقد القول بأن الآية نزلت بسبب المشورة والآراء مستندًا إلى الدلالات العقلية، وذلك أن التخيير لا يستلزم العتب، ثم ذكر الدافع للمفسرين للقول بهذا القول، فقال: «ووجْه ما قال المفسرون أن الناس خيروا في أمرين، أحدهما غير جيد على جهة الاختبار لهم، فاختاروا المفضول، فوقع العتْب، ولم يكن تخييرًا في مستويين، وهذا كما أتي رسول الله ﷺ ليلة الإسراء بإناءين فاختار الفاضل»

اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِن لِقائِهِ﴾ على أقوال: الأول: فلا تكن -يا محمد- في شكٍّ من لقاء موسى عليه السلام ربَّه تعالى. الثاني: فلا تكن في شك من لقاء موسى عليه السلام ليلة الإسراء. الثالث: فلا تكن في شك من لقاء الأذى كما لقي موسى عليه السلام الأذى. الرابع: فلا تكن في شكٍّ من تلقِّي موسى عليه السلام الكتاب. ووجَّه ابنُ عطية (٧‏/‏٨١) القول الثالث بقوله: «كأنه قال: ولقد آتينا موسى عليه السلام هذا العِبْءَ الذي أنت بسبيله، فلا تَمْتَر أنّك تلقى ما لَقِيَ هو من المحنة بالناس، وكأن الآية تسليةٌ لمحمد ﷺ. ونقل عن فرقة: أن الضمير في ﴿لقائه﴾ عائد على الكتاب، ثم وجَّهه بقوله:»أي: أنه لقي موسى عليه السلام حين لقيه موسى عليه السلام، والمصدر في هذا التأويل يصح أن يكون مضافًا إلى الفاعل، بمعنى: لقي الكتاب موسى، ويصح أن يكون مضافًا إلى المفعول، بمعنى: لقي الكتابَ -بالنصب- موسى عليه السلام«. ثم نقل عن فرقتين قولَيْن آخرَيْن، الأول: أن المعنى: فلا تك في شك من لقائه في الآخرة. وانتقده قائلًا:»وهذا قولٌ ضعيف«. والثاني: أن الضمير عائد على ملك الموت الذي تقدم ذِكْره، وقوله: ﴿فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِن لِقائِهِ﴾ اعتراضٌ بيْن الكلامَين، وانتقده قائلًا:»وهذا أيضًا ضعيف""

ذكر ابنُ جرير (٢٤‏/‏١٤٥، ١٤٧-١٤٨) قراءة: (سَأَلَتْ)، ووجّهها، فقال: «قرأه أبو الضُّحى مُسلم بن صُبيح: (وإذا المَوْءُودَةُ سَأَلَتْ بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلْتُ) بمعنى: سألت الموءودة الوائدين: بأي ذنب قتلوها». ثم علّق عليها قائلًا: «ولو قرأ قارئ ممن قرأ: (سَأَلَتْ بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلْتُ) كان له وجه، وكان يكون معنى ذلك مَن قرأ: ﴿بأي ذنب قتلت﴾ غير أنه إذا كان حكاية جاز فيه الوجهان». ووجّه قراءة ﴿سُئلت﴾ بقوله: «وقرأ ذلك بعض عامة قراء الأمصار: ﴿وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت﴾ بمعنى: سُئلت الموءودة بأي ذنبٍ قُتلتْ، ومعنى ﴿قتلت﴾ قُتلتْ غير أنّ ذلك ردٌّ إلى الخبر على وجه الحكاية على نحو القول الماضي قبل، وقد يتوجه معنى ذلك إلى أن يكون: وإذا الموءودة سألتْ قَتَلتَها ووائديها، بأي ذنبٍ قتلوها؟ ثم ردّ ذلك إلى ما لم يُسمّ فاعله، فقيل: بأي ذنبٍ قُتلتْ». وعلّق عليها ابنُ عطية (٨‏/‏٥٤٨) بقوله: «وهذا على وجه التوبيخ للعرب الفاعلين ذلك؛ لأنها تسأل ليصير الأمر إلى سؤال الفاعلين، ويحتمل أن تكون مسؤولًا عنها مطلوبًا الجواب منهم. كما قال تعالى: ﴿إن العهد كان مسؤلا﴾ [الإسراء:٣٤]، وكما سُئل التراث والحقوق». ثم رجّح ابنُ جرير قراءة: ﴿سئلت﴾ مستندًا إلى إجماع الحجة من القراء، فقال: «وأولى القراءتين في ذلك عندنا بالصواب قراءة مَن قرأ ذلك ﴿سُئلت﴾ بضم السين ﴿بأي ذنب قتلت﴾ على وجه الخبر؛ لإجماع الحجّة من القراء عليه»

سورة الكهف — الآية ٢٣

عن مجاهد بن جبر: أنّ قريشًا اجتمعت، فقالوا: يا محمد، قد رغبتَ عن ديننا ودين آبائك، فما هذا الدين الذي جئتَ به؟ قال: «هذا دينٌ جِئتُ به من الرحمن». فقالوا: إنّا لا نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة. يعنون: مسيلمة الكذاب، ثم كاتبوا اليهود، فقالوا: قد نَبَغَ فينا رجلٌ يزعم أنّه نبيٌّ، وقد رغب عن ديننا ودين آبائه، ويزعم أن الذي جاء به من الرحمن، قلنا: لا نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة، وهو أمين لا يخون، وفِيٌّ لا يغدر، صدوق لا يكذب، وهو في حسب وثروة من قومه، فاكتبوا إلينا بأشياء نسأله عنها. فاجتمعت يهود، فقالوا: إنّ هذا لَوصفه وزمانه الذي يخرج فيه. فكتبوا إلى قريش: أن سلوه عن أمر أصحاب الكهف، وعن ذي القرنين، وعن الروح، فإن يكن الذي أتاكم به من الرحمن فإنّ الرحمن هو الله عز وجل، وإن يكن مِن رحمن اليمامة فينقطع. فلما أتى ذلك قريشًا أتى الظَّفَرُ في أنفسها، فقالوا: يا محمد، قد رغبتَ عن ديننا ودين آبائك، فحدِّثنا عن أمر أصحاب الكهف، وذي القرنين، والروح. قال: «ائتوني غدًا». ولم يستثنِ، فمكث جبريلُ عنه ما شاء الله لا يأتيه، ثم أتاه، فقال: «سألوني عن أشياء لم يكن عندي بها علم فأجيب حتى شق ذلك عَلَيَّ». قال: ألم ترَ أنا لا ندخل بيتًا فيه كلب ولا صورة؟ وكان في البيت جرو كلب، ونزلت: ﴿ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا﴾ مِن علم الذي سألتموني عنه أن يأتيني قبل غد، ونزل ما ذكر مِن أصحاب الكهف، ونزل: ﴿ويسألونك عن الروح﴾ الآية [الإسراء:٨٥]

رجَّحَ ابن كثير (٢‏/‏٤٠-٤١ بتصرف) قولَ أبي العالية، والربيع، وقتادة، والسُّدِّيِّ بأنّ القائلين ذلك هم مشركو العرب، مُستندًا إلى النظائر، فقال: «ويؤيد هذا القول وأنّ القائلين ذلك هم مشركو العرب قولُه تعالى: ﴿وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله﴾ [الأنعام:١٢٣]، وقولُه تعالى: ﴿وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا* أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا* أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا* أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا﴾ [الإسراء:٩٠-٩٣]، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على كفر مشركي العرب وعُتُوِّهم وعنادهم وسؤالهم ما لا حاجة لهم به، إنما هو الكفر والمعاندة، كما قال مَن قبلهم من الأمم الخالية من أهل الكتابين وغيرهم، كما قال تعالى: ﴿يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة﴾ [النساء:١٥٣]، وقال تعالى: ﴿وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة﴾ [البقرة:٥٥]». وانتَقَدَ ابنُ جرير (٢‏/‏٤٧٥) هذا القولَ بأنّه لا برهان على صحته، فقال: «وأمّا الزّاعم أنّ الله عنى بقوله: ﴿وقال الذين لا يعلمون﴾ العرب؛ فإنّه قائل قولًا لا خبر بصحته، ولا برهان على حقيقته في ظاهر الكتاب، والقولُ إذا صار إلى ذلك كان واضحًا خطؤُه؛ لأنه ادَّعى ما لا برهان على صحته، وادِّعاء مثل ذلك لن يَتَعَذَّر على أحد»

سورة الكهف — الآية ٩٨

عن العوّام بن حوشب، عن جَبَلَةَ بن سُحَيْمٍ، عن مُؤْثِرِ بن عَفازَةَ، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لقيتُ ليلة الإسراء إبراهيم وموسى وعيسى، فتَذاكَرُوا أمرَ الساعة، وردوا الأمر إلى إبراهيم، فقال إبراهيم: لا علم لي بها. فردوا الأمر إلى موسى، فقال موسى: لا عِلْم لي بها. فردُّوا الأمر إلى عيسى، قال عيسى: أمّا قيامُ الساعة لا يعلمه إلا الله، ولكن ربي قد عهِد إلَيَّ بما هو كائِن دون وقتها، عهد إلَيَّ أنّ الدجّال خارج، وأنّه مُهْبِطِي إليه، فذكر أنّ معه قصبتين، فإذا رآني أهلكه الله. قال: فيذوب كما يذوب الرصاص، حتى إنّ الحجر والشجر ليقول: يا مسلم، هذا كافِرٌ فاقتله. فيهلكهم الله، ويرجع الناس إلى بلادهم وأوطانهم، فيستقبلهم يأجوج ومأجوج مِن كل حَدَب ينسلون، لا يأتون على شيء إلا أكلوه، ولا يَمُرُّون على ماءٍ إلا شَرِبوه، فيرجع الناس إلَيَّ، فيشكونهم، فأدعو الله عليهم، فيميتهم حتى تَجْوى الأرض مِن نَتَنِ ريحهم، فينزل المطر، فيَجُرُّ أجسادَهم، فيلقيهم في البحر، ثم ينسف الجبال حتى تكون الأرض كالأديم، فعهد إلَيَّ ربي أنّ ذلك إذا كان كذلك فإنّ الساعة منهم كالحامل المُتِمِّ التي لا يدري أهلُها متى تَفْجَؤهم بولادها، ليلًا أو نهارًا»، قال العوام بن حوشب: فوجدت تصديقَ ذلك في كتاب الله تعالى، قال الله - عز وجل -: ﴿حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا﴾ [الأنبياء: ٩٧]، وقال: ﴿فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقا﴾. (٩/ ٢٠٥)

عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن إسحاق- قال: بعثت قريشٌ النضرَ بن الحارث وعقبةَ بن أبي معيط إلى أحبار يهود بالمدينة، فقالوا لهم: سلوهم عن محمد، وصفوا لهم صفته، وأخبروهم بقوله؛ فإنهم أهل الكتاب الأول، وعندهم علم ما ليس عندنا من علم الأنبياء. فخرجا حتى أتيا المدينة، فسألوا أحبار يهود عن رسول الله ﷺ، ووصفوا لهم أمرَه وبعضَ قوله، وقالا: إنكم أهل التوراة، وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا. فقالوا لهم: سلوه عن ثلاث، فإن أخبركم بهنَّ فهو نبيٌّ مُرسَل، وإن لم يفعل فالرجل مُتَقَوِّل، فرَوْا فيه رأيكم، سلوه عن فتيةٍ ذهبوا في الدهر الأول، ما كان من أمرهم؟ فإنه قد كان لهم حديث عجيب. وسلوه عن الروح ما هو؟ فإن أخبركم بذلك فإنه نبي فاتبعوه، وإلا فهو متقول. فأقبل النضر وعقبة حتى قدما قريش، فقالا: يا معشر قريش، قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد، قد أمرنا أحبار يهود أن نسأله عن أمور. فأخبراهم بها، فجاؤوا رسول الله ﷺ، فقالوا: يا محمد، فسألوه عما أمروهم به، فقال لهم رسول الله ﷺ: «أُخبِركم غدًا بما سألتم عنه». ولم يستثن، فانصرفوا عنه، ومكث رسول الله ﷺ خمس عشرة ليلة لا يُحْدِثُ الله إليه في ذلك وحيًا، ولا يأتيه جبريل، حتى أرجف أهل مكة، وأحزن رسولَ الله ﷺ مُكْثُ الوحي عنه، وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة، ثم جاء جبريل من الله عز وجل بسورة أصحاب الكهف، فيها معاتبته إيّاه على حزنه عليهم، وخبر ما سألوه عنه من أمر الفتية، والرجل الطَّوّاف، وقول الله: ﴿ويسألونك عن الروح﴾ الآية [الإسراء:٨٥]