اختُلِف في مقدار المُتْعَة؛ فقال قومٌ: هو على قدر عُسْرِ الزوج ويُسْرِه. وقال آخرون: هو قدر نِصْفِ صَداق مِثْلِ المرأةِ المنكوحة بغير صَداقٍ مُسَمًّى في عَقْدِه. ورَجَّح ابنُ جرير (٤/٢٩٣-٢٩٤) القولَ الأولَ الذي قال به ابنُ عباس، وعبد الرحمن بن عوف، والشعبي، وشريح، والربيع، وقتادة، وابن سيرين، وابن شهاب، مستندًا لظاهر القرآن، والدلالات العقلية، فقال: «والصواب من القول في ذلك ما قاله ابنُ عباس مِن أنّ الواجب مِن ذلك للمرأة المطلقة على الرجل على قدر عُسْرِه ويُسْرِه، كما قال الله -تعالى ذِكْرُه-: ﴿على الموسع قدره وعلى المقتر قدره﴾، لا على قَدْرِ المرأة. ولو كان ذلك واجِبًا للمرأة على قدر صَداقِ مِثْلِها إلى قدر نصفه لم يكن لقيله -تعالى ذكره-: ﴿على الموسع قدره وعلى المقتر قدره﴾ معنًى مفهومٌ، ولَكان الكلامُ: ومتعوهن على قدرهن وقدر نصف صداق أمثالهن. وفي إعلام الله -تعالى ذكره- عبادَه أنّ ذلك على قدر الرجل في عسره ويسره، لا على قدرها وقدر نصف صداق مثلها؛ ما يُبِينُ عن صِحَّةِ ما قلنا وفسادِ ما خالفه. وذلك أنّ المرأة قد يكون صداق مثلها المالَ العظيم، والرجل في حال طلاقه إيّاها مُقْتِرٌ لا يملك شيئًا، فإن قُضِي عليه بقدر نصف صداق مثلها أُلْزِم ما يعجز عنه بعضُ مَن قد وُسِّع عليه، فكيف المقدور عليه؟ وإذا فُعِل ذلك به كان الحاكمُ بذلك عليه قد تَعَدّى حُكْمَ قولِ الله -تعالى ذكره-: ﴿على الموسع قدره وعلى المقتر قدره﴾. ولكن ذلك على قَدرِ عُسْر الرجل ويُسْرِه، لا يجاوز بذلك خادم أو قيمتها إن كان الزوج موسِعًا، وإن كان مُقْتِرًا فأطاق أدنى ما يكون كسوة لها -وذلك ثلاثة أثواب ونحو ذلك- قُضِي عليه بذلك، وإن كان عاجزًا عن ذلك فعلى قدر طاقته، وذلك على قدر اجتهاد الإمام العادل عند الخصومة إليه فيه». وذَهَبَ ابنُ عطيَّة (١/٥٩٢) إلى أنّ قوله تعالى: ﴿على الموسع قدره وعلى المقتر قدره﴾ دليلٌ على رفض التحديد
أفادت الآثارُ الاختلافَ في تأويل قوله تعالى: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبُوا ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبْنَ﴾ على قولين: أحدهما: أنّ معناه: للرجال نصيب مما اكتسبوا من الثواب على الطاعة، والعقاب على المعصية، وللنساء نصيب من ذلك مثل ذلك. وهذا قول مقاتل. والآخر: أنّ معناه: للرجال نصيب مما اكتسبوا من ميراث موتاهم، وللنساء نصيب منهم. وهذا قول ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة. ورجَّحَ ابنُ جرير (٦/٦٦٩) القولَ الأولَ، وانتَقَدَ الثاني، استنادًا إلى دلالة العقل، فقال: «إنّما قلنا: إنّ ذلك أولى بتأويل الآية مِن قول مَن قال: تأويلُه: للرجال نصيب من الميراث، وللنساء نصيب منه. لأنّ الله -جلَّ ثناؤه- أخبر أنّ لكل فريق من الرجال والنساء نصيبًا مما اكتسب، وليس الميراث مما اكتسبه الوارث، وإنما هو مال أورثه الله عن ميِّته بغير اكتساب، وإنما الكسب: العمل. والمكتسب: المحترف. فغير جائز أن يكون معنى الآية وقد قال الله: ﴿للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن﴾: للرجال نصيبٌ مما ورِثوا، وللنساء نصيب مما ورثن؛ لأنّ ذلك لو كان كذلك لقيل: للرجال نصيب مما لم يكتسبوا، وللنساء نصيب مما لم يكتسبن». وبنحوه قال ابنُ عطية (٢/٥٣٦)، وزاد قولًا ثالثًا، وهو: لا تتمنوا خلاف ما حدَّ الله في تفضيله؛ فإنه تعالى قد جعل لكل أحد مكاسب تختص به، فهي نصيبه، قد جعل الجهاد والإنفاق وسعي المعيشة وحمل الكلف كالأحكام والإمارة والحسبة وغير ذلك للرجال، وجعل الحمل ومشقته وحسن التبعل وحفظ غيب الزوج وخدمة البيوت للنساء. ثم بيّنَ أنه كالقول الأول، إلا أنه فارقه بتقسيم الأعمال، وفي تعليقه النصيب بالاكتساب حضٌّ على العمل، وتنبيهٌ على كسب الخير
عن يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس -من طريق ابن إسحاق- أنه حدّث: أنّهم نظروا إلى الهَضَبَة حين دعا اللهَ صالحٌ بما دَعا به، تَتَمَخَّض بالناقة تَمَخُّض النَّتُوجُ بولدها، فتحركت الهضبة، ثم انتَفَضَت بالناقة، فانصَدَعَتْ عن ناقةٍ -كما وصفوا- جَوْفاء وبْراء نَتُوجًا، ما بين جنبيها لا يعلمه إلا الله عِظَمًا، فآمن به جُندَعُ بن عمرو ومَن كان معه على أمره مِن رَهْطِه، وأراد أشرافُ ثمود أن يؤمنوا به ويُصَدِّقوا، فنهاهم ذُؤابُ بن عمرو بن لبيد، والحُبابُ صاحب أوثانهم، ورَبابُ بن صَمْعَرِ بن جَلْهسٍ، وكانوا من أشراف ثمود، فردُّوا أشرافَها عن الإسلام، والدخول فيما دعاهم إليه صالح من الرحمة والنجاة. وكان لجُندَعٍ ابنُ عمٍّ يُقال له: شهاب بن خليفة بن مخلاةَ بن لبيد بن جَوّاسٍ، فأراد أن يُسْلِم، فنهاه أولئك الرهط عن ذلك، فأطاعهم، وكان من أشراف ثمود وأفاضلها، فقال رجل من ثمود يُقال له: مهْرَشُ بنُ غَنمةَ بنِ الدُّمَيلِ، وكان مسلمًا: وكانت عُصبة من آل عمرو إلى دين النبيِّ دعوا شهابا عزيز ثمود كلهم جميعًا فهَمَّ بأن يُجِيب ولو أجابا لأصبح صالحًا فينا عزيزًا وما عدلوا بصاحبهم ذُؤابا ولكن الغُواةَ مِنَ الِ حُجْرٍ تولوا بعد رشدهم ذئابا فمكثت الناقة التي أخرجها الله لهم معها سَقْبُها في أرض ثمود، ترعى الشجر، وتشرب الماء، فقال لهم صالح عليه السلام: ﴿هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم﴾. وقال الله لصالح: إنّ الماء ﴿قسمة بينهم كل شرب محتضر﴾ [القمر:٢٨]. أي: أنّ الماء نصفان: لهم يوم، ولها يوم، وهي مُحْتَضَرَة، فيومها لا تَدَعُ شُرْبَها. وقال: ﴿لها شرب ولكم شرب يوم معلوم﴾ [الشعراء:١٥٥]. فكانَتْ -فيما بلغني، والله أعلم- إذا ورَدَتْ -وكانت تَرِدُ غِبًّا- وضَعَتْ رأسها في بئر في الحِجْر، يُقال لها: بئر الناقة، فيزعمون أنّها منها كانت تشرب، إذا وردت تضع رأسها فيها، فما ترفعه حتى تشرب كُلَّ قطرةِ ماءٍ في الوادي، ثم ترفع رأسها فتفشَّحُ -يعني: تَفَحَّجُ لهم-، فيحتلبون ما شاءوا من لبن، فيشربون، ويَدَّخِرون، حتى يملئوا كُلَّ آنيتهم، ثم تصدر مِن غير الفجِّ الذي منه ورَدْت، لا تقدر على أن تصدر من حيث تَرِد؛ يضيق عنها، فلا ترجع منه، حتى إذا كان الغدُ كان يومهم، فيشربون ما شاءوا من الماء، ويدَّخرون ما شاءوا ليوم الناقة، فهم من ذلك في سَعَة. وكانت الناقة -فيما يذكرون- تصيفُ إذا كان الحرُّ ظهرَ الوادي، فتهرب منها المواشي؛ أغنامهم وأبقارهم وإبلهم، فتهبط إلى بطن الوادي في حرِّه وجَدْبِه، وذلك أنّ المواشي تنفر منها إذا رأتها، وتشتو في بطن الوادي إذا كان الشتاء، فتهرب مواشيهم إلى ظهر الوادي في البرد والجدب، فأضرَّ ذلك بمواشيهم؛ للبلاء والاختبار. وكانت مراتِعُها -فيما يزعمون- الجَنابَ وحِسْمى، كل ذلك ترعى مع وادي الحِجْر، فكَبُر ذلك عليهم، فعَتَوْا عن أمر ربهم، وأجمعوا في عَقْرِ الناقة رأيَهم. وكانت امرأةٌ من ثمود يُقال لها: عُنَيزةُ بنت غُنمٍ بن مِجْلَزِ، تُكنى بأم غُنمٍ، وهي من بني عبيد بن المهلِ أخي زُمَيلِ بن المهلِ، وكانت امرأة ذُؤابِ بن عمرو، وكانت عجوزًا مُسِنَّة، وكانت ذات بنات حِسان، وكانت ذات مال مِن إبل وبقر وغنم، وامرأة أخرى يُقال لها: صَدُوفُ بنتُ المحيّا بن زهير بن المحيّا سيد بني عبيد وصاحب أوثانهم في الزمن الأول، وكان الوادي يُقال له: وادي المحيّا، وهو المحيّا الأكبر جد المحيّا الأصغر أبي صَدُوفَ. وكانت صَدُوفُ مِن أحسن الناس، وكانت غنيةً ذات مال من إبل وغنم وبقر، وكانتا مِن أشد امرأتين في ثمود عداوةً لصالحٍ، وأعظمه به كُفْرًا، وكانتا تحتالان أن تُعقر الناقة مع كفرهما به لِما أضَرَّت به من مواشيهما. وكانت صَدُوفُ عند ابنِ خالٍ لها يُقال له: صنيمُ بن هراوةَ بن سعد بن الغطريفِ من بني هليلٍ، فأسلم، فحسُن إسلامُه، وكانت صَدُوفُ قد فَوَّضت إليه مالَها، فأنفقه على من أسلم معه مِن أصحاب صالح حتى رَقَّ المالُ، فاطَّلعت على ذلك من إسلامه صَدُوفُ، فعاتبته على ذلك، فأظهر لها دينه، ودعاها إلى الله وإلى الإسلام، فأَبَتْ عليه، وسَبَّتْ له، فأخذت بنيه وبناته منه، فغيَّبَتْهم في بني عبيد؛ بطنها الذي هي منه، وكان صنيم زوجها من بني هليلٍ، وكان ابنَ خالها، فقال لها: رُدِّي عَلَيَّ ولدي. فقالت: حتى أُنافِرَك إلى بني صنعان بن عبيد أو إلى بني جُندَعِ بن عبيد. فقال لها صنيمٌ: بل أنا أقول إلى بني مِرْداس بن عبيد. وذلك أن بني مِرْداس بن عبيد كانوا قد سارعوا في الإسلام، وأبطأ عنه الآخرون، فقالت: لا أُنافِرُك إلّا إلى مَن دعوتُك إليه. فقال بنو مِرْداس: واللهِ، لَتُعْطِيَنَّه ولده طائعةً أو كارهة، فلمّا رَأَتْ ذلك أعْطَتْهُ إياهم. ثم إن صَدوف وعُنيزة محَلتا في عقر الناقة للشَّقاء الذي نزل، فدعت صَدُوفُ رجلًا من ثمود يُقال له: الحبابُ، لِعَقْر الناقة، وعرضت عليه نفسَها بذلك إن هو فعل، فأبى عليها، فدعت ابنَ عمٍّ لها يُقال [له]: مِصْدَعُ بن مَهْرَجِ بن المحيّا، وجعلت له نفسَها على أن يعقر الناقة، وكانت من أحسن الناس، وكانت غنِيَّةً كثيرة المال، فأجابها إلى ذلك. ودعت عُنَيزةُ بنتُ غُنْمٍ قُدارَ بن سالفِ بن جُنْدَعِ؛ رجلًا من أهل قُرْحَ، وكان قُدارُ رجلًا أحمر أزرق قصيرًا، يزعمون أنّه كان لِزَنْيَةٍ مِن رجل يُقال له: صهيادُ، ولم يكن لأبيه سالف الذي يُدعى إليه، ولكنه قد وُلِد على فراش سالف، وكان يُدعى له، ويُنسَب إليه، فقالت: أعطيك أيَّ بناتي شئت على أن تعقر الناقة. وكانت عُنَيزةُ شريفة من نساء ثمود، وكان زوجها ذؤاب بن عمرو من أشراف رجال ثمود، وكان قُدار عزيزًا منيعًا في قومه، فانطلق قُدار بن سالف ومِصْدَعُ بن مَهْرَجٍ، فاستنفرا غُواةً من ثمود، فاتَّبعهما سبعة نفر، فكانوا تسعة نفر، أحد النفر الذين اتبعوهما رجل يُقال له: هويلُ بن ميلغٍ خال قدار بن سالف، أخو أُمِّه لأبيها وأمها، وكان عزيزًا من أهل حِجْرٍ، ودُعَيرُ بن غنم بن داعر، وهو من بني حلاوة بن المهل، ودأب بن مَهْرَجٍ أخو مِصْدَعِ بن مَهْرَجٍ، وخمسة لم تُحْفَظ لنا أسماؤهم. فرصدوا الناقة حين صَدَرت عن الماء، وقد كمَن لها قدار في أصل صخرة على طريقها، وكمَن لها مِصْدَعٌ في أصلِ أخرى، فمَرَّت على مصدع فرماها بسهم، فانتظم به عضلة ساقها، وخرجت أم غُنْمٍ؛ عُنَيزة، وأمرت ابنتها، وكانتْ مِن أحسن الناس وجهًا، فأسفرت عنه لقُدار، وأَرَتْه إيّاه، ثم ذمَّرَتْه، فشدَّ على الناقة بالسيف، فكسف عرقوبها، فخرَّت، ورغت رغاة واحدة تحذر سَقْبَها. ثم طعن في لُبَّتها فنحرها، وانطلق سقبها حتى أتى جبلًا منيعًا، ثم أتى صخرة في رأس الجبل فرَغا، ولاذ بها، واسم الجبل فيما يزعمون: صور، فأتاهم صالح، فلما رأى الناقة قد عقرت قال: انتهكتم حرمة الله، فأبشِروا بعذاب الله -تبارك وتعالى- ونقمته. فاتبع السَّقْبَ أربعةُ نفر من التسعة الذين عقروا الناقة، وفيهم مِصْدَعُ بن مَهْرَجٍ، فرماه مِصْدَعٌ بسهم، فانتظَمَ قلبه، ثم جَرَّ برجله فأنزله، ثم ألقوا لحمه مع لحم أمه. فلمّا قال لهم صالح: أبشروا بعذاب الله ونقمته؛ قالوا له وهم يهزءون به: ومتى ذلك يا صالح؟ وما آية ذلك؟ وكانوا يسمون الأيام فيهم: الأحد: أول، والاثنين: أهون، والثلاثاء: دُبار، والأربعاء: جُبارَ، والخميس: مُؤْنِسَ، والجمعة: العروبة، والسبت: شِيارَ، وكانوا عقروا الناقة يوم الأربعاء، فقال لهم صالح حين قالوا ذلك: تصبحون غداة يوم مُؤْنِسَ -يعني: يوم الخميس- وجوهكم مُصْفَرَّة، ثم تصبحون يوم العروبة -يعني: يوم الجمعة- ووجوهكم مُحْمَرَّة، ثم تصبحون يوم شيار –يعني: يوم السبت- ووجوهكم مُسْوَدَّة، ثم يُصَبِّحُكم العذاب يوم الأول -يعني: يوم الأحد-. فلما قال لهم صالح ذلك، قال التسعة الذين عقروا الناقة: هلُمُّوا فلْنَقْتُلْ صالحًا؛ إن كان صادقًا عَجَّلْناه قبلنا، وإن كان كاذبًا يكون قد ألحقناه بناقته. فأتوه ليلًا لِيُبَيِّتُوه في أهله، فدَمَغَتْهم الملائكةُ بالحجارة، فلمّا أبْطَئُوا على أصحابهم أتوا منزل صالح، فوجدوهم مُشَدَّخِين، قد رُضِخوا بالحجارة، فقالوا لصالح: أنت قتلتهم. ثم هَمُّوا به، فقامت عشيرتُه دونه، ولبسوا السلاح، وقالوا لهم: واللهِ، لا تقتلونه أبدًا، فقد وعدكم أنّ العذاب نازِلٌ بكم في ثلاث، فإن كان صادقًا لم تزيدوا ربَّكم عليكم إلا غضبًا، وإن كان كاذبًا فأنتم من وراء ما تريدون. فانصرفوا عنهم ليلتهم تلك، والنفر الذين رضختهم الملائكة بالحجارة التسعة الذين ذكرهم الله تعالى في القرآن بقوله تعالى: ﴿وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون﴾ إلى قوله: ﴿لآية لقوم يعلمون﴾ [النمل:٤٨-٥٢]، فأصبحوا من تلك الليلة التي انصرفوا فيها عن صالح وجوههم مصفرة، فأيقنوا بالعذاب، وعرفوا أنّ صالحًا قد صَدَقَهم، فطلبوه ليقتلوه، وخرج صالح هاربًا منهم حتى لجأ إلى بطنٍ من ثمود يُقال لهم: بنو غنم، فنزل على سيِّدهم؛ رجل منهم يُقال له: نفيل، يكنى بأبي هُدْبٍ، وهو مشرك، فغَيَّبَه، فلم يقدروا عليه، فغدوا على أصحاب صالح، فعذَّبوهم لِيَدُلُّوهم عليه، فقال رجل من أصحاب صالح -يقال له: ميدعُ بن هرمٍ-: يا نبيَّ الله، إنّهم لَيُعَذِّبوننا لِنَدُلَّهم عليك، أفَنَدُلُّهم عليك؟ قال: نعم. فدلهم عليه ميدع بن هرم، فلما علموا بمكان صالح أتَوا أبا هدب، فكلَّموه، فقال لهم: عندي صالح، وليس لكم إليه سبيل. فأعرضوا عنه، وتركوه، وشغلهم عنه ما أنزل الله بهم من عذابه، فجعل بعضهم يُخْبِر بعضًا بما يرون في وجوههم حين أصبحوا من يوم الخميس، وذلك أنّ وجوههم أصبحت مصفرة، ثم أصبحوا يوم الجمعة ووجوههم محمرة، ثم أصبحوا يوم السبت ووجوههم مسودة، حتى إذا كان ليلة الأحد خرج صالح من بين أظهرهم ومَن أسلم معه إلى الشام، فنزل رملةَ فلسطين، وتخلَّف رجل من أصحابه يُقال له: ميدعُ بن هرمٍ، فنزل [قُرْحًا]، وهي وادي القرى، وبين القُرْحِ وبين الحِجْر ثمانية عشر ميلًا، فنزل على سيِّدهم؛ رجل يقال له: عمرو بن غُنْمٍ، وقد كان أكل من لحم الناقة، ولم يَشْرَكْ في قتلها، فقال له ميدعُ بن هرمٍ: يا عمرو بن غُنْمٍ، اخرُجْ من هذا البلد، فإن صالحًا قال: من أقام فيه هلك، ومن خرج منه نجا. فقال عمرو: ما شَرِكتُ في عَقْرِها، وما رَضِيتُ ما صُنِع بها. فلمّا كانت صبيحة الأحد أخذتهم الصيحة، فلم يبق منهم صغير ولا كبير إلا هلك، إلا جارية مُقْعَدَة يُقال لها: الزُّريْعة، وهي الكلبةُ ابنةُ السِّلْقِ، كانت كافرةً شديدة العداوة لصالح، فأطلق الله لها رجليها بعدما عاينت العذاب أجمع، فخرجت كأسرع ما يُرى شيء قط، حتى أتت أهل قُرْحَ، فأخبرتهم بما عاينت من العذاب، وما أصاب ثمود منه، ثم استسقت من الماء فسُقيت، فلما شَرِبَت ماتت
عن سعيد بن جبير، قال: إنّا لعند عبد الله بن عباس في بيته إذ قال: سلوني. قلت: أيْ أبا عباس، جعلني الله فداءك، بالكوفة رجل قاصٌّ يقال له: نوف، يزعم أنّه ليس بموسى بني إسرائيل. قال: كذب عدوُّ الله، حدثني أبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ موسى عليه السلام ذكر الناس يومًا، حتى إذا فاضت العيون، ورقَّت القلوب؛ ولّى، فأدركه رجل، فقال: أي رسول الله، هل في الأرض أحد أعلم منك؟ قال: لا. فعتب الله عليه؛ إذ لم يرد العلم إلى الله. قيل: بلى. قال: أيْ ربِّ، فأين؟! قال: بمجمع البحرين. قال: أيْ ربِّ، اجعل لي عَلَمًا أعلم به ذلك. قال: خذ حوتًا ميِّتًا، حيث ينفخ فيه الروح. فأخذ حوتًا، فجعله في مكتل، فقال لفتاه: لا أكلفك إلا أن تخبرني بحيث يفارقك الحوت. قال: ما كلفت كثيرًا. قال: فبينما هو في ظل صخرة في مكان ثَرْيانَ، إذ اضطرب الحوتُ وموسى نائم، فقال فتاه: لا أُوقِظه. حتى إذا استيقظ نسي أن يخبره، واضطرب الحوتُ حتى دخل البحر، فأمسك اللهُ عنه جرية البحر حتى كان أثره في حجر. قال موسى: ﴿لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا﴾. قال: قد قطع الله عنك النَّصَب. فرجعا، فوجدا خَضِرًا على طُنفُسَةٍ خضراء على كبد البحر، مُسَجًّى بثوبه، قد جعل طرفه تحت رجليه وطرفه تحت رأسه، فسلَّم عليه موسى، فكشف عن وجهه، وقال: هل بأرض مِن سلام؟! مَن أنت؟ قال: أنا موسى. قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم. قال: فما شأنك؟ قال: جئت لتعلمني مما علمت رشدًا. قال: أما يكفيك أنّ التوراة بيديك، وأن الوحي يأتيك؟! يا موسى، إنّ لي علمًا لا ينبغي أن تعلمه، وإنّ لك علمًا لا ينبغي لي أن أعلمه. فأخذ طائرٌ بمنقاره من البحر، فقال: واللهِ، ما علمي وعلمُك في جنب علم الله إلا كما أخذ الطير منقاره من البحر. حتى إذا ركبا في السفينة وجدا معابر صغارًا تحمل أهل الساحل إلى أهل هذا الساحل الآخر، فعرفوه، فقالوا: عبد الله الصالح، لا نحمله بأجر. فخرقها، ووتد فيها وتدًا، قال موسى: ﴿أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا﴾. كانت الأولى نسيانًا، والوسطى شرطًا، والثالثة عمدًا، قال: ﴿لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله﴾، ووجد غلمانًا يلعبون، فأخذ غلامًا كافرًا ظريفًا، فأضجعه، ثم ذبحه بالسكين، فقال: ﴿أقتلت نفسا زكية﴾ لم تعمل الحنث». قال ابنُ عباس: قرأها ﴿زكية﴾: ‹زاكِيَةً›: مُسْلِمَة، كقولك: غلامًا زكيًّا. فانطلقا فوجدا جدارًا يريد أن ينقض فأقامه- قال سعيد بيده هكذا، ورفع يده- فاستقام، ﴿لو شئت لتخذت عليه أجرا﴾. قال سعيد: أجر نأكله. ﴿وكان وراءهم ملك﴾». قرأها ابن عباس: (وكانَ أمامَهُم مَّلِكٌ). «يزعمون أنّه هدد بن بدد، والغلام المقتول اسمه -يزعمون-: جيسور، ﴿ملك يأخذ كل سفينة غصبا﴾ فأردت إذا هي مرت به أن يدعها لعيبها، فإذا جاوزوا أصلحوها فانتفعوا بها، ومنهم من يقول: سدُّوها بالقارورة. ومنهم من يقول: بالقار. ﴿فكان أبواه مؤمنين﴾ وكان كافرًا، ﴿فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا﴾: أن يحملهما حبُّه على أن يتابعاه على دينه، ﴿فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما﴾ هما به أرحم منهما بالأول الذي قتله الخضر. وزعم غير سعيد أنهما أُبدِلا جارية
عن عروة بن الزبير -من طريق يزيد بن رَوْمان- قال: بعث رسولُ الله ﷺ عبد الله بن جحش إلى نَخْلَة، فقال له: «كُن بها حتى تأتينا بخبرٍ من أخبار قريش». ولم يأمره بقتال، وذلك في الشهر الحرام، وكتب له كتابًا قبل أن يُعْلِمَه أين يسير، فقال: «اخرج أنت وأصحابُك، حتى إذا سِرْتَ يومين فافتح كتابك، وانظر فيه، فما أمرْتُك به فامضِ له، ولا تَسْتَكْرِهَنَّ أحدًا من أصحابك على الذهاب معك». فلمّا سار يومين فتح الكتاب، فإذا فيه أن: «امضِ حتى تنزل نخلةً، فتأتينا من أخبار قريش بما اتَّصل إليك منهم». فقال لأصحابه حين قرأ الكتاب: سمعٌ وطاعةٌ، مَن كان منكم له رغبة في الشهادة فلينطلق معي، فإنِّي ماضٍ لأمر رسول الله ﷺ، ومَن كَرِه ذلك منكم فلْيَرْجِع، فإنّ رسول الله ﷺ قد نهاني أن أسْتَكْرِه منكم أحدًا. فمضى معه القوم، حتى إذا كانوا ببُحْران أضَلَّ سعدُ بنُ أبي وقاص وعتبةُ بن غَزْوان بعيرًا لهما كانا يَتَعَقَّبانِه، فتخلَّفا عليه يَطْلُبانِه، ومضى القوم حتى نزلوا نخلةً، فمَرَّ بهم عمرو بن الحضرمي، والحكم بن كَيْسان، وعثمان والمغيرة ابنا عبد الله، معهم تجارة قد مَرُّوا بها من الطائف؛ أُدْمٌ، وزبيب، فلمّا رآهم القومُ أشرف لهم واقدُ بن عبد الله، وكان قد حَلَق رأسه، فلما رأوه حَلِيقًا قالوا: عُمّار، ليس عليكم منهم بأس. وائْتَمَر القوم بهم أصحاب رسول الله ﷺ، وهو آخرُ يوم من رجب، فقالوا: لَئِن قتلتموهم إنّكم لتقتلونهم في الشهر الحرام، ولئن تركتموهم ليدخُلُنَّ في هذه الليلة مكة الحرم، فَلَيَمْتَنِعُنَّ منكم. فأجمع القوم على قتلهم، فرمى واقدُ بن عبد الله التميمي عمرَو بن الحضرميِّ فقتله، واسْتَأْسَر عثمانَ بن عبد الله، والحكمَ بن كيسان، وهرب المغيرةُ فأَعْجَزَهم، واسْتاقُوا العِيرَ، فقَدِموا بها على رسول الله ﷺ، فقال لهم: «واللهِ، ما أمرتُكم بقتالٍ في الشهر الحرام!». فأوقف رسول الله ﷺ الأسيرين والعِير، فلم يأخُذْ منها شيئًا، فلمّا قال لهم رسول الله ﷺ ما قال سُقِط في أيديهم، وظنُّوا أن قد هَلَكوا، وعنَّفهم إخوانُهم من المسلمين، وقالت قريش حين بلغهم أمر هؤلاء: قد سفك محمدٌ الدمَ الحرامَ، وأخذ المال، وأسر الرجال، واستحل الشهر الحرام. فأنزل الله: ﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه﴾ الآية. فلمّا نزل ذلك أخذ رسول الله ﷺ العيرَ، وفَدى الأسيرين، فقال المسلمون: يا رسول الله، أتَطْمَعُ أن يكون لنا غزوة؟ فأنزل الله: ﴿إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله﴾. وكانوا ثمانية، وأميرُهم التاسع عبدُ الله بن جحش
انتقد ابنُ تيمية في منهاج السنة النبوية (٧/ ٦٠ -٦٨) هذا الأثر مستندًا إلى الإجماع، وأحوال النزول، والأدلة العقلية، والتاريخية، فقال -بتصرف-: ""والجواب من وجوه:أحدها: المطالبة بصحته، وذلك أن القول بلا علم حرام بالنص والإجماع.... الثاني: أن هذا كذب باتفاق أهل العلم بالحديث.... الوجه الثالث: أنه مما يبين أنه كذب أن فيه ابن عباس شهد نزول سورة النجم حين انقض الكوكب في منزل علي، وسورة النجم باتفاق الناس من أول ما نزل بمكة، وابن عباس حين مات النبي ﷺ كان مراهقًا للبلوغ لم يحتلم بعد، هكذا ثبت عنه في الصحيحين. فعند نزول هذه الآية: إما أن ابن عباس لم يكن وُلد بعد، وإما أنه كان طفلًا لا يميز، فإن النبي ﷺ لما هاجر كان لابن عباس نحو خمس سنين، والأقرب أنه لم يكن وُلد عند نزول سورة النجم، فإنها من أوائل ما نزل من القرآن. الوجه الرابع: أنه لم ينقض قط كوكب إلى الأرض بمكة ولا بالمدينة ولا غيرهما، ولما بُعث النبي ﷺ كثر الرمي بالشهب، ومع هذا فلم ينزل كوكب إلى الأرض، وهذا ليس من الخوارق التي تعرف في العالم، بل هو من الخوارق التي لا يعرف مثلها في العالم، ولا يروي مثل هذا إلا مَن هو مِن أوقح الناس، وأجرؤهم على الكذب، وأقلهم حياء ودينًا، ولا يروج إلا على من هو مِن أجهل الناس وأحمقهم، وأقلهم معرفة وعلمًا. الوجه الخامس: أن نزول سورة النجم كان في أول الإسلام، وعلِيٌّ إذ ذاك كان صغيرًا، والأظهر أنه لم يكن احتلم ولا تزوج بفاطمة، ولا شُرع بعد فرائض الصلاة أربعًا وثلاثًا واثنين، ولا فرائض الزكاة، ولا حج البيت، ولا صوم رمضان، ولا عامة قواعد الإسلام. وأمر الوصية بالإمامة لو كان حقًّا إنما يكون في آخر الأمر كما ادعوه يوم غدير خم، فكيف يكون قد نزل في ذلك الوقت؟! الوجه السادس: أن أهل العلم بالتفسير متفقون على خلاف هذا، وأن النجم المقسم به: إما نجوم السماء، وإما نجوم القرآن، ونحو ذلك. ولم يقل أحد: إنه كوكب نزل في دار أحد بمكة. الوجه السابع: أن من قال لرسول الله ﷺ: «غويت» فهو كافر، والكفار لم يكن النبي ﷺ يأمرهم بالفروع قبل الشهادتين والدخول في الإسلام. الوجه الثامن: أن هذا النجم إن كان صاعقة فليس نزول الصاعقة في بيت شخص كرامة له، وإن كان من نجوم السماء فهذه لا تفارق الفلك، وإن كان مِن الشهب فهذه يُرمى بها رجومًا للشياطين، وهي لا تنزل إلى الأرض، ولو قُدِّر أن الشيطان الذي رمي بها وصل إلى بيت علِيٍّ حتى احترق بها فليس هذا كرامة له، مع أن هذا لم يقع قط""
عن أبي أُمامة الباهليِّ، قال: جاء ثعلبةُ بنُ حاطِبٍ إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، ادعُ الله أن يرزقني مالًا. قال: «ويحك، يا ثعلبةُ، قليلٌ تُؤَدِّي شُكْرَه خيرٌ مِن كثيرٍ لا تُطِيقُه». قال: يا رسول الله، ادعُ اللهَ أن يرزقني مالًا. قال: «ويحك، يا ثعلبةُ، قليلٌ تُؤَدِّي شُكْرَه خيرٌ مِن كثيرٍ لا تُطِيقُه». قال: يا رسول الله، ادعُ الله أن يرزقني مالًا. قال: «ويحك، يا ثعلبة، أما تُحِبُّ أن تكون مثلي! فلو شِئْتُ أن يُسَيِّر ربي هذه الجبالَ معي ذَهَبًا لَسارَتْ». قال: يا رسول الله، ادعُ الله أن يرزقني مالًا، فوالَّذي بعثك بالحقِّ، إنْ آتاني اللهُ مالًا لَأُعْطِيَنَّ كُلَّ ذي حقَّ حقَّه. قال: «ويحك، يا ثعلبةُ، قليلٌ تُؤَدِّي شُكْرَه خيرٌ مِن كثيرٍ لا تُطِيقُه». فقال: يا رسول الله، ادعُ الله تعالى. فقال رسول الله ﷺ: «اللَّهُمَّ، ارزقْه مالًا». فاتَّخذ أو اشْترى غنمًا، فبُورِك له فيها، ونمتْ كما ينمو الدُّود، حتى ضاقت به المدينةُ، فتنحّى بها، فكان يشهد الصلاة بالنهارِ مع رسول الله ﷺ ولا يشهدُها بالليل، ثُمَّ نَمَتْ كما ينمو الدودُ، فتنحّى بها، فكان لا يشهد الصلاة بالليل ولا بالنهار، إلا مِن جمعة إلى جمعة مع رسول الله ﷺ، ثُمَّ نَمَتْ كما ينمو الدُّود، فضاق به مكانُه، فتنحّى به، فكان لا يشهدُ جمعةً ولا جنازةً مع رسول الله ﷺ، فجعل يتلقّى الرُّكبان ويسألهم عن الأخبار، وفقده رسول الله ﷺ، فسأل عنه، فأخبروه أن اشترى غنمًا، وأنّ المدينة ضاقَت به، وأخبروه خبرَه، فقال رسول الله ﷺ: «ويْح ثعلبة بن حاطب». ثم إنّ الله تعالى أمرَ رسولَه ﷺ أن يأخُذ الصَّدقات، وأنزل اللهُ عز وجل: ﴿خُذْ مِن أموالهم صدقةً﴾ الآية. فبعث رسولُ الله ﷺ رجُلين؛ رجلًا مِن جُهينةَ، ورجلًا من بني سلمة، يأْخذانِ الصدقةَ، وكتب لهما أسْنان الإبل والغنمِ، كيف يَأخذانِها على وجهها، وأمرهما أن يَمُرّا على ثعلبة بن حاطب وبرجُل مِن بني سُلَيْم، فخرجا، فمَرّا بثعلبة، فسألاه الصدقة، فقال: أرياني كتابكما. فنظر فيه، فقال: ما هذا إلا جِزْيَةٌ، انطلِقا حتى تفرُغا، ثم مُرّا بي. قال: فانطلقا، وسمع بهما السُّلَمِيُّ فاستقبلهما بخيارِ إبله، فقالا: إنّما عليك دون هذا. فقال: ما كنت أتقرَّب إلى الله إلّا بخير مالي. فقَبِلا، فلمّا فَرَغا مرّا بثعلبة، فقال: أرِياني كتابَكما. فنظر فيه، فقال: ما هذا إلا جزيةٌ، انطلِقا حتى أرى رأيي. فانطلقا حتى قدما المدينة، فلمّا رآهما رسولُ الله ﷺ قال قبْل أن يُكلمهما: «ويْح ثعلبة بن حاطبٍ». ودعا للسُّلَمِيِّ بالبركة، وأنزل اللهُ: ﴿ومنهم من عاهد الله لئنْ آتانا من فضله لنصَّدقن﴾ الثلاث آياتٍ. قال: فسمع بعضٌ مِن أقارب ثعلبة، فأتى ثعلبةَ، فقال: ويحك، يا ثعلبةُ، أنزلَ الله فيك كذا وكذا. قال: فقدم ثعلبة على رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، هذه صدقة مالي. فقال رسولُ الله ﷺ: «إنّ الله قد منعني أن أقبل منك». قال: فجعل يبكي، ويَحْثِي الترابَ على رأسه، فقال رسول الله ﷺ: «هذا عملُك بنفسك، أمرتك فلَمْ تُطِعْنِي». فلم يقبل منه رسولُ الله ﷺ حتى مضى، ثم أتى أبا بكرٍ، فقال: يا أبا بكرٍ، اقبل مِنِّي صدقتي، فقد عرفتَ منزلتي مِن الأنصار. فقال أبو بكر: لم يقبلْها رسول الله ﷺ، وأقبلها! فلم يقبلها أبو بكرٍ، ثم ولي عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه فأتاه، فقال: يا أبا حفص، يا أمير المؤمنين، اقبلْ مِنِّي صدقتي. وتثقَّل عليه بالمهاجرين والأنصار وأزواج رسول الله ﷺ، فقال عمرُ: لم يقبلها رسول الله ﷺ ولا أبو بكرٍ، أقبلها أنا! فأبى أن يقبلها، ثم ولي عثمانُ، فهلك في خلافة عثمان، وفيه نزلتْ: ﴿الذين يلمزون المطَّوعين من المؤمنينَ في الصَّدقات﴾. قال: وذلك في الصدقة
أفادت الآثارُ الاختلافَ في المراد بقوله تعالى: ﴿ألا تعولوا﴾، على قولين: أحدهما: أنّ المراد: ألّا تميلوا ولا تجوروا. وهذا قول الجمهور. والآخر: أنّ المراد: ألا تكثر عيالُكم فتفتَقِرُوا، وهو مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾، أي: فقرًا ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إنْ شاءَ﴾ [التوبة:٢٨]. وهذا قول زيد بن أسلم، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وسفيان بن عيينة. ورَجَّحَ ابنُ كثير (٣/٣٤٧) القولَ الأولَ، وانتَقَدَ القولَ الثانيَ عقلًا، فقال: «في هذا التفسير ههنا نظر، فإنّه كما يخشى كثرة العائلة من تعداد الحرائر، كذلك يخشى مِن تعداد السراري أيضًا. والصحيح قول الجمهور». وكذلك رجَّحَ ابنُ القيم (١/٢٦٥-٢٦٦) القولَ الأولَ، وأيَّدَه بأوجهٍ، منها: أنّه المعروف لغة، وقد روي عن النبي ﷺ، وروي عن عائشة، وابن عباس، ولم يعلم لهما مخالف من المفسرين، إلى غير ذلك من الأوجه التي تعود إلى اللغة، والسنّة، وأقوال السلف، والسياق، ودلالة العقل. ويُفهَم الترجيح أيضًا من كلام ابن جرير (٦/٣٧٦)، وكلام ابن تيمية (٢/١٩٧) حيث لم يذكر ابنُ جرير في المسألة إلا القولَ الأولَ، وعرَّض من خلاله بالقول الثاني. وبيَّنَ ابنُ تيمِيَّة قَدْحَ أكثرِ العلماء وتغليطَهم القولَ الثاني، فقال: «ظنَّ طائفةٌ مِن العلماء أنّ المراد: أن لا تكثر عيالُكم. وقالوا: هذا يدلُّ على وجوب نفقة الزوجة. وغلَّط أكثرُ العلماء مَن قال ذلك لفظًا ومعنى. أمّا اللفظ فلأنّه يُقال: عال يعول إذا جار. وعال يعيل إذا افتقر. وأعال يعيل إذا كثر عياله. وهو سبحانه قال: ﴿تعولوا﴾، لم يقل: تعيلوا. وأما المعنى فإنّ كثرة النفقة والعيال يحصل بالتسرِّي كما يحصل بالزوجات». وانتَقَدَ ابنُ عطية (٢/٤٦٨) هذا القدحَ مِن جهة الواقع، فقال: «هذا القدحُ غيرُ صحيحٍ؛ لأنّ السراري إنما هُنَّ مالٌ يتصرف فيه بالبيع، وإنّما العيال الفادح الحرائرُ ذوات الحقوق الواجبة»
اختُلِفَ في السبب الذي من أجله أُنزلت الآية على ثلاثة أقوال: أولها: أنها نزلت في غنائم بدر؛ نفَّل أقوامًا على بلاءٍ، فأبلى أقوام، وتخلَّف آخرون مع رسول الله ﷺ، فاختلفوا فيها بعد انقضاء الحرب، فأنزل الله هذه الآية على رسوله، يُعْلِمُهم أن ما فعل فيها رسول الله ﷺ فماضٍ جائزٌ. وثانيها: أنها أُنزِلت لأن بعض أصحاب رسول الله ﷺ سأله من المغنم شيئًا قبل قِسْمَتِها، فلم يعطه إياه؛ إذ كان شِرْكًا بين الجيش، فجعل الله جميعَ ذلك لرسول الله ﷺ. وثالثها: أنها نزلت؛ لأن أصحاب رسول الله ﷺ سألوا قسمة الغنيمة بينهم يوم بدر، فأعلمهم الله أنّ ذلك لله ولرسوله دونهم، ليس لهم فيه شيء. وقالوا: معنى ﴿عن﴾ في هذا الموضع: مِن. وإنما معنى الكلام: يسألونك مِن الأنفال. وبيَّنَ ابن جرير (١١/٢١) أنّ الأقوال الثلاثة جائزة في الآية، فقال: «وأَوْلى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى أخبر في هذه الآية عن قوم سألوا رسول الله ﷺ الأنفالَ أن يُعْطِيهُمُوها، فأخبرهم الله أنها لله، وأنه جعلها لرسوله. وإذا كان ذلك معناه، جاز أن يكون نزولها كان من أجل اختلاف أصحاب رسول الله ﷺ فيها، وجائز أن يكون كان من أجل مسألة من سأله السيف الذي ذكرنا عن سعد أنه سأله إياه، وجائز أن يكون من أجل مسألة مَن سأله قَسْم ذلك بين الجيش». وقال ابنُ عطية (٤/١٢٩): «يجيء من مجموع هذه الآثار: أنّ نفوس أهل بدر تنافرت، ووقع فيها ما يقع في نفوس البشر من إرادة الأثرة، لا سيما مَن أبلى، فأنزل الله عز وجل الآية، فرضي المسلمون وسلّموا، فأصلح الله ذات بينهم، ورَدَّ عليهم غنائمهم». ومال ابنُ تيمية (٣/٢٤٧) للقول الأول، فقال: «قد تنازع المسلمون يوم بدر في الأنفال، فقال الآخذون: هي لنا. وقال الذاهبون خلف العدو: هي لنا. وقال الحافظون لرسول الله ﷺ: هي لنا. حتى أنزل الله تعالى: ﴿يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم﴾»
لخَّصَ ابنُ عطية (٥/٥١٦) أقوال المفسرين في معنى قوله تعالى: ﴿بإمامهم﴾، فقال: ""وقوله: ﴿بإمامهم﴾ يحتمل أن يريد: باسم إمامهم. ويحتمل أن يريد: مع إمامهم. فعلى التأويل الأول: يقال: يا أمة محمد ﷺ، ويا أتباع فرعون، ونحو هذا. وعلى التأويل الثاني: تجيء كل أمة معها إمامها من هادٍ أو مضلّ. واختلف المفسرون في الإمام. فقال مجاهد وقتادة: نبيهم. وقال ابن زيد: كتابهم الذي نزل عليهم. وقال ابن عباس والحسن: كتابهم الذي فيه أعمالهم. وقالت فرقة: مُتَّبَعُهُم، مِن هادٍ أو مضلّ«. ثم ذَهَبَ إلى أنّ لفظة»الإمام«تعُمّ تلك الأقوال، فقال:»ولفظة «الإمام» تعُمّ هذا كله؛ لأن الإمام هو ما يؤتم به، ويُهْتَدى به في القصد"". ورجَّحَ ابنُ جرير (١٥/٨) القولَ الأخيرَ -بعد أن أدخل فيه القول الأول، أعني: قول مجاهد، وقتادة- استنادًا إلى الأغلب في اللغة، فقال: «أولى هذه الأقوال عندنا بالصواب قولُ مَن قال: معنى ذلك: يوم ندعو كل أناس بإمامهم الذي كانوا يقتدون به، ويأتمون به في الدنيا. لأن الأغلب من استعمال العرب»الإمام«فيما ائْتُمَّ واقتدي به، وتوجيه معاني كلام الله إلى الأشهر أولى، ما لم تثبت حجة بخلافه يجب التسليم لها». وهذا ظاهر كلام ابن تيمية (٤/٢٣٧). ورجَّحَ ابنُ كثير (٩/٤٧-٤٨بتصرف) أنّ «الإمام» هو كتاب أعمالهم، كما قال ابن عباس، والحسن، استنادًا إلى النظائر والسياق، فقال: «المراد هاهنا بالإمام هو: كتاب الأعمال؛ ولذا قال تعالى: ﴿يوم ندعو كل أناس بإمامهم فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرءون كتابهم﴾... وهذا القول هو الأرجح؛ لقوله تعالى: ﴿وكل شيء أحصيناه في إمام مبين﴾ [يس:١٢]، وقال تعالى: ﴿ووُضِعَ الكِتابُ فَتَرى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ ويَقُولُونَ يا ويْلَتَنا مالِ هَذا الكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلّا أحْصاها ووَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا﴾ [الكهف:٤٩]»