اختُلِف في تأويل الأمانة على ثلاثة أقوال: أولها: أنها كل شيء يؤتمن الإنسان عليه مِن أمر ونهي وشأنِ دينٍ ودنيا، فالشرع كله أمانة. والثاني: أنها الأمانات التي يأتمن الناس بعضهم بعضًا عليها مِن مال وغيره. والثالث: أنها ائتمان آدم ابنه قابيل على أهله وولده حين أراد التوجه إلى أمر ربه، فخان قابيل الأمانة في قتل أخيه هابيل. ورجَّحَ ابنُ جرير (١٩‏/‏٢٠٤-٢٠٥) القولَ الأولَ -وهو قول الجمهور- استنادًا إلى عموم لفظ الآية، فقال: «أولى الأقوال في ذلك بالصواب ما قاله الذين قالوا: إنه عنى بالأمانة في هذا الموضع: جميع معاني الأمانات في الدين، وأمانات الناس، وذلك أن الله لم يخص بقوله: ﴿عرضنا الأمانة﴾ بعض معاني الأمانات لما وصفنا». وقال ابنُ كثير (١١‏/‏٢٥١): «كل هذه الأقوال لا تنافي بينها، بل متفقة، وراجعة إلى أنها التكليف وقبول الأوامر والنواهي بشرطها، وهو أنه إن قام بذلك أثيب وإن تركها عوقب، فقبلها الإنسان على ضعفه وجهله وظلمه إلا مَن وفق الله». وذكر ابنُ عطية (٧‏/‏١٥٣) قولين آخرين: الأول: أن معنى الآية: إنا عرضنا الأمانة في نواهينا وأوامرنا على هذه المخلوقات فقمن بأمرنا، وأطعن فيما كلفناها، وتأبّين من حمل المذمة في معصيتنا، وحمل الإنسان المذمة فيما كلفناه من أوامرنا وشرعنا، ونسبه للزجاج، وعلَّق عليه بقوله: «و﴿الإنْسانُ﴾ -على تأويله-: الكافر والعاصي». ثم قال (ط: دار العلمية ٤‏/‏٤١٢): «وتستقيم هذه الآية مع قوله تعالى: ﴿أتَيْنا طائِعِينَ﴾ [فصلت:١١]، فعلى التأويل الذي حكيناه عن الجمهور [يعني: القول الأول] يكون قوله تعالى: ﴿أتَيْنا طائِعِينَ﴾ إجابة لأمر أمرت به، وتكون هذه الآية إباية وإشفاقًا من أمر عرض عليها وخيرت فيه». الثاني: أن الآية من المجاز، أي: أنا إذا قايسنا ثقل الأمانة بقوة السماوات والأرض والجبال رأينا أنها لا تطيقها، وأنها لو تكلمت لأبتها وأشفقت، فُعبّر عن هذا المعنى بالآية، وهذا كما تقول: عرضت الحمل على البعير فأباه. وأنت تريد بذلك قايست قوته بثقل الحمل فرأيت أنها تقصر عنه

اختُلف في النازعات ما هي؟ وما تَنزع؟ على أقوال: الأول: أنها الملائكة تَنزع نفوسَ بني آدم. الثاني: أنه الموت يَنزع النفوس. الثالث: أنها النُّجوم تَنزع من أفق إلى أفق. الرابع: أنها القسي تُنزع بالسهم. الخامس: أنها النفس حين تُنزع. وقد ذكر ابنُ جرير (٢٤‏/‏٥٩) هذه الأقوال، ورجّح العموم فيها، فقال: «والصواب من القول في ذلك عندي أن يُقال: إنّ الله -تعالى ذِكْره- أقسم بالنازعات غرقًا، ولم يخصص نازعة دون نازعة، فكلّ نازعة غرقًا فداخلة في قَسمه؛ مَلَكًا كان، أو موتًا، أو نجمًا، أو قوسًا، أو غير ذلك. والمعنى: والنازعات إغراقًا، كما يغرق النازع في القوس». ورجّح ابنُ القيم (٣‏/‏٢٤٩-٢٥٠ بتصرف) -مستندًا إلى الدلالة العقلية- القول الأول، فقال: «قلتُ: النازعات اسم فاعل من نزع، ويقال: نزع كذا إذا اجتذبه بقوة، ونزع عنه إذا خلّاه وتركه بعد ملابسته له، ونزع إليه إذا ذهب إليه ومال إليه. وهذا إنما تُوصف به النفوس التي لها حركة إرادية للميل إلى الشيء أو الميل عنه، وأحقّ ما صدق عليه هذا الوصف الملائكة؛ لأنّ هذه القوة فيها أكمل، وموضع الآية فيها أعظم، فهي التي تُغرق في النزع إذا طلبتْ ما تنزعه، أو تنزع إليه، والنفس الإنسانية أيضًا لها هذه القوة». ووافقه ابنُ كثير (١٤‏/‏٢٣٨) بقوله: «والصحيح الأول، وعليه الأكثرون». ثم وجّه ابنُ القيم بقية الأقوال الواردة عن السلف، فقال: «والنُّجوم أيضًا تَنزع من أفق إلى أفق؛ فالنّزع حركة شديدة؛ سواء كانت من مَلَك، أو نفس إنسانية، أو نجم، والنفوس تَنزع إلى أوطانها وإلى مألفها، وعند الموت تَنزع إلى ربها المنايا تنزع النفوس، والقِسِيُّ تُنزع بالسهام، والملائكة تنزِع مِن مكان إلى مكان، وتَنزع ما وُكِلتْ بنَزعه، والخيل تَنزع في أعنّتها نزعًا تغرق فيه الأعنة لطول أعناقها. فالصفة واقعة على كلّ مَن له هذه الحركة التي هي آيةٌ مِن آيات الرّبّ تعالى؛ فإنه هو الذي خَلَقها، وخَلَق محلَّها، وخَلَق القوة والنفس التي بها تتحرك، ومن ذكر صورة من هذه الصور فإنما أراد التمثيل، وإن كانت الملائكة أحقَّ مَن تناوله هذا الوصف... وهذا أولى الأقوال»

سورة المائدة — الآية ١٢

عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- قال: أُمِر موسى أن يسير ببني إسرائيل إلى الأرض المقدسة، وقال: إنِّي قد كتبتها لكم دارًا وقرارًا ومنزلًا، فاخرج إليها، وجاهد مَن فيها من العدوِّ، فإني ناصركم عليهم، وخذ من قومك اثني عشر نقيبًا، مِن كل سبط نقيبًا، يكون على قومه بالوفاء منهم على ما أُمِروا به، وقل لهم: إنّ الله يقول لكم: إني معكم ﴿لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة﴾ إلى قوله: ﴿فقد ضل سواء السبيل﴾. وأخذ موسى منهم اثني عشر نقيبًا، اختارهم من أسباط، كفلاء على قومهم بما هم فيه على الوفاء بعهده وميثاقه، وأخذ من كل سبط منهم خيرَهم وأوفاهم رجلًا. يقول الله عز وجل: ﴿ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا﴾. فسار بهم موسى إلى الأرض المقدسة بأمر الله، حتى إذا نزل التِّيهَ بين مصر والشام، وهي بلادٌ ليس فيها خَمَرٌ ولا ظِلٌّ، دعا موسى ربَّه حين آذاهم الحرُّ، فظلَّل عليهم بالغمام، ودعا لهم بالرزق، فأنزل الله عليهم المن والسلوى. وأمر الله موسى، فقال: أرسل رجالًا يتجسسون إلى أرض كنعان التي وهبتُ لبني إسرائيل، من كل سبط رجلًا. فأرسل موسى الرءوس كلهم الذين فيهم، فبعث الله عز وجل من بَرِّيَّةِ فاران بكلام الله، وهم رءوس بني إسرائيل. وهذه أسماء الرَّهْط الذين بعث الله من بني إسرائيل إلى أرض الشام -فيما يذكر أهل التوراة- ليَجُوسُوها لبني إسرائيل: من سِبْطِ روبيلَ: شامونُ بن ركونَ، ومن سبط شمعون: سافاطُ بن حُرى، ومن سبط يهوذا: كالِبُ بن يوفنا، ومن سبط أبينَ: يجائلُ بن يوسف، ومن سبط يوسف -وهو سبط إفراييمُ-: يوشع بن نون، ومن سبط بنيامين: فَلْطُ بن دَفُونَ، ومن سبط زَبالونَ: حدى بن سُودى، ومن سبط يوسف -وهو منشّا بن يوسف-: حدى بن سُوسا، ومن سبط دان: حملائلُ بن حملٍ، ومن سبط أشرَ: سابورُ بن ملكيلَ، ومن سبط نفتالى: بحرُ بن وفْسِي، ومن سبط دارٍ: حولايلُ بن منكدَ. فهذه أسماء الذين بعثهم موسى يتحسسون له الأرض، ويومئذٍ سُمِّي هوشع بن نون: يوشع بن نون، فأرسلهم وقال لهم: ارتفعوا قِبَلَ الشمس، فارْقَوا الجبل، وانظروا ما في الأرض، وما الشَّعْبُ الذي يسكنونه، أقوياء هم أم ضعفاء؟ أقليل هم أم هم كثير؟ وانظروا أرضهم التي يسكنون أسمينة هي أم هزيلة؟ ذات شجر أم لا؟ اجتازوا واحملوا إلينا من ثمرة تلك الأرض. وكان في أول ما سَمّى بِكْرُ ثمرةِ العنب

سورة مريم — الآية ١٧

عن نوف البِكاليّ -من طريق أبي عمران الجَوْنِيِّ- قال: كانت مريم عليها السلام فتاة بتولًا، وكان زكريا زوج أختها كفلها، فكانت معه، فكان يدخل عليها يُسَلِّمُ عليها، فتُقَرِّبُ إليه فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، فدخل عليها زكريا مرَّة، فقرَّبت إليه بعض ما كانت تُقَرِّب، ﴿قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب هنالك دعا زكريا ربه﴾ إلى قوله: ﴿آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا زمرا﴾ [آل عمران:٣٧-٤١]. قال: يُخْتَمُ على لسانك فلا تكلِّمُ الناس ﴿ثلاث ليال سويا﴾: صحيحًا. ﴿فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم﴾ كتب لهم ﴿أن سبحوا بكرة وعشيا﴾. قال: فبينما هي جالسة في منزلها إذا رجل قائم بين يديها قد هَتَكَ الحُجُبَ، فلمّا رأته قالت: ﴿إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا﴾. قال: فلما ذكرت الرحمن فزع جبريل عليه السلام، قال: ﴿إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا﴾ إلى قوله: ﴿وكان أمر مقضيا﴾. فنفخ في جيبها جبريلُ، فحملت، حتى إذا أثْقَلَتْ وجِعَتْ ما توجع النساء، وكانت في بيت النبوة، فاستحيت، وهربت حياءً مِن قومها، فأخذت نحو المشرق، وخرج قومها في طلبها، فجعلوا يسألون: رأيتم فتاة كذا وكذا؟ فلا يخبرهم أحد، وأخذها ﴿المخاض إلى جذع النخلة﴾ فتساندت إلى النخلة، قالت: ﴿يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا﴾ قال: حيضة من حيضة، ﴿فناداها من تحتها﴾ قال: جبريل مِن أقصى الوادي: ﴿أن لا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا﴾ قال: جدولًا، ﴿وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا﴾. فلمّا قال لها جبريلُ اشتدَّ ظهرها، وطابت نفسها، فقطعت سَرَرَه، ولفَّته في خِرْقَة، وحملته، فلقي قومها راعي بقر وهم في طلبها، قالوا: يا راعي، هل رأيت فتاة كذا وكذا؟ قال: لا، ولكن رأيت الليلة مِن بقري شيئًا لم أره منها قطُّ فيما خلا. قال: وما رأيتها منها؟ قال: رأيتها باتت سُجَّدًا نحو هذا الوادي. فانطلقوا حيث وصف لهم، فلما رأتهم مريم جلست، وجعلت تُرضِع عيسى، فجاؤوا حتى وقفوا عليها، فقالوا: ﴿يا مريم لقد جئت شيئا فريا﴾ قال: أمرًا عظيمًا، ﴿فأشارت إليه﴾ أن كلِّموه، فعجبوا منها، ﴿قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبي﴾؟! والمهد: حِجْرُها. فلما قالوا ذلك ترك عيسى ثديَها، واتَّكأ على يساره، ثم تكلم، ﴿قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا﴾. قال: واختلف الناس فيه

سورة الفجر — الآية ٢٢

عن عبد الله بن عباس -من طريق شَهْر بن حَوْشَب- أنه قال: إذا كان يوم القيامة مُدّت الأرض مَدّ الأديم، وزِيد في سعتها كذا وكذا، وجمع الخلائق بصعيد واحد؛ جِنّهم وإنسِهم، فإذا كان ذلك اليوم قِيضتْ هذه السماء الدنيا عن أهلها على وجه الأرض، ولأهل السماء وحدهم أكثر من أهل الأرض جِنّهم وإنسِهم بضعْفٍ، فإذا نُثِروا على وجه الأرض فزعوا منهم، فيقولون: أفيكم ربّنا؟ فيَفزعون مِن قولهم، ويقولون: سبحان ربّنا، ليس فينا، وهو آتٍ. ثم تُقاض السماء الثانية، ولَأهل السماء الثانية وحدهم أكثر مِن أهل السماء الدنيا ومِن جميع أهل الأرض بضعْف جِنّهم وإنسِهم، فإذا نُثِروا على وجه الأرض فزع إليهم أهل الأرض، فيقولون: أفيكم ربّنا؟ فيَفزعون من قولهم، ويقولون: سبحان ربّنا، ليس فينا، وهو آتٍ. ثم تُقاض السموات سماء سماء، كلما قِيضتْ سماء عن أهلها كانت أكثر من أهل السموات التي تحتها ومن جميع أهل الأرض بضعْفٍ، فإذا نُثِروا على وجه الأرض فزع إليهم أهل الأرض، فيقولون لهم مثل ذلك، ويرجعون إليهم مثل ذلك، حتى تُقاض السماء السابعة، فلَأهل السماء السابعة أكثر من أهل ست سموات ومِن جميع أهل الأرض بضعْفٍ، فيجيء الله فيهم، والأمم جُثًا صفوف، وينادي منادٍ: ستعلمون اليوم مَن أصحاب الكرم، لِيَقُم الحَمُّادون لله على كل حال. قال: فيقومون، فيَسْرَحون إلى الجنة؛ ثم ينادي الثانية: ستعلمون اليوم مَن أصحاب الكرم، أين الذين كانت ﴿تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وطَمَعًا ومِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة:١٦]؟ فيقومون، فيَسْرَحون إلى الجنة؛ ثم ينادي الثالثة: ستعلمون اليوم مَن أصحاب الكرم، أين الذين ﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وإقامِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ والأَبْصارُ﴾ [النور:٣٧]؟ فيقومون، فيَسْرَحون إلى الجنة، فإذا أخذ من هؤلاء ثلاثة خرج عُنقٌ من النار، فأشرف على الخلائق، له عينان تُبصِران، ولسان فصيح، فيقول: إنّي وُكِّلتُ منكم بثلاثة: بكلّ جبّار عنيد. فيَلْقُطُهم من الصفوف لَقْط الطير حبَّ السِّمْسم، فيُحبس بهم في جهنم، ثم يخرج ثانية، فيقول: إني وُكِّلتُ منكم بمن آذى الله ورسوله. فيَلْقُطُهم لَقْط الطير حبَّ السِّمْسم، فيُحبس بهم في جهنم، ثم يخرج ثالثة، قال عوف، قال أبو المنهال: حسبتُ أنه يقول: وُكِّلتُ بأصحاب التصاوير. فيَلتقطهم من الصفوف لَقْط الطير حبَّ السِّمْسم، فيُحبس بهم في جهنم، فإذا أخذ من هؤلاء ثلاثة ومن هؤلاء ثلاثة نُشرت الصحف، ووُضعت الموازين، ودُعي الخلائق للحساب

اختُلِف فيمن يستحق اسم الوليّ على ثلاثة أقوال: أولها: أنَّ الولِيَّ: مَن يُذْكَرُ الله لرؤيته، لما عليه مِن سيما الخير والإخبات. وثانيها: أنّ الأولياء قوم تحابُّوا في الله واجتمعوا في ذاتِه لم تجمعهم قرابة ولا مال يَتَعاطَوْنَه. وثالثها: أنّ الوليَّ هو المؤمن التقيّ، وهذا قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وذَهَبَ ابنُ جرير (١٢‏/‏٢١٢-٢١٣) إلى ما ذهب إليه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم؛ استنادًا إلى السياق، فقال: «الصوابُ مِن القول في ذلك أن يُقال: الولي -أعني: ولي الله- هو مَن كان بالصِّفة التي وصفه الله بها، وهو الذي آمن واتقى، كما قال الله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾». وكذلك قال ابنُ تيمية (٣‏/‏٤٨٦-٤٨٧). وقال ابنُ القيم (٢‏/‏٤٠-٤١): «أولياء الرحمن لا خوف عليهم ولاهم يحزنون، هم الذين آمنوا وكانوا يتقون، وهم المذكورون في أول سورة البقرة إلى قوله: ﴿هم المفلحون﴾ [البقرة:١-٥]، وفي وسطها في قوله: ﴿ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر﴾ إلى قوله: ﴿أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون﴾ [البقرة:١٧٧]، وفي أول الأنفال إلى قوله: ﴿لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم﴾ [الأنفال:١-٤]، وفي أول سورة المؤمنين إلى قوله: ﴿هم فيها خالدون﴾ [المؤمنون:١-١١]، وفي آخر سورة الفرقان، وفي قوله: ﴿إن المسلمين والمسلمات﴾ إلى آخر الآية [الأحزاب:٣٥]، وفي قوله: ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون * الذين آمنوا وكانوا يتقون﴾، وفي قوله: ﴿ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون﴾ [النور:٥٢]، وفي قوله: ﴿إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون﴾ إلى قوله: ﴿في جنات مكرمون﴾ [المعارج:٢٢-٣٥]، وفي قوله: ﴿التائبون العابدون الحامدون﴾ إلى آخر الآية [التوبة:١١٢]. فأولياء الرحمن هم المخلصون لربهم، المحكمون لرسوله في الحرم والحِلِّ، الذين يخالفون غيره لسُنَّته ولا يخالفون سُنَّته لغيرها، فلا يبتدعون ولا يدعون إلى بِدْعَة، ولا يَتَحَيَّزون إلى فئةٍ غير الله ورسوله وأصحابه، ولا يتخذون دينهم لهوًا ولعبًا، فأولياء الرحمن المتلبسون بما يحبه وليهم، الداعون إليه، المحاربون لِمَن خرج عنه»

اختُلِف في تأويل قوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ وتُؤْوِي إلَيْكَ مَن تَشاءُ﴾ على أربعة أقوال: أولها: أن المعنى: تعزل من شئت من أزواجك فلا تأتيها، وتأتي من شئت من أزواجك فلا تعزلها، والقَسْم على هذا التأويل كان ساقطًا عنه ﷺ. والثاني: أن المعنى: تترك نكاح مَن تشاء، وتنكح من تشاء مِن نساء أُمّتك. والثالث: أن المعنى: تطلق من تشاء من نسائك، وتمسك من تشاء منهن. والرابع: أن المعنى: تؤخر من تشاء من الواهبات، وتضم إليك من تشاء منهن. واختار ابنُ جرير (١٩‏/‏١٤٣) أنّ الآية عامة في الواهبات، وفي النساء اللاتي عنده أنه مخير فيهن، إن شاء قسم، وإن شاء لم يقسم؛ لعدم الحصر، فقال: «أولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يقال: إن الله -تعالى ذِكْرُه- جعل لنبيه أن يرجي من النساء اللواتي أحلهن له من يشاء، ويؤوي إليه منهن من يشاء، وذلك أنه لم يحصر معنى الإرجاء والإيواء على المنكوحات اللواتي كُنَّ في حباله -ثَمَّ نزلت هذه الآية- دون غيرهن مِمَّن يستحدث إيواءها أو إرجاءها منهن. وإذ كان ذلك كذلك فمعنى الكلام: تؤخر من تشاء مِمَّن وهبت نفسها لك، وأحللت لك نكاحها، فلا تقبلها ولا تنكحها، أو ممن هن في حبالك؛ فلا تقربها، وتضم إليك من تشاء ممن وهبت نفسها لك أو أردت من النساء اللاتي أحللت لك نكاحهن؛ فتقبلها أو تنكحها، ومِمَّن هي في حبالك؛ فتجامعها إذا شئت وتتركها إذا شئت بغير قسم». ومالَ ابنُ كثير (١١‏/‏١٩٦) إلى اختيار ابن جرير، مستندًا إلى السياق، فقال: «هذا الذي اختاره حسن جيّد قويّ، وفيه جمع بين الأحاديث، ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ تَقَرَّ أعْيُنُهُنَّ ولا يَحْزَنَّ ويَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ أي: إذا عَلِمْنَ أنّ الله قد وضع عنك الحرج في القسم، فإن شئت قسمت وإن شئت لم تقسم، لا جناح عليك في أي ذلك فعلت، ثم مع هذا أن تقسم لهنَّ اختيارًا منك، لا أنه على سبيل الوجوب، فَرِحْن بذلك واستبشرن به، وحملن جميلك في ذلك، واعْتَرَفْن بمِنَّتك عليهن في قسمتك لهن وتسويتك بينهن وإنصافك لهن وعدلك فيهن». وعلَّقَ ابنُ عطية (٧‏/‏١٣٤) على كلّ تلك الأقوال بقوله: «وعلى كل معنى فالآية معناها التوسعة على رسول الله ﷺ، والإباحة له»

اختُلِف في تأويل قوله تعالى: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ﴾ على ثلاثة أقوال: أولها: أن المعنى: لا يحل لك النساء من بعد نسائك اللاتي خيرتهن فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة. وهذا قول ابن عباس، وقتادة. والثاني: أن المعنى: لا يحل لك النساء من بعد الذي أحللنا لك بقولنا: ﴿إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ... ﴾ إلى قوله: ﴿وامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إنْ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ... ﴾ الآية. وهذا قول أُبَيّ بن كعب، وأبي صالح، والضحاك. والثالث: أن المعنى: لا يحل لك النساء من غير المسلمات، فأما اليهوديات والنصرانيات والمشركات فحرام عليك. وهذا قول مجاهد. ورجَّحَ ابنُ جرير (١٩‏/‏١٥٠) أنّ الآية عامة فيمن ذُكِر من أصناف النساء، وفي النساء اللواتي في عصمته -وهو عين القول الثاني- وانتَقَدَ القولَ الثالثَ مستندًا إلى السياق، فقال: «إنما قلت ذلك أولى بتأويل الآية؛ لأن قوله: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ﴾ عقيب قوله: ﴿إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ﴾، وغير جائز أن يقول: قد أحللت لك هؤلاء، ولا يحللن لك. إلا بنسخ أحدهما صاحبه، وعلى أن يكون وقت فرض إحدى الآيتين فعل الأخرى منهما، فإذ كان ذلك كذلك ولا دلالة ولا برهان على نسخ حكم إحدى الآيتين حكم الأخرى، ولا تقدم تنزيل إحداهما قبل صاحبتها، وكان غير مستحيل مخرجهما على الصحة؛ لم يجز أن يقال: إحداهما ناسخة الأخرى. وإذ كان ذلك كذلك، ولم يكن لقول من قال: معنى ذلك: لا يحل من بعد المسلمات يهودية ولا نصرانية ولا كافرة. معنى مفهوم؛ إذ كان قوله: ﴿مِن بَعْدُ﴾ إنما معناه: من بعد المسميات المتقدم ذكرهن في الآية قبل هذه الآية، ولم يكن في الآية المتقدم فيها ذكر المسميات بالتحليل لرسول الله ﷺ -ذكرُ إباحة المسلمات كلهن، بل كان فيها ذكرُ أزواجه، وملك يمينه الذي يفيء الله عليه، وبنات عمه وبنات عماته، وبنات خاله وبنات خالاته اللاتي هاجرن معه، وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي، -فتكون الكوافر مخصوصات بالتحريم-، صحّ ما قلنا في ذلك، دون قول مَن خالف قولنا فيه». ومالَ ابنُ كثير (١١‏/‏١٩٦) إلى اختيار ابن جرير، فقال: «هذا الذي قاله جيد، ولعله مراد كثير ممن حكينا عنه من السلف، فإنّ كثيرًا منهم روي عنه هذا وهذا، ولا منافاة»

اختُلف في معنى: ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ على أقوال: الأول: صدَّق بالخَلَفِ من الله. الثاني: صدَّق بأنّ الله واحدٌ لا شريك له. الثالث: صدَّق بالجنة. الرابع: صدَّق بموعود الله. ووجَّه ابنُ القيم (٣‏/‏٣١٨-٣١٩) الأقوال الثلاثة الأولى بقوله: «والأقوال الثلاثة ترجع إلى أفضل الأعمال وأفضل الجزاء. فمن فسَّرها بلا إله إلا الله فقد فسَّرها بمفرد يأتي بكل جمع؛ فإنّ التصديق الحقيقي بلا إله إلا الله يستلزم التصديق بشُعَبها وفروعها كلّها، وجميع أصول الدين وفروعه مِن شُعَب هذه الكلمة، فلا يكون العبد مُصدِّقًا بها حقيقة التصديق حتى يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ولقائه، ولا يكون مؤمنًا بالله إله العالمين حتى يؤمن بصفات جلاله ونعوت كماله، ولا يكون مؤمنًا بأنّ الله لا إله إلا هو حتى يسلب خصائص الإلهية عن كلّ موجود سواه، ويسلبها عن اعتقاده وإرادته كما هي منفيّة في الحقيقة والخارج، ولا يكون مُصدّقًا بها من نفى الصفات العليا، ولا من نفى كلامه وتكليمه، ولا من نفى استوائه على عرشه، وأنه يُرفع إليه الكلم الطيّب والعمل الصالح، وأنه رَفع المسيح إليه وأسرى برسوله إليه، وأنه يُدبّر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه، إلى سائر ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله. ولا يكون مؤمنًا بهذه الكلمة مُصدّقًا بها على الحقيقة مَن نفى عموم خَلْقه لكلّ شيء، وقدرته على كلّ شيء، وعلْمه بكلّ شيء، وبعْثة الأجساد من القبور ليوم النشور. ولا يكون مُصدّقًا بها مَن زعم أنه يترك خَلْقه سُدًى لم يأمرهم ولم ينههم على ألسنة رسله. وكذلك التصديق بها يقتضي الإذعان، والإقرار بحقوقها، وهي شرائع الإسلام التي هي تفصيل هذه الكلمة بالتصديق بجميع أخباره وامتثال أوامره واجتناب نواهيه هو تفصيل لا إله إلا الله، فالمُصدِّق بها على الحقيقة الذي يأتي بذلك كلّه. وكذلك لم تحصل عصمة المال والدم على الإطلاق إلا بها، وبالقيام بحقّها، وكذلك لا تحصل النجاة من العذاب على الإطلاق إلا بها وبحقّها. فالعقوبة في الدنيا والآخرة على تَرْكها أو تَرْك حقّها. ومَن فسّر الحُسنى بالجنة فسّرها بأعلى أنواع الجزاء وكماله. ومَن فسّرها بالخَلف ذكر نوعًا من الجزاء، فهذا جزاء دنيوي، والجنة الجزاء في الآخرة، فرجع التصديق بالحُسنى إلى التصديق بالإيمان وجزائه، والتحقيق أنها تتناول الأمرين». ورجَّح ابنُ جرير (٢٤‏/‏٤٦٥) القول الأول مستندًا إلى السنة، والسياق. وهو قول ابن عباس من طريق عكرمة، وقول مجاهد من طريق أبي هاشم المكي، وقول عكرمة، ومقاتل، وعلَّل ذلك بقوله: «لأنّ الله -جلَّ ثناؤه- ذكر قبلَه مُنفِقًا أنفق طالبًا بنفقته الخَلَفَ منها، فكان أولى المعاني به أن يكون الذي عَقِيبَه الخبرُ عن تصديقه بوعد الله إيّاه بالخَلَف، إذ كانت نفقته على الوجْه الذي يرضاه، مع أنّ الخبر عن رسول الله بنحو الذي قلنا في ذلك ورد». ثم ذكر حديث أبي الدّرداء الوارد في نزول الآيات. وزاد ابنُ عطية (٨‏/‏٦٣٥) قولًا نقله عن كثير من المتأولين أنّ معنى: «الحُسنى: الأجر والثواب مجملًا»

سورة الفرقان — الآية ٧

عن عبد الله بن عباس -من طريق محمد بن إسحاق، عن شيخ له، عن عكرمة-: أنّ عتبة وشيبة ابني ربيعة، وأبا سفيان بن حرب، والنضرَ بن الحارث، وأبا البختري، والأسود بن المطلب، وزمعة بن الأسود، والوليد بن المغيرة، وأبا جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي أمية، وأمية بن خلف، والعاصي بن وائل، ونبيه بن الحجاج؛ اجتمعوا، فقال بعضُهم لبعض: ابعثوا إلى محمد، فكلِّموه، وخاصموه، حتى تعذروا منه. فبعثوا إليه: إنّ أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك. قال: فجاءهم رسولُ الله ﷺ، فقالوا له: يا محمد، إنّا بعثنا إليك لِنعذر منك، فإن كنتَ إنّما جئتَ بهذا الحديث تطلب به مالًا جمعنا لك مِن أموالنا، وإن كنت تطلب الشرفَ فنحن نُسَوِّدك، وإن كنتَ تريد به مُلْكًا مَلَّكناك. فقال رسول الله ﷺ: «ما بي مِمّا تقولون، ما جئتكم بما جئتكم به أطلبُ أموالَكم، ولا الشرفَ فيكم، ولا المُلْكَ عليكم، ولكنَّ الله بعثني إليكم رسولًا، وأنزل عَلَيَّ كتابًا، وأمرني أن أكون لكم بشيرًا ونذيرًا؛ فبلَّغْتُكم رسالةَ ربي، ونصحت لكم، فإن تقبلوا مِنِّي ما جئتكم به فهو حظُّكم في الدنيا والآخرة، وإن تردُّوه عَلَيَّ أصبرْ لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم». قالوا: يا محمد، فإن كنت غير قابل مِنّا شيئًا مِمّا عرضنا عليك -أو قالوا: فإذا لم تقبل هذا- فسَل لنفسك، وسل ربَّك أن يبعث معك ملَكًا يُصَدِّقك بما تقول، ويراجعنا عنك، وسله أن يجعل لك جنانًا وقصورًا مِن ذهب وفضة؛ تُغنيك عمّا تبتغي، فإنّك تقوم بالأسواق، وتلتمس المعاشَ كما نلتمسه، حتى نعرف فضلَك ومنزلتك مِن ربِّك إن كنت رسولًا كما تزعم. فقال لهم رسول الله ﷺ: «ما أنا بفاعل، ما أنا بالذي يسأل ربَّه هذا، وما بُعِثتُ إليكم بهذا، ولكنَّ الله بعثني بشيرًا ونذيرًا». فأنزل الله في قولهم ذلك: ﴿وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام﴾ إلى قوله: ﴿وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرًا﴾. أي: جعلتُ بعضكم لبعض بلاءً لتصبروا، ولو شئتُ أن أجعل الدنيا مع رسولي فلا تخالفوه لَفَعَلْتُ