ذكر ابنُ عطية (٦‏/‏٦٤٩) قول الكلبي ومن وافقه، ثم انتقده مستندًا إلى اللغة والسنة، فقال: «وقال حماد بن أبي سليمان، وابن جريج، والكلبي: إنّ الصلاة تنهى مادمت فيها. وهذه عجمة، وأنّى هذا مما روى أنس بن مالك، قال: كان فتًى مِن الأنصار يصلي مع النبي ﷺ، ولا يدع شيئًا من الفواحش والسرقة إلا ركبه، فقيل ذلك للنبي ﷺ فقال: «إنّ صلاته ستنهاه». فلم يلبث أن تاب وصلحت حاله، فقال رسول اللهﷺ: «ألم أقل لكم؟»». [وسيأتي ذكر هذا الحديث وتخريجه قريبًا]

اختلفت القرأة في قراءة قوله تعالى: ﴿فادْخُلِي فِي عِبادِي﴾ على قراءتين: الأولى: ﴿فادْخُلِي فِي عِبادِي﴾ بإثبات الألف. الثانية: (فادْخُلِي فِي عَبْدِي) بحذف الألف. ووجَّه ابنُ عطية (٨‏/‏٦١٦) القراءة الثانية بقوله: «فالنفس -على هذا- ليست باسم الجنس، وإنما خاطب مفردة». ثم علَّق عليها بقوله: «وتحتمل قراءة (عَبْدِي) أن يكون»العبد«اسم جنس، جعل عباده كالشيء الواحد دلالة على الالتحام، كما قال عليه الصلاة والسلام: «وهم يدٌ على مَن سواهم»». ورجَّح ابنُ جرير (٢٤‏/‏٤٠٠) القراءة الأولى مستندًا إلى إجماع الحجّة مِن القرأة عليها

سورة النساء — الآية ١٠٢

عن علي بن أبي طالب، عن النبي ﷺ في صلاة الخوف: أمر الناسَ فأخذوا السلاح عليهم، فقامت طائفة من ورائه مستقبلي العدوِّ، وجاءت طائفة فصلوا معه، فصلى بهم ركعة، ثم قاموا إلى الطائفة التي لم تُصَلِّ، وأقبلت الطائفة التي لم تُصَلِّ معه فقاموا خلفه، فصلى بهم ركعة وسجدتين، ثم سلم عليهم، فلما سلم قام الذين قِبَل العدو فكبَّروا جميعًا، وركعوا ركعة وسجدتين بعدما سلَّم

سورة التوبة — الآية ١٠٥

عن عائشة -من طريق عروة بن الزبير- قالت: ما احتَقَرتُ أعمالَ أصحابِ رسول الله ﷺ حتى نَجَم القُرّاءُ الذين طعَنوا على عثمان، فقالوا قولًا لا نُحسِن مثلَه، وقرءُوا قراءةً لا نَقْرَأُ مثلها، وصلَّوْا صلاةً لا نُصَلِّي مثلها، فلما تَذكَّرت، إذَن -واللهِ- ما يُقارِبون عملَ أصحاب رسول الله ﷺ، فإذا أعجبك حُسنَ قولِ امرئٍ منهم فقل: ﴿اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون﴾، ولا يَسْتَخِفَّنَّك أحدٌ

سورة الكهف — الآية ٤٦

عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- ﴿والباقيات الصالحات﴾، قال: هي ذِكْرُ الله؛ قول: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، وتبارك الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وأستغفر الله، وصلى الله على رسول الله، والصلاة، والصيام، والحج، والصدقة، والعتق، والجهاد، والصِّلة، وجميع أعمال الحسنات، وهُنَّ الباقيات الصالحات التي تبقى لأهلها في الجنة ما دامت السموات والأرض

اخْتُلِفَ في ثبوت حكم هذه الآية أو نسخه على ثلاثة أقوال: أولها: أنّها محكمة، وغير جائز للرجل أخذُ شيء مما آتاها إذا أراد طلاقها، إلا أن تكون هي المريدةَ الطلاقَ. وثانيها: أنّها محكمة، وغير جائز للرجل أخذُ شيء مما آتاها منها بحال، سواء أكانت هي المريدةَ الطلاقَ أو هو. وهذا قول بكر بن عبد الله المزني. وثالثها: أنها منسوخةٌ بقوله تعالى: ﴿ولا يَحِلُّ لَكُمْ أن تَأْخُذُوا مِمّا ءاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إلاَّ أن يَخافا ألاَّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ﴾ [البقرة:٢٢٩]. وهذا قول ابن زيد. ورَجَّحَ ابنُ جرير (٦‏/‏٥٤٧-٥٤٨ بتصرف) القولَ الأولَ لعدم ورود دليل للنسخ يعتمد عليه، مع إمكان الجمعِ بينهما، وقال: «ذلك أنّ الناسخ من الأحكام ما نَفى خلافَه من الأحكام، وليس في قوله: ﴿وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج﴾ نَفْيُ حكمِ قوله: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيما افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة:٢٢٩]؛ لأنّ الذي حرَّم اللهُ على الرجل بقوله: ﴿وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارًا فلا تأخذوا منه شيئًا﴾ أخذُ ما آتاها منها إذا كان هو المريدَ طلاقَها، وأمّا الذي أباح له أخذَه منها بقوله: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيما افْتَدَتْ بِهِ﴾ فهو إذا كانت هي المريدةَ طلاقَه وهو له كارِهٌ، وليس في حكم إحدى الآيتين نفيُ حكم الأخرى. وإذ كان ذلك كذلك لم يجُز أن يُحكم لإحداهما بأنها ناسخة وللأخرى بأنها منسوخة إلا بحُجَّةٍ يجبُ التسليم لها». وانتَقَدَ القولَ الثاني لمخالفته ما ثبت في السّنّة، فقال: «وأما ما قاله بكر بن عبد الله المزني مِن أنّه ليس لزوج المختلعة أخذُ ما أعطته على فراقه إياها إذا كانت هي الطالبةَ الفرقةَ وهو الكاره فليس بصواب؛ لصحة الخبَرِ عن رسول الله ﷺ بأنه أمرَ ثابت بن قيس بن شماس بأخذ ما كان ساق إلى زوجته وفراقِها إذ طلبت فراقه، وكان النشوز من قِبَلها». وانتَقَدَ ابنُ عطية (٢‏/‏٥٠٥ بتصرف) القولين الثاني والثالث بقوله: «مِن شاذِّ الأقوال في هذه الآية أنّ بكر بن عبد الله المزني قال: لا يجوز أن يؤخذ من المختلعة قليلٌ ولا كثير، وإن كانت هي المريدة للطلاق. ومنها أنّ ابن زيد قال: هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله﴾. وليس في شيء من هذه الآيات ناسخٌ ولا منسوخ، وكلها ينبني بعضُها مع بعض»

بَيَّن ابنُ جرير (٤‏/‏٦٤) أنّ مُضِيَّ الأربعة أشهر عند قائلي هذا القول هو الدلالة على عزم المُؤْلِي على طلاق امرأته التي آلى منها. ثُمَّ انتَقَدَه مستندًا إلى القرآن، والإجماع، والدلالات العقلية، وذلك أنّ الله -تعالى ذكره- إنّما أوْجَب على المرأة التي آلى منها زوجُها العِدَّةَ بعد عزم المُؤْلِي على طلاقها وإيقاع الطلاق بها بقوله: ﴿وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾، «فأوجب -تعالى ذكره- على المرأة إذا صارت مطلقة تَرَبُّصَ ثلاثة قروء، فمعلوم أنّها لم تكن مُطَلَّقة يوم آلى منها زوجُها؛ لإجماع الجميع على أنّ الإيلاء ليس بطلاق موجب على المُؤلي منها العِدَّة، وإذ كان ذلك كذلك فالعدة إنما تلزمها بعد الطلاق». وقال (٤‏/‏١٠٤، ١١٨-١١٩ بتصرف) أيضًا: «وفي قوله: ﴿وبعولتهن أحق بردهن في ذلك﴾ أبينُ الدلالة على فساد قول مَن قال: إنّ مضي الأشهر الأربعة عزم الطلاق، وأنه تطليقة بائنة؛ لأن الله -تعالى ذكره- إنّما أعلم عباده ما يلزمهم إذا آلَوْا من نسائهم، وما يلزم النساء من الأحكام في هذه الآية بإيلاء الرجال وطلاقهم، إذا عزموا ذلك وتركوا الفيء». وبنحوه قال ابنُ عطية (١‏/‏٥٥٩)

وجَّهَ ابنُ جرير (٥‏/‏١٢)، وابنُ عطية (٢‏/‏٧٩) الأقوالَ المتعددة في بيان الحكمة بأنها تفسير بجزء المعنى. فقال ابن جرير -بعد أن فسَّر الحكمة بالإصابة في القول والفعل-: «إذا كان ذلك كذلك معناه؛ كان جميعُ الأقوال -التي قالها القائلون الذين ذكرنا قولهم في ذلك- داخلًا فيما قلنا من ذلك؛ لأن الإصابة في الأمور إنما تكون عن فهم بها وعلم ومعرفة، وإذا كان ذلك كذلك كان المُصِيبُ عن فَهْمٍ منه بمواضع الصواب في أموره فهمًا خاشيًا لله فقيهًا عالمًا، وكانت النبوة من أقسامه؛ لأنّ الأنبياء مُسَدَّدُونَ مُفَهَّمُونَ، ومُوَفَّقُونَ لإصابة الصواب في بعض الأمور، والنبوة بعض معاني الحكمة». وقال ابنُ عطية: «وهذه الأقوال كلها -ما عدا قول السدي- قريبٌ بعضُها من بعض؛ لأنّ الحكمة مصدر من الإحكام، وهو الإتقان في علم أو قول، وكتاب الله حكمة، وسنة نبيه حكمة، وكل ما ذكر فهو جزء من الحكمة التي هي الجنس». وذَهَبَ ابنُ كثير (٢‏/‏٤٧١-٤٧٢) إلى قريب من ذلك، فقال: «والصحيح أنّ الحكمة -كما قال الجمهور- لا تختص بالنبوة، بل هي أعمُّ منها، وأعلاها النبوة، والرسالة أخص، ولكن لأتباع الأنبياء حظٌّ من الخير على سبيل التَّبَع، كما جاء في بعض الأحاديث: «مَن حفظ القرآن فقد أدرجت النبوة بين كتفيه، غير أنه لا يوحى إليه»»

سورة البقرة — الآية ٢٢٩

عن ابن عمر -من طريق نافع- قال: قال رسول الله ﷺ في صلاة الخوف: «أن يكون الإمام يُصَلِّي بطائفة معه، فيسجدون سجدة واحدة، وتكون طائفة منهم بينهم وبين العدُوِّ، ثم ينصرف الذين سجدوا السجدة مع أميرهم، ثم يكونوا مكان الذين لم يُصَلُّوا، ويتقدَّم الذين لم يصلُّوا فيُصَلُّوا مع أميرهم سجدةً واحدة، ثم ينصرف أميرُهم وقد صلّى صلاتَه، ويُصَلِّي كلُّ واحد من الطائفتين بصلاته سجدةً لنفسه، فإن كان خوفٌ أشدَّ من ذلك فرجالًا أو ركبانًا»

سورة التوبة — الآية ١٠٨

عن طلحة بن نافع، قال: حدَّثني أبو أيوب، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك أنّ هذه الآية لَمّا نزلت: ﴿فيه رجال يحبون أن يتطهروا﴾ قال رسول الله ﷺ: «يا معشر الأنصار، إنّ الله قد أثنى عليكم خيرًا في الطهور، فما طُهُورُكم هذا؟». قالوا: نتوضأ للصلاة، ونغتسل من الجنابة. قال: «فهل مع ذلك غيره؟». قالوا: لا، غير أنّ أحدَنا إذا خرج إلى الغائط أحَبَّ أن يستنجي بالماء. قال: «هو ذاك، فعَلَيكُموه»