عن عبد الله بن عباس -من طريق الكلبي، عن أبي صالح-، وعن عبد الرحمن بن غَنْم، عن أصحاب رسول الله - ﷺ -، وذكره محمد بن إسحاق بن يسار، وقد دَخَل حديثُ بعضِهم في بعض، قالوا: لَمّا هاجر جعفر بن أبي طالب وأصحابه إلى الحبشة، واستقرت بهم الدار، وهاجر رسول الله - ﷺ - إلى المدينة، وكان مِن أمر بدر ما كان؛ اجتمعت قريش في دار النَّدْوَة، وقالوا: إنّ لنا في أصحاب محمد الذين عند النجاشي ثأرًا بِمَن قُتل منكم ببدر، فاجمعوا مالًا، وأهدوه إلى النجاشي، لعله يدفع إليكم مَن عِندَه من قومكم، ولينتدب لذلك رجلان مِن ذوي آرائكم. فبعثوا عمرو بن العاص وعمارة بن أبي مُعَيط مع الهدايا: الأُدُم وغير ذلك، فركبا البحر، وأتيا الحبشة، فلما دخلا على النجاشي سجدا له، وسلَّما عليه، وقالا له: إنّ قومنا لك ناصحون شاكرون، ولصلاحك مُحِبُّون، وإنّهم بعثونا إليك لِنُحَذِّرك هؤلاء القوم الذين قدموا عليك؛ لأنهم قوم رجل كذّاب، خرج فينا يزعم أنّه رسول الله، ولم يتابعه أحدٌ مِنّا إلا السفهاء، وإنّا كُنّا قد ضَيَّقنا عليهم الأمرَ، وألجأناهم إلى شِعْبٍ بأرضنا، لا يدخل عليهم أحد، ولا يخرج منهم أحد، قد قتلهم الجوع والعطش، فلمّا اشتد عليهم الأمرُ بَعَثَ إليك ابنَ عمه لِيُفْسِد عليك دينك وملكك ورعيتك، فاحذرهم، وادفعهم إلينا؛ لِنَكْفِيكَهُم. قالوا: وآيةُ ذلك أنّهم إذا دخلوا عليك لا يسجدون لك، ولا يُحَيُّونك بالتحية التي يُحَيِّيك بها الناسُ؛ رغبةً عن دينِك وسُنَّتِك. قال: فدعاهم النجاشيُّ، فلما حضروا صاح جعفر بالباب: يستأذن عليك حِزبُ الله. فقال النجاشيُّ: مُرُوا هذا الصّائِح فلْيُعِدْ كلامه. ففعل جعفر، فقال النجاشي: نعم، فليدخلوا بأمان الله وذِمَّته. فنظر عمرو بن العاص إلى صاحبه، فقال: ألا تسمع كيف يَرطُنُون بحزب الله، وما أجابهم به النجاشي. فساءهما ذلك، ثم دخلوا عليه، ولم يسجدوا له، فقال عمرو بن العاص: ألا ترى أنهم يستكبرون أن يسجدوا لك؟ فقال لهم النجاشي: ما يمنعكم أن تسجدوا لي، وتُحَيُّوني بالتَّحِيَّة التي يُحَيِّيني بها مَن أتاني مِن الآفاق؟ قالوا: نسجد لله الذي خلقك ومَلَكَك، وإنّما كانت تلك التحية لنا ونحن نعبد الأوثان، فبعث الله فينا نبيًّا صادِقًا، وأمرنا بالتحية التي رضيها الله لنا، وهي السلام، تَحِيَّةُ أهل الجنة. فعرف النَّجاشيُّ أنّ ذلك حق، وأنّه في التوراةوالإنجيل. قال: أيُّكم الهاتِفُ: يستأذن عليك حزب الله؟ قال جعفر: أنا. قال: فتكَلَّم. قال: إنّك مَلِك مِن ملوك أهل الأرض، ومِن أهل الكتاب، ولا يصلح عندك كثرة الكلام، ولا الظلم، وأنا أُحِبُّ أن أُجِيب عن أصحابي، فمُرْ هذين الرجلين فليتكلم أحدُهما ولْيُنصِت الآخر، فتسمع محاورتنا. فقال عمرو لجعفر: تكلَّم. فقال جعفر للنجاشي: سَلْ هذا الرجل: أعبيد نحن أم أحرار؟ فإن كُنّا عبيدًا أبَقْنا مِن أربابنا فارددنا إليهم. فقال النجاشي: أعبيد هم أم أحرار؟ فقال: بل أحرار كِرام؟ فقال النجاشيُّ: نَجَوْا مِن العبودية. قال جعفر: سلهما: هل أهرقنا دمًا بغير حق فيُقْتَصُّ مِنّا؟ فقال عمرو: لا، ولا قطرة. قال جعفر: سلهما: هل أخذنا أموال الناس بغير حقِّ فعلينا قضاؤها؟ قال النجاشي: يا عمرو، إن كان قنطارًا فعَلَيَّ قضاؤه. فقال عمرو: لا، ولا قيراطًا. قال النجاشي: فما تطلبون منهم؟ قال عمرو: كُنّا وهم على دين واحد وأمر واحد؛ على دين آبائنا، فتركوا ذلك الدين، واتَّبَعُوا غيره، ولزمناه نحن، فبَعَثَنا إليك قومُهم لتدفعهم إلينا. فقال النجاشي: ماهذا الدين الذي كنتم عليه، والدين الذي اتبعتموه؟ اصْدُقْنِي. قال جعفر: أمّا الدين الذي كنا عليه وتركناه فهو دين الشيطان وأَمْرُه، كُنّا نكفر بالله - عز وجل -، ونعبد الحجارة، وأما الدِّين الذي تَحَوَّلنا إليه فدينُ الله الإسلام، جاءنا به من الله رسولٌ وكتابٌ مثل كتاب ابن مريم موافقًا له. فقال النجاشي: يا جعفر، لقد تكلمت بأمر عظيم، فعلى رِسْلِك. ثم أمر النجاشي فضرب بالنّاقُوس، فاجتمع إليه كل قِسِّيسٍ وراهب، فلمّا اجتمعوا عنده قال النجاشي: أنشدكم الله الذي أنزل الإنجيل على عيسى، هل تجدون بين عيسى وبين القيامة نبيًّا مُرسَلًا؟ فقالوا: اللهم نعم، قد بشرَنا به عيسى، وقال: مَن آمن به فقد آمَن بي، ومَن كفر به فقد كفر بي. فقال النجاشي لجعفر: ماذا يقول لكم هذا الرجل، ويأمركم به، وما ينهاكم عنه؟ قال: يقرأ علينا كتاب الله، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويأمر بحسن الجوار، وصِلة الرحم، وبر اليتيم، ويأمرنا أن نعبد الله وحده لا شريك له. فقال: اقرأ علينا شيئًا مِمّا كان يقرأ عليكم، فقرأ عليهم سورة العنكبوت والروم، ففاضت عينا النجاشي وأصحابه مِن الدمع، وقالوا: يا جعفر، زِدْنا مِنهذا الحديث الطيب. فقرأ عليهم سورةَ الكهف، فأراد عمرو أن يُغْضِب النجاشيَّ، فقال: إنّهم يشتمون عيسى وأُمَّه. فقال النجاشي: ما تقول في عيسى وأُمِّه؟ فقرأ عليهم جعفرُ سورةَ مريم، فلمّا أتى على ذكر مريم وعيسى رفع النجاشي نَفْثَةً مِن سواكه قدر ما يُقَذِّي العين، وقال: واللهِ، ما زاد المسيحُ على ما تقولون هذا. ثم أقبل على جعفر وأصحابه فقال: اذهبوا، فأنتم سُيُوم بأرضي -يقول: آمنون-، مَن سَبَّكم أو آذاكم غَرِم. ثم قال: أبشروا ولا تخافوا، ولا دَهْوَرَة اليوم على حزب إبراهيم. قال عمرو: يا نجاشيُّ، ومَن حزب إبراهيم؟ قال: هؤلاء الرهط وصاحبهم الذي جاءوا مِن عنده ومن اتبعهم. فأنكر ذلك المشركون، وادعوا في دين إبراهيم، ثم رَدَّ النجاشيُّ على عمرو وصاحبه المال الذي حملوه، وقال: إنما هديتكم إلَيَّ رشوة، فاقبضوها، فإنّ الله مَلَّكَنِي ولم يأخذ مني رشوة. قال جعفر: فانصرفنا، فكُنّا في خير دار، وأكرم جوار. وأنزل الله - عز وجل - ذلك اليوم في خصومتهم في إبراهيم على رسول الله - ﷺ - وهو بالمدينة قوله: ﴿إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه﴾ على مِلَّته وسُنَّته، ﴿وهذا النبي﴾ يعني: محمدًا - ﷺ -، ﴿والذين آمنوا والله ولي المؤمنين﴾
عن حبيب بن أبي ثابت، قال: أتيتُ أبا وائل في مسجدِ أهله أسألُه عن هؤلاء القومِ الذين قتلهم عليٌّ بالنَّهْرَوان؛ فيما استجابوا له، وفيما فارقوه، وفيما استحلَّ قتالَهم؟ قال: كُنّا بصِفِّين، فلمّا استحرَّ القتلُ بأهل الشّام اعْتَصَمُوا بتَلٍّ، فقال عمرو بن العاص لمعاوية: أرْسِلْ إلى عليٍّ بمصحف، وادْعُه إلى كتاب الله، فإنّه لن يأَبْى عليك. فجاء به رجلٌ، فقال: بيننا وبينكم كتابُ الله، ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله، ليحكم بينهم، ثم يتولى فريق منهم، وهم معرضون﴾. فقال عليٌّ: نعم، أنا أوْلى بذلك، بيننا وبينكم كتابُ الله. قال: فجاءته الخوارجُ -ونحن ندعوهم يومئذٍ: القُرّاء- وسيوفُهم على عَواتِقِهم. فقالوا: يا أمير المؤمنين، ما ننتظرُ بهؤلاء القوم الذين على التَلِّ؟ ألا نمشي إليهم بسيوفنا حتى يحكم اللهُ بيننا وبينهم؟ فتكلَّم سهلُ بن حُنَيْف، فقال: يا أيها الناس، اتَّهِموا أنفسَكم، فلقد رأيتُنا يوم الحديبية -يعني: الصُّلْح الذي كان بين رسولِ الله ﷺ وبين المشركين- ولو نرى قتالًا لقاتَلْنا، فجاء عمرُ إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، ألسنا على حقٍّ وهم على باطل؟ أليس قتلانا في الجنَّة وقتلاهم في النار؟ قال: «بَلى». قال: ففِيمَ نُعْطي الدَّنِيَّة في ديننا، ونرجعُ ولَمّا يحكُمِ اللهُ بيننا وبينهم؟! فقال: «يا ابن الخطّاب، إنِّي رسول الله، ولن يُضَيِّعَني أبدًا». قال: فرَجَع وهو مُتَغَيِّظٌ، فلم يصبر حتى أتى أبا بكر، فقال: يا أبا بكر، ألَسْنا على حقٍّ وهم على باطل؟ أليس قتلانا في الجنّة وقتلاهم في النّار؟ قال: بلى. قال: ففِيم نُعطي الدَّنِيَّة في ديننا، ونرجع ولَمّا يحكمِ اللهُ بيننا وبينهم؟! فقال: يا ابن الخطاب، إنّه رسول الله ﷺ، ولن يُضَيِّعه أبدًا. قال: فنزلت سورةُ الفتح. قال: فأرسلني رسولُ الله ﷺ إلى عمر، فأقرأها إيّاه. قال: يا رسول الله، وفتحٌ هو؟ قال: «نَعَم»
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جُبَيْر- قال: كانت مدينتان في بني إسرائيل إحداهما حصينة ولها أبواب، والأخرى خَرِبة، فكان أهل المدينة الحصينة إذا أمْسَوا أغْلَقوا أبوابَها، فإذا أصبحوا قاموا على سور المدينة، فنظروا هل حدث فيما حولها حادث، فأصبحوا يومًا فإذا شيخ قتيل مطروح بأصل مدينتهم، فأقبل أهل المدينة الخَربِة، فقالوا: قتلتم صاحبنا. وابنُ أخ له شاب يبكي عنده، ويقول: قتلتم عمي. وقالوا: واللهِ، ما فتحنا مدينتنا منذ أغلقناها، وما نَدَيْنا من دم صاحبكم هذا بشيء. فأتوا موسى، فأوحى الله إلى موسى: ﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾، إلى قوله: ﴿فذبحوها وما كادوا يفعلون﴾، قال: وكان في بني إسرائيل غلام شاب يبيع في حانوت له، وكان له أب شيخ كبير، فأقبل رجل من بلد آخر يطلب سِلْعَة له عنده، فأعطاه بها ثمنًا، فانطلق معه ليفتح حانوته فيعطيه الذي طلب، والمفتاح مع أبيه، فإذا أبوه نائم في ظل الحانوت، فقال: أيقِظْه. قال ابنه: إنه نائم، وأنا أكره أن أُروِّعَه من نومه. فانصرفا، فأعطاه ضِعْف ما أعطاه على أن يوقظَه، فأبى، فذهب طالب السِّلْعَة، فاستيقظ الشيخ، فقال له ابنه: واللهِ، يا أبَه، لقد جاء ههنا رجل يطلب سِلْعَة كذا، فأعطى بها من الثمن كذا وكذا، فكرهت أن أروِّعَك من نومك. فلامه الشيخ، فعَوَّضه الله من برِّه بوالده أن نُتِجَت من بقره تلك البقرة التي يطلبها بنو إسرائيل، فأتوه، فقالوا له: بِعْناها. فقال: لا. قالوا: إذن نأخذها منك. فأتوا موسى، فقال: اذهبوا فأرضوه من سلعته. قالوا: حُكْمُك؟ قال: حكمي أن تضعوا البقرة في كفة الميزان، وتضعوا ذهبًا صامتًا في الكفة الأخرى، فإذا مال الذهب أخذتُه. ففعلوا، وأقبلوا بالبقرة حتى انتهوا بها إلى قبر الشيخ، واجتمع أهل المدينتين، فذبحوها، فضُرب ببضعةٍ من لحمها القبر، فقام الشيخ ينفض رأسه، يقول: قتلني ابنُ أخي؛ طال عليه عُمُري، وأراد أخذ مالي. ومات
عن يزيد بن صُهيب الفقير، قال: كُنّا بمكة ومعي طَلق بن حبيب، وكنا نرى رأي الخوارج، فبَلغنا أنّ جابر بن عبد الله يقول في الشفاعة، فأتيناه، فقلنا له: بلغنا عنك في الشفاعة قولٌ، اللهُ مخالفٌ لك فيها في كتابه. فنَظر في وجوهنا، فقال: مِن أهل العراق أنتم؟ قلنا: نعم. فتبَسّم، وقال: وأين تجدون في كتاب الله؟ قلت: حيث يقول: ﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران:١٩٢]، و﴿يُرِيدُونَ أنْ يَخْرُجُوا مِنَ النّارِ وما هُمْ بِخارِجِينَ مِنها﴾ [المائدة:٣٧]، و﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها﴾ [السجدة:٢٠]، وأشباه هذا من القرآن. فقال: أنتم أعلم بكتاب الله أم أنا؟ قلنا: بل أنتَ أعلم به منّا. قال: فواللهِ، لقد شهدتُ تنزيل هذا على عهد رسول الله ﷺ وشفاعة الشافعين، ولقد سمعتُ تأويله من رسول الله ﷺ، وإنّ الشفاعة لنبيّه في كتاب الله؛ قال في السورة التي يذكر فيها المُدَّثِّر: ﴿ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ الآية، ألا تَرون أنها حلّتْ لِمن لا يُشرك بالله شيئًا؟ سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «إنّ الله خَلَق خَلْقًا، ولم يَستعن على ذلك، ولم يُشاور فيه أحدًا، فأَدخلَ مَن شاء الجنة برحمته، وأَدخلَ مَن شاء النار، ثم إنّ الله تحنّن على المُوحِّدين، فبَعث ملَكًا مِن قِبَله بماء ونور، فدَخل النار، فنَضح، فلم يُصب إلا مَن شاء، ولم يُصب إلا مَن خَرج من الدنيا لم يُشرك بالله شيئًا، فأَخرجَهم حتى جَعلهم بفناء الجنة، ثم رجع إلى ربّه، فأمدّه بماء ونور، ثم دَخل فنَضح، فلم يُصب إلا مَن شاء الله، ثم لم يُصب إلا مَن خرج من الدنيا لم يُشرك بالله شيئًا، فأَخرجَهم حتى جَعلهم بفناء الجنة، ثم أذِن الله للشفعاء، فشَفعوا لهم، فأَدخلهم الله الجنة برحمته وشفاعة الشافعين»
اختُلِف في المعنى الذي من أجله خُصَّ النبي ﷺ بأنها له نافلة، مع كون صلاة كل مصلٍ بعد هجوده -إذا كان قبل هجوده قد كان أدى فرائضه- نافلة فضلًا، إذ كانت غير واجبة عليه، على قولين: الأول: لأنها فضيلة له؛ إذ غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأما غيره فهو له كفارة، وليس نافلة. الثاني: لأنها عليه مكتوبة، ولغيره تطوع. ورجَّح ابنُ جرير (١٥/٤١-٤٢) القول الثاني الذي قاله ابن عباس، وابن سلام، وانتقد الأول الذي قاله مجاهد، وقتادة، والحسن، وأبو أمامة، مستندًا إلى دلالة السنّة، والدلالة العقلية، فقال: «وأولى القولين بالصواب في ذلك القولُ الذي ذكرنا عن ابن عباس؛ وذلك أن رسول الله ﷺ كان الله -تعالى ذِكْرُه- قد خصه بما فرض عليه من قيام الليل، دون سائر أمته. فأما ما ذكر عن مجاهد في ذلك فقول لا معنى له؛ لأن رسول الله ﷺ فيما ذكر عنه أكثر ما كان استغفارًا لذنوبه بعد نزول قول الله عز وجل عليه: ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ [الفتح:٢]. وذلك أن هذه السورة أنزلت عليه بعد منصرفه من الحديبية، وأُنزل عليه: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ عام قُبض، وقيل له فيها: ﴿فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا﴾ [النصر:٣]، فكان يُعَدُّ له ﷺ في المجلس الواحد استغفار مائة مرة، ومعلوم أنّ الله لم يأمره أن يستغفر إلا لما يغفره له باستغفاره ذلك، فبيَّن إذن وجْه فساد ما قاله مجاهد». وذكر ابنُ عطية (٥/٥٢٨) احتمالًا آخر، فقال: «وتحتمل الآية أن يكون هذا على وجْه الندب في التنفل، ويكون الخطاب للنبي ﷺ، والمراد هو وأمته، كخطابه في قوله: ﴿أقم الصلوات﴾». وظاهر كلام ابن القيم (٢/١٤٩) أنه يرجّح القول الثاني حيث ذكر القولين، ثم قال: «والمقصود أن النافلة في الآية لم يرد بها ما يجوز فعله وتركه، كالمستحب، والمندوب، وإنما المراد بها الزيادة في الدرجات، وهذا قدر مشترك بين الفرض والمستحب، فلا يكون قوله: ﴿نافلة لك﴾ نافيًا لما دل عليه الأمر من الوجوب». وبنحوه ابنُ تيمية (٥/٢٤٤-٢٤٥)
اختُلف في قوله: ﴿ما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ على أقوال: الأول: أن المعنى: في الآخرة، وكان هذا في صدر الإسلام، ثم بعد ذلك عرّفه الله تعالى بأنه قد غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر، وبأن المؤمنين لهم من الله فضل كبير وهو الجنة، وبأن الكافرين في نار جهنم. الثاني: أنه ﷺ أُمر أن يقول هذا في أمرٍ كان ينتظره مِن الله في غير الثواب والعقاب. الثالث: أن معنى الآية: لا أدري ما أؤمر به، ولا ما تؤمرون به. الرابع: أن المعنى: ما أدري ما يُفعل بي ولا بكم في الدنيا مِن أن أُنصر عليكم أو من أن تُمكّنوا مني. ورجَّح ابن جرير (٢١/١٢٣-١٢٤) -مستندًا إلى السياق- القولَ الأخير الذي قاله الحسن من طريق أبي بكر الهذلي. وانتقد -مستندًا لمخالفته الدلالة العقلية- القول الأول، فقال: «لأن الخطاب من مبتدأ هذه السورة إلى هذه الآية، والخبر خرج من الله عز وجل خطابًا للمشركين، وخبرًا عنهم، وتوبيخًا لهم، واحتجاجًا من الله -تعالى ذكره- لنبيّه ﷺ؛ فإذا كان ذلك كذلك فمعلوم أن هذه الآية أيضًا سبيلها سبيل ما قبلها وما بعدها في أنها احتجاج عليهم، وتوبيخ لهم، أو خبر عنهم. وإذا كان ذلك كذلك فمحال أن يقال للنبي ﷺ: قل للمشركين: ما أدري ما يُفعل بي ولا بكم في الآخرة. وآيات كتاب الله عز وجل في تنزيله ووحيه إليه متتابعة بأن المشركين في النار مُخلّدون، والمؤمنون به في الجنان مُنعَّمون، وبذلك يُرهبهم مرة، ويرغّبهم أخرى، ولو قال لهم ذلك لقالوا له: فعلام نتّبعك إذن وأنت لا تدري إلى أيِّ حال تصير غدًا في القيامة؛ إلى خفْض ودَعة، أم إلى شدّة وعذاب! وإنما اتّباعنا إياك إن اتبعناك، وتصديقنا بما تدعونا إليه، رغبة في نعمة، وكرامة نصيبها، أو رهبة من عقوبة، وعذاب نهرب منه». وعلَّق ابنُ كثير (١٣/٩) على القول الأخير بقوله: «هذا القول هو الذي عوّل عليه ابن جرير، وأنه لا يجوز غيره، ولا شكّ أن هذا هو اللائق به ﷺ؛ فإنه بالنسبة إلى الآخرة جازم أنه يصير إلى الجنة هو ومن اتّبعه، وأما في الدنيا فلم يدرِ ما كان يؤول إليه أمره وأمر مشركي قريش إلى ماذا: أيؤمنون أم يكفرون، فيُعذَّبون فيُستَأصلون بكفرهم؟»
اختُلف في الشهيد على قولين: الأول: أنه من المشاهدة وهي الحضور. الثاني: أنه شهيد من الشهادة، وفيه على هذه أقوال: الأول: أنه شهادة من الله عنده على صحة نبوة رسول الله بما علمه من الكتب المنزلة. الثاني: أنه شاهد على صحة ما معه من الإيقان. ذكره ابنُ القيم (٣/١٥). الثالث: أنه شاهد من الشهداء على الناس يوم القيامة. ذكره ابن القيم. ورجَّح ابنُ القيم -مستندًا إلى اللغة- القول بأنه من المشاهدة، فقال: «والصواب القول الأول؛ فإن قوله: ﴿وهو شهيد﴾ جملة حالية؛ الواو فيها واو الحال، أي: ألقى السمع في هذه الحال، وهذا يقتضى أن يكون حال إلقائه السمع شهيدًا، وهذا هو من المشاهدة والحضور». وانتقد (٣/١٥-١٦) القول بأنه من الشهادة مستندًا للعموم، وأحوال النزول، ودلالة العقل، واللغة، فقال: «ولو كان المراد به الشهادة في الآخرة أو الدنيا لما كان لتقييدها بإلقاء السمع معنًى؛ إذ يصير الكلام: إنّ في ذلك لآية لمن كان له قلب أو ألقي السمع حال كونه شاهدًا بما معه في التوراة أو حال كونه شاهدًا يوم القيامة. ولا ريب أن هذا ليس هو المراد بالآية. وأيضًا فالآية عامة في كلّ مَن له قلب وألقى السمع فكيف يُدّعى تخصيصها بمؤمني أهل الكتاب الذين عندهم شهادة مِن كتبهم على صفة النبي؟ وأيضًا فالسورة مكية والخطاب فيها لا يجوز أن يختص بأهل الكتاب، ولا سيما مثل هذا الخطاب الذي علق فيه حصول مضمون الآية ومقصودها بالقلب الواعي وإلقاء السمع، فكيف يقال: هي في أهل الكتاب؟! فإن قيل: المختص بهم قوله: ﴿وهو شهيد﴾ فهذا أفسد وأفسد؛ لأن قوله: ﴿وهو شهيد﴾ يرجع الضمير فيه إلى جملة مَن تقدم، وهو مَن له قلب أو ألقى السمع، فكيف يُدّعى عوده الى شيء غايته أن يكون بعض المذكور أولًا، ولا دلالة في اللفظ عليه. وأيضًا فإن المشهود به محذوف، ولا دلالة في اللفظ عليه، فلو كان المراد به وهو شاهد بكذا لذكر المشهود به؛ إذ ليس في اللفظ ما يدل عليه، وهذا بخلاف ما إذا جعل من الشهود وهو الحضور، فإنه لايقتضى مفعولًا مشهودًا به، فيتم الكلام بذكره وحده»
اختُلف في الموصوف باللبث أحقابًا على قولين: الأول: الكفار. الثاني: عُصاة المؤمنين. وكذا اختُلف في مدة الحُقُب على أقوال: الأول: ألف شهر. الثاني: ثلاثون ألف سنة. الثالث: ثمانون سنة. الرابع: بضع وثمانون سنة. الخامس: أربعون سنة. السادس: ثلاثمائة سنة. السابع: ثمانون ألف سنة. الثامن: سبعون ألف سنة. التاسع: سبع عشرة ألف سنة. العاشر: أنّ الحُقُب لا حَدّ له. وقد ذكر ابنُ جرير (٢٤/٢٦ بتصرف) هذا الخلاف، ثم قال: «الذي قاله قتادة والربيع بن أنس في ذلك أصح. فإن قيل: فما للكفار عند الله عذاب إلا أحقابًا. قيل: إنّ الربيع وقتادة قد قالا: إنّ هذه الأحقاب لا انقضاء لها ولا انقطاع. وقد يحتمل أن يكون معنى ذلك: ﴿لابثين فيها أحقابا﴾، في هذا النوع من العذاب هو أنهم: ﴿لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا إلا حميما وغساقا﴾، فإذا انقضتْ تلك الأحقاب صار لهم من العذاب أنواع غير ذلك، كما قال -جلّ ثناؤه- في كتابه: ﴿وإن للطاغين لشر مآب جهنم يصلونها فبئس المهاد هذا فليذوقوه حميم وغساق وآخر من شكله أزواج﴾ [ص:٥٥-٥٨]، وهذا القول عندي أشبه بمعنى الآية». وذكر ابنُ عطية (٨/٥١٨) هذه الأقوال، ثم قال معلّقًا: «اللازم أنّ الله تعالى أخبر عن الكفار أنهم يَلبثون أحْقابًا، كلّما مَرّ حُقُب جاء غيره إلى ما لا نهاية». وانتقد -مستندًا إلى السياق- قول مَن جعلها في عُصاة المؤمنين بقوله: «وهذا أيضًا ضعيف، ما بعده في السورة يرد عليه». وذكر ابنُ تيمية (٦/٤٥٣) نحو ما جاء في كلام ابن جرير مِن أنّ قوله: ﴿لابثين فيها أحقابا﴾ أي: في هذا النوع من العذاب عن الزّجّاج، وانتقده مستندًا إلى الدلالة العقلية، والإجماع، فقال: «وهذا الذي قاله الزّجّاج شاذٌّ، خلاف ما عليه الأولون والآخرون، وهو خلاف ما دلّ عليه القرآن، فإنّ هذا يقتضي أنهم يَبقون بعد الأحقاب فيها، ولكن لا يَذوقون البرد والشراب حينئذ، وهذا باطل قطعًا، ثم إذا ذاقوا البَرد والشراب فهذا نعيم، فكيف يكونون مُعذّبين فيها ذلك؟!»
اختُلف في معنى: ﴿وأَنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ على قولين: الأول: أنت حلال بهذا البلد يحلّ لك فيه قتْل مَن شئتَ. الثاني: أنت مُحِلٌّ بهذا البلد غير محرم في دخوله. ووجَّه ابنُ عطية (٨/٦١٨) القول الأول بقوله: «وكان هذا يوم فتح مكة، وعلى هذا يتركب قول مَن قال: السورة مدنية نزلت عام الفتح. ويتركب على هذا التأويل قول مَن قال: ﴿لا﴾ نافية، أي: إنّ هذا البلد لا يُقسِم الله به، وقد جاء أهله بأعمال توجب إحلال حُرمته. ويتَّجه أيضًا أن تكون ﴿لا﴾ غير نافية». ووجَّه ابنُ القيم (٣/٣٠٣) القول الثاني بأنه «حلال ساكن البلد، بخلاف المحرم الذي يحج ويعتمر ويرجع، ولأنّ أمْنه إنما تظهر به النعمة عند الحِلّ من الإحرام، وإلا ففي حال الإحرام هو في أمان، والحرمة هناك للفعل لا للمكان، والمقصود هو ذِكْر حرمة المكان، وهي إنما تظهر بحال الحلال الذي لم يتلبس بما يقتضي أمْنه، ولكن على هذا ففيه تنبيه، فإنه إذا أقسم به وفيه الحلال فإذا كان فيه الحرام فهو أولى بالتعظيم والأمن». ونقل ابنُ عطية عن بعض المتأولين أنّ المعنى: «وأنت ساكنٌ بهذا البلد». ثم وجَّهه بقوله: «وعلى هذا يجيء قول مَن قال: هي مكّيّة. والمعنى على إيجاب القسم بيِّن، وعلى نفيه أيضًا يتَّجه على معنى: لا أُقسِم ببلد أنت ساكنه على أذى هؤلاء القوم وكفرهم». ووجَّهه ابنُ القيم (٣/٣٠٤) بأنه «متضمن لهذا التعظيم، مع تضمّنه أمرًا آخر، وهو الإقسام ببلده المشتمل على رسوله وعبده، فهو خير البقاع وقد اشتمل على خير العباد، فجعل بيته هدًى للناس، ونبيّه إمامًا وهاديًا لهم، وذلك من أعظم نِعمه وإحسانه إلى خَلْقه، كما هو مِن أعظم آياته ودلائل وحدانيته وربوبيته، فمن اعتبر حال بيته وحال نبيّه وجد ذلك من أظهر أدلة التوحيد والربوبية». ثم نقل عن شرحبيل بن سعد -حكاية عن الثعلبي- أنّ المعنى: «قد جعلوك حلالًا مُستَحل الأذى والإخراج والقتل لك لو قدروا»
عن وهب بن مُنبِّه -من طريق عبد الصمد- قال: إذا كان يومُ القيامة يقولُ الله عز وجل: يا إسرافيلُ، هاتِ ما وكَّلتُك به. فيقولُ: نعم، يا ربِّ، في الصُّور كذا وكذا ثقبةً، وكذا روحٍ؛ للإنس منها كذا وكذا، وللجِنِّ منها كذا وكذا، وللشياطينِ منها كذا وكذا، وللوحوشِ منها كذا وكذا، وللطير منها كذا وكذا، وللبهائم منها كذا وكذا، وللهوامِّ منها كذا وكذا، وللحيتان منها كذا وكذا. فيقولُ اللهُ عز وجل: خُذْه من اللَّوح. فإذا هو مِثْلًا بمِثْلٍ، لا يزيدُ ولا يَنقُصُ، ثم يقولُ اللهُ عز وجل: هاتِ ما وكَّلتُك، يا ميكائيلُ. فيقول: نعم، يا ربِّ، أنزلتُ من السماءِ كذا وكذا كيلةً، وزِنَةَ كذا وكذا مِثْقالًا، وزِنَة كذا وكذا قِيراطًا، وزِنَة كذا وكذا خَرْدَلَةً، وزِنَة كذا وكذا ذرَّةً، أنزلت في سنة كذا وكذا كذا وكذا، وفي شهرِ كذا وكذا كذا وكذا، وفي جمعةِ كذا وكذا كذا وكذا، وفي يوم كذا وكذا كذا وكذا، وفي ساعة كذا وكذا كذا وكذا، أنزلتُ للزرع منه كذا وكذا، وأنزلتُ للشياطين منه كذا وكذا، وأنزلتُ للإنسِ منه كذا وكذا، وأنزلت للبهائم كذا وكذا، وأنزلتُ للوحوشِ كذا وكذا، وللطيرِ كذا وكذا، وللحيتان كذا وكذا، وللهوامِّ كذا وكذا، فذلك كلُّه كذا وكذا. فيقولُ: خذه من اللَّوح. فإذا هو مِثْلًا بمِثْل، لا يزيدُ ولا ينقص. ثم يقول: يا جبريلُ، هاتِ ما وكلتُك به. فيقولُ: نعم، يا ربِّ، أنزلتُ على نبيِّك فلان كذا وكذا آية، في شهر كذا وكذا في جمعة كذا وكذا في يوم كذا وكذا، وأنزلت على نبيك فلان كذا وكذا آية، وكذا وكذا سورة، فيها كذا وكذا آيةً، فذلك كذا وكذا آيةً، فذلك كذا وكذا حرفًا، وأهلكتُ كذا وكذا مدينةً، وخسفتُ بكذا وكذا. فيقول: خُذه من اللَّوح. فإذا هو مِثْلًا بمِثْل، لا يزيدُ ولا ينقص. ثم يقولُ: هاتِ ما وكلتُك به، يا عِزرائيلُ. فيقول: نعم، يا ربِّ، قبضتُ روح كذا وكذا إنسيٍّ، وكذا وكذا جنيٍّ، وكذا وكذا شيطانٍ، وكذا وكذا غريقٍ، وكذا وكذا حريقٍ، وكذا وكذا كافرٍ، وكذا وكذا شهيدٍ، وكذا وكذا هديمٍ، وكذا وكذا لديغٍ، وكذا وكذا في سهلٍ، وكذا وكذا في جبلِ، وكذا وكذا طيرًا، وكذا وكذا هوامٍّ، وكذا وكذا وحش، فذلك كذا وكذا، جملتُه كذا وكذا. فيقولُ: خذه من اللَّوْح. فإذا مِثْلًا بمِثْلٍ، لا يزيدُ ولا ينقص