سورة الواقعة — الآية ٧

عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- يقول: وجدتُ الهوى ثلاثة أثلاث، فالمرء يجعل هواه عِلْمه، فيُدالُ هواه على عِلْمه، ويقهر هواه عِلْمَه، حتى إنّ العلم مع الهوى قبيحٌ ذليل، والعلم ذليل الهوى غالب قاهر، فهذا الذي قد جعل الهوى والعلم في قلبه، فهذا مِن أزواج النار، وإذا كان مِمَّن يريد الله به خيرًا استَفاق واستَنبَه، فإذا هو عَوْنٌ للعلم على الهوى حتى يُديل الله العلم على الهوى، فإذا حَسُنتْ حال المؤمن، واستقامت طريقته كان الهوى ذليلًا، وكان العلم غالبًا قاهرًا، فإذا كان مِمّن يريد الله به خيرًا خَتَم عمله بإدالة العلم، فتَوفّاه حين توفّاه وعِلْمه هو القاهر، وهو العامل به، وهواه الذليل القبيح، ليس له في ذلك نصيب ولا فعل، والثالث: الذي قبّح الله هواه بعِلْمه، فلا يطمع هواه أن يغلب العلم، ولا أن يكون له مع العلم نصف ولا نصيب، فهذا الثالث، وهو خيرهم كلّهم، وهو الذي قال الله عز وجل في سورة الواقعة: ﴿وكنتم أزواجا ثلاثة﴾ قال: فزوجان في الجنة، وزوج في النار. قال: والسابق الذي يكون العلم غالبًا للهوى، والآخر الذي ختم الله بإدالة العلم على الهوى، فهذان زوجان في الجنة، والآخر هواه قاهر لعِلْمه، فهذا زوج النار

سورة المجادلة — الآية ١

عن خَوْلَة بنت ثَعْلَبة -من طريق يوسف بن عبد الله بن سلام- قالت: فِيَّ -واللهِ- وفي أوْس بن الصّامت أنزل اللهُ صدر سورة المجادلة. قالت: كنتُ عنده، وكان شيخًا كبيرًا قد ساء خُلقُه، فدخل عليّ يومًا، فراجعتُه بشيء، فغضب، فقال: أنتِ عليّ كظَهْر أُمّي. ثم رجع، فجلس في نادي قومه ساعة، ثم دخل عليَّ، فإذا هو يُريدني عن نفسي، فقلتُ: كلّا، والذي نفس خُوَيلَة بيده، لا تصل إلَيّ وقد قلتَ ما قلتَ، حتى يحكم اللهُ ورسولُه فينا. ثم جئتُ إلى رسول الله ﷺ، فذكرتُ له ذلك، فما بَرِحتُ حتى نزل القرآن، فتغشّى رسولُ الله ﷺ ما كان يتغشّاه، ثم سُرِّي عنه، فقال لي: «يا خَوْلَةُ، قد أنزل الله فيكِ وفي صاحبكِ». ثم قرأ عَلَيَّ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها﴾ إلى قوله: ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾. فقال لي رسولُ الله ﷺ: «مُريه، فَليُعْتِق رقبة». قلتُ: يا رسول الله، ما عنده ما يُعْتِق. قال: «فليَصُم شهرين متتابعين». قلتُ: واللهِ، إنه لَشيخ كبير، ما به مِن صيام. قال: «فَليُطْعِم ستين مسكينًا وسْقًا من تمر». قلتُ: واللهِ، ما ذاك عنده. قال رسول الله ﷺ: «فإنّا سَنُعِينه بعَرَقٍ من تمر». فقلتُ: وأنا -يا رسول الله- سأُعِينه بعَرَقٍ آخر. قال: «فقد أصبتِ وأحسنتِ، فاذهبي، فتَصدَّقي به عنه، ثم استوصي بابن عمّكِ خيرًا». قالتْ: ففعلتُ

اختُلِف في المراد بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾ على قولين: الأول: أنه الرب عز وجل. الثاني: أنه جبريل عليه السلام. ورجَّح ابنُ عطية (٥‏/‏١٩٧ دار الكتب العلمية) القول الثاني مستندًا إلى السياق، والسنة، فقال: «والصحيح عندي: أن جميع ما في هذه الآيات -أي: من قوله تعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾- هو مع جبريل عليه السلام، بدليل قوله تعالى: ﴿ولَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى﴾، فإن ذلك يقضي بنزلة متقدمة، وما رُوي قطّ أنّ محمدًا ﷺ رأى ربَّه عز وجل قبل ليلة الإسراء، أما إن رؤية القلب لا تُمنَع بحال». ورجَّح ابنُ تيمية (٦‏/‏١٣٠) -مستندًا إلى أقوال السلف، والسياق- أن الدُّنوّ والتَّدلي هو دنوّ جبريل عليه السلام وتدلّيه، فقال: «الدنوّ والتدلّي في سورة النجم هو دنوّ جبريل وتدلّيه -كما قالت عائشة، وابن مسعود- والسياق يدُلُّ عليه، فإنه قال: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ وهو جبريل، ﴿ذُو مِرَّةٍ فاسْتَوى وهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلى ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾ فالضمائر كلها راجعة إلى هذا المُعلّم الشديد القوي، وهو ذو المِرّة، أي: القوة، وهو الذي استوى بالأُفق الأعلى، وهو الذي دنا فتدلّى، فكان مِن محمد ﷺ قدر قوسين أو أدنى، وهو الذي رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى، رآه على صورته مرتين؛ مرة في الأرض، ومرة عند سدرة المنتهى»

في قوله: ﴿غير ممنون﴾ أقوال: الأول: غير منقوص. الثاني: غير محسوب. الثالث: غير ممنون به عليهم. وقد رجّح ابنُ جرير (٢٤‏/‏٥٢٢) -مستندًا إلى اللغة- القول الأول، فقال: ""وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: فلهم أجر غير منقوص، كما كان له أيام صِحّته وشبابه. وهو عندي من قولهم: حبل منين: إذا كان ضعيفًا، ومنه قول الشاعر:أعْطَوْا هُنَيْدةَ يَحْدُوها ثمانيَةٌ ما في عَطائِهِمُ مَنٌّ ولا سَرَفُ. يعني: أنه ليس فيه نقص، ولا خطأ"". ووافقه ابنُ القيم (٣‏/‏٣٣٧) بقوله: «وهذا هو الصواب». وانتقد القول الثالث مستندًا إلى الدلالة العقلية، وإلى النظائر، فقال: «وهذا القول خطأ قطعًا، أتى أربابه من تشبيه نعمة الله على عبده بإنعام المخلوق على المخلوق، وهذا من أبطل الباطل؛ فإنّ المِنَّة التي تُكدِّر النعمة هي مِنَّة المخلوق على المخلوق، وأمّا مِنَّة الخالق على المخلوق فبها تمام النعمة ولذّتها وطيبها، فإنها منة حقيقة، قال تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أنْ هَداكُمْ لِلْإيمانِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الحجرات:١٧]، وقال تعالى: ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ [الصافات:١١٤-١١٥]، فتكون مِنَّة عليهما بنعمة الدنيا دون نعمة الآخرة، وقال لموسى: ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى﴾ [طه:٣٧]، وقال أهل الجنة: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ [الطور:٢٧]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِن أنْفُسِهِمْ﴾ الآية [آل عمران:١٦٤]، وقال: ﴿ونُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ﴾ الآية [القصص:٥]، وفي الصحيح أنّ النبي قال للأنصار: «ألم أجدكم ضُلّالًا فهداكم الله بي؟! ألم أجدكم عالة فأغناكم الله بي؟!». فجعلوا يقولون له: الله ورسوله أمنّ. فهذا جواب العارفين بالله ورسوله». وذكر ابنُ عطية (٨‏/‏٦٤٩) أنّ كثيرًا من المفسرين قالوا: معناه: مقطوع. وعلَّق عليه بقوله: «من قولهم: حبل منين، أي: ضعيف منقطع»

زاد ابنُ عطية (٨‏/‏٦٠٤) في معنى الآية قولين آخرين، فقال: «وقيل: المراد: فجر العيون من الصخور وغيرها. وقال عكرمة: المراد: فجر يوم الجمعة». وذكر ابن القيم (٣‏/‏٢٩٦) أنّ قوله تعالى: ﴿والفَجْرِ﴾ «إنْ أريد به جنس الفجر كما هو ظاهر اللفظ فإنه يتضمّن وقت صلاة الصبح، التي هي أول الصلوات، فافتتح القسم بما يتضمّن أول الصلوات، وختمه بقوله: ﴿واللَّيْلِ إذا يَسْرِ﴾ المتضمّن لآخر الصلوات: وإنْ أريد بالفجر فجر مخصوص فهو فجر يوم النَّحر وليلته التي هي ليلة عرفة، فتلك الليلة من أفضل ليالي العام، وما رئي الشيطان في ليلة أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه فيها، وذلك الفجر فجر يوم النَّحر الذي هو أفضل الأيام عند الله... وعلى هذا فقد تضمّن القَسم المناسك والصلوات، وهما المختصان بعبادة الله والخضوع له والتواضع لعظمته، ولهذا قال الخليل عليه السلام: ﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيايَ ومَماتِي لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢]، وقيل لخاتم الرسل ﷺ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ [الكوثر:٢]، بخلاف حال المشركين المُتكبِّرين الذين لا يعبدون الله وحده، بل يُشركون به، ويستكبرون عن عبادته كحال مَن ذُكر في هذه السورة من قوم عاد وثمود وفرعون»

اختُلف في قوله: ﴿ولا تمنن تستكثر﴾ على أقوال: الأول: ولا تُعطِ -يا محمد- عَطِيّة لِتُعطى أكثر منها. الثاني: ولا تَمْنُن عملك على ربّك تَسْتَكْثِر. الثالث: لا تَضْعُف أن تَسْتَكْثِر من الخير. الرابع: لا تَمْنُن بالنبوة على الناس، تأخذ عليه منهم أجرًا. ووجّه ابنُ عطية (٨‏/‏٤٥٣) القول الأول، فقال: «فكأنه من قولهم: مَنَّ إذا أعطى، وقال الضَّحّاك: وهذا خاصٌّ بالنبي عليه السلام، ومباح لأُمّته، لكن لا أجر لهم فيه. قال مكي: وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوا فِي أمْوالِ النّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٩]». وانتقده مستندًا للسياق، فقال: «وهذا معنًى أجنبي مِن معنى هذه السورة». وعلّق على القول الثاني بقوله: «ففي هذا التأويل تحريض على الجد، وتخويف». وعلّق على القول الثالث، فقال: «وقال مجاهد: معناه: ولا تَضْعُف تَسْتَكْثِر ما حمّلناك من أعباء الرسالة وتَسْتَكْثِر من الخير. فهذه من قولهم: حبل منين، أي: ضعيف». وقد رجح ابنُ جرير (٢٣‏/‏٤١٧) -مستندًا إلى السياق، والقراءات- القول الثاني، فقال: «وإنما قلتُ ذلك أولى بالصواب؛ لأن ذلك في سياق آيات تَقدّم فيهنّ أمْر الله نبيّه ﷺ بالجد في الدعاء إليه، والصبر على ما يَلقى من الأذى فيه، فهذه بأن تكون من أنواع تلك أشبه منها بأن تكون من غيرها. وذكر عن عبد الله بن مسعود أنّ ذلك في قراءته: (ولا تَمْنُنْ أن تَسْتَكْثِر)»

سورة النساء — الآية ١٢٢

عن عقبة بن عامر، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فأشرف رسول الله ﷺ، فلما كان منها على ليلة فلم يستيقظ حتى كانت الشمس قِيد رمح، قال: «ألم اقل لك، يا بلال: اكْلَأْنا الفجر؟!». فقال: يا رسول الله، ذهب بي النوم، فذهب بي الذي ذهب بك. فانتقل رسول الله ﷺ من ذلك المنزل غير بعيد، ثم صلى، ثم هَذَبَ بقية يومه وليلته، فأصبح بتبوك، فحمد الله، وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: «أمّا بعدُ، فإنّ أصدق الحديث كتاب الله، وأوثق العرى كلمة التقوى، وخير الملل ملة إبراهيم، وخير السنن سنة محمد ﷺ، وأشرف الحديث ذِكْرُ الله، وأحسن القصص هذا القرآن، وخير الأمور عوازمُها، وشر الأمور محدثاتها، وأحسن الهدي هدي الأنبياء، وأشرف الموت قتل الشهداء، وأعمى العمى الضلالة بعد الهدي، وخير العلم ما نفع، وخير الهدى ما اتبع، وشر العمى عَمى القلب، واليد العليا خير من اليد السفلى، وما قلَّ وكفى خيرٌ مِمّا كَثُر وألهى، وشرُّ المعذرة حين يحضر الموت، وشر الندامة يوم القيامة، ومِن الناس مَن لا يأتي الصلاة إلا دَبْرًا، ومنهم مَن لا يذكر الله إلا هَجْرًا، وأعظم الخطايا اللسان الكذوب، وخير الغِنى غِنى النفس، وخيرُ الزاد التقوى، ورأس الحكمة مخافة الله عز وجل، وخير ما وقر في القلوب اليقين، والارتياب من الكفر، والنياحة من عمل الجاهلية، والغلول من جُثى جهنم، والكنز كَيٌّ من النار، والشعر من مزامير إبليس، والخمر جماع الإثم، والنساء حِبالَة الشيطان، والشباب شعبة من الجنون، وشر المكاسب كسب الربا، وشر المآكل مال اليتيم، والسعيد مَن وُعِظ بغيره، والشقي مَن شَقِي في بطن أمه، وإنما يصير أحدكم إلى موضع أربعة أذرع، والأمر بآخره، ومَلاك العمل خواتمه، وشر الرَّوايا روايا الكذب، وكلُّ ما هو آتٍ قريب، وسباب المؤمن فسوق، وقتال المؤمن كفر، وأكل لحمه من معصية الله، وحرمة ماله كحرمة دمه، ومَن يتأوَّل على الله يُكَذِّبه، ومَن يغفر يغفر له، ومَن يعف يعف الله عنه، ومَن يَكْظِم الغيظَ يَأْجُرْه اللهُ، ومَن يصبر على الرَّزِيَّة يُعَوِّضْه الله، ومن يبتغ السمعة يُسَمِّع الله به، ومَن يصبر يضعف الله له، ومَن يعص الله يعذبه الله. اللَّهُمَّ، اغفر لي ولأمتي، اللهم اغفر لي ولأمتي -قالها ثلاثًا-، أستغفر الله لي ولكم»

اختُلِف في تأويل قوله تعالى: ﴿إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا﴾ على أربعة أقوال: الأول: أنه ليس له قدرة على أن يحملهم على ذنب لا يغفر. والثاني: أنه ليس له حجة على ما يدعوهم إليه من المعاصي. والثالث: أنه ليس له عليهم سلطان؛ لاستعاذتهم بالله منه. والرابع: أنه ليس له عليهم سلطان بحال؛ لأن الله تعالى صرف سلطانه عنهم. ورجَّحَ ابنُ جرير (١٤‏/‏٣٦٠) القولَ الثالثَ استنادًا إلى السياق، والنظائر، وقال مُعَلِّلًا اختياره: «إنما قلنا ذلك أولى التأويلات بالآية لأن الله -تعالى ذكره- أتبع هذا القولَ: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾، وقال في موضع آخر: ﴿وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله، إنه سميع عليم﴾ [الأعراف:٢٠٠]، فكان بيِّنًا بذلك أنه إنما ندب عباده إلى الاستعاذة منه في هذه الأحوال؛ ليعيذهم من سلطانه». والظاهر من كلام ابن عطية (٥‏/‏٤٠٧) أنه اختار الأول، واستدرك على الثاني استنادًا إلى القرآن، حيث قال: «أخبر الله تعالى أن إبليس ليس له ملكة ولا رياسة، هذا ظاهر»السلطان«عندي في هذه الآية، وذلك أن»السلطان«إن جعلناه»الحجة«فليس له حجة في الدنيا على أحد لا مؤمن ولا كافر، اللهم إلا أن يتأوَّلَ متأوِّل: ليس له سلطان يوم القيامة. فيستقيم أن يكون بمعنى الحجة؛ لأن إبليس له حجة على الكافرين أنه دعاهم بغير دليل فاستجابوا له مِن قِبَل أنفسهم، وهؤلاء الذين لا سلطان ولا رياسة لإبليس عليهم هم المؤمنون أجمعون؛ لأن الله لم يجعل سلطانه إلا على المشركين الذين يتولونه، والسلطان منفي هاهنا في الإشراك؛ إذ له عليهم ملكة ما في المعاصي، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان﴾ [الحجر:٤٢]، وهم الذين قال إبليس فيهم: ﴿إلا عبادك منهم المخلصين﴾ [الحجر:٤٠]». غير أنه ذكر له وجْهًا يمكن أن يحمل عليه، فقال: «اللهم إلا أن يتأوَّلَ متأوِّل: ليس له سلطان يوم القيامة. فيستقيم أن يكون بمعنى الحجة؛ لأن إبليس له حجة على الكافرين أنه دعاهم بغير دليل فاستجابوا له مِن قِبَل أنفسهم». ورَجَّحَ ابنُ القيم (٢‏/‏١٢٦) القول الرابع استنادًا إلى القرآن، فقال: «الصواب: أن يقال: ليس له طريق يتسلط به عليهم، لا من جهة الحجة، ولا من جهة القدرة. والقدرة داخلة في مسمى السلطان، وإنما سميت الحجة: سلطانًا؛ لأن صاحبها يتسلط بها تسلط صاحب القدرة بيده، وقد أخبر سبحانه أنه لا سلطان لعدوه على عباده المخلصين المتوكلين، فقال في سورة الحجر [٣٩-٤٢]: ﴿قالَ رَبِّ بما أغْوَيْتَنِي لأزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأرْضِ ولأغْوِيَنّهُمْ أجْمَعِينَ إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المخْلَصِينَ قالَ هذا صِراطٌ عَلىَّ مُسْتَقِيمٌ إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾، وقال في سورة النحل: ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكّلُونَ * إنّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلّوْنَهُ والَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشرِكُونَ﴾، فتضمن ذلك أمرين: أحدهما: نفي سلطانه، وإبطاله على أهل التوحيد والإخلاص. والثاني: إثبات سلطانه على أهل الشرك، وعلى مَن تولاه»

سورة التوبة — الآية ١٢٩

عن زيد بن ثابت -من طريق ابن السَّبّاقِ- قال: أرسل إلَيَّ أبو بكر مَقتلَ أهل اليمامة، وعنده عمر، فقال أبو بكر: إنّ عمر أتاني، فقال: إنّ القتل قدِ اسْتَحَرَّ يومَ اليمامة بالناس، وإنِّي أخشى أن يَسْتَحِرَّ القتلُ بالقُرّاءِ في المواطن، فيذهب كثير من القرآن إلا أن تجمعوه، وإني أرى أن تجمع القرآن. قال أبو بكر: فقلتُ لعمر: كيف أفعلُ شيئًا لم يفعله رسولُ الله ﷺ؟! فقال عمر: هو -واللهِ- خيرٌ. فلَمْ يزل عمرُ يُراجعني فيه حتى شرح الله لذلك صدري، ورأيتُ الذى رأى عمر. قال زيد بن ثابت: وعمر جالسٌ عنده لا يتكلم. فقال أبو بكر: إنّك رجلٌ شابٌّ عاقِلٌ ولا نَتَّهمك، كنت تكتب الوحيَ لرسول الله ﷺ؛ فتَتَبَّعِ القرآنَ فاجْمَعْهُ. فواللهِ، لو كلَّفونى نقل جَبَل مِن الجبال ما كان أثقل عَلَيَّ مما أمرانى به مِن جمع القرآن، قلتُ: كيف تفعلان شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ؟! فقال أبو بكر: هو -واللهِ- خير. فلم أزل أُراجعه حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر، فقمتُ، فتَتَبَّعْتُ القرآنَ أجمعه مِن الرِّقاع، والأكتاف، والعُسُب، وصدور الرجال، حتى وجدتُ مِن سورة التوبة آيتين معَ خزيمة بن ثابت الأنصارى، لم أجدهما معَ أحدٍ غيره: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم﴾ إلى آخرهما، وكانت الصحف التى جُمع فيها القرآن عند أبي بكر حتى توفّاه الله، ثم عند عمر حتى توفّاه الله، ثم عند حفصة بنت عمر

سورة البقرة — الآية ٣٦

قال محمد بن إسحاق -من طريق سَلَمة- في ذلك: الله أعلم، أكَما قال ابن عباس وأهل التوراة، أم أنه خَلَص إلى آدم وزوجته بسُلْطانه الذي جعل الله له؛ ليبتلي به آدم وذريته؟ وأنه يأتي ابن آدم في نومته، وفي يقظته، وفي كل حال من أحواله، حتى يخلص إلى ما أراد منه، حتى يدعوه إلى المعصية، ويوقع في نفسه الشهوة وهو لا يراه، وقد قال الله -تعالى ذِكْرُه-: ﴿فوسوس لهما الشيطان﴾، ﴿فأخرجهما مما كانا فيه﴾. وقال: ﴿يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون﴾ [الأعراف:٢٧]. وقد قال الله لنبيه -عليه الصلاة والسلام-: ﴿قل أعوذ برب الناس ملك الناس﴾ [الناس:١-٢] إلى آخر السورة. ثم ذكر الأخبار التي رُوِيت عن النبي ﷺ أنّه قال: «إنّ الشيطان يجري من ابن آدم مَجْرى الدَّم». ثم قال ابنُ إسحاق: وإنما أمر ابن آدم فيما بينه وبين عدو الله كأمره فيما بينه وبين آدم، فقال الله: ﴿فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين﴾ [الأعراف:١٣]. ثم خلص إلى آدم وزوجته حتى كَلَّمَهما، كما قَصَّ الله علينا من خبرهما، قال: ﴿فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى﴾ [طه:١٢٠]. فخلص إليهما بما خلص إلى ذريته من حيث لا يريانه، فالله أعلم أيّ ذلك كان، فتابا إلى ربهما